top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
روبوت جوّال ينجح في إنتاج الأكسجين على المريخ
حقق الروبوت الجوّال «برسيفرنس» التابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا إنجازاً جديداً على سطح المريخ إذ نجح في تحويل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للكوكب الأحمر إلى أكسجين، وهي سابقة على كوكب غير الأرض، وفق ما أعلنت الوكالة. وقال المسؤول في ناسا جيم رويتر «إنها محاولة أولى بالغة الأهمية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين على المريخ». وأجريت المحاولة في 20 أبريل وتأمل ناسا في أن تساهم النسخ ...
الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاد الحرب ضد الاحتلال الفرنسي
في نوفمبر/تشرين أول عام 1832 بايع الجزائريون عبد القادر بن محي الدين أميرا عليهم وذلك بعد مرور عامين على الاحتلال الفرنسي للجزائر. كان عبد القادر في الـ 25 من عمره عندما تمت البيعة له بعد اعتذار والده عن الإمارة واقتراح نجله بدلا منه. فمن هو الأمير عبد القادر؟ ولد الأمير عبد القادر في 6 سبتمبر/ايلول عام 1807 بالقرب من مدينة المعسكر في الجزائر. وتنتسب عائلته إلى الأدارسة الذين يمتد نسبهم للرسول محمد (ص) وكانوا ...
132 سنة استعمار.. هكذا نهبت فرنسا خيرات الجزائر
فرضت السلطات الاستعمارية الفرنسية نهبا ممنهجا لخيرات وثروات الجزائر طيلة 132 سنة من الاحتلال، عبر قرارات وإجراءات وقوانين. واحتلت فرنسا مدينة الجزائر في 05 يوليو/ تموز 1830، واستغرقت السيطرة على عموم البلاد نحو 70 سنة. واستقلت الجزائر عن فرنسا في 05 يوليو 1962، بعد ثورة تحريرية انطلقت في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، وخلفت 1.5 مليون شهيدا وفق أرقام رسمية. وشهدت مرحلة السيطرة على عموم الجزائر عمليات تهجير للسكان ...
مجلس أمناء جائزة زايد للكتاب يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15
مجلس أمناء "جائزة زايد للكتاب" يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15 اعتمد مجلس أمناء جائزة الشيخ زايد للكتاب نتائج الدورة الخامسة عشرة وأسماء الفائزين في فروع الجائزة التسعة بعد الاطّلاع على توصيات الهيئة العلمية للجائزة، على أن يتم الإعلان عن الفائزين في نهاية شهر أبريل الجاري، وشهدت الجائزة هذا العام مشاركة 57 دولة من بينها 35 دولة أجنبية و22 دولة عربية . وقالت وكالة الأنباء الإمارتية /وام/ - إن اللجنة ...
ما قصة لوحة أمي الخائفة
الكثير من لحظات الخوف والألم يولد من رحمها الإبداع والفن، الذي يجسد هذه اللحظات، بطريقة تحاكي الواقع المعاش، بلمسة لا تخلو من التميز والإبداع وتترك أثراً في نفوس مشاهديها. قصتنا اليوم تتحدث عن لوحة دقيقة بالقماش والخرز، وثقت لحظات حالة خوف أم سورية، لحظة سماعها صوت انفجار ضخم في منطقة قريبة من منزلها عام 2015، حيث قام فادي الإبراهيم فنان تشكيلي سوري، بتحويل الصورة الفوتوغرافية التي التقطها ...
من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل؟
بحلول أول أبريل/نيسان ربما يفكر البعض في إطلاق بعض "الأكاذيب" على أسرته وأصدقائه لأنه ببساطة اليوم الذي اعتاد فيه الناس خداع بعضهم البعض بمرح. وقال أندريا ليفسي المؤرخ بجامعة بريستول: "إن الناس تحتفل بهذا اليوم في بريطانيا منذ القرن التاسع عشر." ولكن لماذا نحتفل بكذبة أبريل/نيسان؟ يقول أندريا:" لا أحد يعرف على نحو دقيق من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل، ولكن هناك عدة نظريات عن أصل هذا ...






في عام 1992 وكان الاتحاد السوفييتي قدانهار لتوه، رأى فرانسيس فوكوياما، وهو فيلسوف ومنظر سياسي أمريكي، أن كل ما يمكن أن يقع من نزاعات مقبلة يجد حله ضمن النموذج الديمقراطي الليبرالي السائد في المعسكر المنتصر، وأنه ليس هناك ما بعد لهذا النموذج. لقد انتهى التاريخ. لم يكد يعتنق أحد هذه الدعوى التي بدت انعكاسا لمزاج التيه والطرب، الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة بانتصار التحالف الرأسمالي الغربي. فوكوياما نفسه غير رأيه بعد سنوات، محيلا إلى تطورات تكنولوجية بصورة خاصة.
لكن رغم ما يبدو من إجماع كلامي على لانهاية التاريخ، يبدو أن التاريخ انتهى فعلا في الممارسة، وأنه لم يعد ثمة مستقبل متصور يُلمح خارج الديمقراطية الليبرالية في الغرب. الاعتراضات اليسارية في الغرب لم تنجح في تصور مستقبل مختلف بعد سقوط الشيوعية السوفييتية وأشباهها، وانتقاداتها تنصب على إفراط الليبرالية الجديدة و«أصولية السوق» وتراجع وظائف الدولة الاجتماعية، وليس على رؤية أو مشروع مغايرين. يبدو اليسار الغربي هو المدافع الأوفى عن الديمقراطية الليبرالية، وإن مع مسؤولية اجتماعية أكبر.
لكن بدل أن تكون نهاية التاريخ إقامة سعيدة في الحرية، تبدو في الواقع دخولا بعينين مفتوحتين إلى سجن مؤبد، سجن اللابديل. مبدأ اللابديل الذي كانت صاغته مارغريت ثاتشر في ثمانينيات القرن العشرين، يبدو ساري المفعول، وإن لم يحظ بقبول أكثر مما كان نصيب نهاية التاريخ من القبول. نحن هنا حيال رفض أيديولوجي جامع لفكرة اللابديل ولانتهاء التاريخ، لكن مع تسليم فعلي جامع بالقدر نفسه. الديمقراطية نفسها تتآكل مع ضمور أبعادها المعيارية المتصلة بالعدالة من جهة، والتعمم العالمي من جهة أخرى. كان كولن كراوتش، وهو أكاديمي بريطاني، قد تكلم منذ عام 2004 على ما بعد الديمقراطية في مجتمعات الغرب، حيث تبقى الآليات والإجراءات الديمقراطية، لكن مع أزمة في الأحزاب والنقابات، وتراجع مستوى التعبئة السياسية، واغتراب متصاعد لقطاعات من الجمهور عن النظام السياسي. صدر الكتاب بين هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية والأزمة الاقتصادية في عام 2008، وكان لكليهما مفعول من الخوف وفقدان الأمان لدى قطاعات متسعة من الجمهور الأمريكي والأوروبي. وإذ صب الخوف لمصلحة تيارات اليمين الشعبوي في هذا البلدان، فإنه قاد كذلك إلى ما قد تصح تسميته بالمنعطف الجينوقراطي، أعني الحكم الأهلي، أو حكم الأكثريات الثقافية، الإثنية أو الدينية أو القومية أو العرقية (ما يؤهل الجينوقراطية لأن تكون بنية تحتية للجينوسايد، تجمعهما مركزية الجينوس، العرق أو السلالة…). ظواهر مثل التفوقية البيضاء، وسنوات ترامب في أمريكا والبركسيت وصعود بوريس جونسون في بريطانيا والهندوتفا والقومية الهندوسية في الهند، في ظل ناريندرا مودي والقانون الأساسي في إسرائيل، كدولة للشعب اليهودي، ومزيج القومية الروسية والمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وحكومة فكتور أوربان القومية المسيحية المعادية للمهاجرين في هنغاريا، والتركيب القومي الإسلامي لرجب طيب أردوغان، والإسلامية في عمومها، كلها تندرج ضمن مناخ من ثقفنة السياسة والتحول من الأكثريات السياسية إلى الأكثريات الثقافية.
يبدو مضمون ما بعد الديمقراطية هو الجينوقراطية، ضرب من القومية الجديدة تؤكد على الجذور الثقافية والعرقية والدينية. ولعل ما جعل ذلك ممكنا هو أن الانتصار المزعوم للديمقراطية الليبرالية، لم يكن انتصارا لها على اللاديمقراطية واللاليبرالية، على الديكتاتورية أو الشمولية أو الاستبداد، بل هــــو أساسا انتصار للغرب على غيره، أي أن هناك عنصر جينوقراطي سلفا في هذا الانتصار. لذلك، ورغم ما يبدو من تعارض بين أطروحة فوكوياما الخاصة بنهاية التاريخ وأطروحة صاموئيل هنتنغتون الخاصة بصراع الحضارات، فإن ما يجمعهما من تمركز حصري حول الغرب، وضع الأولى، الفلسفية والعامة، في خدمة الثانية عمليا، الثقافية والخاصة.
.

ثقفنة الديمقراطية تجردها من قواها وروحها القتالية، بتسهيل مطابقتها مع الغرب على ما يقول البوتينيون صراحة، أو مع هذا البلد أو ذاك، بدون حضور فاعل للديموس (الشعب) أو لصراع من أجل حقوق أكبر ومساواة أكبر. ما كان يمكن أن ينقذ الديمقراطية هو تقوية بعدها المعياري، ما يتصل بمزيد من العدالة الاجتماعية ومن الحرية، وهو تعممها العالمي، وهو كذلك الدفاع عن حريات أكبر وحقوق أكثر ومزيد من العدالة للمحرومين منها في كل مكان.
هناك اليوم مناخ من الأزمة العالمية، متصل بمشكلات عالمية في تكوينها مثل التدهور البيئي والأوبئة، وكذلك المنعطف الجينوقراطي والمسألة الإسلامية، فضلا عما يبدو من أزمة اقتصادية اجتماعية مستمرة، والاحتمالات الدستوبية لتطور كل من تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا البيولوجية، وقد أقام يوفال نوح هراري شهرته على قراءة احتمالات تطورهما. ومن غير المحتمل أن تجد الأزمة العالمية حلولا لها في غير نطاق عالمي. يمكن التفكير في مجتمع عالمي كوجهة أو وعد، يخرجنا من أزمة اللابديل والدوران حول الذات، ومن العودة إلى الماضي مثلما يريد الإسلاميون واليمين الشعبوي في الغرب وغيره. الكلام على مجتمع عالمي مكون من فوق سبع مليارات من البشر يمكن أن يبدو هروبا إلى الأمام، نحو طوبى يائسة، بينما نحن نلاحظ صعوبة تماسك مجتمعات محلية، لا يتجاوز سكانها ملايين أو عشرات قليلة منها. لكن عدا أن تداعي المجتمعات وتماسكها اليوم هو «وظيفة» للوضعية العالمية بقدر كبير، وليس لمجرد ديناميكيات داخلية تجري فيها (وإن بنسبة قوى كل منها: الأضعف أكثر انكشافا وعالمية) عدا ذلك هناك سلفا مجتمع عالمي، تشهد على ذلك وقائع لا تحصى، من أحدثها أزمة كورونا و«حالة الاستثناء» العالمية المتصلة بها، ومؤخرا المتابعة الدولية الواسعة للانتخابات الأمريكية، وقبلها بقليل الجرائم الإرهابية في باريس وفيينا، التي وثقت ربط عالمي المسلمين والغرب للمرة الألف. وهناك فضاءات عامة حديثة نسبيا، متصلة وعالمية، تتمثل في «وسائل التواصل الاجتماعي» تغير طبيعة الفضاءات العامة المحلية في كل مكان. المجتمع العالمي آخذ بتشكل متسارع، لكن لا يزال نظام العالم يتراوح بين نظام دول سيدة، على ما هو متمثل في الأمم المتحدة، واحتكار للسيادة من قبل أوليغارشية متجسدة في مجلس الأمن، بل يمكن فهم المنعطف الجينوقراطي كتراجع أمام ظهور المجتمع العالمي وكالتصاق بالقومية والماضي.
يميز زغمونت باومان بين القوة – السلطة التي يراها عالمية أكثر وأكثر والسياسة التي لا تزال محلية، ولذلك تفشل أكثر وأكثر في مواجهة ما هو عالمي. وهذا وضع متجه لأن تكف الدول عن كونها مقرات السياسة في المجتمعات، وهي كفت من قبل عن كونها مقرات السيادة. ما نتبينه من تدهور في مستوى النخب السياسة في كل مكان قد يكون منشأه هنا: الخيال السياسي المشدود إلى الإطار الوطني لا يؤهل لظهور نخب سياسية أرفع وقيادات سياسية كبيرة. بالعكس، يبدو هذا الإطار الوطني هو الحاضنة الأبرز لنخب جينوقراطية، ولميل الحكومات إلى الاقتراب منها، على ما يظهر بتسارع في فرنسا مؤخرا. هناك رفض في بلدان أوروبا والغرب لأخذ العلم بواقعها كمجتمعات ما بعد هجرية (أستعير المفهوم من ورقة لماريا روكا ليزارازو:
Postmigrant renegotiations of Identity and
Belonging in Contemporary Germany)


والميل إلى الاستجابة لضغوط اليمين الشعبوي في تعريف الاندماج، وليس للانفتاح على هذا التعدد الجديد، وإعــــادة تعريـــف النفس والعالم بدلالته. تظهر الجينوقراطية هنا ليس كحــــركات يمينية شعبوية فقط، وإنما كمكون لسياسة الدولة القومية التي تعرف نفسها بهوية مكنونة في اسمها: ألمانيا، فرنسا، تركيا إلخ.
نهاية التاريخ بالديمقراطية الليبرالية ولدت من داخلها بالذات الجينوقراطيات الشعبية التي لا تبدو حدثا عارضا، رغم سقوط ترامب في الانتخابات الأمريكية. ما يمكن أن يكون إنقاذا للديمقراطية، هو الاضطلاع بتحدي ظهور مجتمع عالمي والعمل على إعادة بناء النظام الدولي حول ذلك، أي التحول إلى ما بعد الدولة الأمة والسيادة، والأرجح أن دون ذلك عواصف وأهوالا

