top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
روبوت جوّال ينجح في إنتاج الأكسجين على المريخ
حقق الروبوت الجوّال «برسيفرنس» التابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا إنجازاً جديداً على سطح المريخ إذ نجح في تحويل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للكوكب الأحمر إلى أكسجين، وهي سابقة على كوكب غير الأرض، وفق ما أعلنت الوكالة. وقال المسؤول في ناسا جيم رويتر «إنها محاولة أولى بالغة الأهمية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين على المريخ». وأجريت المحاولة في 20 أبريل وتأمل ناسا في أن تساهم النسخ ...
الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاد الحرب ضد الاحتلال الفرنسي
في نوفمبر/تشرين أول عام 1832 بايع الجزائريون عبد القادر بن محي الدين أميرا عليهم وذلك بعد مرور عامين على الاحتلال الفرنسي للجزائر. كان عبد القادر في الـ 25 من عمره عندما تمت البيعة له بعد اعتذار والده عن الإمارة واقتراح نجله بدلا منه. فمن هو الأمير عبد القادر؟ ولد الأمير عبد القادر في 6 سبتمبر/ايلول عام 1807 بالقرب من مدينة المعسكر في الجزائر. وتنتسب عائلته إلى الأدارسة الذين يمتد نسبهم للرسول محمد (ص) وكانوا ...
132 سنة استعمار.. هكذا نهبت فرنسا خيرات الجزائر
فرضت السلطات الاستعمارية الفرنسية نهبا ممنهجا لخيرات وثروات الجزائر طيلة 132 سنة من الاحتلال، عبر قرارات وإجراءات وقوانين. واحتلت فرنسا مدينة الجزائر في 05 يوليو/ تموز 1830، واستغرقت السيطرة على عموم البلاد نحو 70 سنة. واستقلت الجزائر عن فرنسا في 05 يوليو 1962، بعد ثورة تحريرية انطلقت في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، وخلفت 1.5 مليون شهيدا وفق أرقام رسمية. وشهدت مرحلة السيطرة على عموم الجزائر عمليات تهجير للسكان ...
مجلس أمناء جائزة زايد للكتاب يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15
مجلس أمناء "جائزة زايد للكتاب" يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15 اعتمد مجلس أمناء جائزة الشيخ زايد للكتاب نتائج الدورة الخامسة عشرة وأسماء الفائزين في فروع الجائزة التسعة بعد الاطّلاع على توصيات الهيئة العلمية للجائزة، على أن يتم الإعلان عن الفائزين في نهاية شهر أبريل الجاري، وشهدت الجائزة هذا العام مشاركة 57 دولة من بينها 35 دولة أجنبية و22 دولة عربية . وقالت وكالة الأنباء الإمارتية /وام/ - إن اللجنة ...
ما قصة لوحة أمي الخائفة
الكثير من لحظات الخوف والألم يولد من رحمها الإبداع والفن، الذي يجسد هذه اللحظات، بطريقة تحاكي الواقع المعاش، بلمسة لا تخلو من التميز والإبداع وتترك أثراً في نفوس مشاهديها. قصتنا اليوم تتحدث عن لوحة دقيقة بالقماش والخرز، وثقت لحظات حالة خوف أم سورية، لحظة سماعها صوت انفجار ضخم في منطقة قريبة من منزلها عام 2015، حيث قام فادي الإبراهيم فنان تشكيلي سوري، بتحويل الصورة الفوتوغرافية التي التقطها ...
من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل؟
بحلول أول أبريل/نيسان ربما يفكر البعض في إطلاق بعض "الأكاذيب" على أسرته وأصدقائه لأنه ببساطة اليوم الذي اعتاد فيه الناس خداع بعضهم البعض بمرح. وقال أندريا ليفسي المؤرخ بجامعة بريستول: "إن الناس تحتفل بهذا اليوم في بريطانيا منذ القرن التاسع عشر." ولكن لماذا نحتفل بكذبة أبريل/نيسان؟ يقول أندريا:" لا أحد يعرف على نحو دقيق من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل، ولكن هناك عدة نظريات عن أصل هذا ...





تعد شجرة الحياة في مملكة البحرين معجزة حقيقة، فهذه الشجرة التي يتجاوز عمرها 400 عام وأكثر، لازالت تقف وسط صحراء الصخير جنوب العاصمة المنامة في بقايا قلعة عمرها 500 سنة، وسط درجات حرارة تزيد على الـ50 درجة صيفاً لتكون معجزة تشمخ وسط الصحراء الجافة الممتدة، حيث تقف وحيدة صامدة في بيئة لا وجود لحياة أو ماء فيها، ويبلغ طولها 10 أمتار، وتبعد عن العاصمة المنامة 10 كيلو مترات

وتعرف محلياً باسم شجرة العوسج التي تنتشر في صحراء السعودية والبحرين، ويعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي...عن تحويل الشجرة إلى مزار سياحي..وكثرة عدد زائريها الذي وصل إلى 50 ألف زائر في العام الماضي..والتي رُشحت لتضاف إلى عجائب الدنيا السبع ..يدور التقرير الآتي..

مزار سياحي

أحبها البحرينيون، وحولوها لمزار سياحي مهم يصرون على زيارته بين الحين والآخر، قبل أن تصبح "شجرة الحياة" مزاراً سياحياً ومعلماً أثرياً عاماً يقصده الكثير من زوار البحرين من الخليج وأوروبا والعالم، ورصدت الأرقام الرسمية عدد السياح الذين يتوافدون لرؤية الشجرة بحوالي 50 ألف زائر في العام الماضي الذي سبق كورونا، ليتم بعدها إنشاء سور دائري لحماية الشجرة من الأضرار الناجمة عن تواجد السيارات وأعمال التخريب، وفي الوقت نفسه لتوفير فرصة للزوار للتأمل الشجرة والاستمتاع بمنظرها من مسافة آمنة، وقد أقيم كذلك على مقربة من الشجرة معرض للتحف الأثرية ومنصة صغيرة لعقد العروض والفعاليات الخارجية المختلفة، وذلك من ضمن المشروع الذي نفذته هيئة البحرين للثقافة والآثار.

شجرة معمرة

الشجرة التي لا توجد أي شجرة مثيلة لها في المنطقة، والتي أبهرت الزوار من كل العالم بسحرها وسرها المدفون في رمال الصحراء، والتي رصدها وصورها كبار الفنانين والمصورين من العالم، تقف الآن، وفي زمن فيروس كورونا "وحيدة" بلا زوار، وتبقى تمد جذورها لمئات الأمتار تحت رمل الصحراء؛ لتحصل على الماء لتبقى صامدة بانتظار زوار ما بعد كورونا، بينما يكتفي البحرينيون باصطحاب أطفالهم أو أسرهم للمرور بالشجرة ورؤيتها ولو من بعيد، وفي عام 2009 رشحت الشجرة لتكون ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.








ما هي أضخم المشروعات التي يمكن للإنسان تصميمها وتنفيذها؟ في السطور القادمة يسعى أندرس ساندبرغ للإجابة على هذا السؤال، عبر استعراض بعض أكثر الرؤى طموحا في التاريخ.
في عام 1603، وضع كاهن يسوعي، يُدعى كريستوف غرينبرغر، تصورا لآلة قال إن من شأنها "رفع كوكبنا بأسره"، باستخدام الحبال والتروس.
وفي تلك الأيام، كان غرينبرغر يتولى مراجعة الأبحاث التي يعدها المؤلفون اليسوعيون في مجال الرياضيات، في دور يشبه ما يقوم به الآن، المسؤولون عن تحرير الدوريات العلمية المتخصصة. وقد كان هذا الرجل لا يقوى على مقاومة الانخراط في حل المسائل الرياضية.
ومن هذا المنطلق، استنبط أن قدرة المرء على رفع أشياء تفوق وزنه أضعافا مضاعفة باستخدام الحبال والتروس، تعني أن بوسعه أن يرفع كوكبنا كله، ولو ببطء شديد، إذا استعان في ذلك بآلة مؤلفة من 24 ترسا أو عجلة عملاقة مرتبطة بطاحونة هوائية.
وكأي أكاديمي معاصر؛ ينزع لتغليب النظرية على التطبيق، لم يعبأ غرينبرغر بالتفاصيل المزعجة، وكتب قائلا: "لن أنسج الحبال، أو أصف المواد التي سيتم تصنيع التروس أو العجلات منها، ولن أتطرق حتى للمكان الذي يُفترض أن تُعلق فيه هذه الآلة، نظرا لأن تلك المسائل ستُترك للآخرين لتحديدها".
لكن طريقة تفكير هذا الرجل ليست مرتبطة بعصره وحده، فوجود مثل هؤلاء الأشخاص أصحاب التوجه المستقبلي في التفكير، بدأ مع نشأة علم الرياضيات ذاته. وطالما حاول المفكرون والباحثون استكشاف أقصى ما يمكن لهم تصميمه وتنفيذه من مشروعات، حتى لو كانت التقنيات المتوافرة لهم، لا تُمَكِنّهم من وضع ذلك موضع التطبيق.
وعلى مدار قرون طويلة، حَلِمَ هؤلاء باختراع آلات شتى؛ لإجراء تغييرات على تربة الأرض، أو حتى إعادة ترتيب الكون.
ويُعرف فرع علم الهندسة المعني بمشاريع طموحة وضخمة مثل هذه، بـ "الهندسة واسعة النطاق" أو "الهندسة العملاقة" أو "الكلية" كما يُطلق عليه في بعض الأحيان.
وتستهدف المشروعات المندرجة في هذا الإطار، إعادة تشكيل ملامح العالم، أو تصنيع أشياء قد يصل حجم كل منها إلى "عالم" مستقل بذاته.
لكن ما الذي يمكن لنا أن نستشفه من "أحلام الهندسة العملاقة هذه"، على صعيد إدراك مدى براعة الإنسان، واتساع نطاق مخيلته؟
قد يتعين علينا في البداية الإشارة إلى أن "الهندسة العملاقة" تلك، ربما تضرب بجذورها في زمن الإغريق القدماء. فمن بين أشهر ما يُعرف به عالم الطبيعة والرياضيات والفيزياء أرخميدس مثلا، تباهيه بالقول "بمقدوري تحريك الأرض، إذا أعطيتني مكانا لأقف فيه". حديث أرخميدس هنا، يتمحور حول الروافع بطبيعة الحال، إذ كان يعلم أن وجود محور ثابت، ورافعة طويلة للغاية، يجعل بإمكان المرء ممارسة "قوة هائلة" على أي شيء يريد رفعه.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الخطوة المنطقية التالية لاكتشاف أن قانونا فيزيائيا ما قابل للتعميم، تتمثل في التفكير في توسيع نطاق تطبيقه، واستكشاف ما سيترتب على ذلك من تبعات، على الصعيد العملي.
فالعالم الإنجليزي إسحاق نيوتن، أدرك مثلا أن قانون الجاذبية ينطبق على ثمرة فاكهة مثل التفاح، وجرم سماوي كالقمر، لذا أشار قبل وقت طويل من نجاح البشر في ارتياد الفضاء، إلى أن تصميم مدفع قوي، سيؤدي نظريا إلى تمكيننا من إطلاق مركبة فضائية إلى المدار المحيط بالأرض.
وقد تم التطرق إلى هذه الفكرة بالتفصيل في أدب الخيال العلمي، وتحديدا في رواية "من الأرض إلى القمر" التي أصدرها الروائي الفرنسي جول فيرن عام 1865.