ياسين الحاج صالح







«نائب القنصل» الذي تحمل الرواية اسمه، أو صفته، ليس إلا واحدا من شخصياتها. ربما كانت آن ماري ستريتر زوجة السفير الفرنسي أولى منه بحمل العنوان، أو حتى مايكل ريتشارد، عشيقها السابق – الباقي يشاطرها زمن ما بعد الخبز، أو ربما يستحق ذلك كل من أولئك الآخرين الذين تتشكل منهم حلقة العيش والسهر. هؤلاء محكومون بأن يكونوا ملازمين بعضهم بعضا، فهم بِيض كالكوتا، موظفو السفارة الفرنسية وقنصلياتها، ومن يمتّون إليهم بصلة.
كل منهم إذن يستحقّ أن تسمى الرواية باسمه، طالما أنهم حاضرون فيها بالتساوي. أما فتاة الرابعة عشرة، الكمبودية الهاربة أو المطرودة من بيتها، فتبدو كما لو أنها استُبعدت بعد أن كانت احتمالا أول للتسمية. لقد بدأت الرواية بها وحدها، مرافقة إياها في الرحلة التي كانت المسافات فيها تقاس بحدود البلدان واتساع جغرافياتها. من كمبوديا إلى سيام (تايلند) إلى بورما إلى كلكوتا في الهند، مشت سائرة على قدميها. وحدها، بلا معرفة بالطرقات، ولا ماذا يؤكل منها، وأي الأماكن لا يشكل النوم فيها خطرا. كانت تسعى إلى الوصول إلى أبعد ما تستطيع، إلى حيث تنتهي الأرض كما تقول وهي تخاطب نفسها. وقد تابعت مارغريت دوراس هذه الرحلة، ليس بوصف مراحلها، بل باتساع قدرتها الكتابية ورهافتها الأسلوبية.
حملت الفتاة من دون زوج، ولذلك تركتها أمها تتحمل عارها وحدها. كان شكلها يتغير كلما طالت الرحلة، تساقط شعرها واحترق وجهها وشقّت الصخور قدميها. لم تستطع إرضاع وليدتها إذ بعد قطرات قليلة فقط جفّ ضرعها. كان عليها أن تنجّيها بالتخلّص منها. المرأة البيضاء نقدتها قطعة مال معدنية، مفهمة إياها أن هذا أكثر ما تستطيعه. لكن الكمبودية، التي لم تُعطَ اسما في الرواية، ردّت القرش الذي أخذته لأنها، هذه المرة، تريد أن تعطي لا أن تأخذ. في واحد من أكثر مشاهد الرواية دراماتيكية وكتابية، تُقنع ابنة تلك المرأة أمها أن تأخذ الرضيعة، فحملتها هذه الأخيرة إلى داخل الفيلا التي تقيمان فيها. مثل دمية، وإن بشعة، كانت الأم البيضاء وابنتها يبدآن إزالة ما علق على جسم الوليدة. أما والدتها فكانت تراقب ذلك من مسافة. ولم يطل بها الوقت حتى علمت أن ذلك الاتفاق قد تم، وها هم أصحاب البيت يرسلون لها وجبة طعام، عربون الموافقة، سرعان ما أتت عليه كله.

تقسم مارغريت دوراس روايتها إلى قسمين عريضين. وهما قسمان مختلفان حتى في اللغة المستخدمة لكتابة كل منهما. فإزاء رحلة الفتاة الهاربة ترتفع أدبية الوصف وتتمهل الصياغة، كما في حالات الاقتراب من الشعر. أما في القسم الثاني فننتقل إلى الجمل القصيرة، المتقطعة، وإلى المزج بين الحوار وتأويل ما حكي في الحوار.
إذن، في القسم الأول تختفي الفتاة الكمبودية الهاربة، ويحل محلها أولئك الرجال الأربعة أو الخمسة، الدائرون جميعهم في فلك أن ماري ستريتر، زوجة السفير، ذاك الذي لم يحضر في الرواية إلا مرة سريعة واحدة. وما عدا نائب القنصل، كلهم في مرحلة ما بعد الشباب. آن ماري المعشوقة الجاذبة أنظار الجميع، والتي يدور كل شيء في السهرات حولها، اقترابا أو ابتعادا، تعرضا أو تلطفا، هي في العمر الذي من المفترض أن تكون الفتنة قد أضحت شيئا من ماضيها. لكن هنا لا مجال للتسليم بأن الحصص التي تتيحها الحياة كافية، فينبغي أن يؤخذ منها، عنوة أو سرقة، ما لم تعد تتساهل قوانينها بإعطائه. هي حياة رتيبة، مطفأة المشاعر التي تدعو أعضاء الشلة هؤلاء إلى أن يلتقوا كل ليلة، حيث لا يحدث إلا القليل، حيث لا مفاجأة منتظرة، ولا شيء سيستجد عن مجريات الأمس. انفلات أعصاب نائب القنصل، جراء السكر واليأس، سيثير كلاما كثيرا في السهرات التي تلت وسيبدو كأنه الحادثة التي كشفت مدى البؤس الذي يغرق فيه الجميع. ذلك الانفلات الذي يمكن أن يتكرر حدوثه في أي مكان، ليس كذلك هنا، فأن يتمادى نائب القنصل برفع صوته، وبكائه من ثمّ، ومحاولته الاقتراب من ماري آن، فيما هي تراقص رجلا سواه، فذلك قد يعني إدانة شاملة للحياة، ما يمكن للرواية أن تنتهي به.
كانت الفتاة الهاربة قد قطعت كل هذه المسافات لتكون هنا في مكان قريب من المكان الذي يلتقي هؤلاء فيه. يلاحظونها، بل في مرات يذكرونها في أحاديثهم، لكن من دون أن يلقي أحدهم كلمة لها. مع أن ما تعيش منه هو تلك البقايا التي ترمى في الخارج كل صباح. لكنها لا تعرف شيئا مما يجري في الداخل، كما أنها لا تختلط بمن تعيش بينهم، أولئك المجذومون الذين يزدحمون صفوفا على ضفة نهر الغانج. لا هؤلاء ولا أولئك. تؤثر ألا تكلمهم، وهي لن تستطيع أن تفعل على كل حال، طالما أنها لا تحسن الكلام بلغتهم. هنا، معهم، هي مبتعدة قليلا، لا لخوفها من الجذام، فهي لا ترى نفسها أكثر تشوها مما يحدثه.
رواية مارغريت دوراس «نائب االقنصل» نقلها إلى العربية مبارك مرابط في 206 صفحات وصدرت عن دار الجمل لعام 2021.

٭ روائي لبناني

حسن داوود






مع استمرار ازدواجية معايير الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، تتسع موجة معاداة الإسلام وكراهية المسلمين، حتى وصلت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” إلى مستويات خطيرة في الفترة الأخيرة.

فمنذ عقود، يتنبى الغرب خطابا يُجرم معاداة السامية وكراهية اليهود بعد “الهولوكوست” خلال الحرب العالمية الثانية.

والآن، فإن أجواء العداء السائدة بحق المسلمين، تستدعي إجراءً مماثلا، عبر سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

لكن ازدواجية معايير الغرب تطرح تساؤلات حول الموقف من حرية التعبير في الإعلام عند الإساءة للإسلام، مقابل تجريم من يعادي السامية.

فلماذا لا يتم أيضا تجريم من يعادي الإسلام، خاصة وأن الإسلام واليهودية ديانتان سماويتان، وعدد المسلمين يفوق مليار ونصف المليار في أنحاء العالم.

تساؤلات ودعوات عديدة أُطلقت مؤخرا للتمييز بين حرية التعبير والإساءة للأديان، وبينها الإسلام، وهو ما دفع خبراء إلى الدعوة إلى سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

كما أن السامية مصدرها واحد بالنسبة لشعوب المنطقة، إذ سُمِّي الساميّون بهذا الاسم نسبةً إلى سام، الذي ورد اسمه في كتاب التوراة في الإصحاح العاشر من سفر التّكوين؛ للدلالة على مجموعة من الأنساب المنحدرة من سام بن نوح.

وتضمّ المجموعة الأراميّين، والآشوريّين، والعبريّين، الذين كانوا يقيمون في شبه الجزيرة العربيّة، وبلاد الرّافدين، وسوريا، وفلسطين. ويتفق الباحثون على أن الساميّين أقاموا في البداية بالجزيرة العربيّة، ثمّ بدأوا بالهجرة منها بسبب الجدب.

وقُسِّمت اللغات السامية، حسب التوزيع الجغرافي، إلى شمالية شرقية تضم اللغة الأكاديّة وهي البابليّة والآشوريّة، وأخرى شمالية غربيّة وهي الأوغاريتية، والكنعانيّة التي تضم العبريّة، والفينيقيّة، والمؤابيّة، بينما قُسِّمت الجنوبية إلى عربية جنوبيّة وهي لغة أهل اليمن، وعربيّة شمالية هي اللغة العربية الفُصحى.

مكافحة معاداة الإسلام

خلال قمة حول الإبادة الجماعية التي وقعت في مدينة “سربرنيتسا” البوسنية عام 1995، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في رسالة مرئية الأحد: “يجب مكافحة معاداة الإسلام اليوم على غرار مكافحة معاداة السامية في أعقاب كارثة الهولوكوست، فالمسلمون الأوروبيون يتعرضون لتمييز ممنهج، ويتم انتزاع حقوقهم وحرياتهم”.

وتابع: “يجب أن يتوقف هذا المسار الخاطئ؛ نظرا لتهديده مستقبل البشرية وثقافة التعايش بين المعتقدات”.

“اللا إسلامية” وجهة نظر!”

فيما قال عمرو موسى، الأمين السابق لجامعة الدول العربية، عبر تدوينة على حسابه بـ”فيسبوك” الأحد: لا أفهم أن تكون “اللا سامية” جريمة، بينما “اللا إسلامية” وجهة نظر!”.

وأضاف: “ازدواجية المعايير آفة كبرى، والسياسات المنبثقة عنها وردود الفعل المترتبة عليها تدفع إلى أجواء من الصدام المتصاعد”.

وشدد على أنه “إذا استمر الموقف إزاء الإسلام شرقا وغربا، نكون في مواجهة تفسير أوسع، بل تأصيل وتأكيد لصراع الحضارات؛ ينتقل من طرح يتعلق بصراع بين الإسلام والغرب، إلى صراع مع مختلف الحضارات الأخرى”.

ودعا موسى إلى تجاوز الصراع عبر “إعادة تأهيل الفكر وتمكين صياغة محدثة للخطاب الإسلامي تتوجه إلى كافة الحضارات الأخرى وتتفاعل مع منطقها”.

وزاد بقوله: “طلب عاجل من الأجهزة الدستورية والقانونية في مختلف البلاد التي يعاني فيها المسلمون من التفرقة وسوء المعاملة، من السياسات مزدوجة المعايير، لرفع الظلم عنهم، وكذا تجريم إهانة الرمز الأعظم للدين الإسلامي ورموزه الكبرى”.

ذريعة حرية التعبير
أعرب علي باكير، كاتب وباحث لبناني، عن اعتقاده بأن “المشكل الأساسي في تعامل الغرب، وفرنسا تحديدا مع الإسلام كدين والمسلمين، هو المعايير المزدوجة، التي يتم تطبيقها من قبلهم تحت ذرائع مختلفة”.

وأضف باكير: “لا نرى مثل هذا الشيء مثلا عندما يتعلق الأمر بالديانات الأخرى أو إسرائيل”.

وأردف: “فأي انتقاد لإسرائيل (رسم، كاريكاتور، شعر، فن، كتابة، تاريخ، سياسة…إلخ) يتم تصنيفه تلقائيا على أنه معاداة للسامية ويتم مهاجمة صاحبه ومحاكمته، ولا يتم طبعا إدراج هذا النقد ضمن حرية التعبير أو حرية المعتقد أو حرية القيم”.

وتابع: “إذا كانوا صادقين في دعواهم، فعليهم أن يكونوا متسقين مع أنفسهم وأن يسنوا قوانين تحترم جميع الأديان والمعتقدات، وتجرّم التعدي عليها، بدلا من النيل من المسلمين تحت ذريعة حرية التعبير، لاسيما مع صعود التيارات النازية والفاشية واليمين المتطرف في أوروبا من جديد، بعد أن تسبب هذا الفكر بمقتل عشرات الملايين من البشر في حربين عالميتين”.

وزاد بقوله: “سن مثل هذه القوانين سيحد من تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب، ويمنع استغلال السياسيين لمعاداة الإسلام والمسلمين كورقة انتخابية، لكسب المزيد من أصوات المتطرفين، وتحريض الناس على بعضهم البعض، وزعزعة أمن المجتمع والدولة”.

إهانة المقدسات
أما نظير الكندوري، كاتب وباحث عراقي، فقال إن “العالم الغربي تعامل بإيجابية مع مطالبات اليهود بسن قانون يجرم معاداة السامية بعد الحرب العالمية الثانية، حينها شعر القادة الغربيون بأن سن مثل هذا القانون سيقلل من مشاعر الكراهية في المجتمع، ويحد من مشاكل اجتماعية عديدة”.

وأردف: “نجحت تلك التجربة في إعادة الاعتبار للأقلية اليهودية في الغرب، وساهمت في انخفاض مشاعر الكراهية التي كانت تكنها الشعوب الغربية لليهود، وقللت من المشاكل الاجتماعية”.

وأكد أن “المسلمين يتعرضون لشتى أنواع المضايقات في الدول الغربية، ما أدى إلى نشوء مشاكل اجتماعية كبيرة، بالإضافة إلى أن الاعتداء على المسلمين وعلى مقدساتهم لم يؤذ مشاعر المسلمين في الدول الغربية فحسب، وإنما جرح مشاعر المسلمين في العديد من البلدان الإسلامية، والتي يقدر عدد أفرادها بأكثر من مليار ونصف المليار”.

وحذر من أن “الاستمرار في تلك المضايقات وتعمد إهانة مقدسات المسلمين سينعكس سلبا على العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الغرب، سواء سياسيا أو اقتصاديا”.

واستطرد: “يجب على قادة الغرب أن يعيدوا التفكير ويعملوا جديا على سن قانون يجرم الإساءة للإسلام، كما هو الحال مع تجريم الإساءة للسامية ومعاداتها”.

تحريض متعمد
تطرق الكندوري إلى الحديث عن حرية التعبير في الغرب بقوله: “هذا ادعاء أكثر مما هو حقيقة، والدليل هو أنهم يدافعون عن الإساءات المتواصلة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم)، ويدافعون عمّن يتعمد هذا الفعل، وفي الوقت نفسه يغضبون حين يتعرض الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) للسخرية”.

واستطرد: “هذا ما رأيناه حينما سخر الرئيس أردوغان من الرئيس الفرنسي بسبب تصريحاته المسيئة للإسلام والمسلمين، وقال إنه يحتاج لمعالجة عقلية.. هذا يعني أن السخرية من نبي الإسلام كانت متعمدة ولا علاقة لها بحرية التعبير، فهم لم يتحملوا ما اعتبروه إساءة لرئيسهم”.

ويدافع ماكرون عن رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم) نُشرت في فرنسا مؤخرا، معتبرا أنها تندرج ضمن حرية التعبير. وهو ما أثار موجة غضب بين المسلمين في أنحاء العالم وأطلق حملات لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

وتابع الكندوري: “نعتقد أن حرية التعبير والحرية الشخصية يجب أن تنتهي حينما تصل إلى حد الإساءة لمقدسات الآخرين، حينها لا تعتبر حرية، إنما تحريض متعمد على أمة كبيرة، مثل الأمة الإسلامية”.

واختتم حديثه بأن “هذا التحريض سيكون سببا لزيادة الخلافات الطائفية والعرقية والعنصرية في بلدان الغرب نفسها، وبالتالي فإن إقرار قانون يجرم معاداة الإسلام أو السخرية من مقدساته، يصب تماما في موضوع حق حرية التعبير واحترام المقدسات لجميع أفراد المجتمع”.(وكالة الأناضول)








تم ربط يديّ الرجل البائس، الموثقتين أصلا خلف ظهره، بحبل مرتبط ببكرة مثبتة بالسقف. وتم سحب ذلك الحبل إلى الأعلى رافعا معه الرجل الذي شعر بآلام رهيبة في كتفيه، إلى درجة أنه شعر بأن ذراعيه على وشك الانفصال عن جسمه، لاسيما عندما كان المسؤولون عن التعذيب يتركون الحبل فجأة ليسقط جسده سريعا، ثم يسحبون الحبل مرة ثانية وبشكل فجائي قبل ارتطامه بالأرض. ولكنه مع ذلك لم يعترف بشيء، على الرغم من استمرار هذا التعذيب لمدة ثلاثة أسابيع، فأما أن الرجل كان بريئا من التهم الموجهة إليه، أو أنه كان شجاعا وصلبا إلى درجة غير عادية. ولم تكن هذه الطريقة المفرطة في التعذيب نادرة، بل كانت منتشرة في أوروبا القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحتى السابع عشر.
خرج هذا الرجل من السجن الواقع في مدينة «فلورنسا» الإيطالية، التي قضى حياته دفاعا عنها. والغريب في الأمر أنه لحسن الحظ بقي سالم الكتفين، حيث سرعان ما بدأ بتأليف كتاب أثار لغطا عالميا نراه يتزايد حتى اليوم، هو كتاب «الأمير»، الذي كان أول وأشهر كتاب في مجال العلوم السياسية. ولم يكن هذا الرجل الذي تعرض لذلك التعذيب البشع سوى الفيلسوف والكاتب الإيطالي الكبير ماكيافيللي، الذي اعتبر فيلسوف الأساليب الممكنة المستندة إلى الخيانة والخداع والقسوة المفرطة، وغير الأخلاقية في عالم السياسة، حتى أن تلك الوسائل في عالم السياسة أخذت تسمى بالوسائل «الميكيافيلية». ويعتبر ماكيافيللي مؤسس علم السياسة. ولكن هل فهم كل من قرأ الكتاب ما كان يقصده الكاتب فعلا؟

إيطاليا في زمن ماكيافيللي

لم تكن إيطاليا في القرنين الخامس والسادس عشر مشابهة لإيطاليا اليوم، حيث كانت منقسمة إلى خمسة دويلات صغيرة رئيسية متحاربة في ما بينها. وكان منها «فلورنسا»، والمناطق التي حكمها البابا التي شملت «روما»، ومناطق أخرى حيث كان للبابا جيش خاص به. وكان قائد الجيش البابوي في تلك الفترة سيزار بورجيا، الابن غير الشرعي للبابا (لم يكن الابن الوحيد له)، الذي كان الأكثر قسوة والأسوأ سمعة بين جميع القادة في إيطاليا. ولم تكن هذه الدويلات تملك جيوشها الخاصة، بل اعتمدت على جيوش متكونة من المرتزقة الذين كانوا يقاتلون لمن يدفع فقط. ولذلك كانت تلك الجيوش تغير ولاءها في أكثر اللحظات سوءا وحرجا. ومما زاد الطين بلة، تحالف بعض الدويلات مع القوى العظمى في تلك الفترة مثل، إسبانيا وفرنسا، التي أصبح لجيوشها حضور في الساحة السياسية في إيطاليا وتتلاعب بموازين القوى.

فلورنسا

كانت فلورنسا في تلك الفترة جمهورية بقيادة سياسيين منتخبين، ولكنها كانت في الواقع تحت سيطرة العوائل الثرية، وعلى رأسها عائلة مديتشي، التي كانت الأكثر ثراء (كان نصف سكان المدينة يعملون لدى عائلة مديتشي في إحدى الفترات) ودهاء حيث سيطرت على السياسيين عن طريق الرشوة. وبهذه الطريقة حافظت هذه العائلة بالذات على نفسها من انتقام بقية العوائل الثرية منها، ومن حالات الشغب الكثيرة التي كانت تعصف بالمدينة بين الحين والآخر. ولكن حظ هذه العائلة تغير عام 1494 عندما واجهت صعوبات مالية، وقام الجيش الفرنسي المتحالف مع دويلة ميلان باقتحام المدينة والإطاحة بالنظام القائم. وطُرِدَت العائلة من المدينة التي سيطر عليها رجل دين متطرف وزاهد سمي بحارق الكتب. ولكنه لم يمكث طويلا، حيث سرعان ما أطيح به بعد أربعة اعوام، وتعرض لتعذيب شديد، وكانت نهايته الإعدام حرقا في مركز المدينة.

ماكيافيللي

ولد نيكولو ماكيافيللي عام 1469 في مدينة فلورنسا لعائلة محترمة ومتعلمة. ووفر له والده أفضل تعليم ممكن في تلك الفترة ليكون موظفا في الدولة. واستطاع ماكيافيللي بدراسته المتواصلة وذكائه، أن يكون ناجحا في مسيرته المهنية حتى دخل مجال العمل الحكومي مباشرة، بعد الإطاحة برجل الدين الذي حكم المدينة. وعين ماكيافيللي أمينا عاما لمجلس العشرة الذي كان مسؤولا عن السياسة الخارجية والدفاع، وبقي في منصبه أربعة عشر عاما. ومكنه هذا من مقابلة أشهر رجال عصره من الملوك والأمراء، إذ سافر إلى عدة عواصم حتى أنه مكث في البلاط الفرنسي عدة أشهر وهو يتفاوض مع رجال البلاط. وكان حلمه أن يكون سفيرا، إلا أنه لم يفلح في هذا لعدم كونه من عائلة ارستقراطية. وعبّر عن امتعاضه من كون فلورنسا ضعيفة وضئيلة الشأن في إيطاليا، ولذلك حاول كل جهده تجنيب فلورنسان أي مواجهات مسلحة قدر الإمكان. وبسبب عدم ثقته بجيوش المرتزقة، بادر بتأسيس جيش محلي عام 1506 مكونا من أربعمئة فلاح محلي، حتى أنهم قاموا باستعراض عسكري في مركز المدينة في العام التالي. ولم يكن ذلك بالأمر الهين، حيث خشي الفلاحون من احتمال تعرضهم للضرائب في حالة انخراطهم في صفوف الجيش، كما لعبت العداوات بين القرى المتجاورة دورا في رفض الفلاحين للانضمام. وفي البداية كانت نتائج هذا الجيش مشجعة، حيث انتصر على إحدى المدن المجاورة الصغيرة. إلا أنه لم يكن شيئا يذكر في مواجهة القوات الإسبانية، التي أطاحت بالطبقة الحاكمة، بتشجيع من البابا، وأعادت عائلة مديتشي إلى الحكم بقيادة لورينزو مديتشي، الذي قام بطرد ماكيافيللي من منصبه، ثم سرعان ما أمر بالقبض عليه بتهمة التآمر على النظام الجديد.

وتعرض ماكيافيللي إلى تعذيب شنيع (كما ذكر أعلاه) توقف بعد ثلاثة أسابيع حيث تم العفو عنه، عندما تولى أحد افراد العائلة منصب البابا في روما. وانتقل ماكيافيللي إلى مزرعته ليقضي أياما صعبة فيها، بعد أن كان في قمة الطبقة السياسية في المدينة. وبعد نجاته من التعذيب والسجن بعشرة أشهر كتب إلى أحد اصدقائه أنه يقوم بكتابة «عمل صغير». وكان في الواقع يتحدث عن كتاب «الأمير» الشهير.

كتاب «الأمير»

يعتبر كتاب «الامير» مدخل إلى دراسة العلوم السياسية مع الأخذ بنظر الاعتبار، أنه كان أول كتاب من هذا النوع في العصر الحديث. والكتاب في الحقيقة شرح مفصل عن كيفية استعمال الحاكم للقوة لتحقيق الخير، حتى إذا اضطر أن يستعمل أساليب شريرة للحفاظ على السلطة، ومؤسسات الدولة والاستقرار. ويشرح ماكيافيللي بإسهاب أن على الحاكم أن يكون محبوبا ومخيفا في الوقت نفسه، ولكن في حالة فشل الحاكم في أن يكون محبوبا، فعليه أن يكون على الأقل مخيفا. والسبب أن كونه محبوبا يعني أن طاعة المواطنين له ستكون اختيارية. ولكنه إن كان مخيفا، فستعني عدم طاعته التعرض للعقاب حيث يقول «إن الخوف هو الخوف من العقاب، وهو شيء لا ينساه الناس أبدا». ومع ذلك يقول ماكيافيللي، إن الطريقة الأمثل للحفاظ على النصر هي مصاحبته ببعض الاحترام، خاصة احترام العدالة، حيث أن الحاكم عليه أن يحاول أن يكون محبوبا ومحافظا على المصلحة العامة. ويوضح ماكيافيللي أن الحليف ليس بصديق، حيث أن التحالف يخدم مصالح محددة، وما أن تنتهي هذه المصالح يتم إلغاء التحالف. ولذلك، على الحاكم ألا يخدع نفسه بالاعتقاد أن حلفاءه أصدقاء، مهما كانوا مخلصين في مظهرهم، حيث أنهم سيتحولون إلى أعداء فور اقتضاء مصالحهم.