وخلال القرن العشرين، قامت مجموعات في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم، بمحاولات جادة لتحديد ما إذا كان من الممكن تصميم مدفع على هذه الشاكلة.
ورغم أن هذه المحاولات باءت بالفشل، ما قد يجعل من اليسير على المرء اعتبار أن أفكار نيوتن في هذا الصدد ليست إلا تكهنات لا أساس لها من الصحة، فإنه يجدر بنا تذكر أنه كان يُعتقد في يوم ما أن الصواريخ، وهي الطريقة التي نتنقل بها الآن في الفضاء، ليست إلا أمرا خياليا وغير قابل للتطبيق.
ولعل هناك من يتذكر أيضا، ذاك الموضوع الشهير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في عام 1920، للسخرية من معتنقي أفكار مثل هذه، وإشارتها آنذاك إلى أن هؤلاء الأشخاص، ربما لم يدرسوا حتى منهج الفيزياء الذي يحصلّه طلاب المرحلة الثانوية. وللمفارقة، عادت الصحيفة نفسها، ونشرت في عام 1969؛ تحديدا في اليوم التالي لانطلاق مركبة أبوللو 11 بطاقمها المؤلف من رائديْ فضاء صوب القمر، ما بدا تراجعا بشكل ما عن موقفها الساخر في هذا الشأن.
وبمرور السنوات، قادت قفزات نظرية مماثلة تفتق عنها ذهن البعض بشأن مجال ارتياد الفضاء، إلى التساؤل عما إذا كان بوسعنا تصميم وتصنيع ما يُعرف بـ "المصاعد الفضائية". وتقوم فكرة هذه المصاعد المفترضة، على تثبيت حبل غليظ قوي للغاية في الأرض وربطه من الجهة الأخرى بثقل موازن لثقل كوكبنا لشيء يسبح في الفضاء، ما يجعل لدينا "مصعدا فضائيا" يعمل بالطاقة الشمسية. وبذلك، يمكننا - نظريا - وعبر هذا الحبل الغليظ، إطلاق المركبات الفضائية بأقل قدر ممكن من الوقود، صوب الكواكب الأخرى.
وفي الإطار النظري ذاته، يبدو أن "المصاعد الفضائية" التي يمكن أن تُثَبَت على القمر أو المريخ، ستكون عملية بشكل أكبر، في ضوء ضعف قوة الجاذبية عليهما، ما يسمح بأن تُطلق بواسطتها المركبات نحو الفضاء من على سطحهما، لمسافة أبعد.
ولم تتوقف طموحات البشر في المجال الفلكي عن هذا الحد، فثمة من يتوقع أن يتسنى للإنسان في المستقبل، جعل المريخ صالحا للسكنى، ومن يتكهن بإمكانية أن نضع هيكلا افتراضيا ضخما يُعرف باسم "غلاف أديسون" حول الشمس، لامتصاص الجانب الأكبر من الطاقة المنبعثة منها. بل إن البعض يقطع شوطا أوسع، ساعيا إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى بشدة، من قبيل إطالة عمر الشمس، أو حتى تحريك النجوم بين المجرات.
وبرغم أن أفكارا مثل هذه، تبدو جميعا بعيدة المنال في عالمنا اليوم، فإن مبادئ الرياضيات والفيزياء، لا تستبعد تحقيقها في يوم ما بشكل كامل.
إعادة تصميم الأرض
وقد ألهمت "الهندسة العملاقة"، البعض خططا طموحة ومتنوعة، تنطوي على التفكير في تنفيذ مشروعات مثالية وخيالية، تتضمن إجراء تغييرات على نطاق واسع على البحار والمحيطات والغلاف الجوي للأرض.
من بين هذه المشروعات؛ مشروع تبناه المهندس المعماري الألماني هيرمان زروغيل في عشرينيات القرن الماضي، وحمل اسم "أتلانتروبا"، وكان يتألف من مراحل متعددة، تشمل بناء سد عملاق يغلق منطقة مضيق جبل طارق، بما يستلزم تقليل منسوب مياه البحر المتوسط بواقع 200 متر (نحو 656 قدما)، ما يفتح الباب أمام انحسار المياه عن مساحات من الأراضي، سيتسنى للبشر استيطانها بعد ذلك.
ومن بين مراحل المشروع كذلك، تشييد سديْن آخريْن أحدهما عبر مضيق الدردنيل لاحتواء مياه البحر الأسود، والآخر بين الساحل التونسي وجزيرة صقلية الإيطالية، بهدف إجراء خفض أكبر لمنسوب مياه البحر المتوسط. فضلا عن هذا وذاك، شملت مخططات مشروع "أتلانتروبا"، تمديد مسار قناة السويس عبر حفر بعض الخلجان، وإعادة تصميم نهر الكونغو، لملء المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد بالمياه، من أجل تمكين المزارعين في منطقة الساحل الأفريقي، من ري أراضيهم.
ورغم أن المخاوف البيئية القائمة الآن من شأنها استبعاد التفكير في هذا المشروع الضخم برمته، حتى وإن توافر الدعم السياسي له، فإن وجود الإرادة والأموال اللازمة للشروع فيه، ربما كان سيقود إلى أن يحاول البعض تنفيذه بالفعل.
ومن بين المقترحات الحديثة المماثلة، مقترح يخضع لدراسة متعمقة في الوقت الحاضر؛ بشأن إقامة سدود بين اسكتلندا والنرويج وفرنسا والمملكة المتحدة، بهدف احتواء ارتفاع منسوب مياه بحر الشمال. لكن علينا الإشارة هنا، إلى أن طرح هذا الاقتراح، لم يستهدف في الأصل تنفيذه، بقدر التحذير من تزايد منسوب مياه هذا البحر.
من ناحية أخرى، شهدت الولايات المتحدة بين عاميْ 1957 و1977 مشروعا يحمل اسم "بلوشير"، استهدف تطوير التقنيات الضرورية لاستخدام المتفجرات النووية في المشروعات الكبيرة ذات الطابع السلمي للبناء والإنشاء. (وقد تبنى الاتحاد السوفيتي مشروعا مماثلا، حمل اسم `الانفجارات النووية لخدمة الاقتصاد الوطني`). ومن بين المشاريع التي جرى الانتفاع فيها بهذا البرنامج؛ توسيع قناة بنما، وحفر موانئ صناعية، وشق طرق عبر سلاسل جبلية، فضلا عن تنشيط احتياطيات الغاز والنفط القابعة في جوف الأرض. ولم يكن من المفاجئ، ألا تحظى مشاريع البنية التحتية هذه، باهتمام حقيقي في أي وقت من الأوقات.
غير أن هناك الآن بالفعل فرعا من فروع الهندسة، يرتبط بدوره في تنفيذ مشروعات ضخمة من شأنها تغيير وجه كوكب الأرض، ويحظى في الوقت نفسه بأبحاث ودراسات جدية. ويُشار إلى هذا الفرع عادة باسم "الهندسة الجيولوجية" أو "هندسة المناخ". ويتضمن تصور إقامة مشاريع تنطوي على التدخل بشكل متعمد في منظومة المناخ، لتقليص القدر الذي تمتصه الأرض من الإشعاعات الشمسية، أو لتحجيم كميات ثاني أكسيد الكربون. ومع أن التحكم في هذه الإشعاعات، يبدو ممكنا بل وربما ضروريا، فإنه يشكل بلا ريب فكرة محفوفة بالمخاطر.
لكن ما الدافع وراء هذا النوع من التفكير؟
ربما لا يقتصر الأمر على مجرد شعور المرء بالمتعة، فالمنطق الذي يقف وراء التفكير في تنفيذ مشاريع ضخمة من هذا القبيل، يتمثل في الكثير من الحالات، في "لِمَ نقنع بالقليل من شيء ما، طالما أن بإمكاننا الاستزادة منه؟" فإذا كان من المفيد بالنسبة لنا مثلا أن نحوز أرضا زراعية، فلِمَ لا نحاول أن تكون لدينا أكبر مساحة ممكنة منها؟ وإذا كانت الطاقة ذات قيمة كبيرة، فلماذا لا نسعى لتحديد ماهية القدر الأقصى الذي يمكننا أن نحظى به منها، بواسطة التقنيات المعروفة لنا في الوقت الحاضر؟
وتفيدنا أمور مثل هذه، في أن نتعرف على الحدود المحتملة لقدراتنا، والقدر الذي نستطيع اكتسابه من شيء ما، إذا كنا نريد ذلك بالفعل.
وهكذا فإن الهدف من تبني طرق تفكير على هذه الشاكلة، لا يتمثل في توقع كيف يمكننا الحصول على شيء بعينه أو موعد حدوث ذلك، بل يرتبط في أغلب الأحيان، بتحديد ما إذا كانت نواميس الكون، ستحول دون حدوث هذا الأمر من عدمه، ما يساعدنا في نهاية المطاف، على التمييز بين ما هو مستحيل، وما هو بعيد الاحتمال.
الغريب أن كثيرا من مشاريع "الهندسة العملاقة"، كانت في أعين أصحابها عبارة عن رؤى مثالية إلى أبعد حد، فزروغيل مثلا رأى أن مشروعه "أتلانتروبا"، لن يؤدي فقط إلى تحسين المناخ وتوفير الطاقة والأرض الصالحة للزراعة، بل سيساعد على الجمع بين أفريقيا وأوروبا.
كما أن الفيلسوف الروسي نيكولاي فيدروف، اقترح أن يشكل التحكم في الطقس، الخطوة الأولى على صعيد برنامجه الكوني، الهادف لتوحيد الجنس البشري. وتتمثل الفكرة في هذا الشأن، في تضافر الجهود الإنسانية من أجل تحقيق غايات كبرى، من قبيل "الارتقاء بالبشرية جمعاء، لا رفع الكوكب بشكل مادي".
ومع أنه قد يسهل عليك، أن تهزأ بكل هذه الأحلام والتصورات، باعتبار أنها لا تعدو رؤى خيالية غير عملية، أو مجرد "غرور هندسي"، فإن عليك قبل ذلك أن تتذكر أن الأرض تحفل في واقع الأمر، بنماذج لهذه المشروعات الهندسية الضخمة.
فكوكبنا محاط تقريبا بمنظومة تنقل في إطارها البيانات ثانية بعد أخرى؛ وهي منظومة ربما تكون بصدد استخدامها الآن تحديدا، ألا وهي الإنترنت.
بالإضافة إلى ذلك، تدور فوق رأسك في الوقت الحالي، وبسرعة تفوق سرعة الرصاصة المنطلقة من بندقية، آلات تزيد كل منها في حجمها على حجم ملعب كرة القدم، وهي المحطات الفضائية. كما أن أوروبا تحتوي بين جنباتها، على جهاز يبلغ قطره 27 كيلومترا (17 ميلا) ويتولى تحويل الطاقة إلى مادة غريبة من نوعها، وهو "مصادم الهدرونات الكبير". فلتتخيل ما الذي كان أرخميدس أو نيوتن سيفعلانه إذن، إذا توافرت لديهما أجهزة وآلات من هذا القبيل.
ويكشف ذلك عن أننا نعيش في واقع الأمر، بين هياكل ومشروعات ضخمة، نلاحظها بالكاد. فضلا عن ذلك، تبدو بعض مشاريع "الهندسة العملاقة"، الموجودة في بيئتنا الطبيعية، غير مرئية تقريبا بالنسبة لنا. فهولندا وبقاع أخرى في العالم مثل مقاطعتيْ كامبريدجشير ونورفك الإنجليزيتين، ليست إلا أراض انحسرت عنها المياه وجرى استصلاحها. أما غابات الأمازون المطيرة، فلم تكن بِكرا كما كان يُعتقد في السابق، بل إنها شهدت أنشطة زراعية على مدار مئات السنوات. وبجانب هذا وذاك، يمكن القول إن الحواضر الحديثة في العالم، ليست إلا مشروعات هندسية ضخمة، تجسدت على أرض الواقع.
متى يمكن أن تؤتي هذه المشروعات أُكلها؟
في المعتاد، يشوب مثل هذه المشروعات العملاقة، مزيجٌ من العيوب، التي تشمل تجاوز الميزانية المرصودة لها، والمعاناة من مشكلات في التخطيط والإدارة. لكن لماذا ينجح بعض منها، إذا كنّا لا نتسم بالكفاءة إلى هذا الحد في التعامل معها؟
للإجابة على هذا السؤال، يتعين علينا تأمل بعض ما نُفِذَ بالفعل من هذه المشاريع، من قبيل توفير خدمات شبكة الإنترنت وشق منظومة الطرق السريعة الرابطة بين الولايات الأمريكية، واستصلاح الأراضي التي أصبحت تشكل دولة مثل هولندا في الوقت الراهن.
وبوسعنا أن نستخلص من دراسة النماذج السابقة، أنها كانت كلها عبارة عن مشروعات يمكن تنفيذها على مراحل، بما يسمح لمنفذيها بالتوقف عن العمل ثم استئنافه بعد استخلاص الدروس والعبر الخاصة بكل مرحلة. كما أن نجاحها لا يستلزم أن يكون كل جزء منها يعمل بكفاءة.
لكن التصورات العملاقة المرتبطة بالتصميمات الهندسية والمشروعات الضخمة، والتي يشترك فيها عادة أكثر من باحث ومصمم ومنفذ، تختلف بشكل كبير عن الرؤى الفكرية الكبرى، التي تكون في المعتاد ذات طابع فردي، إذ يتفتق عنها ذهن هذا الأديب أو ذاك، في إطار عمله الأدبي، وهي رؤى تتسم بأنها هشة مهما كانت براقة.
من جهة أخرى، بوسعنا الإشارة إلى أن بعض المشروعات الهندسية العملاقة، ربما تكون أكثر عملية، مما تبدو عليه للوهلة الأولى، وأن عنصر الحجم، قد لا يشكل العامل الحاسم في تنفيذها من عدمه.
فإذا أخذنا هيكل "غلاف أديسون"، الذي تحدثنا عنه من قبل مثالا على ذلك، سنجد أن هذا "الغلاف"، الذي يبدو عسيرا على التنفيذ، تم الشروع في إنجاز مشاريع غير بعيدة في جوهرها عنه. إذ أننا بدأنا في إحاطة الشمس بشكل ما بالفعل، بأدوات لتجميع الطاقة الشمسية، متمثلة في الأقمار الاصطناعية التي وُضِعَت حولها.
ويعني ذلك أن استمرار هذا الوضع لبضعة ملايين من السنوات، قد يؤدي إلى وجود ما يشبه "غلاف أديسون" هذا، حول الشمس.
ورغم أن الخطط التي تُفرض بشكل فوقي، بهدف الارتقاء بالعالم إلى مرتبة أفضل، تتسم بأنها أكثر ضعفا من الحلول التي تتبلور من أسفل لأعلى وتُنفذ بشكل تدريجي وعلى مراحل، فإننا سنظل بحاجة إلى هذه المخططات والرؤى، لتحديد أيُها يمكن أن تكون قابلة للتطبيق في يوم ما. كما أنها تفيدنا في التعرف على المسارات الرئيسية، التي قد نرغب في المضي باتجاهها، على نحو طموح.
ومع أنه قد يجدر بنا - في نهاية المطاف - ترك مثل هذه الخطط المثالية على الأوراق، دون محاولة لتجسيدها على أرض الواقع، فإن ذلك لا يمنعنا من أن ندرك أنه بات لدينا الآن، عدد من الأفكار الطموحة الرامية لتحسين كل ما يحيط بنا، على نحو يفوق كل ما كان بحوزتنا في أي وقت سابق.
وهكذا فرغم أنه لم تتوافر لدينا حتى الآن، تقنيات تتيح لنا "رفع" كوكبنا إلى أعلى كما كان يتصور البعض قبل قرون، فإن أرخميدس ربما كان سيشعر بالسعادة، إذا ما تسنى له أن يعلم، أنه صار لدينا عدد أكبر بكثير، من الروافع في عصرنا الحالي.







أثار مسلسل «الهيبة» في السنوات الأخيرة، بأجزائه الأربعة، نقاشات واسعة حول طبيعة عمل المهربين والقيم التي يعيشون وفقها، ومدى صحة متابعة الجمهور لهذا النوع من المسلسلات، التي تنشر ثقافة العنف، وترسم صورة عن المهربين بوصفهم أبطالا وديعين وأصحاب هموم وطنية؛ إذ تدور أحداث الجزء الثاني من المسلسل حول رفض البطل جبل تمرير أسلحة ثقيلة باتجاه لبنان وسوريا، ليدخل في صدامات مع عصابات أخرى، وهذا ما ينطبق أيضا على الجزء الرابع عندما يرفض توزيع المخدرات، فكأنه يرسل رسالة تقول بأننا مهربون ولكن بشرف، وأنّ التهريب الذي نقوم به، كما يذكر المهرب اللبناني نوح زعيتر (جبل الحقيقي كما قيل) هو أسلوب حياة ناجم عن قرار اجتماعي في منطقته بضرورة التهريب، في سياق غياب الدولة وعدم توفيرها للخدمات وفرص العمل للشباب.

واللافت أنه في موازاة هذا المسسلسل، كان سوق الأغاني الشعبية يشهد إنتاج أغان تثني على التهريب أيضا، وعلى قيم البطولة في هذه المهنة، ولعل أشهرها أغنية وليد الأمير «أسياد الحدود» في إشارة للمهربين، التي تتحدث عن مهربين يقودون سيارتهم بسرعة كبيرة على طريق مدينة الريحانية التركية، باتجاه البلدات السورية، كما نعثر في أغاني مغني آخر يدعى محمد الشيخ، على أسماء عائلات بعض المهربين مثل البري، وأسماء اشخاص يحملون ألقاب الشيخ، ما يدل إما على خلفيتهم الاجتماعية/القبلية، أو على ظهور لاعبين محليين جدد، وعلى وجود مجتمع بأكمله اليوم يعيش من التهريب، وله ثقافته ولغته وشبكاته الخاصة، رغم أنّ إحدى الأغاني تؤكد فكرة أنّ هذا المجتمع ليس وليد الحرب وحسب، بل هو قائم منذ زمن طويل، إذ تقول كلماتها «من صغرنا شيوخ الكار/أي نعمل منذ الصغر في هذه المهنة» ولا شك أنّ تواتر هذه الأغاني قد ترافق مع الفوضى الحدودية التي تعيشها المنطقة منذ عدة سنوات في سوريا والعراق وتركيا وغيرها من المناطق.
عادة ما رسمت صورة عن العاملين في التهريب بوصفهم «زعران/بلطجية» أو خارجين عن القانون، وهو ما يلاحظ من ردة الفعل تجاه مسلسل «الهيبة» مثلا، ففي الوقت الذي يشهد فيه المسلسل إقبالا واسعا على متابعته، وعلى تكرار بعض كلمات بطله «خلصت/انتهت» في إشارة لقدوم أحداث درامية حاسمة، نرى أنّ موجة الكتّاب والنقاد، غالبا ما تحذر من انتشار هذه الثقافة، ومن أضرارها السلبية على الشباب، وعلى طريقة تفكيرهم. لكن خلافا لهذه الرؤية الأخلاقية، هناك من الباحثين والصحافيين من فضّل الاقتراب أكثر من عالم هؤلاء المهربين لفهم منطق عملهم، وطبيعة الأفراد العاملين في هذا المجال، وهذا ما ظهر مثلا من خلال التقرير الذي أعدته جريدة «واشنطن بوست» قبل عام من الآن عن أغاني المهربين على الحدود السورية التركية، كما كان هذا الموضوع محل اهتمام الصحافية الفرنسية ليلى مينانو في كتابها «التضحية بتدمر» الذي تتبّعت في أجزاء منه حياة «علي بابا والأربعون حرامي» في إشارة للمهربين الذين عملوا في تهريب جوازات السفر والدخان والآثار. مع هذا الاهتمام الغربي بعوالم التهريب في سوريا والمنطقة عموما، وفي دراسة مجتمعات الحدود ودورها في دعم هذا الجانب، لا نعثر بالمقابل على شغف مواز لدى الصحافيين والباحثين العرب، وهذا ناجم برأينا عن صورة بقيت تنظر لهذا الجانب بوصفه جانبا مذموما، بدون أن نهمل أيضا أنّ قرار الخوض فيه لا يعدّ يسيرا ويحتمل أخطاراً كبيرة.


وفي سياق هذا الفقر في دراسات عوالم التهريب، بوصفها عوالم أنثروبولوجية، وتاريخية، تأتي مؤخرا ترجمة كتاب المؤرخ البريطاني سيمون هارفي «التهريب: سبعة قرون من نقل الممنوعات» ترجمة ماهر جنيدي/مشروع كلمة للترجمة، لتشكّل أول نص معرفي واسع في العالم العربي حول حيوات التهريب والمهربين وصورتهم في المخيال الشعبي، ودورهم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

هل كان كولومبوس مهربا؟

بهذا السؤال الجريء والمفاجى يبدأ المؤلف كتابه، فهو يؤكد أنّ كولومبوس قد لا تنطبق عليه مواصفات المهرب المعتاد على عبور الحدود، حاملا على ظهره أكياساً مليئة بالملح أو القماش؛ مع ذلك لنا أن نتصور أنّ دوافع كولومبوس الأولى من العثور على طرق أخرى لتوابل الهند، كانت تتعلق بالتهريب ونقل توابل الشرق بطرق سرية تتيح للإسبان تقويض السيطرة العربية والإيطالية على تجارة التوابل.

يرى المؤرخ هارفي أنّ ثمة بحوثا أنثربولوجية واجتماعية وسياسية متزايدة، تتناول تدفقات الممنوعات بجميع أنواعها، وليس فقط الخطرة منها، لأنّ تاريخ التهريب يكشف أهمية دور هذه المهنة والعاملين فيها في صنع العالم الذي نعيش فيه، وتغييره إلى الأفضل أو الأسوأ، وبالتالي فالكتاب هو محاولة لتوسيع تاريخ التهريب وتعميقه. الجميل في هذا الكتاب، أنّ المؤلف يتمكن من مرافقة بعض المهربين في الفترة الممتدة بين القرن السادس وبدايات القرن العشرين، لمعرفة ما الذي كانوا يهربونه ومعرفة خلفية كل شخص منهم، وأسمائهم، لدرجة تثير الدهشة لقدرته على الإلمام بكل هذه التفاصيل، وجمع مئات الوثائق والسجلات عن حياتهم. نكتشف معه مثلا أنه في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كان الفرنسيون يهرّبون الكتان والصابون والشمع، بينما كان الهولنديون يهرّبون الملح لحفظ سمك الرنجة، وهو عنصر أساسي في نظامهم الغذائي. وفي هذه الفترة احتكر الإسبان تجارة البحر الكاريبي، ولذلك كانوا يلاحقون هؤلاء المهربين، حيث قاموا في عام 1603 باصطحاب سفينة التهريب الإنكليزية ماري إلى ميناء في كوبا، وجرت تعرية قبطانها وربطه إلى شجرة قبل أن تقطع أوصاله إربا، مع ذلك بقيت عمليات التهريب قائمة. كما نتعرف أثناء السير في بحور التهريب على يوميات وسير ذاتية لبعض المهربين في بداية القرن العشرين، مثل سيرة المهرب هنري دي مونفريد المعنونة بـ«اللؤلؤ والأسلحة والحشيش» التي يروي فيها أنّ هذا العالم يتموج بين دوافع المغامرة الرومانسية والمقاومة والربح.

تهريب الأفكار والبذور

يناقش المؤلف في أجزاء من الكتاب دور التهريب في صناعة الأفكار، وانتقال الزراعة، ففي عام 1747 أغوى البرازيلي فرانسيسكو دي ميلو باليتا زوجة حاكم فرنسي في الجزيرة العربية لمنحه بذور البن، التي عاد بها إلى الوطن، لتنشأ على إثرها صناعة البن في البرازيل من هذه السرقة. كما نتعرف على قصة تهريب بذور وشتلات الشاي الصيني، عبر عالم نباتات بريطاني يدعى روبرت فورتشن، الذي قام بارتداء لباس من الحرير وأضاف ضفيرة (ذيل حصان) إلى شعره، وهي رمز الخضوع لأحد الشعوب الصينية، ليتمكن من الدخول إلى أحد أديرة المنطقة، والتعرف على أسرار إنتاج الشاي، وقد عدّ عمله يومها شأنا وطنيا، للآثار المترتبة على استيلاء الإنكليز على زراعة الشاي في مستعمراتهم في الهند وشرق افريقيا.

وكان للمهربين دور في إيصال أنبل الأفكار وفق تعبير المؤلف، فقد نقلوا أعمال فولتير عبر جبال جورا من جنيف إلى فرنسا، التي كانت تغلي قبل الثورة. كما قام ألماني يدعى رودولف أكرمان بتهريب كتب إلى أمريكا اللاتينية في زمن حروب الاستقلال، بدءاً من عام 1825 فصاعدا، وساهم أيضا بتزويد متمردي فنزويلا بمطبعتين، وفي هذا السياق أيضا نكتشف أنّ رواية «الدكتور جيفاغو» للروائي الروسي بوريس باسترناك، قد هرّبت في عام 1956 خارج روسيا من قبل الفيلسوف أشعيا برلين، لتفوز لاحقاً بجائزة نوبل للآداب في عام 1958، كما نقلت كتب إيروتيكية مثل رواية «فتاة الملذات».