ويذكر ماكيافيللي أن الحاكم يجب أن يكون قويا وحازما وسريع القرار، ولكن عليه كذلك ملاحظة أن هذا القرار، مهما كان، لا يمكن أن يكون آمنا تماما، حيث يبقى احتمال المخاطرة موجودا دائما. وبالتالي، فعليه استخدام القوة والخداع ضد كل من تسول له نفسه ويحاول تحدي السلطة القائمة، فالعالم مليء بالسيئين الذين لا يعرفون لغة الأخلاق والفضيلة. وبذلك، فإن ماكيافيللي يعري عالم السياسة من أي غطاء أخلاقي، أو نظريات إنسانية تجمله، حيث أن الغاية تبرر الوسيلة دائما. ولكن ماكيافيللي لم يقدم هذه الأفكار كهدف بحد ذاته، بل كوسيلة تستخدم عند الضرورة فقط، إذ كانت حماية الدولة بجميع الوسائل المتاحة هدفه الأوحد، فالدولة المستقرة تعتمد بشكل خاص على القوة والخداع أكثر من عمل الخير، والأخلاق في رأيه. ولذلك فإن ماكيافيللي، ربما كان الفيلسوف المستقيم الأول (وربما الوحيد) الذي فضح واقع عالم السياسة، الذي ليست الاستقامة بالضرورة من سماته.
وركز الكتاب على أن النظام الحاكم يجب أن يعرف قدر نفسه، حيث أن حكام فلورنسا كانوا يعطون لمدينتهم أهمية ومكانة مبالغ بها، بينما كانت في الحقيقة ليست ذات شان يذكر بالنسبة للقوى العظمى. اعتمد ماكيافيللي في كتابه على أمثلة كثيرة مأخوذة من التاريخ الروماني والإغريقي، وكان إعجابه واضحا بالملك اليوناني الإسكندر المقدوني، والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، وبالغ في تقدير فضائلهما. ولكنه كذلك ذكر أن الامبراطورية الرومانية، ازدهرت لأنها كانت قادرة على إعلان الحرب عندما كان ذلك ضروريا، معتمدة على جيوش تكونت من مواطنين رومان، ولكنها انهارت بعد ذلك عندما أخذت تعتمد على المرتزقة من القبائل الألمانية. ومن القادة القدماء الذين خصهم بالذكر كان هنيبعل حيث ذكر أنه قام بقيادة جيش مكون من عدة قوميات، بدون أن تحدث أي مشاكل أو محاولات تمرد بسبب قسوة هنيبعل في فرض النظام. وذكر عيوب حكام عصره، حيث اتهم أحدهم بعدم الكفاءة، وآخر بعدم القابلية على اتخاذ القرار، بينما امتدح آخرين. وخص في مدحه سيزار بورجيا الذي عرفه جيدا، فقد امضى ماكيافيللي شهورا طويلة في إقناعه بعدم مهاجمة فلورنسا. وأوضح أن سيزار بورجيا كان بمنتهى القسوة عندما دعت الحاجة، وعرف كيف يثير الخلاف بين أعدائه، فهو بالنسبة لماكيافيللي الحاكم المثالي.
لم ينشر ماكيافيللي كتابه، ولكن الكثيرين اطلعوا عليه كمخطوطة، ما أثار استياء البعض، حيث اعتبروه دعوة إلى الشر والظلم، ولكن آخرين اعتبروه محاولة من ماكيافيللي لتوضيح الواقع السياسي الذي يرفض الكثيرون الاعتراف بوجوده. و لكن الكتاب نشر عام 1532، اي بعد وفاته بخمس سنوات. وقام البابا بمنع الكتاب، ووصفه أحد القساوسة بأنه كتاب كتبه إصبع الشيطان. ولكن كل هذا لم يمنع انتشاره ليصبح أحد أكثر الكتب إثارة للجدل حتى الوقت الحاضر.
أهدى ماكيافيللي كتابه الشهير للورينزو دي مديتشي، الذي كان من أمر بسجنه وتعذيبه أصلا. ووصف عائلة مديتشي في إهدائه بالأمراء، على الرغم من أنهم لم يكونوا كذلك، ولم يصفوا أنفسهم بهذا الشكل. والظاهر أن هدف ماكيافيللي كان إقناع لورينزو مديتشي، بتوظيفه في النظام الجديد، بدون جدوى، حيث أنه يذكر في الإهداء بأن الكتاب هو نتيجة دراسته لخبرات الرومان واليونانيين، بالإضافة إلى الخبرة العظيمة، التي اكتسبها من خلال عمله الحكومي السابق، ووصف حياته البائسة بعد خروجه من العمل.

السنوات الأخيرة لماكيفيللي

من غير المعروف إن كانت عائلة مديتشي استلمت كتاب «الأمير»، ولكنها تجاهلت محاولاته للحصول على وظيفة، على الرغم من اتصاله بكل من يعرفهم. وكان كل ما حصل عليه ماكيافيللي بضع مهمات صغيرة جعلته يسافر إلى بعض الدول الأوروبية. وحاول جاهدا مرة أخرى للحصول على وظيفة حكومية مرموقة مرة أخرى، عندما أطيح بعائلة مديتشي عام 1527، ولكن بدون جدوى حتى توفي في السنة نفسها.
مهما كان رأي النقاد والمهتمين في كتاب «الأمير»، فإنه كتاب يشرح بإسهاب وجهة نظر أحد أكبر المثقفين والدبلوماسيين في القرن السادس عشر. ولا يزال أحد أهم الكتب في تاريخ الحضارة.

زيد خلدون جميل

٭ باحث ومؤرخ من العراق







يغري كتاب "جهاد في الفن" بأكثر من قراءة ممتعة، لأنه يسرد على لسان الكاتب المصري الكبير يحيى حقي، تجربته الغزيرة في مجال السرد القصصي والروائي، وفي كتابة اليوميات، والدراسات، والمسرح، والترجمة، فضلاً عن عمله الدبلوماسي في السفارة المصرية في أكثر من بلد عربي وأجنبي، ونشاطه هناك.

الكتاب جاء عبر حوار طويل أجراه معه الصحفي والكاتب المصري البارز مصطفى عبدالله، بذل فيه جهدًا بالغًا ليكشف لنا قارة هذا الكاتب الكبير، وبتفاصيل ثرية في الحياة والإبداع والفكر والسياسة والعلاقات والأخلاق، لم نكن عرفناها بهذا الشمول من قبل.

يصدّر الكاتب عبدالله صفحات كتابه، بمقطع صغير على لسان الكاتب الكبير يحترس فيه من "قولة أنا" التي سترد ما دام الحديث يصب في التجربة الشخصية: "أنا مع احترامي والتزامي بالحكمة القديمة، أعوذ بالله من قولة أنا" (ص5).

بدأت تجربة عبدالله مع حقي عندما سافرا معًا عام 1984الى إيطاليا، بمناسبة الاحتفالية بتوفيق الحكيم التي أقامها المكتب الثقافي المصري هناك، وأناب الحكيم عنه حقي لمرض طارئ ألمّ به، فكانت اللقاءات هناك؛ اللقاءات التمهيدية للاستمرار فيما سوف يؤلف هذا الكتاب.

يقسم الكاتب كتابه إلى أقسام تبدأ بالحوار الذي استغرق مائة وخمس عشرة صفحة من القطع الكبير، وموضوعات أخر؛ هي عبارة عن: ملاحق وشهادات بدأت بشهادة نجيب محفوظ، وانتهت بشهادة محمد روميش وهو كاتب مصري كبير وغزير الإنتاج، مرورًا بأسماء مهمة في عالم الثقافة والأدب مثل؛ فؤاد دوارة، د. لويس عوض، إدوار الخراط، فتحي غانم، سعيد الكفراوي، وجمال الغيطاني... وأسماء كبيرة أخرى.

إنّ ما يحفز على القراءة الممتعة والنافعة في آنٍ واحد، الآراء النقدية والفكرية التي تتعلق بموجهات الكتابة الأدبية، والجانب الذي ينبغي أن تنتهجه الكتابة المصرية والعربية، وهو هنا حسب منطق الكاتب الكبير؛ الجانب الاجتماعي تحديدًا، مع إيمانه بمتطلبات الكتابة الحديثة وتقنياتها المتجددة.

وبرغم أن الحوار وما تخلله من أفكار ورؤى ولغة كان ارتجاليًا، قائمًا على آلة تسجيل، فلقد كان يؤشر على البعد الثقافي واللغوي للرجل الذي كان من دعواته للمثقفين الشباب، إتقان لغة ثانية ولاسيما الإنكليزية، من أجل قراءة الكتاب بلغته الأم، وليس مترجمًا ترجمة ركيكة في أغلب الأحوال.

لذا فإن إجادة لغة ثانية للشباب العربي "إنما هي مسألة حياة أو موت" (ص73)، وهو يجيد ثلاث لغات أو أكثر كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية، وله في ذلك ترجمة عدد من المسرحيات والروايات.

يولي الكاتب الكبير عربيته عناية فائقة، ولعل من طريف ذلك أنه أعاد صياغةَ جملةٍ ذات مرةٍ، أكثر من خمس وثلاثين مرةً على سبيل المثال. فهو له جهاد مع اللغة، ويتمنى ألّا يجور أحد على جهاده معها، فما "قنديل أم هاشم" إلّا اللغة التي أحاطت ميدان السيدة زينب، بعيون ثلاث؛ "عين محايدة، عين غاضبة، وعين راضية وكيف انعكس هذا على الأسلوب" (ص43).

ثم أنه في فقرة أخرى من حواره يربط بين اللغة والنهضة الأدبية فيضيف: "وذلك لأن اللغة هي وعاء الفكر، فإذا ما كانت "مبهوقة"، أو ضيقة سيتأثر الفكر بالضرورة، لأننا يجب علينا لكي نتبادل أفكارنا أن نستخدم لغة دقيقة. وأنا مؤمن بأنه لا يمكن أن تنمو عندنا نهضة أدبية حقيقية، إلا إذا توجه الاهتمام إلى ضبط الأسلوب، وإحكامه بحيث يعكس نصاعة الفكر..." (ص100).

ومن إنسانيته وتواضعه ورقّة قلبه وقوفه مع الكومبارس ضد الأبطال، أو بعبارة يمكن تعديلها لسعة دلالتها أنه مع الكومبارس أكثر من الأبطال مستعينًا على موقفه هذا بالمثل الشعبي "العين لا تعلو على الحاجب"، ثم يقول: "أنا لم أجرِ وراء الأبطال، لكنني مددت من قلبي خيوطًا من الود تربطه بكل كومبارس أقابله، أو حتى أشاهده من بعيد على المسرح أو في الشارع...." (ص 109).

ويجمع حقي بين عمله الدبلوماسي والصياغة الفنية لأدبه، حينما يردّ على السؤال عن إفادته فنيًا من حقله الدبلوماسي، إذ يقول؛ ".. ومن الدبلوماسية يتعلم الإنسان حسن التصرف، وكيف يتعامل مع المواقف والبشر بلباقة، وهذا كله ينعكس على أسلوب الكاتب عند الكتابة". (ص78).

وحين يستعرض بعض صفحات حياته يشير، من حيث يدري ولا يدري، إلى بعض أوجه الشبه بعميد الأدب العربي طه حسين، إذ كلاهما تزوج من فرنسية، وكلاهما أفاد أو استعان بعينيها، الأول منذ اقترانه بزوجته، والثاني منذ أن كلّ نظره قبل أكثر من عشر سنوات قبل رحيله.

وهو وطني ونزيه الروح، لم يركض عمره "خلف الفلوس" (ص 95) ويضرب أمثلة محلية على ذلك، ثم يفضل عرضًا بإعادة طبع أعماله في الهيئة المصرية العامة للكتاب، على عرض السفارة الأميركية في القاهرة على الموضوع عينه، برغم تفاوت المقابل المادي بين العرضين!
ويبرر ذلك بقوله "لأن علاقتنا مع أميركا لم تكن على ما يرام في ذلك الوقت" (ص 96).
ويدافع عن نجيب محفوظ أمام المتشككين بأدبه "والله العظيم أنا أعتبر نجيب محفوظ من معالم مصر الأثرية، لأن هذا الرجل منذ بدأ يكتب عبّر عن عبقرية وأصالة لا حدّ لهما، كما عبّر عن فكر ليبرالي لم يتحول عنه طوال مراحل إبداعه" (ص 101).

لقد كانت الرحلة مع الكاتب الكبير فيما أفاض به فسحة طويلة عريضة متصلة، أتاحت لنا معرفته من قرب، بقلم كاتب صحفي كبير هو الآخر كان لصبره وجهده ما عرّفنا على شرف العمل الصحفي حينما يكون إبداعًا، يضاف إلى ذلك الشهادات الكريمة والصادقة والممتعة معًا التي صدرت بحق الكاتب الكبير، فدلت دلالة جلية على مكانة الكاتب، ونبل الشهود وكرامة الساحة التي توزعت عليها أعماله الخالدة.

الكتاب من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2005 وعدد صفحاته مع الصور 221 من الحجم الكبير.

حنون مجيد








في ندوة فكرية من السينمائيين والنقاد الألمان موسومة "حاضر النقد السينمائي"، الموضوع الذي يتعلق بواحد من أهم فنون الفيلم الفنية والإنتاجية والتسويقية، نظمها في منزله أحد الاصدقاء الصحفيين لغرض الحوار وتبادل الآراء بعد أن أصبح تعطل العديد من المهرجانات والفعاليات السينمائية العالمية في أغلب البلدان التي تقيم عادة مهرجاناتها السينمائية السنوية في مواعيدها، أمراً لا يمكن تحمله على المستويين الحرفي والمادي، بسبب تفاقم جائحة Covid -19 وتأثيرها على نشاط الصحفيين لاسيما النقاد، بسبب الالتزام بقوانين التواجد المباشر. إذ لم يحالف الحظ الكثير من الصحفيين إلا أعداداً محدودة، ومتابعة أحداث المهرجانات عبر منصات الأرقام الافتراضية.

بالطبع لم يكن الهدف من هذه الندوة التي أتيحت لي فرصة المشاركة فيها مناقشة الأمور السالفة، إنما ظاهرة ممارسة النقد غير الرصين في وسائل الإعلام المرئي والمقروء، المتعلق بمواضيع السينما حصراً، على أساس أن النقد السينمائي من ناحية "المقاربات الحرفية" لم يعد يقتصر على نخبة من النقاد المحترفين المتخصصين، إنما دخل على هامشه ممن يجهلون تعريفه وحتى مناهجه البليغة. وكان من بيننا ناقد سينمائي، كتب النقد وهو في الثامنة عشرة من عمره وأصبح محترفاً حين أسندت إليه وهو في الخامسة والعشرين مهمة الكتابة في صحيفة يومية لتحرير قسم الأفلام المعاصرة، ثم عمل محرراً وناقداً في مجلة سينمائية في باريس. إلى جانب ذلك عمل مستشاراً لمهرجان سينمائي أوروبي، وكتب النقد السينمائي في الكثير من المهرجانات العالمية وله العديد من الإصدارات والمنشورات المهمة.

الحديث في موضوع النقد ونحن نتحدث هنا حصراً عن النقد السينمائي، موضوع مهم، سيما وإن دراسات علمية حول تعريفه بشكل دقيق، نادرة، أو تكاد أن تكون في أغلب الأحيان قاصرة. وأن ثمة اعتبارات لا تزال تقف عائقاً أمام تطور أساليبه. على المستوى العربي مثلاً، هناك افتقار إلى أقسام تخصص عصرية ومراكز أبحاث ومعاهد وأكاديميات سينمائية وندرة المحترفين في هذا المجال وإناطة مكاتب خاصة بهم في دور الصحافة والإعلام، الأمر الذي أتاح لغير الحرفيين الذين يجهلون الفرق بين النقد والتحليل ولا يملكون مهارات، يمارسون النقد دون أن تكون لديهم الكفاءة والاختصاص.