وربما من المفاجآت التي نكتشفها في هذا الجانب عثورنا على مهرب فرنسي في جيبوتي، وبعد البحث في قصته سنعلم أن هذا الرجل هو آرثر رامبو، الذي كان له مسار رائع ومشرق في الشعر، ومع هذا الاكتشاف، تكون قد حلّت قصة العقدين السابقين الضائعين في حياة رامبو، قبل وفاته في مرسيليا.

يقارن هارفي في سياق آخر بين صورة المهربين وضباط الجمارك، وهنا نلاحظ أن صورة المهرب غالبا ما ارتبطت بالبطولة على مرّ التاريخ، وهو شعور يتغلغل في مجالات واسعة من فنون التعبير، من أدب وأغان وأفلام، كما نعثر على الموقف ذاته في أحد كتب المؤرخ الاجتماعي أريك هوبسبام «قطاع الطرق» عندما يأتي على ذكر مهرب يدعى روبير مندران بالقول، «كان مهربا مهنيا» وعلى النقيض من ذلك، تظهر صورة ضباط الجمارك دائما سلبية، وغالبا ما يصور الرجال الذين يحاولون منع التهريب على أنهم غير أكفاء، أو مملون، أو بائسون، أو كريهون.

جنود ومهربون

في سياق علاقة الجنود بالتهريب، نتعرف على قصص عديدة حول هذه العلاقة، بدءا من حروب نابليون بونابرت، الذي أنشأ في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1811 مدينة للمهربين، وكان يعيش فيها إنكليز وفرنسيون ومن كل الأشكال، ويعملون بتهريب الجنيه الإنكليزي لخلق أزمة اقتصادية في لندن، كما أنهم قاموا أحيانا بتهريب أسرى فرنسيين وصحف إنكليزية. وخلال الحرب العالمية الثانية، أنشئت كتائب سوفييتية بهدف واضح يتمثل في نقل جزء كبير من ثروة ألمانيا الثقافية، وكانت الكتائب مؤلفة من مؤرخي فنون وأكاديميين يبحثون عن قطع فنية، بينما كان هناك جنود يعملون على نقل سلع ثقافية، نظر لها لاحقا بوصفها تمثل خطرا على العامة، ومن بين هذه المهربات نعثر مثلاً على راديو وأجهزة تلفون لاسلكية ودراجات سكوتر، ودرجات هوائية، وآلات موسيقية. كما نعثر في التسعينيات على سوق أريزونا في البوسنة بالقرب من الحدود الصربية، وقد أنشئ هذا السوق بعد أن رأت قوات الناتو الجانب الإيجابي للتداول المرتجل عند مفترق الطريق، ودوره في جعل الناس يتحدثون ويتداولون مرة أخرى، بعد اتفاقات دايتون للسلام في عام 1995، وقد أطلق عليه اسم أريزونا لأنه يقع على الممر الفاصل الذي أقامه الجيش الأمريكي، وقد كان لهذا السوق في السنوات الأخيرة جوانب قاتمة، فقد أصبح مركزا لجمع النساء من البلقان ورومانيا وغيرها والاتجار بهن كرقيق أبيض.
وكما أدهشنا المؤرخ بقدرته على جمع معلومات واسعة حول المهربين في التاريخ، فإنه سيعود في الفصول الأخيرة ليصطحبنا في جولات أثنوغرافية داخل أسواق التهريب اليوم في العالم، كما تطرق أيضاً لتجربة حزب الله اللبناني، قبل أن يكمل طريقه إلى شوارع إسطنبول، بين حي أمينونو والشوارع المحيطة ببرج غَلطة، ليتركنا في نهاية هذه الرحلة العجيبة أمام حيرة حيال أسلوب المؤرخ البريطاني وقدرته على تحويل عوالم هامشية ومخفية، إلى عالم غني من الأحداث والأفراد والقصص.


محمد تركي الربيعو







تفترض عملية الاتصال بين مرسِل ومستقبل المعرفة اللغويّة، فالتواصل يتطلب الوعي بعلوم البلاغة، التي تهدف إلى إبلاغ المتلقي المعنى، وتمكينه في نفسه كتمكينه في نفس المرسِل، بمعرضٍ حسن وصورة مقبولة، من خلال وسائط عدّة، انتظمتها علوم "البلاغة" وساعد في إيصالها علم "التداولية"، على اعتبار أنّه ينظر إلى الإنتاج اللغوي، بوصفه فعل كلاميّ مبني على مقصد معيّن يوجّه ببوصلة الموقف الاجتماعي، الذي يوضحه ويُفسّره.

ضمن هذا الهم المعرفي والأكاديمي ومواكبة لعصر التواصل والاتصال، يأتي اليوم كتاب "الحيلة اللغوية: بلاغة الاتصال بضبط المقال على وجه الاحتمال" لمؤلفه الدكتور محمد كشّاش الذي يتناول فيه دراسة "التواصل اللغوي"، بكافة مستوياته ودواعيه ومقاماته.
بناءً على ما تقدم واستجابةً لمستويات الدراسة اللغويّة، التي تعتبر اللغة ظاهرة، لها مستويات أو جوانب تناول المؤلف في دراسته: المستوى الصوتي، المستوى الصرفي، المستوى النحوي والمستوى الدلالي، كما استند في تحليله على المنهج النفسي في كافة مجالاته "المعرفي، الوجداني والنفسحركي" لضرورته في ربط إنتاج اللغة بالعمليات العقلية ومهارات المرسِل المتكلم، ودراسة الجانب الفردي للغة، وفي محاولةٍ لتبرير بعض الظواهر اللغويّة، وربطها بالسلوك الإنساني... يتم تناول عوامل أخرى في الدراسة أغنت الموضوع وساهمت في إبراز أهميته في عصرنا الحاضر الذي أصبح التفاهم فيه كما يرى المؤلف "عصيّاً بين المخاطبين".

صدر الكتاب عن الدار العربي للعلوم ناشرون، وجاء في 240 صفحة.







بعد تجربتين روايتين، الأولى تحت عنوان "عشق في زمن الغضب" الصادرة عن دار روافد بمصر، والثانية "ذاكرة جدار الإعدام" الصادرة عن دار مدارك للنشر والتوزيع بالسعودية، يطل علينا من جديد الروائي والكاتب المغربي خالد أخازي برواية جديدة تحت عنوان”أسرار أمونة” الصادرة عن دار مركز الأدب العربي بالسعودية، وهي تعد، حلقة أخرى في مشروعه السردي الذي يحتفل باللغة ويؤصل للعربية كلغة قادرة على احتواء المتغيرات والتحولات لفظا وأسلوبا، باستدعاء لغة شفافة شعرية، لكن فصيحة، توليدا تثويرا للفظ.


رواية تؤسس لمشروع سردي يؤصل الحكي ضمن المتن السردي ويعيد للقصة مركزيتها في السرد، للخروج من التيه النظري الذي أقحم السرد في تجارب عطلت الذائقة ومسخت الأسس المعيارية الدنيا للرواية، وأصبحت الرواية جنسا أدبيا مشاعا بين الكتبة.
لهذا فالوعي الجمالي باللغة أسلوبا وبنية ولفظا وصوتا هو مدخل أساسي عند الروائي خالد أخازي، لوضع خرائط واضحة للرواية، فلا رواية بلا حكاية، ولا حكاية بلا مبنى / خطاب، يؤسس المفارقة والدهشة وجمالية النص بمفهومه الجاكسوبسي.

رواية "أسرار أمونة" تنخرط في استكمال هذا المشروع السردي حيث زاوجت بين الواقعية والعجائبية، دون السقوط في فخ الوقائع المتعالية عن التفسير والتأويل ضمن شروط الواقع وسيرورته، فالمتن السردي مفعم بقضايا غرائبية تبدو من الوهلة الأولى، لكن في سياق التحولات الاجتماعية والسوسيو- ثقافية نجد الأجوبة والعلل العقلانية لما يقع أمام أعيننا، فلكل شيء تفسير مهما بدا عجيبا وسحريا.

اعتمدت الرواية لعبة تطويع التاريخ، بالتوهيم وإعادة التفكيك والتدليل، لصياغة الرؤية الترهين وطرح قضايا الحاضر بكل تناقصاته وهمومه، في محاولة للتناص التاريخي التيمي، باستدعاء شخصيات تبدو نمطية، لكنها في بعدها الاجتماعي والسياسي شخصيات مركبة دالة تحتمل سيلا من الدوال الاجتماعية ترميزا ومجازا وتأويلا
.
هي رواية تنشد بلغة راقية شاعرية دون السهو عن الوظيفة الحكائية التي هي جوهر كل برنامج سردي، مقاربة قضايا إنسانية، وأسئلة حضارية وثقافية، كالحرية وعلاقتها بالكرامة، والتسلط على الشعوب بالأسطورة والخرافة، والخرافة وعلاقتها بالسلطة والاستلاب والقهر والهيمنة، عبر تفكيك بنية العقل الكولونياني، ومدى قدرته على استغلال الرموز شبه الدينية الخرافية، وترسيخ الجهل ومحاربة الوعي النقدي، لخدمة وجوده وضمان سيطرته وتمدده.


هي رواية تحتفل كالعادة باللغة وتظهر مفاتنها وسحرها، فالروائي خالد أخازي، يشتغل على مشروع أدبي يقطع مع التتفيه اللغوي والإسقاط التعبيري، ويروم وسط هذا الصخب الإنتاجي، إعادة الاعتبار للنص السردي بكونه بالدرجة الأولى قصة تروى، وبكونه خطابا لغويا راقيا جماليته في "تخطيب" القصة وصيغة عرضها، فهو يزاوج بين جمال اللغة والتأصيل "للفظ" السردي، دون الحاجة لنحت خارج - لساني عربي، أو تعريب يفقد اللفظ شحنته الجمالية ويفقد اللفظ سحنته الدلالية والجمالية وشرف المعنى والقدرة على التجاور المجازي، وفي السياق ذاته يشتغل على سردية ترقى بالذائقة، وتورط القارئ في فعل التأويل وإعادة الإنتاج.

نقرأ في تقديم لها على ظهر الغلاف "هي رواية الصراع بين الأسطورة والحقيقة، بين الفضيلة والرذيلة، في زمن كان فيه الاحتلال الفرنسي للمغرب يوظف الأسطورة والخرافة لترسيخ الجهل وصناعة الوهم الذي يستفيد منه أعوانه ودعاة خوارق مزيفة، بواسطتها يتم تثبيت سلطتهم والسيطرة على العقول والأرزاق. للحب دور فاعل في تذويب التناقضات الإثنية والدينية من أجل حرية البلد ومواجهة سلاح الأسطورة بسلاح الحقيقة. لا بد من العشق. والقضية تحتاج إلى قلوب عاشقة لا عقول حالمة، حيث يمكن القفز على كل المتاريس والعقد التاريخية عرقية كانت أم دينية
.
رواية تمتد أحداثها ما بين السودان والمغرب، ومحطات بمصر، لصوفي مغربي، تزوج من ابنة زاوية سودانية في بداية القرن العشرين، وتم استغلال اسمه بعد موته، في بلدة نائية من لدن امرأة لعبت على العقول والشهوات، وصنعت خرافة خدمت بها نفسها وأعوانها والمحتل، إلى أن يفتح صندوق أسرار السيدة الصوفية أمونة، وتنطلق رحلة إدريس ابنها لتحرير اسم أبيه أولا، ثم البلد ثانيا. وتبدأ رحلة النور والعبور والحرية والكرامة وتحرير العقول من الزيف والوهم."

ولم يتردد مركز الأدب العربي بالسعودية كدار رائدة في مصاحبة ومرافقة المبدعين والمبدعات في احتضان رواية أسرار أمونة، في إطار مشروعه الثقافي والحضاري في خلق دينامية ثقافية عربية ببعد كوني، والكشف عن الأقلام الجديدة الموهوبة، مع اعتماده على مقاربة تجايلية نشرا واحتضانا، فكتاب كبار أوفياء للنشر مع المركز إيمانا منهم بمشروعه الثقافي والإبداعي.

وفي الإصدار الجديد" أسرار أمونة " نحن أمام عمل سردي يكشف قدرة اللغة العربية على تمثل الواقع السيميائي المتجدد، والإحاطة به دلالة ولفظا من خلال ما تملكه من طاقة إبداعية، وقدرة على التقاط المعنى من سياق ثقافي آخر واحتضانه دون تهتك لغوي أو احتواء أجنبي معجمي.

هو ضمن مشروع إستتيقي يعيد للحكاية/ القصة/ fiction/ histoire.. وظيفتها في المتن الحكائي، مشروع يروم الرهان على إعادة الاعتبار " للتخطيب" الجمالي كعنصر يصنع المفارقة الجمالية، مع انفتاح النص السردي دون تردد أو توجس على الشعر والتاريخ والأسطورة والوثيقة الخبر والتراث الشفوي، لكن وفق رؤية جمالية واجتماعية تنخرط في قضايا العصر التحديات الكبرى المطروحة على الفرد والمجتمع، واشتراط لغة مبدعة لفظا وتركيبا، والقطع مع الاستسهال والتتفيه ومواجهتهما بجيل جديد من النقاد مستقلين عن أي سلطة مالية أو سياسية أو مؤسساتية عدا سلطة المؤسسة الأكاديمية.

يحتفل باللغة العربية... ويؤصل للحكاية، ويعي خصوصية الرواية في السياق الأدبي الكوني، منفتح على الأصوات الجديدة، دون السقوط في شهوة المختلف، ولا انتحار لساني بحجة هشاشة المعجم اللغوي والدلالي واللائحي العربي.
أسرار أمونة حلقة أخرى في بلورة هذا المشروع، الذي دشنه الروائي خالد أخازي بروايته ذاكرة جدار الإعدام... حيث الاحتفال باللغة لفظا وتركيبا وموسيقا لا يقل شأنا عن الخطاب السردي ومركزية المتن الحكائي باعتباره مادة الخطاب الأساسية التي بدونها لا توجد رواية








أصدرت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ضمن سلسلة منشوراتها العلمية - كتاباً بعنوان (غريزة الوعي..كشف اللغز الكامن وراء صنع الدماغ للعقل) من تأليف الدكتور مايكل غازانيا وترجمه عبدالرحمن سوالمة، ويتناول كيفية انتظام أدمغتنا من أجل أن تعبر عن الوعي العزيز علينا لحظة فلحظة.

ويتطرق الكتاب - الذي نشرته (التقدم العلمي للنشر) التابعة لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي - إلى العالم الذي تكون فيه (التبديلات) التي يصعب تخيلها والتي تتعلق بما نطلق عليه التجربة الواعية Conscious experience أمراً مألوفاً

ويهدف الكتاب إلى التقدم المهم المحرز في مسألة الوعي، من خلال توضيح الكيفية التي ينتظم بها دماغنا المتطور بشكل متقن، من أجل توليد الوعي أو باختصار اختبار الكيفية التي تصنع بها المادة العقول.

ويشير الكتاب الذي جاء في عشرة فصول وتنشر ترجمته للمرة الأولى في المكتبة العربية إلى تلك الحالات التي تنتشر في أقسام طب الأعصاب في كل مستشفى، والتي تدعى الاختلالات في التجارب الواعية الطبيعية.

ويناقش الفصل الأول موضوع نمط تفكير التاريخ، فيما يخص الوعي، ويتناول الفصل الثاني فجر التفكير التجريبي في الفلسفة، والثالث خطوات القرن العشرين والانفتاح على الفكر الحديث، والرابع صناعة الدماغ.

ويبحث الفصل الخامس في بدايات فهم بنية الدماغ والسادس في مصطلح الجد المصاب بالخرف، والسابع في مفهوم التتامّ باعتباره هدية من الفيزياء، في حين حمل الفصل الثامن عنوان (من غير الحي إلى الحي ومن الخلايا العصبية إلى العقل)، والتاسع (جداول الماء المتدفقة بفاقاعات والوعي الذاتي)، والأخير (غريزة الوعي).

وتصدر (التقدم العلمي للنشر) عدداً من المجلات العلمية المتميزة، إضافة إلى موسوعات، وكتب تتناول كل المجالات العلمية، حرصاً منها على تحقيق أهدافها في تعزيز الثقافة العلمية لدى الجمهور، وترسيخ المعرفة العلمية السليمة لديهم.







تطرح الباحثة والناقدة الكويتية سعاد العنزي في دراستها المقارنة بين الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة، والمعنونة "نساء في غرفة فرجينيا وولف" تساؤلات مهمة من بينها: ما هي نقاط التشابه والاختلاف بينهما؟ ولم تم تجاهل جهودهما في الكتابات النقدية العربية الحديثة بينما يتم تداولهما بشكل شبه يومي بوسائل التواصل الاجتماعي، والثقافة المحكية مع غياب الكتابات النقدية والأكاديمية الحديثة عنهما؟ كيف تأثرت كل منهما بظروف حياتهما الأسرية، وبالظروف السوسيو ثقافية في عصرهما، وأثرت على حياتهما الشخصية وتأثرت سيكولوجيتهما وأنتجت أعراض الصدمة على حياتهما ولا سيما في المرحلة الأخيرة من حياتهما؟ كيف عبرت كل منهما عن قضايا المرأة والمجتمع بروح نقدية متقاربة جعلت من السهل الربط بين أفكارهما الخاصة بالمرأة؟ فرجينيا وولف من خلال أعمال مثل "غرفة تخص المرء وحده" و"القارئ العادي" و"ثلاثة جنيهات"، ومي زيادة في ثلاثيتها النسوية الشهيرة: عائشة تيمور، باحثة البادية ووردة اليازجي وبقية رؤاها النسوية المنتشرة في مقالاتها الصحفية ومؤلفاتها المتعددة.

تشير العنزي في دراستها الصادرة عن دار نينوي أن الأدب النسوي يمثل واحدا من أهم ملامح أدب الحداثة في الغرب والشرق، ويعد أحد منتجات العصر الحديث الذي ظهر متأثرا بالثورات الصناعية، والدخول إلى عالم المدن الذي هيأ للإنسان الحديث الاستقرار، وقدم له فرصة كبيرة للالتقاء بالآخر وتنظيم جماعات أدبية وحلقات فلسفية هيأت للأدباء الالتقاء والاطلاع على المستجدات العلمية والفكرية والفنية.

وترى أنه إذا كان الأمر في الغرب شهد تنوعا واختلافا في الطروحات والرؤى وأنتج مسارات نقدية لافتة ومهمة في تعددها وكثرتها، فإن الوضع في الوطن العربي في مجال الدراسات النسوية تحديدا، لم يزل يعاني من عدد من القضايا الإشكالية منها: أولا: عدم الاتفاق على مصطلح "الأدب النسوي" وعدم تحديد دور الأدب والنقد النسوي والتذبذب بين رفضه وتأييده.

ثانيا: عدم إدراك أن وجود المرأة الكاتبة والحضور الكمي لا يعني أن المرأة قد أنجزت منجزا يمثل قضاياها الخاصة، فلا يزال أمام المرأة طريقا طويلا من تحقيق الكثير من المطالب التي يمكن أن يكون الأدب عالما رحبا لمناقشتها. يظن الكثير من المهتمين بالأدب النسوي أن خروج المرأة للعمل ووجود كاتبات نساء يعني أن النسوية قد وصلت إلى منتهى غايتها، فإذا كان لدينا نساء كاتبات لا يعني هذا أن المرأة قد تم تمكينها بشكل كامل، فثمة نساء من بيئات ثقافية أقل تعليما وثقافة وحرية وتحتاج إلى أن تسمع صوتها للعالم وأن يتم الدفاع عنها ما دامت غير قادرة على امتلاك أدواتها.

ثالثا: تبتعد كثير من الكاتبات النساء عن قضايا المرأة لاعتبارات كثيرة إذ ترى بعض الكاتبات أن لديهن قضايا إبداعية أخرى تختلف عن الطرح النسوي، وأنهن لسن مضطرات لتبني موضوع المرأة ومن حقهن التعبير عن رؤيتهن للحياة من دون الارتباط برؤية فكرية محددة.

رابعا: ثمة نوع من الكاتبات اللاتي يتخوفن من التطرق لقضايا تهميش المرأة لئلا تنسب هذه القصص لهن وتلصق بحياتهن الخاصة أو أن يخسرن مواقعا معينة حصلن عليها بمباركة السلطة الذكورية.

وتؤكد العنزي أنه في خضم هذه الإشكاليات المتعددة نجد فضاء تبعثر كبير في الكتابات النسوية والدراسات النقدية التي تظهر بين فترة وأخرى لسد الفراغ وتسجيل موقف هنا وهناك من دون أن تسجل لنا الدراسات النسوية خطا متصلا من طرح المفاهيم والرؤى النقدية التي تراجع ما سبقها وتضيف عليه شيئا جديدا يتصل بمستجدات الثقافة وتطورات أدب المرأة والنقد الأدبي. حتى الموجة الأولى من النسوية في الوطن العربي لم تجد من يتفحصها ويكتب عنها إذ تم الاكتفاء بما تمت مناقشته وكتابته في الماضي عنهن من دون مراجعة واستعادة هذه الأصوات في الزمن المعاصر. من هنا، يتعين على المهتمين بالنسوية مراجعة الخطاب النسوي وتطوراته وعدم الثقة التامة بمراجعات الماضي، لأنها كانت محكومة بظروف ثقافية معينة تتوجب المراجعة وإعادة القراءة والاستفادة من المعطيات المعاصرة للثقافة والمفاهيم النقدية الجديدة.

وتلفت العنزي إلى أن دراستها لا تهدف لمناقشة جهود الحركات النسائية الغربية والعربية بشكل عام، بل تهدف إلى قراءة جهود ناقدتين تم تجاهل جهودهن النقدية في الوطن العربي لأسباب مختلفة ومتعددة منها ما يتعلق بذكورية الثقافة العربية، وآخر يتعلق بالاهتمامات النقدية للدارسين والمشتغلين في الدراسات الأدبية والنقدية.

وقالت: في هذا الكتاب، أقدم دراسة مقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة على مستوى الحياة الشخصية والجهود النقدية النسوية المبكرة إذ تلتقي مي زيادة بفرجينيا وولف في أكثر من جانب، لعل أهم هذه الجوانب؛ معانتهما الإنسانية، ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة التي لم تجمع في سياق نقدي واحد
.
وتتابع العنزي أن أهم العوامل التي دعتها للمقاربة بين جهود وولف وزيادة تمثلت في:

أولا: إنهما كاتبتان تنتميان لعصر واحد متقارب في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلت كل منهما. ولدت فرجينيا وولف تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 1882 وتوفيت بتاريخ 28 مارس/آذار 1941، أما مي زيادة فقد ولدت في 11 فيراير/شباط 1986 وتوفيت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1941. وهذا يعني أنهما عاشتا في نفس الفترة الزمنية بكل ما تمر به من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية من حروب عالمية، وتغييرات سياسية واجتماعية مهمة سواء في المملكة المتحدة أو في مصر. في هذه الفترة الزمنية، طرأت مفاهيم جديدة على الثقافة أتاحت فرصة التفكير في صورة المرأة والهوية الإنسانية بطريقة مختلفة عن المألوف مستفيدة من معطيات التفكير العلمي الحديث.