طرح في مستهل الندوة سؤال: هل لا يزال النقد السينمائي العالمي (أنا أضيف ـ أو العربي) ضرورياً في عصر التكنولوجيا ولماذا؟. وهل النقد إبداع ـ أم ليس إبداعاً؟. أجاب أحدهم: بأنه لا يستطيع أن يحكم على ذلك، بقدر ما يجزم بأنه خط فاصل بين الفيلم والجمهور. ثم عرج، لإيجاد مقاربات لتفسير فلسفة النقد السينمائي، وإشكالية تعريف مصطلح النقد؟ ومن هو الناقد؟ فكلا التعريفين كما يقول ما زالا يثيران جدلاً فكرياً متصاعداً بين نقاد السينما في وسائل الإعلام.

كلمة "نقد" كما هو دارج في اللغة العربية، تعريف غير متوازن، ولا يتواءم مع دلالات المصطلح في اللغات الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، حيث لا توجد مثل هذه المشكلة اللغوية، بين المصطلح ومصدر الكلمة. إذن ما هو النقد ككلمة، ومن ثم كمفهوم؟ أصل الكلمة لا يعني ما تعنيه اليوم. ليست هناك كلمة مرادفة والصياغة المعمول بها تعني الإشارة إلى ما هو سلبي ـ حسب الكلمة ذاتها.. نقده بالعربية أي دفع له، ونقده بالدارجة أي انتقد ما عليه. أما الناقد؟ كما يفسره علم السينما، هو مَن يقوم بقراءة الفيلم قراءة معرفية تتجانس مع اختصاصات مهنية وفكرية من حيث الدقة والموضوعية. كذلك هو من يؤول على نفسه مشاهدة كل الأفلام بصرف النظر عن هويّتها ونوعها وما يعجبه وما لا يعجبه. من يتبحّر في ماضي السينما كما في حاضرها، ويفهم في العناصر المكوّنة للفيلم، الفنية والتقنية والفكرية، ويستطيع قراءة الفيلم ليس بطروحاته الفكرية أولاً بل بما يتألّف الفيلم مهنياً وفنياً.

والمهم من يتمتّع برؤية إنسانية من النوع ذاته، يراها أساسية للحياة البشرية على الأرض.
إذن ما هو النقد السينمائي؟ هل هو عملية إبداعية؟ هل هو عملية ضرورية؟ من يحتاج إلى الناقد والنقد؟ على هذه التساؤلات كلها تتمحور الإجابة حول حقيقة أن العمل النقدي عمل في الأصل غريب وغير منخرط بين الأعمال الثابتة والقائمة على حرفيات محددة كالإخراج والتمثيل والتصوير الخ.. لكنه عمل قائم بلا ريب يرتاده حالياً عديدون ولو أن معظمهم لا يعرف الكثير عن السينما لينقد فيها.. إذا ما كان ضرورياً فإنه ليس ضروريا بمجرد طرحه، بل باستكشاف وظيفته التي هي، اتخاذ خط وسطي يقع على مسافة واحدة من العمل الإبداعي والجمهور، ويوفر المعلومات الكاملة للمشاهد وتركه يختار المناسب لذائقته وثقافته. بذلك، يكون مشاهداً أفضل وناقداً مستقلاً.

لكن هل النقد رأي؟ أعتقد بأنه أبعد ما يكون عن مجرّد رأي. هو علم ومعرفة يفلترهما الناقد "مع تحفظي على كلمة فِلتر" حيث لها مرادف بالعربي "غرْبَله، وصفّاه، واختار لبابَه"، في صياغة عليها أن تتوجه إلى جميع القراء بمختلف مستوياتهم بوضوح مهما كان الفيلم خاصاً. كل إنسان لديه رأي، ما يميّز الناقد أن لديه المعرفة، لكن علينا أن ندرك ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بالنقد السينمائي؟ ما فعلته هنا هي ما تفعله في كل مكان تذويب الهوية الفردية إلى ذات تستطيع أن تشترك في الكتابة وإبداء الرأي من دون مرجعية أو معرفة، وبالتالي تذويب الهويات الثقافية والوطنية إلى مفهوم القرية الكونية. هذا دفع بالعديد من الكتبة الحديثين إلى الانتشار مما أسهم في تعميم النقد الناقص مقابل النقد الصحيح والتشويش على استيعاب الجيل الجديد لماهية المطلوب والدور المناط بالنقد.

من كل ما ورد، نفهم بأن تحليل الفيلم في إطاره النقدي هو إجراء مختبري لتفكيك الصور المتحركة، أي كل تفاصيل عمل الكاميرا، بمعنى تفسير نقاد السينما لأحداث الفيلم وصناعته، لا إعدادهم بروتوكولات.. أو بمعنى آخر هو اللحظة الحرجة لتقييم جودة الفيلم والتركيز على عوامل الجذب فيه.

مع بداية النهضة التجريبية الأولى لإنتاج الأفلام، كان النقد السينمائي في بداية القرن العشرين لم يصل بعد إلى مستوى من الأهمية. لكن عندما بدأت الأفلام الدرامية تظهر وتكون من الناحية الفنية والتقنية أكثر تعقيداً، ونزوع الفيلم بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية للانتقال من لغة الخطاب إلى الاهتمام بالجوانب الجمالية، حيث كان انتقاد الفيلم في كثير من الأحيان أداة للفكر السياسي والعقائدي، أصبح المشروع النقدي للأعمال السينمائية مع موجة التغيير الجديدة لمفهوم الفيلم بشكل عام أكثر رواجاً، كما أفرز على المستوى العالمي نخبة من الكتاب للتخصص باتجاه ممارسة هذا النوع من العمل الصحفي ليصبحوا نقاد سينما محترفين في وسائل الإعلام. لكن ما الذي قادهم لمثل هذه المهنة التي تتطلب الكثير من المتابعة والجهد؟ أعتقد السبيل كان غايته ثلاثة أهداف رغبة الناقد بناء علاقة ثنائية بين الفيلم والمتلقي، إيجاد تمايز بين توثيق الفيلم وأوجه المقارنة في أساليب الإنتاج، صحفياً كشف معايير الفيلم الفنية القيّمة وأهمها اللغة البصرية والنص والحركة لإشباع فضول المتلقي إبداعياً.

إذن مهمة الناقد الرئيسة عند تناول الفيلم بالمستوى اللفظي والنقد السينمائي المثالي، بالإضافة إلى تفسير خصائصه الجمالية والتعبيرية والبنيوية المتنوعة، التصدي لمعلومات الفيلم وبياناته الإنتاجية والمرجعية ـ البلد المنتج، نوع وطول الفيلم، رجال الكاميرا، أسلوب التصوير، المخرجين والممثلين والمنتجين، علاوة على الخبرات والمهارات التي يمتلكها طاقم الفيلم من ألفه إلى يائه، وبالتالي، وهو المهم، ستصبح هذه التفسيرات والتقييمات وسيلة لتواصل الفيلم مع الجمهور وسوف يكون ناقد الفيلم وسيطاً بين المنتج والمستهلك وانتقاد الفيلم جزء من الصفقات بين المجتمع والسياسة والاقتصاد.

والنقد السينمائي من وجهة نظري، بالإضافة إلى كونه حرفة وحلقة الوصل بين السينما واندفاع الناس إليها. فهو وسيلة لتقييم مقومات الفيلم الأساسية السيناريو والتصوير والمونتاج، أيضاً إضاءة جوانب الفيلم البنيوية على قاعدة الدفع باتجاه الإثارة والتأمل، كما يُعتبر النقد أحد مكونات صناعة السينما "الفيلم" وتسويقه. وإذا كان النقد السينمائي يعتمد الموهبة، فعلى الناقد ألا يوغل في وصف النقد للناقد عندئذ يصبح النقد من الناحية المعرفية والإعلامية لا قيمة له ولا ينسجم مع رغبات المتلقي واهتماماته. عليه أن يقوم بترتيب الوصف وتفسير قيّم الفيلم المفصلية، الفنية والجمالية، كجاذبية الظل والحركة أو الرمزية والانفعالات النفسية والاجتماعية والسياسية، ليتسع النقاش ليس بين الحرفيين وأصحاب الاختصاص وحسب، إنما بين القراء أيضاً.. ويبقى النقد السينمائي بما في ذلك الحديث أو استعراض فيلم في وسائل الإعلام كالصحف والمجلات أو الراديو والتلفزيون، عمل صحفي اختصاصي له من الأهمية التنويرية في الحياة السينمائية والمجتمع.


عصام الياسري







بيعت رسالة كتبها مسافر على متن سفينة تيتانك،في مزاد بمبلغ 42 ألف جنيه استرليني. المسافر وصف بالبطل الذي ضحى بحياته لإنقاذ الآخرين.

قدّم الواعظ القس جون هاربر سترته للنجاة إلى مسافر آخر، وغرق مع السفينة المنكوبة في المحيط في نيسان/أبريل 1912.

بيعت رسالة كتبها هاربر على متن "تيتانك" في مزاد على الإنترنت لبيع تذكارات من السفينة الشهيرة، في ويلتشاير في جنوب غرب إنجلترا.

في نيسان أبريل 1912، كتب هاربر مستخدماً أدوات مكتبية من "تيتانك"، رسالة إلى رجل دين زميل.
ونشرت الرسالة في "كوبه" في إيرلندا، المدينة التي كانت تعرف باسم "كوينستون" حيث رست تيتانك قبل أن تبحر عبر المحيط الأطلسي.

وتحدث في رسالته عن حياته على متن السفينة وشكر صديقه الزميل على مودّته.
وقال مدير المزاد العني أندرو ألدريدج:" ربما كان جون هاربر واحد من أكثرالرجال شجاعة على متن القارب".

وكان الواعظ هاربر يبلغ آنذاك 39 عاماً، ويعظ في كنيسة "والوورث رود بابتيست" في لندن. كان أرملاً وكان مسافراً برفقة ابنته آن جيسي وشقيقته جيسي دبليو ليتش إلى شيكاغو، ليقدم عظة في كنيسة "مودي".

ورفض أن يأخذ مكاناً في قارب النجاة إلى جانب ابنته وشقيقته، وبقي على متن السفينة لتقديم عبارات الدعم للمسافرين.
وأعطى سترة النجاة الخاصة به لمسافر آخر نجى بحياته. ونقل ناجون آخرون أنه استمر بالتبشير بالإنجيل خلال غرق السفينة.
أصوله من غلاسكو، بدأ واعظاً في كنيسة "بايزلي رود بابتيست"، التي سميّت عام 1921 باسمه تخليداً لذكراه.
وتوفيت ابنته آن جيسي عام 1986 بعد أن كانت الأكبر سناً من بين الناجين من غرق "تيتانك".

وقال ألدريدج من شركة المزادات في ويلتشاير إن أعمال هاربر تذكّر بصورة "ذلك الجيل البريطاني في أوقات الشدّة".

وأضاف أن الرسالة بحالة "رائعة" وأنّ أحد هواة الجمع احتفظ بها 25 عاماً وقرّر نقلها إلى الجيل التالي.

نصّ الرسالة

"أخي العزيز يونغ. أكتب هذه السطور قبل أن نصل إلى كوينزتاون لأؤكد لك أنني لم أنسك ولا سيما كل اللطف الذي أبديته بينما كنا في الشمال.

كنت أنوي إرسال تذاكر القطار الخاصة بالسيدة برات قبل مغادرتي مباشرة، لكن في العجلة، كان الأمر استثنائيًا بعد أن كان لدي 11 أو 12 خدمة في نهاية الأسبوع ، لم أتمكن من إنجازها

سأرسلها من شيكاغو. لقد حظينا بموسم رائع من البركة خلال الأيام القليلة الماضية في والوورث.
لا أعرف كيف يمكنني أن أشكر عمتي العزيزة وأشكرك على لطفكما الكبير. سيدفع لك الرب مقابل كل هذا.
ثق بأن الأمور تسير على ما يرام في طريق بيزلي. المحاربون معي هنا وهم يقومون بذلك بشكل جيد حتى الآن خلال الرحلة.
مودتي الكبيرة ، القس الذي يحبّك ، جون هاربر".








كشف علماء آثار ، عن بناء محصن في هضبة الجولان المحتل، قالوا إنه يعود لثلاثة آلاف عام في عهد الملك داوود.

ويّعتقد العلماء أن الحصن الذي يعود لنحو 3000 عام، والذي تم العثور عليه بالقرب من مستوطنة هيسبين الإسرائيلية خلال التحضير لأعمال بناء جديدة، ينتمي إلى قبيلة الجشوريين الذي كانوا حلفاء للملك داوود.

وتشكل صخور البازلت المستخرجة محليا، جدرانا بسمك متر ونصف.

وأشار باراك تزين الذي أدار أعمال التنقيب لصالح سلطة الآثار الإسرائيلية، إلى أن المساحة المكتشفة تغطي أكثر من ألف متر مربع.

وعثر الحفارون على حجر كبير، نقش عليه شكلان لهما قرنان وقد مُدت أذرعهما، بالإضافة إلى تمثال صغير لامرأة تحمل آلة موسيقية، قد يكون طبل إيقاع.

وأضاف تزين «يرتبط ذلك أيضا باكتشافات تعود إلى العصر الحديدي»، خصوصًا وأن قطعا أثرية مشابهة تم اكتشافها في مدينة بيت صيدا، لموقع يرتبط بعاصمة مملكة جشور" التي تقع غرب هيسبين على الشاطئ الشمالي لبحيرة طبريا.

وبحسب تزين، هناك مصدر يشير إلى وجود «روابط عائلية» بين مملكة جشور ومملكة داوود.

ويرى المشرف على عمليات التنقيب أن قلعة هيسبين وهي الأولى من نوعها التي يتم اكتشافها، تضيف «قطعة نادرة إلى أحجية» الآثار في الجولان.

وقال «هذه الظاهرة قد تكون أكثر انتشارا مما نعرف، الأبحاث في الجولان حتى الآن ليست على مستوى عال.. لقد بدأنا للتو في إعادة اكتشاف الجولان».