من ناحية الطبقة الاجتماعية، نشأت فرجينيا وولف بأسرة غنية من أعلى الطبقة المتوسطة، بينما نجد أن مي زيادة هي كذلك من أسرة ميسورة الحال من الطبقة المتوسطة لرجل مثقف وكاتب أعطاها امتياز أحد الصحف، وهذا ما سيدرس في الفصل الثاني من هذه الدراسة.
ثانيا: تقاطعت ظروف حياتهن وصولا للمرحلة التراجيدية المؤلمة في حياتهما الموت انتحارا بالنسبة لوولف وشبه انتحار بالنسبة لمي. فرجينا وولف أراد قومها إنقاذها من الموت والجنون بكل ما أوتوا من قوة بينما قادت الظروف الاجتماعية والعزلة والتجاهل الثقافي ميا إلى الموت أيضا بكل قوة! وقادتها مشاعر الخيبة والخذلان والصدمة النفسية القاسية إلى الانهيار واعتزال الكثير من المحيطين بها إلى أن وصلت إلى الموت: كانت تحاول قتل نفسها بإهمال حياتها وأخذ جرعات كبيرة من الدواء
.
ثالثا: بحثت كل منهما في تناقضات الثقافة الذكورية، ونقدتاها نقدا عقلانيا أوضح التحيزات الذكورية ضد المرأة ووضع المقارنات والمفارقات الحادة التي أنتجتها أفكار الفلاسفة مثلما قوضتا أفكار أفلاطون وأرسطو حول المرأة. ومن أهم أمثلة التشابه الدقيق بينهما هو أنه كتبت فرجينيا وولف عن أخت شكسبير المتخيلة، بينما كتبت مي زيادة عن فيلسوفة في القرن الرابع الميلادي قامت بدور مشابه فقوبلت بالجحود والنكران، كما قارنت تناقضات رؤية فولتير الدونية للمرأة، وهو الذي فهم الفلسفة عن طريق امرأة.

رابعا: كانت كل من فرجينيا وولف ومي زيادة مهتمتان بتوظيف كتابتهما لخدمة المرأة، وقضايا المرأة لدرجة أنهما تدخلان موضوع المرأة في أي قضية نسائية، وهذا يعني محاولة تأكيدهما على موضوع المرأة في كل سياق. الأمر اللافت أن لا فرجينيا وولف ولا مي زيادة كانتا تتعرضان لأي قهر ذكوري بسبب البيئة المنفتحة التي تنتمي لها كل منهما مما يعطي كتابتهما أهمية إنها ليست نتاج رؤى واقعة تحت وطأة التجربة الشخصية والمعاناة مما يقلل من أهمية نقدهما.

وتقول العنزي: صحيح إن الكاتبتين تنتميان لنفس العصر ولدتا وتوفيتا في نفس السنوات، ولكن الأولى وولف تنتمي لثقافة ولغة وفكر المستعمر، فيما كانت مي زيادة تنتمي لواحدة من الشعوب المستعمرة، الأمة العربية. ومع هذا، نجدهما ناهضتا الاستعمار بكافة أشكاله. أما على مستوى هويتهما الفردية، فكانت نقاط الالتقاء كثيرة، أهمها الصدمة التي عاشتها كل منهما على اختلاف تفاصيلها أدت إلى نتيجة واحدة هي الموت: انتحار فرجينيا وولف، وانعزال مي زيادة عن الفضاء العام وصولا إلى الموت.

بإمكان المرء، القول إن صدمتهما انبثقت من قلب أنوثتهما. عرض الفصل الخاص بالموت، أعراض الصدمة التي أدت إلى موتهما وأحدثت اضطرابات خطيرة على شخصية وولف ومي، التي كان سبها الرئيسي كونهما نساء. عانت كل منهما من أحداث الموت والفقد، وبشكل أساسي عانت فرجينيا وولف من الاغتصاب، ومشكلة العقم والوصول إلى سن اليأس، فيما عانت مي من محاولة ودأها ثقافيا وإنسانيا فتعرضت إلى استلاب كبير، وجسد يقاد بالمؤامرات إلى العصفورية. والمفارقة هنا، إن مجتمع وولف وبالذات زوجها، حاول إنقاذها من الجنون، فيما كانت مي زيادة المرأة التي حاربها مجتمعها حتى أوصلها إلى المرحلة الأخيرة من حياتها بعدما تآمر عليها الأقربون، وتخلى عنها الأصدقاء، وصلت إلى مرحلة الشك والوسواس القهري.

إن محنة مي زيادة تقول بشكل صريح، إن كل امرأة في الوطن العربي هي مشروع وأد ثقافي صريح ورمزي. ولا تزال النساء في الوطن العربي تعاني من أشكال تهميش مختلفة، وتشتيت لهويتها ولرؤيتها لوجودها.


وتوضح أن لم تكن الأحداث سابقة الذكر حاجبة لهن عن ممارسة دورهن الثقافي والتزامهن الفكري وتبنيهن لقضايا مجتمعاتهما والمجتمعات المحيطة بهن. فكتبت كل واحدة منهن عن قضايا المجتمع وأخذتا الدور التنويري في المجتمع برغبة قوية في تنوير المجتمع وحمل شعلة التغيير. لقد اهتمت فرجينيا بضحايا الفاشية والاستعمار، وناقشت قضايا الفاشية والمرأة الألمانية، فيما كتبت مي معلنة رفضها لأي منتج ثقافي ألماني وقت الحرب الألمانية. إضافة إلى كتاباتهما في كثير من القضايا الإنسانية رغم أنها ستثير غضب المؤسسات الثقافية.

وتؤكد العنزي أن دراستها أرادت أن تقول إن الحاجة للدراسة النسوية في الوطن العربي، هي أمر ضروري لأسباب منها: إن وضعية المرأة العربية لا تزال وضعية دونية، وإن شرعت القوانين لخدمة قضايا المرأة، إلا أنه لا يزال البون شاسعا بين التنظير والتطبيق، وليست غالبية النساء في الوطن العربي قادرة على أخذ حقوقها كاملة. وهذا الأمر يكثر في مناطق تغص بمظاهر الحياة البطريركية ويقل في أماكن أكثر انفتاحا وتحررا. السبب الثاني: إن أدب المرأة لا يزال أدبا ناشئا في كثير من البلدان في الوطن العربي، ولا سيما في الخليج العربي مما يعني أن هذا الأدب يحتاج لمراجعة ومناقشة بناءة من حيث اللغة والأسلوب وقدرة المرأة على تمثيل موضوعاتها بحرية من دون خوف من سلطة المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي قد تعرقل الأدب الجاد في معالجة القضايا الإنسانية.

وتخلص العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء السلاطين والخلفاء، أما صورتها في الواقع تبقى صورة تنبئ عن بؤس اجتماعي ظاهر أو خفي. ولأن هناك إمكانية قول أشياء جديدة ترويها المرأة بعد أن تتمكن من لغتها وتثق بموقعها الأصيل في الثقافة الإنسانية، وتضيف شيئا أصيلا للثقافة الإنسانية اليوم، باختلاف الثقافات والمجتمعات الإنسانية بكل ما تحمله من غنى وثراء. لأن معركتنا اليوم كأفراد أن يكون لنا صوتنا الخاص، والدفاع عن حقنا في التعبير عنه، على المرأة أن تستعيد حكاياتها بصوتها وبلغتها تحرر كل الذكريات المسروقة والمستلبة والضائعة عبر فضاءات التبعثر في التاريخ. كل هذا يمكن أن يعيد للكون توازنه، ويسمح للتاريخ بأن يسير على قدميه، ويعدل من صورة الفلسفة التي مارست عنفها المفاهيمي ضد المرأة والملونين وهوامش الثقافات الرئيسية، ويعيد للأدب بريقه الخاص وإنسانيته الحقيقية بتمثيله قضايا الأفراد واحتوائه الجنس واللون والبشرة والطبقة.







كادت قرية وادي المر العمانية تختفي بالكامل قبل 30 عاما بعدما طمستها الرمال ما دفع السكان إلى تركها، لكنها تستقطب حالياً أعداداً من قاطنيها السابقين والزوار الفضوليين الراغبين بإعادة اكتشاف المنطقة الواقعة في قلب الصحراء.
ولم يتبق من القرية سوى بعض الأسطح وجدران تشهد على وجود حياة سابقة في الموقع اختفت إثر عاصفة رملية غطت كل شيء.

ويقول العماني سالم العريمي الذي يعود أصله إلى القرية إن «كل مساكن القرية تقع تحت الرمال التي دفنتها قبل 30 عاما».
وظاهرة «زحف الرمال» لا تقتصر على سلطنة عمان، وبحسب خبراء فإنها مرتبطة بالتغييرات المناخية. ورُصدت هذه الظاهرة في مناطق عدة في العالم.
ولم يكن بإمكان سكان القرية في حينه مواجهة هذه الظاهرة خصوصاً بسبب بعدها وعزلتها وعدم توافر شبكات إمداد بالكهرباء والماء. واضطر السكان الذين كانوا يعتمدون على تربية الحيوانات للعيش، للفرار من قرية وادي المر إلى قرى مجاورة.
وبحسب العريمي، يروي كبار القرية أن «الناس حاولوا حينها الهروب مع أسرهم» نحو القرى المجاورة، لكنّ «آخرين لم يتمكنوا من الهروب منها ودفنوا تحت الرمال».
استعادة الذكريات

وتقع القرية في مركز ولاية جعلان بني بوعلي بمحافظة جنوب الشرقية، وتبعد نحو 400 كيلومتر عن العاصمة مسقط. ومن الصعب الوصول إليها بسبب عدم اتصالها بشبكة الطرق الرئيسية.
ولكن هذا لا يمنع السكان السابقين من العودة إلى قريتهم القديمة لزيارتها، بالإضافة إلى آخرين يأتون للزيارة والتخييم ومحبي رياضة المشي والتريكنغ (المشي الجبلي).
ويرى محمد الغنبوصي الذي كان يقيم في القرية في السابق أنه «بفعل عوامل التعرية، بدأت تتكشف بعض أجزاء بسيطة من معالم (القرية)».
ويتابع «ما زالت القرية تحتفظ بقوة مساكنها لأنها مبنية من الحجر ومتمسكة بجمالها، ما جعلها أخيرا مقصدا لبعض محبي الطبيعة والتصوير».
ويبدو مسجد القرية التي كانت تضم 30 مسكنا و 150 مقيما، ظاهرا أيضا بفعل حركة الرمال.
ويقول محمد العلوي إنه «مع تكشف بعض معالم القرية قبل بضع سنوات، طلبت والدتي مني زيارة المكان».
ويضيف «بالفعل أخذتها إلى هناك، والآن كلما دبّ الحنين بها إلى زيارة القرية المهجورة، نأخذها إلى هناك فتتذكر كثيراً من بيوت الأهل المهجورة ومعالم القرية (..) وتروي لنا كثير من القصص وكثيرا ما يغلبها البكاء».
موقع سياحي

وجاء راشد العامري مع اثنين مع أصدقائه من ولاية صور العمانية البعيدة لزيارة القرية.
ويقول «شعرت بالدهشة من مدى قوة الطبيعة. وكيف أنها تمكنت من محو قرية تماما بطمس كل معالمها، غير أن الأمر الأكثر دهشة هو كيف أن معالم القرية التي يتم الكشف عنها تدريجيا ما زالت محتفظة بتفاصيلها القديمة كاملة».
ويوضح العامري أن قصة القرية الغريبة وطبيعتها المحيطة تشكل عامل جذب للزوار.
وتتطلّع عمان إلى إعادة استقبال السياح سريعا في منتجعاتها الجبلية والساحلية وخصوصا من الدول المجاورة الثرية لتجاوز المصاعب الاقتصادية الكبرى التي تواجهها مع تراجع أسعار النفط.
وتعمل سلطنة عمان في السنوات الأخيرة على تنشيط قطاع السياحة فيها، في إطار سعيها لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع الإيرادات.
وبحسب أرقام رسمية، استقبلت السلطنة ثلاثة ملايين سائح في 2019.