ويتوقع تزين أن تساعد الاكتشافات المستقبلية في رسم حدود مملكة الجشوريين على نحو أفضل.









يُسلّط فيلم جديد الضوء أخيرا على شخصية جاسوسة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الأنظار. ويشكل هذا الفيلم، كما تقول كارين جيمس في السطور التالية، واحدا من بين مجموعة من الأعمال السينمائية التي أُنْتِجَت مؤخرا، وتناولت شخصيات نسائية حقيقية ودورها في مقاومة النظم الاستبدادية أو المؤسسات التي أهدرت حقوق العاملين فيها.

كانت الأمريكية فيرجينيا هول تعمل لحساب الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانت قد فقدت إحدى ساقيْها في حادث صيد وقع قبل ذلك بسنوات. وخلال فترة الحرب، أصبحت فيرجينيا، التي أطلقت على ساقها الاصطناعية اسم "كَثْبرت"، أول عميلة ميدانية تُرسل إلى فرنسا، قبل احتلالها من جانب النازي وأثناء فترة الاحتلال أيضا. وقد أقامت هناك شبكات تجسس ومنازل آمنة، وكانت العقل المدبر لعملية تهريب أحد السجناء، ولتفجير خط إمدادات للقوات النازية كذلك.

ورغم أن النازيين أطلقوا عليها ساخرين اسم "السيدة العرجاء"، فإنهم كانوا يرهبونها، إلى حد أن كلاوس باربي، وهو من بين أكثر قادتهم وحشية، أمر بإطلاق عملية بحث عاجلة عنها، واصفا إياها بأنها من بين أكثر الجواسيس العاملين لصالح الحلفاء خطورة. لكنها لم تسقط في يد النازيين قط، وهربت من فرنسا كلها، بعد رحلة شاقة سارت فيها لنحو 56 كيلومترا (35 ميلا) عبر جبال البرانس التي تكسوها الثلوج، وهي تئن من الآلام المستمرة التي سببتها لها ساقها الصناعية.

وقد جُسِدّت كل هذه الأحداث - بأسلوب درامي بالطبع - في فيلم "آيه كول تو سباي" (دعوة للتجسس)، وهو عمل سينمائي جديد يندرج ضمن مجموعة من الأفلام التي أُنْتِجَت في الآونة الأخيرة، ونفضت الغبار عن تفاصيل حياة شخصيات نسائية، لم يلقين التقدير الملائم لهن في التاريخ.

وقد أخرجت "دعوة للتجسس" ليديا دين بليتشر، التي شاركت أيضا في إخراج فيلم "ريديم غيرلز" (فتيات الراديوم)، وهو عمل درامي آخر، يستند في قصته إلى أحداث حقيقية، ويدور حول شقيقتين تعيشان في ولاية نيوجيرزي في عشرينيات القرن الماضي، وتقاضيان مصنعا أصيب العاملون فيه بالتسمم، بسبب استخدام مادة الراديوم.

ويشكل هذان الفيلمان جزءا من توجه سينمائي، ينضوي تحت لوائه كذلك، فيلم "هيدِن فيغرز" (شخصيات مخفية)، وهو عمل أُنْتِج عام 2016 وحقق نجاحا كبيرا، وتناول قصة النسوة ذوات البشرة السمراء، اللواتي أسهمن في صياغة ملامح برنامج الفضاء الأمريكي. وكذلك فيلم "آمونايت"، وهو من إنتاج العام الجاري، وتقوم ببطولته كيت وينسلت، مُجسدة دور ماري آنينغ، تلك السيدة التي توصلت إلى اكتشافات رائدة في مجال الحفريات والحياة في عصور ما قبل التاريخ.

وهكذا ففي وقت تثير فيه حركة "أنا أيضا"، التي تُعنى برفض واستنكار أي اعتداءات جنسية على النساء، اهتماما متجددا بحقوق النسوة واستقلاليتهن، تتفاعل قصص السيدات اللواتي ظهرن في هذه الأفلام مع واقعنا في الوقت الحاضر، عبر المعارك المتواصلة التي خُضْنها مع المؤسسات التي كانت قائمة في الحقب التي عشن فيها، ومارست آنذاك التمييز ضد المرأة. لكن للحق، ليس هناك من بين هؤلاء النسوة، من عاشت حياة أكثر إثارة في أحداثها، مما فعلت فيرجينيا هول.

وتجسّد سارة ميغان توماس في الفيلم دور فيرجينيا، كما كتبت سيناريو العمل الذي يتطرق أيضا إلى حياة شخصيتيْن أخرييْن، لعبتا كذلك دورا خلال الحرب العالمية الثانية. أولاهما فيرا أتكينز، السيدة رومانية المولد، التي كانت جزءا مما عُرِفَ بـ "منظمة تنفيذ العمليات الخاصة"، التي كان يُطْلِقَ عليها كذلك اسم "جيش تشرشل السري". وقد تولت فيرا (التي تجسّد شخصيتها الممثلة ستانا كاتيك) تجنيد النساء للعمل كعميلات للاستخبارات، في وقت كان ذلك فيه أمراً غير مألوف بشدة.

أما الشخصية النسائية الثانية، فكانت سيدة إنجليزية - هندية من بين من جندتهن فيرا، وتُدعى نور النساء عنايت خان (أدت دورها الممثلة راديكا آبتي). وقد أُرْسِلَت نور إلى فرنسا لتصبح عاملة لاسلكي، وهي أخطر المهام التي كانت تُسند للعملاء في ذلك الوقت.
ورغم تعدد الشخصيات التي يتناولها الفيلم، فإن قصة حياة فرجينيا تشكل محور أحداثه، بداية بالكفاح الذي خاضته لتصبح عميلة استخباراتية رغم إعاقتها الجسدية وكونها امرأة كذلك. المفارقة أن هذين الأمريْن تحديدا شكلا "الغطاء المثالي" لها، كما قالت شخصية فيرا في العمل، عندما كانت تتحدث عن ضرورة توجه فيرجينيا إلى ليون، تحت ستار العمل كصحفية. وقالت في هذا الصدد: "لن يشك أحد في أن مراسلة أمريكية جميلة تعاني من العرج؛ مذنبة في أي شيء".

على أي حال، لا يُدخل الفيلم تغييرات جوهرية على الطابع الذي تصطبغ به عادة أفلام الجاسوسية، لكنه يستفيد من سمات هذا النوع من الأعمال لخلق أجواء من التشويق والترقب لمواجهات تبدو دانية في كل مرة يقترب النازيون من بطلاته. وبحسب الأحداث، تصل فيرجينيا إلى فرنسا، وتشرع على الفور في ترتيب رحلة ليلية خطيرة، يُعاد بها عميل بريطاني جريح إلى لندن. بعد ذلك، نرى هذه السيدة وهي تستجمع شجاعتها على نحو هائل، وتسير واثقة وهادئة، في وقت يطلق فيه النازيون النار على أحد أعضاء خليتها، على قارعة الطريق.

ويركز "دعوة للتجسس" على السنوات التي حققت خلالها فيرجينيا أبرز إنجازاتها، وذلك سيرا على درب غالبية الأعمال السينمائية، التي تُسلّط الضوء على بعض الشخصيات النسائية البارزة، وما مرت به في حياتها. ففي مقابلتها الأولى مع فيرا، تروي فيرجينيا ببساطة ما مرت به في سنواتها السابقة، مثل محاولاتها للعمل لحساب الاستخبارات الأمريكية، وفشلها في ذلك، بسبب استعانتها بساق صناعية، وهو ما حدا بها للتوجه إلى فرنسا، للعمل سائقة لسيارة إسعاف في زمن الحرب، قبل أن تعمل في مقر السفارة الأمريكية في لندن.

ورغم التزام الفيلم بالحقائق التاريخية الأساسية في حياة بطلاته، وتطورات مسار كل منهن في العمل السري، فإنه لا يفعل ذلك بالصرامة نفسها، عندما يتناول تفاصيل العلاقات التي ربطت بينهن. فمع أن فيرا عَرِفَت فيرجينيا بالفعل، لكنها لم تجندها كما ظهر في العمل. من جهة أخرى، فرغم أن نور النساء عنايت عَمِلَت تحت إمرة فيرا، فإنها لم تشترك مع فيرجينيا في الإقامة في غرفة واحدة خلال فترة تدريبهما على العمل الاستخباراتي، ولم تلتقيا بعد ذلك في فرنسا، كما ظهر على الشاشة.

وبررت الممثلة وكاتبة السيناريو ميغان توماس هذه التغييرات، بأنها أتاحت لها الفرصة "لوضع نور وفيرجينيا في المكان والزمان نفسيهما، مثلما حدث في فيلم `شخصيات مخفية`". وأضافت بالقول: "أنا أعتبر نساء مثل هؤلاء، الشخصيات الخفية لعالم الجاسوسية".

من جهة أخرى، أدى ربط قصص البطلات ببعضها بعضا، إلى جعل الفيلم وثيق الصلة بشكل أكبر، بعالمنا اليوم الذي تسوده العولمة. وتقول ميغان توماس في هذا الشأن إنها كانت مهتمة بفكرة "توحيد نساء من جنسيات وخلفيات مختلفة جهودهن لمقاومة شر مشترك". وعلى مدار الفيلم، نلاحظ كيف كانت الشبهات تحيط بـ "فيرا" في داخل قِسمها نفسه، لأنها يهودية من جهة ومولودة في دولة أجنبية من جهة أخرى. كما رأينا كم كان القلق يساورها، من إمكانية عدم حصولها على الجنسية البريطانية، وأن تتعرض للترحيل كذلك. أما نور المولودة لأب هندي وأم بريطانية، فنعلم من الأحداث، أنها مسلمة وناشطة من أجل السلام، تصر على أن لديها دورا يتعين عليها الاضطلاع به، على صعيد محاربة النازية.

الدراما والخطر

وتمثل فكرة المقاومة العنصر المشترك، الذي يربط بين فيلميْ "دعوة للتجسس" و"فتيات الراديوم"، الذي شاركت بليتشر في إخراجه مع جيني مولر، تلك السيدة التي كانت من بين كُتّاب السيناريو للعمل أيضا. وتبدأ أحداث "فتيات الراديوم" في عام 1925، في أروقة مصنع تعكف فيه العاملات على كتابة أرقام تتوهج في الظلام، على قاعدة الأرقام والرموز الموجودة في الساعات. ونرى هؤلاء العاملات، وهن يلعقن الفراشي المليئة بالطلاء، الذي يحتوي على الراديوم، كي يتسنى لهن رسم الأرقام بشكل أكثر دقة. بجانب ذلك، تبيع الشركة المالكة للمصنع، والتي تحمل اسم "أميركان ريديوم" المياه المُشبّعة بالراديوم إلى زبائنها، باعتبارها "إكسيرا سحريا".

وتتناول الأحداث قصة حقيقية لشقيقتيْن لجأتا للقضاء ضد الشركة التي عملتا لحسابها، بعدما اكتشفتا أن أصحابها كانوا على علم مسبق، بالخطر المميت الذي يشكله الراديوم على صحة من يستخدمونه، لفترة تستمر سنوات.

وعلى غرار ما حدث في "دعوة للتجسس"، تخلق بليتشر عالما سينمائيا ذا طابع مميز، وشخصيات يمكن للمشاهد التعاطف معها. وتُدعى الشقيقتان بطلتا العمل بيسي وجوزي. وتجسد جوي كينغ شخصية بيسي، التي تحلم بأن تصبح من بين نجمات هوليوود، فيما تؤدي آبي كوين دور جوزي، التي تتوق لزيارة مصر للقيام بالتنقيب عن الآثار. وبحسب الأحداث، تبدو جوزي أسرع عاملات المصنع وأفضلهن كذلك. لكنها سرعان ما تسقط فريسة للمرض. ورغم أن طبيب الشركة يقول لها إنها على ما يرام، نجد أنها تسعل دما، وتفقد أسنانها أيضا.
ويشكل إبراز الفيلم لطلاء الأظافر المتوهج المُشبّع بالراديوم الذي تستخدمه بيسي، نموذجا على قدرة العمل على الاستفادة بشكل فعال، من تفاصيل الفترة الزمنية التي تدور أحداثه فيها. اللافت أن نضال بطلتيْ الفيلم من أجل الكشف عن الحقيقة، لم يكن ليُعرض في وقت أكثر ملائمة لذلك من عصرنا الحالي، ما يظهر كيف يمكن أن يكون لحياة الشخصيات التاريخية، صدى في حاضرنا. ورغم أن تصوير "فتيات الراديوم"، انتهى قبل أن يجتاح العالم وباء كورونا، فإن بليتشر ترى أن قصته "تماثل ما يحدث في العالم حاليا، حيث يتم إنكار العلم، ويعتبر البعض شيئا ما آمنا، وهو ليس كذلك، وحيث نرى الناس يحتضرون ويموتون".

ورغم الحيوية التي تُقدم بها شخصيات هؤلاء النسوة على الشاشة، فإن أفلامهن لا تخبرنا سوى بجانب واحد، مما مرت به كل منهن في حياتها. فأحداث "دعوة للتجسس" - مثلا - تنتهي، والحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، دون أن يتطرق العمل إلى باقي مراحل حياة فيرجينيا، التي لا تُقاوم من فرط إثارتها. وتشكل تفاصيل مسيرة هذه السيدة بمختلف جوانبها، موضوعا لكتاب سيرة ذاتية ضخم نُشِرَ العام الماضي، واختارت له مؤلفته سونيا بورنيل عنوان "سيدة عديمة الأهمية: القصة المسكوت عنها للجاسوسة الأمريكية التي ساعدت على الانتصار في الحرب العالمية الثانية".

فبعد الحرب، أصبحت فيرجينيا واحدة من أوائل السيدات اللواتي عَمِلن في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي آيه) الوليدة وقتذاك. لكن حتى مسؤولي الوكالة يعترفون الآن، بأنهم لم يستفيدوا من قدرات تلك السيدة على الوجه الأمثل. وقد استشهدت بورنيل في الكتاب بتقرير سري، قال إنه تم تعطيل مسيرة فيرجينيا "لأنها كانت ذات خبرات كبيرة للغاية، يشحب في ظلها نجم زملائها الذكور، ممن شعروا بأنها تشكل تهديدا لهم".
وفي عام 2016، أطلقت (سي آي آيه) اسمها على أحد المباني. ورغم أن ذلك لا يشكل إعادة اعتبار لها بشكل كامل، فإنه خطوة ذات مغزى على أي حال. كما أن من شأن استعراض تفاصيل حياتها على شاشة السينما، جنبا إلى جنب مع قريناتها من النساء اللواتي لم يحظين بالتقدير على نحو كاف من قبل، أن يشكل تقديرا فعالا ونابضا بالحيوية لهن بشكل أكبر، من إطلاق اسمائهن على أي مبنى مهما كانت أهميته.






بلا شك أن الوقت هو أثمن ما في الوجود، فالوقت هو حياتنا، فنحن نحيا عدة سنوات لو قارنتها بعمر كوكب الأرض تصبح لا شيء (أقل من غمضة عين) وإذا قارنت عمرك بعمر الكون يطلع صفر، وأغني ملياردير سواء بيل جيتس أو جيف بيزوس أو سليمان الحكيم، مهما أوتي من ثروة فلن يستطيع شراء يوم أمس، وبالطبع أول أمس يكون أصعب، حتى الثانية التي مرت من عمرك لن تستطيع إسترجاعها، إلا أذا كان لديك آلة الزمن والتي كتبت عنها رواية هربرت جورج ويلز.

كل هذا مقبول ومعروف، ولكن أن يعلمونا في المدارس ونحن أطفالا صغارا: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك!" ففي هذه العبارة كلمتان تشكلان عقلية طفل "داعشي" السيف والقطع! تعلمنا هذه العبارة وحفظناها عن ظهر قلب حتى قبل أن نرى السيف، ثم أن العبارة لا معنى لها كيف يكون الوقت كالسيف؟ هل هو حاد هل هو صديء هل هو يقتل، وكيف سوف يقطعني السيف؟ هل سوف يقطع رقبتي مثلا؟

أما إذا جئنا للشعر، فحدث ولا حرج عند الكلام عن السيف، وسوف أضرب أمثلة للشعر العربي الذي تعلمناه وحفظناه في المدرسة ونحن في سن المراهقة، والأمثلة من أعظم شعراء العرب؛ أبو الطيب المتنبي وعنترة بن شداد العبسي وأبو تمام:
يقول المتنبي في أشهر أبياته:
السّيف أصدق إنباءً من الكتبِ
في حده الحدّ بين الجدّ واللّعبِ

يبدو أن المتنبي كان من جبهة الرفض وكان لا يؤمن بالسلام لأنه يرى أن الحرب هي أفصل وسيلة لإنهاء المشاكل مع الأعداء، والحرب هي الجد، أما السلام فهو اللعب! ولو عاش المتنبي حتى شاهد السادات يعقد معاهدة سلام مع إسرائيل لأعتزل الشعر ثم انتحر بالسيف لأن في حده الحد بين الجد واللعب.

ويقول أيضا المتنبي:
أجبته معلناً بالسّيف منصلتاً
ولو أجبت بغير السّيف لم تجبِ

وطبعا واضح بأن المتنبي كان ناصريا وآمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد ألا بالقوة.
أما عنترة بن شداد العبسي فكان حكايته حكاية، فقد أدخل السيف في كل شعره بما فيه شعر الغزل: فها هو يرسل رسالة على الواتس إلى حبيبته عبلة يقول فيها:

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعتْ كبارق ثغرك المتبسِّمِ

يعني هو في عز المعركة والسيوف تقطر من دمه تذكر حبيبته لأن لمعة السيوف ذكرته بابتسامتها، ما هذه الرومانسية التي تقطر دما، واضح إن عنترة كان ينافس أبو لمعة في المبالغة في القصص والحكي!

ويقول في موضع آخر:
أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُيوفِ القَواضِب
وَأَصبو إِلى طَعنِ الرِماحِ اللَواعِبِ
وَأَشتاقُ كاساتِ المَنونِ إِذا صَفَت
وَدارَت عَلى رَأسي سِهامُ المَصائِبِ
وَيُطرِبُني وَالخَيلُ تَعثُرُ بِالقَنا
حُداةُ المَنايا وَاِرتِعاجُ المَواكِبِ
تَطيرُ رُؤوسُ القَومِ تَحتَ ظَلامِها
وَتَنقَضُّ فيها كَالنُجومُ الثَواقِب

أتخيل عنترة ينام على ظهره في الصحراء يحاول أن يعرف عدد النجوم في السماء الصافية، ولكن فجأة يأخذه الحنين إلى ضرب السيوف وطعن الرماح وسهام المصائب والرؤوس تطير في الظلام، يعني الشخص الطبيعي يحن إلى الحبيب أو إلى الأهل والأصدقاء، أو على الأقل يحن إلى ساندويتش فول وطعمية أو طبق كشري، ولكن يحن إلى طعن السيوف والرماح والسهام وطيران رؤوس القوم، فهذا خيال شخص مريض بالقتل، ويبدو أن الشاعر الشهير أبو تمام أيضا انضم إلى جبهة الرفض فها هو يقول:

بيض الصّفائح لا سود الصّحائف
في متونهنّ جلاء الشّك والريب
فهو يكرر ما قاله المتنبي بأن السيوف أهم من الكلام،

وكل هذا الشعر الذي تعلمناه في فترة المراهقة غرس في نفوسنا تقدير وتعظيم السيف والحرب وتحقير السلام والمفاوضات، واعتبار اللجوء إلى السلم هو دليل الضعف والخنوع، وأن السيف يحل كل المشاكل وكل المسائل، لذلك لا تتعجبوا إذا ظهرت بيننا "داعش" أو "القاعدة" تقطع الرؤوس بالسيوف لأنها تحقق أحلام عنترة العبسي!

سامي البحيري





"صلصال أمريكي" مجموعة قصصية" للقاص التونسي ناجي الخشناوي، لم يكتف فيها السارد بقص الأحداث وإنما أقحم الراوي للتحدث مباشرة مع القارئ، كما كان يفعل بعض الممثلين في المسرح اليوناني القديم حين يخرجون من الركح، ويتحدثون مع الجمهور، ويكسرون الجدار بين المبدع والمتقبِل، أو كما هو الشأن في اكسسوارات الخرافة الشعبية التي تعتمد على عبارات توجه للمتقبل تتخلل الحكي لتشد انتباهه. وهذا ما جعلنا ننتبه لوقوف السارد أمام المرآة ، فلا نفصل من خلالها شخصية السارد عن شخصية الراوي المفترض.

الأنا المتكلمة في قصة متخيلة هي تقنية اعتمدها السارد للتأثير علينا كقراء عبر التواصل الشفوي، ودمجنا في عوالم القصص لنصبح شاهدين على أحداثها. تواصل يتمرد فيه الراوي على السارد وذلك ما تجسد في قصة "رجل أصفر" على سبيل المثال: "إن أقصى ما يمكنني فعله الآن هو أن أعثر على آلة التحكم عن بعد وأهمس لكاتب القصص هذا "سيدي يمكنك إنهاء القصة الآن". كما يراود ذكاء القراء بقوله: "الأكيد أنكم تفطنتم لكذبي عليه وأنه لا وجود لأي طارئ عائلي". فهو لا يخاطب ذهن القارئ فحسب، بل يجر مدركاته الحسية ليخوض معه تجربة القص، خاصة وأن النصوص زاخرة بمشاهد الحرب والدمار وتأثيرها على حركات الشخصيات من خلال صور واقعية، ونفسية، إلى الحد الذي جعلنا نتساءل إن كانت صور الحروب مدونة في كتب التاريخ، تغزو الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، ألا يحتاج القارئ لتقيء صور هذا الواقع الدموي المدمر، أليست الكتابة قدرة على التطهر وشحن الواقع برؤى الفكر للبحث عن عالم بديل. وأي خصوصية يمنحها الكاتب لقرائه وصور الحروب تتشابه في عنفها وسادية مقترفيها عبر التاريخ والثقافات، فما الذي تقدمه الصورة من خصوصية يجد فيها القارئ ما يحفز على اكتشاف الجديد والمبتكر، فهل سيلوذ الكاتب بالرمز ليذكي قدرته على الابتكار أم أن للحروب مشاهدها المجسدة لنرى من خلالها وقعها على شخصيات مركبة مشوهة تحت وطأة صدمات دمرتها المشاهد قاسية، الرجل الذي يتبول لا إراديا تحت تأثير كوابيس الحرب، والمصور في قصة "شلت أصابعي"، الصدمات النفسية التي تفضي للتعفنات النفسية السادية في قصة "رجل أصفر"، الشخصيات التي تتحول من القوة إلى الضعف. والأب الذي يتابع مشاهد الحروب في الصحف القديمة ويشارك ابنته تشكيل الأدوات الحربية بالصلصال في "صلصال أمريكي".


الصورة السينمائية في قصة "شلت أصابعي"

تدور الأحداث في قصة "شلت أصابعي" في فضاء تطغى عليه مشاهد الدمار حيث تتكدس الحجارة والبنايات المنهارة، تحولت فيه البنايات الشاهقة إلى ثغور جائعة.. جدران مثقوبة بفعل طلقات الرصاص، أبواب ملقاة الكوابل تتدلى، الدخان، والغبار.

يتحول الفضاء إلى مكان واقعي تصويري يطل من شاشة ما، ترصد الكاميرا تفاصيل بعض الزوايا لتخطط للمشهد من جوانب مختلفة، لتواجه الشخصيات بعضها بعضا في واقع حربي ملطخ بالقذارة، ينشر الرعب، تشتد فيه المواجهة، واقع يصنع نمطا من الشخصيات لا من خلال صورها المسالمة وإنما في وضعيات متوترة صادمة.

"كانت الصغيرة جاثية على ركبتيها تمسك بيدها اليسرى قطعة حديد صغيرة صدئة. ملابسها تقطر وسخا من شدة الأغبرة التي خلفها غبار الشارع.. تبدو من بعيد مثل قصبة هواء صغيرة، ترتعش وترتعد بشكل يدمي القلب.. كانت مثل فأر صغير تسمر أمام جدار لا منفذ منه للهرب. لكنها كانت تحاول إظهار شجاعة ما، وقدرة على مواجهة أسوأ الاحتمالات".

تتحرك الكاميرا لترصد المكان والمواجهة الفاصلة مع هذه الفتاة المسلحة بقطعة حديد لتدافع بها عن نفسها في قلب أحد الشوارع الخلفية تحت سماء رمادية مخيفة ترمز لوابل الرصاص المنهار على المكان. لم يكن الراوي وحده يواجه الموقف وإنما توجه للقارئ لنقل المشهد "وكأنكم أمام لقطة سينمائية تقدم مشهدا كلاسيكيا من أفلام الوستارن". فلغة المواجهة هي لغة رفع السلاح وإطلاق النار. ولكن الراوي أعزل، كان يواجه فتاة دمرتها الحرب وحركت فيها غريزة القتال، تحاصرها أكوام الحطام. فهرب إلى الأمام.
تمت المواجهة بين جسد محاصر بين الركام يتحكم في زمام المواجهة، وجسد له القدرة على الركض والقفز. ومع ذلك رمى جهاز التصوير، وفر عند انعدام لغة الكلام. فالحوار يغيب في الحروب وتحل لغة القنص. وقد استخدم السارد اللقطة العكسية عند الهروب وكانت الفتاة خلفه داخل الركام.

وفي عودته من الخلف عبر الشارع الموازي ليطل عليها من الفتحة المدمرة. انقلب مشهد الصبية من طفلة هاربة من ويلات الحرب في المدينة الصغيرة إلى مقاتلة بآلة الكاميرا كأنها تتقمص وضعية جندي. "كان المشهد مغايرا تماما. أخذت الصبية وضعية جديدة، انبطحت على الأرض ببطنها الفارغ وجعلت قدميها الصغيرتين تتراقصان مثل المقص، وكان وجهها مصوبا نحو وجهي الناتئ من تلك الفتحة المدمرة".

تتحول الكاميرا إلى سلاح تركه المصور الهارب لتستحوذ عليه الفتاة المحاربة وعوض أن ينقل هو صورتها لصحيفته، تصوره هي وكأنها بصدد تغيير الأدوار.
"كانت أصابعها سريعة فوق زر القنص، تلتقط الصورة تلو الصورة وكان الفلاش القوي المنبعث من آلة التصوير ينهال علي مثل بريق النار الذي يخرج من فوهة البنادق عندما تطلق رصاصاتها".

وبذلك تحولت الفتحة التي تطل منها الفتاة إلى إطار للمجال البصري والمواجهة وجها لوجه، وهي تسمى المواجهة الفاصلة في لغة السينما الكلاسيكية. كما أن الراوي لم يكتف بالتواصل مع القارئ في وضعيات الخوف والهرب بل جعل القارئ يراه عند هربه من الخلف، وزخرت القصة بسلسلة لقطات سينمائية لتصور أجواء المواجهة والهرب. أما السارد فقام بتنظيم شخصياته من خلال شخصية المصور الصحفي المحاصرة في مكان شبه مغلق تتحرك في فضاء محدود وشخصية الفتاة المتحكمة في المشهد على الرغم من أنها محاصرة في مكان ثابت محدود. والرسالة التي أراد إيصالها للقارئ بأن السلاح أقوى من الصورة وهو الذي يتحكم في الصورة. فسياق الصور الفني مدرج في سياق سياسي في فترة تاريخية معينة. والحروب الجديدة صارت تعول على سلاح الصورة وهي تشحن عدتها.