بعد أن شهدت دول العالم أجمع حالة من الاضطراب والإرتباك إثر تفشي الجائحة الوبائية لـ كورونا مست جميع أنشطة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ليأخذ قطاع الأدب والفن والمسرح والغناء والثقافة والتربية والتعليم والرياضة والإعلام، حصتها كنتيجة فرضها الواقع الصحي، ولمتطلبات الوقاية كان (التباعد الاجتماعي) أحد أهم مؤثرات المفروضة على تجمعات الأفراد؛ فبموجبه تم إلغاء وتقيد وتأجيل كل أنشطة هذه القطاعات الإبداعية من تقديم عروضهم ومهرجاناتهم الأدبية والفنية والمسرحية والسينمائية والرياضية ومعارض الكتب والفن؛ وإلى إشعار آخر، ولكون هذه المجالات التي لا يمكن الإبداع وتقديم عروضها وروائعها بمعزل عما يحدث حول محيطها؛ بكون أفعالها ما هي إلا ردود فعل لمتغيرات طارئة تحدث في العالم وفي بيئتها بفعل أثر وتأثير التي تظهر في خصائصها؛ ويقينا لأن هذه المجالات الإبداعية تعيش واقع (الصدمة) كما تعيش مجتمعات الأرض أجمعها؛ فإن ردود فعل قد لا تظهر جلية في إبداعاتها المقدمة في هذه المرحلة إلا بعد أن تتجذر المفاهيم التي تفرزها تأثيرات جائحة (كورونا) على (النظام الدولي) وما ستحدثه وما سيحدث من متغيرات مجتمعية وفي الأنظمة السياسية؛ فحينها – لا محال – ستكون لها انعكاسات فعلية وانفعالات وأفعال وردود فعل تحدد ملامح النزعات والأساليب المستحدثة في طبيعة حركة (الفن والأدب) الإبداعية المصاحبة لهذه التغيرات، لأن أية قراءة لتاريخ (الفن والأدب) سنجد بأن الحركات الإبداعية التي فجرت عبر (مدارس الفن الحديثة) قد أتت نتيجة لتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ التي أتت نتيجة (الثورة الصناعية) التي فجرت في (عصر التنوير) في منتصف (القرن السابع عشر) وما بعده؛ والتي كان لها دور بارز في إحداث تغيرات جذرية في المنظومة الدولية، فتمرد الفنانون والأدباء والمبدعون على أساليب (الفن والأدب) القديمة واستحداث مفاهيم واكبت التحضر وتطلعاتها بمدارس ومذاهب فنية متعددة.

ولا محال فإن ما سيحدث من التغيرات التي ستطرأ على (المنظومة الدولية) التي تعيش اليوم واقع (الصدمة النفسية) لجائحة (كورونا)؛ أربكت مشهد حياة الشعوب وأصابها نوع من الجمود والشلل مس صميم مرافقها الاجتماعية، بعد إن دخلت الحياة العامة لكل المجتمعات البشرية على كوكبنا دائرة الحجر الصحي الوقائي الطوعي والإجباري، وهذا ما قاد المبدعون إلى (الانعزال) ليتفرغوا إلى التأمل وإلى تحليل ما يحدث حولهم من مظاهر لم يعتد عليها الإنسان؛ لتتكرس لديه سلوكيات اجتماعية غريبة فرضها (التباعد الاجتماعي الوقائي)، لتظهر عند كل (المجتمعات) ثقافة غريبة عن الطبائع التي كانت قد رسخت في ذهن الإنسان والمجتمعات وحضارة الإنسان؛ بما عكست هذه الثقافة صدمة نفسية؛ سيستيقظ منها المبدعون بإبداعات تعكس هذا الواقع المرير في شتى مجالات الحياة؛ ليخلقوا منها تعبيرات (حداثية) ستغير الكثير من المفاهيم (الفن والأدب) وستجدد وستضيف لها بانعكاسات المشاهد للأزمة الكارثية التي حلت على البشرية بجائحة (كورونا)، باعتبار (الفن والأدب) انعكاسا للمتغيرات.

إن التغييرات التي ستحدثها جائحة (كورونا) سيجد لها انعكاس في (الفن والأدب) وأساليبهما؛ وستكون هذه الإبداعات صدى لهذا (الصدمة) التي عاشتها وستعيشها المجتمعات في العالم؛ والتي ستستحدث بعد الجائحة الوبائية لـ(كورونا)، لأن المعاناة التي تتجذر يوميا في نفوس المجتمعات؛ وما يترتب عنها من آلام الروح والجسد ومعاناة وعذاب وفقدان الملايين من بني البشر بعد رحلة ألم وشقاء مع المرض الذي عاشها ويعيشها الإنسان وهو يعاني اختناقات تنفس بطيئة تطبق على أنفاسه؛ وهو يرى هذه المشاهد المروعة بآلاف وبملايين المصابين بالوباء (كورونا) يوميا؛ للدرجة التي أصبحت حياته مهددة في كل لحظة من عدو غير مرئي يطوف ويطوق حياته ويهددها في كل لحظة وثانية.

إنها محنة (الإنسان) في نطاق مجتمعاتنا يعاني العزلة والمدن المغلقة وكمامات الوجه التي تشوه جمال الوجه وأصبحت رؤيته مشهدا مزعجا ومقرفا في النفوس؛ لدرجة التي ما إن ينزعها حتى يتم رميها تحت أقدامه ليسحقها قرفا منها؛ ولكن – لا محال – يجبر الإنسان للعود إليها مجددا ليكمم نفسه بنفسه مجبرا لشيء لم يعتد عليه؛ بقدر ما كان قرف المبدعين وامتعاضهم من أساليب القمع وتكميم الأفواه – أين كان شكلها – وخاصة التي تمارسها الحكومات القمعية في (تكميم الأفواه) بعدم النشر أو إعطاء التصاريح لنشر بما يكتبون ويعبرون عن مشاعرهم وما في دواخل الإنسان المتعطشة للحرية والعدالة والمساواة والتنفس عما في دواخل الإنسان في إبداء الرأي والتعبير بشفافية وحرية من أجل إن يتنفس الإنسان حريته ليشعر بحريته وحرية المجتمع التي أرادت السلطات القمعية تطويق الإنسان والمجتمع بقيود ولائيه (تكمم الأفواه) وتصادر من الإنسان الحرية وحق التعبير وإبداء الرأي وتقبل الرأي الأخر؛ ليكون أمر (تكميم الأفواه) اليوم واقع حال أينما تذهب ليصبح المكان المغلق – مساحة الحياة في عالمنا – مكانا مقرفا لا يطاق الإقامة فيه، لذلك فان الألم والعذاب سيفتح آفاق (الفن والأدب) باستحداث آفاق جديدة بـ(الشكل) و(المحتوى) ما بعد جائحة (كورونا) وسيكون بوابة دخول في إبداعات التعبير مواكبة بطقوس وبشتى أساليب الإبداع؛ في الزمن الذي سيتمخض ما بعد (كورونا) بإبداعات فكرية وأعمال تشكيلية؛ سيكون تأمل فيها مخاض تجربة قاسية عاشها الإنسان مع جائحة (كورونا) بكل منغصاتها.
كورونا ستشكل منعطفا ستغير طريقة التعبير في الأدب والفن

ومن هنا فإن الأزمات تلعب دورا كبير في بلورة المفاهيم عند (الأدباء والفنانين) في الأعمال الفنية؛ وستعكس واقع هذه المرحلة الوبائية التي توقفت فيها الحياة بصورة عامة؛ ليس فحسب في مجال الأنشطة الفنية والأدبية والثقافية؛ بل بشتى جوانب الحياة الإنسانية؛ بعد أن شهد عالمنا (الإغلاق الكبير)، لذلك فإن المبدعين بعفوية سيترجمون مصائب هذا الواقع الذي وقع تحت وطأة جائحة (كورونا) بلغة الإحساس الداخلي متفننين صياغة تعبيراتهم عبر مدارس (الفن والأدب) رغم عدم ظهور أو تلويح – لحد الآن – ملامح لمدرسة فنية تخص هذه المرحلة؛ وربما سيتمخض لاحقا عن ذلك، لأن أبرز ملامح هذه المرحلة تتمثل بالحزن والكآبة والسوداوية والعزلة والانفراد وبمظاهر شوهت (الكمامة) جمال (وجه الإنسان) الذي كان مصدر إلهام الفنانين لمرحلة طويلة؛ وسيظل هذا الوجه المقنع اليوم بـ(كمامة الوقاية من الوباء) مدار اهتمام حركة التعبير عند الأدباء والفنانين؛ بما سيركزون إبداعاتهم عن طريق تعبير بالأحاسيس الداخلية عبر هذا (القناع) المفروض على (الإنسان) والذي يشوه معالم الجمال للوجه الإنسان الذي وسم بهذا الجائحة بالكآبة والحزن والعزلة والانفراد وبالتباعد الاجتماعي المفوض على إنسانية الإنسان؛ الذي بطبعه يعرف بكونه (إنسان اجتماعي)؛ يحب الاختلاط والألفة والتحاور الجماعي.


هذه الوحدة المفروضة وحالة الفراق وبكاء الأحبة للذين يفقدونهم إثر الجائحة تشكل منعطفا ستغير طريقة التعبير (الفن) الذي حبه يركض دوما باتجاه الشمس والنور والسعادة، ولكن مع وقائع الألم والحزن والعذاب وما تخلفه جائحة (كورونا) من مظاهر مأساوية في المجتمعات؛ مع محاولة الإنسان التكيف مع المتغيرات الحاصلة حول محيطه؛ رغم حالة التقيد التي تتوسع دائرتها يوما بعد آخر على حرية الإنسان، فان التعبير (الفني والأدبي) و(الألوان) و(الكلمات) التي هي أدوات الفنان والمبدع لتنفس عما في دواخلهم في ظل ظروف استثنائية لتوثيق ضغوط المرحلة التي يعيشها؛ ليتم نقل تجربته لمشاركة الآخرين لإشباع ما يدور في أعماق النفس، بكون الفنانون والأدباء لهم ملكات فطرية يستطيعون من خلالها التعبير عن مشاعر وأحلام الإنسان التي أغلقت في وجهه – على حين غرة – مساحات الحياة الواسعة وبشكل دراماتيكي؛ ليتقوقع في محيط محسوب فيها كل خطوة يخطوها خوفا من جائحة (كورونا) ويصبح أسير المنزل والجدران الأربع حيث الوحدة والعزلة والانفراد؛ بعد أن أغلقت عنه مساحة الحرية قسرا؛ وكأنه حكم علية بالسجن الانفرادي؛ فما بالك بمشاعر إنسان رهيف يكون أسير هذه التناقضات في الحياة التي خلفتها (الجائحة) وهو في هذا الأسر يكتشف معنى إن يكون إنسانا ليكون (الفن والأدب) منفذا يعبر عن هموم الذات عما يحدث من حوله في هذا العالم الموبوء؛ مع استمرار الإغلاق والتباعد الاجتماعي؛ ليفكر الفنان والأديب بوسائل إبداعية عبر الخيال والأحلام ليجتاز من خلالها هذه الحواجز للتواصل مع الآخرين بكل وسال التقنية والابتكار الحديث في التكنولوجيا المعلوماتية عبر الإنترنت ليتخطي عرض أعماله الفنية في قاعات العرض المغلقة أو طرح مؤلفات الكتاب عبر طباعتها وعرضها في المكتبات إلى وسائل عرض أكثر مشاهدة للعمل الإبداعي عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد إن أصبح يقين الإنسان بمرحلة انتهاء الأزمة الوبائية لـكورونا أمرا شبه مستحيل على الأقل في هذه المرحلة.

ولهذا تجلى التعبير وعرض الأعمال الإبداعية بطرق بديله؛ ليتم أداء جسور التواصل المجتمعي بكل الوسائل المتاحة لكسر طوق مشاعر العزلة والانفراد والتباعد للحفاظ على قيم المجتمع في الألفة والمحبة والتحاور وتبادل الآراء بالوعي والإبداع كإحدى وسائل الترفية والعلاج النفسي لكي لا تؤثر هذه العزلة على الإنسان وسلوكه فيما بعد أزمة (كورونا)؛ ولكي لا يسيطر الخوف والقلق والملل والعذاب والألم على حياته، بعد أن رأى كيف إن (الحيوانات البرية) أخذت تتجول في شوارع المدن وتتواجد في الأماكن التي كانت إلى الأمس القريب مستحيل رؤيتها فيها، ليكون التعبير الفني بإبداعاته في هذه المرحلة؛ تعبيرا بان ما يحدث ليس فناء البشرية ونهاية العالم؛ بل هي مرحلة من التغيرات طارئة أحدثتها جائحة (كورونا) في الحياة، بتأثيرات سلبية كانت لها أثر في عالم الفن والفنانين والأدب والأدباء؛ بما جعلهم يفكرون بأعمال وطرق تنفيذ مشاريعهم لم يفطنوا لها مسبقا قط؛ وهو الأمر الذي أثر على الفن والأدب على مستوى العالم أجمع، لأن التغيير الذي يحدث في عالم الفن والأدب ما هو إلا حالة من المشاعر الضاغطة على نفسية المبدعين متعلقة بمصير حياتهم وصحتهم المهددة بالجائحة (كورونا) وأخذ ينقل تجربته عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت كوسائل لتوعية تأخذ رسومات معبرة في اللوحات ومعبرة بانفعالات خاصة ومشاعر إنسانية مرتبكة ومعذبة وقلقة عبر صور شبه فوتوغرافية بعيدة عن مفاهيم الفن التي اعتدنا رؤيتها عبر أساليب مدارس الفن ليصبح ما ينشر على صفحات هذه المواقع في الإنترنت من لوحات فنية باعتبارها فنا يمكن لنا إطلاق تسمية له بكونه "فن بلا مفهوم".