الفكرة التي نخرج بها حين نقرأ "صلصال أمريكي" أنه لا توجد حروب بل حرب واحدة تتكرر، تجدد آلاتها حسب التطور التكنولوجي. تفصل مشاهدها بصلصال لين عطر سهل التشكل كما اللغة التي تطاوع مستعملها. صورها تتكرر وتعاد بنفس الصيغة، تلازم الصحف القديمة والجديدة، تعدد فضاءاتها لتواصل امتدادها، لكن من يطهر العالم من كل هذه الصور المدنسة، ألا تكفي كميات هائلة من المطهرات لإزالة صورها العالقة في الذهن والشعور.

فالراوي / الأب يداوم على قراءة الأخبار في الصحف القديمة، منتهية الصلاحية لأنه يدرك أن نفس الأحداث والأخبار تتكرر. الحرب هي الحرب.. جثث الأطفال والطائرات والصواريخ والبزات العسكرية. صور المجازر والقتلى والمصابين .. منظمات وهيئات دولية الغوث الإنساني والصليب الأحمر والأمم المتحدة.. صناعة الحروب الدينية والاثنية والطائفية والعسكرية من أجل تدمير شعوب بعينها.. بل نحن نعيش حربا يومية صارت مألوفة تتسلل صورها إلى أصابع البنت الهشة تحرمها من براءة الطفولة، تستبدل صور الطبيعة بصور الحروب، لتصنع من الأشكال المختلفة ذات الألوان الزاهية دبابات وطائرات وصواريخ وقنابل يدوية ومدافع وأحذية جنود وخوذات عسكرية وبوارج حربية ومكبرات صوت وجثث آدمية أيضا شكلتها البنت بالصلصال الأمريكي المرن.

ما تبقى من صلصال شكل به الأب مخيمات وطائرات هليكوبتر وشاحنات كبيرة وجعل قرب المخيمات عددا لا بأس به من صناديق الأدوية وكراتين العجين والحليب رؤوس آدمية بأجساد متهالكة تعلوها ملامح الجوع والتشرد.

والآخر الذي تحمله القصة المسؤولية على الحروب العربية لا يقدم قوالبه الحربية فقط، بل هو الذي يشكل العالم ويرسم مشاهد الدمار، ويتسلل إلى كل شيء حتى عادات الأكل، الفتاة تخير أباها في الأكلة التي ستشكلها من الصلصال إن كان يفضل بيتزا أم برغر .. الصور إذن مرتبطة بإدراك الشخصيات أن هذا العالم متوحش. وزرع في أذهانها كل أدوات وصور الحرب، كما تسلل ايقاعه الآلي إلى عاداتها الاجتماعية، وفرض أنماطه الثقافية، لذلك اعتمد السارد على المشاهد البصرية المتراكمة في الذهن والذاكرة كتبت بلغات وأدوات شتى، وما زالت تتفصل من خلال الصور الإخبارية التي يتدفق بها الإعلام بل تسللت إلى رؤية الأطفال إلى العالم، ومن هنا يبرز صوت المؤلف وهو يعلي صرخة الإنذار بالخطر وهو لا يكتفي بالتحديق في الواقع بل يشعر أن جذوره تقويه وتزيد من حجم تضخمه. لذلك شكلت شخصية المعينة المنزلية التي تستهلك كمية مفرطة من مواد التنظيف وما ينتظرها من جهد لمسح آثار قوالب الصلصال الحربية حاجة هذا العالم للتطهر المفرط من كمية العنف المدمر.
الصور النفسية في قصة "الرجل الأصفر"

تنبري الصور النفسية للرجل الأصفر بتصرفاته الغريبة وهو يحول غرفته إلى مزبلة ليعبر عن فكرة متعفنة تجسدت بحركات هستيرية. من خلال إحساسه بانسداد الأفق وشعوره بالعيش في واقع معلب، وجد فيه الإنسان ومازال، يصنع علبه التي تحوي فوضاه وجموحه. فلم يرتب الأشياء من حوله بينما تتكدس على بعضها البعض في الحروب والنكبات وصور الهلوسات في الأحلام والكوابيس، ألا تحاكي تمثلاته الحلمية زيف هذا العالم المتنكر بلحاف السلام بينما يحركه المتوحش الجاثم في أعماق اللاوعي، ويراكم تضاريس صوره المفزعة. من هنا قدم لنا الراوي نفسه في قصة "رجل أصفر" وهو يعود إلى صور اللاوعي ويجسدها في الواقع حين يحول غرفته إلى أكداس من الأشياء والأدوات غير المرتبة كما عبر السارد عن ازدواجية هذه الشخصيى وانفصامها، وهو يقسم حكايته بين ضمير الغائب وضمير الأنا ليعكس انشطاره النفسي.
ما الفرق بين الأحلام والكوابيس والصور غير المرتبة، ألا تطغى على الواقع هلاوس الحلم المرتبة على شكل أكوام متراكمة على بعضها، هل تقدر الشخصية على التخلص من الهلاوس! أم إنها عاجزة على مواجهة صور كبتها. لم يكن ما يفعله غريبا عن الواقع وصور ومشاهد الحروب.
العلبة هي الرحم المعلب الأول حيث هيأه للنزول لعالم لا طمأنينة فيه ولا سلام. يخلف شخصية سادية حركاته مركزة ومدروسة لتحرق كل هذه المحتويات برسم حزام دائري من البنزين وإلقاء عود الثقاب. الخروج من العلب. تدفعه لاختلاق تهويمات متوترة بينما الذئب المتوحش يعوي داخله. الحياة السهلة انتزعت منه مبررات الوجود. يصاب بذعر وتشل حركته ويتدخل صوت الراوي لينهي القصة.
هذه عينات من مجموعة قصصية خاضت في موضوع شائك، مكرر، ممجوج، لكنها اقتنصت كوابيسه في اليقظة والأحلام.

هيام الفرشيشي







يستعد رواق الفنون ببن عروس بإدارة الفنانة التشكيلية نزيهة الصولي وتحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بولاية بن عروس لتنظّيم المعرض الشخصي للفنان التشكيلي الكبير علي الزنايدي خلال الأيام القليلة المفبلة وذلك ضمن النشاط الفني للموسم الجديد الذي شهد عددا من المعارض لفنانين تونسيين من مختلف التجارب والاتجاهات الفنية.

المعرض يضم مشهدية بانورامية مفتوحة على تجربة الزنايدي من خلال الأعمال القديمة والجديدة التي تعكس المسيرة وجهد العقود في تجربة سيد علي الذي هو واحد من أبرز التجارب الفنية التشكيلية المعاصرة في تونس والوطن العربي.
التجربة والمسيرة

هكذا يواصل الفنان التشكيلي والخبير في الأعمال الفنية علي الزنايدي أنشطته المتعددة في المجال الفني الجمالي حيث يقام له هذا المعرض بعد مشاركات سابقة حيث تم عرض لوحاته بعدد من الفضاءات وفق مشاركات شرفية وتكريمية جماعية وفردية كما كان له تكريم دولي بالدورة الأخيرة من المهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية بالمحرس حيث توج باللوقو-الدرع الشرفي للمهرجان بناء على تميزه وما قدمه من أعمال إبداعية في المشهد التشكيلي وبكلمة موجزة ومعبرة قدمه الناقد والفنان التشكيلي د. فاتح بن عامر ليثمن تجربته ويبرز خصوصياتها مشيرا إلى ما يميز سيد علي الزنايدي من علاقات جيدة بالفنانين وتواضعه وأخلاقه ما يجعله صاحب تجربة فنية بينة. كما كان الفنان علي الزنايدي ضيف شرف معرض "نساء 2020" برواق السعدي حيث حضرت لوحاته في حيز من اللوحات المشاركة لفنانات تونسيات بمناسبة عيد المرأة وفق تقليد ثقافي فني يعده سنويا الفنان محمد علي السعدي في نشاط رواقه بضاحية قرطاج.

ويحضر فن الزنايدي الآن ضمن معرض فني تشكيلي بدار الثقافة بمرناق في سياق مشاركة مع الفنانين عبدالمجيد بن عياد وإبراهيم العزابي وعبدالمجيد بن مسعود. وكذلك حضوره الشرفي في معرض جماعي برواق الفنون ببن عروس من خلال عدد من لوحاته الفنية، وإلى جانب عدد من الفنانين التشكيليين.

علي الزنايدي... فنان وتجربة... نعم إن الألوان تتكلم لتقول، بل تصرخ نشدانا للعين لترى ما به يصير المشهد عنوانا باذخا من عناوين الإبداع والإمتاع في تجليات شتى يلونها السحر والشجن المبثوث بين التفاصيل والأجزاء. إن الفنان يظل يسابق الرياح للقبض على المعاني وكنهها الإنساني والوجداني وألوانها الملائمة في حيز إنساني يتسم بالتعميم والتعويم ونثر الضباب لتقليص البون بين الحالة والآلة. نعم الفنان يمضي ديدنه الكشف ومساءلة العناصر والموجودات نحتا للقيمة وتثبيتا لما نسميه السمو. إنه السمو بما هو ساحر وجميل وفاتن ومهم في حياتنا التي يقف على أرضها المبدعون، الفنانون الذين لا يقنعون بغير النظر تجاه الشمس نشدانا للعلو وللقيمة. أليست الشمس مهد الكلمات. والكلمات لباسها الألوان والأصوات والحلم.

أنتِ .. أيتها الألوان الضاجة بالأصوات مثل ناي قديم.. يرافقك الطفل وهو يطاردك مثل فراشات من ذهب الأزمنة.. لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط .. والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجها من وجوه اللوحة جماليا. كل ذلك وفق إيقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار. والزمن في كل ذلك إطار متحرك ومفتوح.. نعم.. هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني، لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم.

من حي باب الفلة وفي أجواء نهج السبخة بهدوئه وناسه الطيبين وأزقته الشاسعة بالمحبة والشجن كانت الخطى الأولى حيث الطفل المتوغل في مسارب اللون والعبارة المرسومة على الملامح وفي الوجوه. من صحن الدار العربي ولمعان الجليز والأصوات المنبعثة من السوق حيث الأمتار القليلة الفاصلة عن المدينة العربية. من كل هذا وغيره بزغت فكرة الذهاب الجمالي في التعاطي مع القماشة منذ السبعينيات. هي الرحلة المفتوحة إلى الآن؛ على الفن بما هو المحبة وكذلك الشجن. تجربة بينت عمقها وأصالة عناوينها لتبرز قوية وهمة في تونس والوطن العربي عموما إلى جانب تجارب أخرى.

من هذا الباب الذي سميناه الحلم.. ألج عوالم أحد هؤلاء الفتية المأخوذين بالفن بما هو الحلم الذي تتعدد تيماته، حيث البساطة التي تصول وتجول في الدروب، الشوارع والأحياء والمدن، والبساطة هي أصعب أعمال الفنان.. الفتى هو الفنان الكبير علي الزنايدي الذي اتخذ لفنه نهجا مخصوصا ضمن تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود تميزت بدأبها الجمالي وجديتها من حيث العمل على رصد الجميل في الحياة التونسية. المدينة وعناصر حيويتها وحركتها المفتوحة على شتى العناوين والألوان. هناك حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي منها الحكاية المبثوثة في العمل التشكيلي بما بجعله يتجاوز القماشة إلى فضاءات أخرى منها الذات المتقبلة وما تزخر به من كيانات وأحاسيس الأمر الذي يحدث ذلك التفاعل الوجداني والجمالي ليصير ضربا من الثقافة البصرية المتشبثة بالأصيل والحديث لتجعل منهما جناحين للشخصية التونسية الآن وهنا.. هذا الأمر يرافق أعمال الفنان التشكيلي علي الزنايدي في مختلف معارضه السابقة والحديثة سواء في تونس أو خارجها، وهذا ما نلمسه في لوحاته ... مسحة من التجديد وعناوين شتى وتقنيات مختلفة كانت في اللوحات لتعبر عن هذا النسق الجمالي المتجدد عند الزنايدي وهو ينظر تجاه العناصر المختلفة يحاولها ويحاورها ضمن القول بالتعاطي الثقافي والفكري والوجداني معها.

الفنان علي يسعى لتقديم أعمال ضمن عنوان المشهدية في أشكالها المختلفة لنشاهد على اللوحات حالات من الحكايات فيها البانوراما وفيها المواضيع المحددة ولكنها تحتفي بذاتها بعيدا عن الاجترار حيث الألوان الدالة على الأعماق العربية الإسلامية والعلامات التونسية المستلهمة في الحياة الومية. حياة تنبض حركة وتدرج في الموضوع للوصول إلى بانورامية الحالة. هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم وفق إيقاع تشكيلي هاجسه التجدد ومزيد التوغل في البيئة الثرية؛ البيئة التونسية بحكاياتها وأشجانها وبمختلف رموزها وعلاماتها. ولا شيء سوى نشدان الإمتاع والإبداع.. قولا بالعذوبة.. والسحر والجمال الوجداني والمكاني المبثوث في الحالة وهي في عنفوان بهائها النادر.

هناك عشق مبثوث في تفاصيل الأعمال، هو عشق البيئة الغنية والمتنوعة؛ الغنية بثقافتها والمتنوعة في ممكنات التأويل. إن الفنان علي الزنايدي يستبطن جيدا جغرافيا المدينة ودلالات ألوانها وعطورها من حكايات وذاكرة ومناسبات وعلامات وتقاليد. إن أسلوب الزنايدي اتخذ خطه الخاص به حيث المفردة التشكيلية لا تلوي على غير القول بالعمق المرادف للبساطة وفق عنوان عام هو حميمية الفهم لحظة النظر حيث تنعدم حالة الانبهار تجاه الفنان والإنسان. إنها فقط لحظة إرضاء الذات التي يحتشد فيها ذلك التراكم الثقافي والوجداني والشعبي بمعناه العميق. وهنا تشتغل قدرات الزنايدي.




arrow_red_small 4 5 6 7 8 9 10 arrow_red_smallright