وهذه الأساليب والممارسات الفنية التي تطرأ على (الفن) في هذه المرحلة من انتشار وباء (كورونا) في كل أنحاء العالم هي التغيرات التي ستطرأ على الفن كأسلوب مستحدث حدث بسبب تفشي وباء (كورونا)، بعد أن أخذ هذا الوباء يجبر الإنسان على المكوث بين الجدران الأربع في منازلهم ولفترات طويلة؛ ليكون تحمله هذا الصمت الذي يطبق على أنفاسه فسحة لتأمل بحجم تفاهة الحياة التي أصبحت أسيرة جشع الرأسمالية التي سخرت كل أنشطة الحياة من أجل الحصول على مزيد من المكاسب حتى وان جاءت هذه المكاسب عبر تصنيع أسلحة جرثومية وعبر استغلال وعبودية الإنسان للمادة؛ بما أدى الأمر على ما هو عليه اليوم من تفشي فيروس قاتل يهدد مصير الحياة على كوكبنا نتيجة هذه الجشاعة لـ الرأسمالية وعجزها من المواجهة؛ لتهدد الحياة على كوكبنا نتيجة هذه العبثية للرأسمالية المتوحشة الذي وقف الفنان والأديب أمامها ناقدا؛ بعد إن أخذت أدوات الرأسمالية تحصد أرواح الملايين من بني البشر، فجاء تعبير الفنان زاخرا بلوحات تعبير وهي تعج بمشاهد الموت والدمار والبكاء والعذاب لفقدان الأحبة نتيجة الحروب والأسلحة الفتاكة والأوبئة الجرثومية المصنعة التي عرفتها البشرية من (الطاعون) و(الكوليرا) و(السل) و(التيفوئيد)، وكما كان الفنانون والأدباء يسلطون الضوء على هذه الأوبئة وفظاعتها في قتل آلاف وملايين من البشر في أعمال خالدة نفذت منذ القرن السادس عشر وإلى يومنا هذا؛ والتي خلدها الفنانون في أعمالهم تلك؛ والتي اليوم يستطيع أي واحد منا رؤيتها على شبكة الإنترنت والتي أغلبها موجودة في متاحف العالم أو الروايات الأدبية التي كتبت عن تلك الحروب والأوبئة والتي سلطت الضوء على مأساة مروعة لتلك الحقبة من تاريخ العالم؛ والتي تزخر مكتبات العالم بها

واليوم تعاد رؤية تلك المأساة على أرض الواقع؛ وكأننا نعيش في مأساة الأمس (البعيد – القريب) بكل ما حدث ويحدث اليوم إثر تفشي وباء (كورونا) القاتل؛ لنستخلص من كل ما حدث ويحدث بأن البشرية لم تتعظ بكل ما توقعه الحروب والفيروسات المصنعة والأوبئة لقتل الإنسان وتدميره ومن مخاطر تهدد الحياة على كوكبنا بالانقراض كما انقرضت آلاف الكائنات التي كانت ذات يوم تعيش على كوكبنا؛ وهذا ما يجعل من الفن والفنانين والأدب والأدباء يطرحون أسئلتهم وأساليبهم المتنوعة في إبداعاتهم الفنية في هذه المرحلة من انتشار الوباء والإغلاق الكبير وما يلي هذه المرحلة - أي ما بعد (كورونا) - لأن مفاهيم الإنسانية في ظل معاناة والآلام التي عاشتها المجتمعات ستضيف إلى المفاهيم الإبداعية نظرة إنسانية أكثر شمولية وبنظرة متجددة لحجم قسوة الزمن ومخاطر الأوبئة والعزلة والانغلاق والمعاناة وآلام البشرية التي ذاقتها في مرحلة انتشار الوباء الذي حصد أرواح الملايين من الأبرياء.

ستكون نظرة الفن والأدب للمنجز الفني والأدبي إصرارا لتقديم روائع بأطروحات فكرية لتجاوز الأزمة وبنظرة مستقبلية لمحاولة النسيان والهروب من الجحيم الوباء؛ ليتم توثيق هذا الزمن المرعب من الإغلاق عبر الإقامة القسرية وحظر المنزل والتباعد الاجتماعي. وما تم فرضه من أساليب غير معتادة في الحياة؛ وكل ذلك سيتجسد لصالح إبداع الفن والأدب لأن المخاض الذي عاشه ويعيشه الفنان والأديب في تجربة العزلة لا يعبر عن تجربة ذاتية محضة بقدر ما هي تجربة موضوعية تمس صميم واقع المجتمعات في ظل أزمة وباء كورونا؛ وهذا الإحساس المشترك بـالعزلة هو الذي يمهد تطور الأفكار عند الفنان والأديب لتنفيذ أعمال تجسد واقعه تجسيدا حيا؛ فيوثق مخاوفه وهواجسه بشكل يومي عبر ممارساته وتجاربه مع واقع المتغير في زمن كورونا، وهو ينفذها في عزلته بكل سكينة وهدوء لمعالجة مواضيع الساعة برؤية موضوعية بما يثيره الوباء على نفسية المجتمع والأفراد؛ وهذه المضاعفات المجتمعية بما تخلفه الأوضاع الاقتصادية والسياسية لا محال ستترك أثارها على الشكل والمضمون في الفن والأدب؛ لأن الفنان والأديب هو فرد من المجتمع يشعر بنبضه ومنه ينطلق إبداعه باعتبار إنتاجه هو انعكاس للواقع الذي يعيشه؛ وهذا أمر موثق في تاريخ الفن بكون المعاناة واليأس والقلق الذي تخلفه الحروب والأوبئة هي التي تخلق روائع الفن والأدب.
الفن والأدب ينبع من رحم الأزمات والمعاناة والحروب والأوبئة

إن الفن والأدب الذي يخرج من رحم الأزمات والمعاناة والحروب والأوبئة هو فن وأدب ملتزم معبر لتميزه ولإبداعه لنفسية الإنسان التي تفتح فيها نوافذ الحياة ليتم تغذية إحساس البشرية بهذه الروح الفياضة بالسمو لتخفف من معاناة الإنسان وتعزز الأمل في الذات لتجاوز الصعاب ولبناء المستقبل بقوة الإرادة والمواجهة وفي توعية الأفراد والمجتمع بالأزمات والأحداث التي تحدث حول العالم، وهذه هي رسالة الفن والأدب وخاصة في هذه المرحلة الذي يتفشى فيها وباء كورونا والذي يحصد أرواح ملايين من بني البشر؛ بكون المبدعين في الأعمال الفنية والأدبية والثقافة والفكرية لهم من المؤثرات والإمكانيات والمهارات والتقنية والادوات؛ ممكن إن يستغلوها في نشر التوعية والأساليب الاحترازية للوقاية من وباء كورونا أو من بقية الأوبئة الفتاكة؛ وذلك بطرح مواضيع بتعبيرات توحي للمتلقي حجم قسوة الوباء ووحشية الموت وشبحه الذي يغيم على المجتمعات البشرية؛ ومثل هكذا أعمال رغم إننا سبق إن التمسنا قسوتها في أعمال خالدة خلدها فنانون وأدباء رواد على نحو ما عرفته حضارتنا وعاشتها على مر العصور كالمآسي التي خلفها وباء الطاعون والسل والكوليرا، وكانت الحركات الإبداعية الأدبية والفنية قد جسدت تلك الماسي بأعمال وروائع خالدة؛ بما غذت أعمالها الإبداعية من تلك المواضيع المأساوية في أعمال وإبداعات، حيث كان تأثر الفن الأدب بتلك الكوارث مصدرا يتغذى منها الأدب والفن؛ وبتأثيراتها تم إنشاء الكثير من الحركات الفنية والأدبية التي عبرت عن حقيقة تلك الأحداث والتي تعد تلك الأعمال التي قدمت في مجال الأدب والفن توثيقا لتلك المراحل المؤلمة التي مرت على التاريخ البشري؛ بما تم حفظ الكثير من تلك الأحداث التي خلدت في أعمال الفنانين لتلك المراحل من التاريخ الزاخر بالإبداعات المرتبطة بعمق قضايا المجتمع والتي مازالت تنبض بتلك الأحداث ليتلقاها المتطلع لها بانفعال وتأثير بالغ في النفس لصدق مواضيعها وأسلوب طرحها؛ لكون تلك الأعمال عبرت عن الواقع بصدق، ولم تكن سطحية؛ لأن ما لم يتم تناوله بمشاعر وبتعبير صادق سيزول بزوال الزمن ومرور الأزمة وبزوال الحدث؛ لأن الفن والأدب لم يتبلور مفهومة إلا عبر التوثيق والوقائع اليومية من صراعات وأوبئة وحروب وانتصارات.


وهكذا وثق الفن والأدب منذ القدم تلك الإحداث وقد التمسنا ذلك في آثار وفي رسومات الكهوف والمنحوتات والتجسيد الحجري وفي الكتابات الرقمية التي كتبت على ألواح طينية؛ بكون هذه الأساليب كانت بمثابة لغة تعبيرية لتلك المرحلة، لتستمر علاقة الفن والأدب بتوثيق وتسجيل الأحداث والأزمات عبر العصور كما كان الحال عند الحضارة الأشورية بما قدموه من منحوتات وتماثيل ورسومات وكتابات أدبية رائعة كتبت بالخط المسماري على الألواح الطينية معبرين عن كل ما حدث في عصرهم؛ وكذلك الحال في الحضارة الفرعونية والإغريقية والرومانية، واستمر الفن والأدب في مختلف مراحل التاريخ القديم والحديث والمعاصر يرصد الأحداث والأوبئة والمعارك؛ لتكون ما تم توثيقه في تاريخ الآداب والفنون خير شاهد على ما مر في التاريخ من أحداث التي وثقت بتعبيرات أدبية وفنية متنوعة .
واليوم يتكرر نفس ذلك سيناريو رغم أن تأثيرات الحالة الاقتصادية أثر سلبا على الأنشطة الفنية التشكيلية والأدبية والمسرحية والسينمائية؛ لذلك لم يكن إمام المبدعين المعاصرين في هذه المرحلة الوبائية لـكورونا إلا اكتشاف العالم الافتراضي عبر الإنترنت ليتم التعبير عما في دواخلهم من مشاعر وإحباط إثر تفشي وباء كورونا القاتل؛ والذي أدى إلى الإغلاق الكبير لكل مجالات الحياة على كوكبنا؛ ولهذا اتجه المبدعون إلى شكل مغاير عما اعتدنا رؤيته أو قراءته عبر مراحل التاريخ السابقة، فكان واجهة المبدعين في عالم الفن والأدب هو التنفس عبر الإنترنت بما وفر هذا العالم التكنولوجي مساحات فضائية واسعة تجاوزت حدود الإغلاق الكبير فمكنت الفنانين والأدباء من كسر حالة الشلل والجمود التي خلفتها جائحة كورونا في الدوائر الفنية والأدبية والثقافية والتعليمة والتربوية والعودة للنشاط تدريجيا عبر العالم الافتراضي (الإنترنت) ومواقع التواصل الاجتماعي؛ رغم إن الأعمال المقدمة في مجال الفن والأدب لم يتمخض عنها ذلك الإحساس النابع من وجدان وضمير الإنسان الداخلي المفزع بالوباء الذي شاهدناه في أعمال الفنية والأدبية القديمة إثر انتشار الأوبئة، ولكن يقينا إن المبدعين ما زالوا يعيشون تحت حالة الصدمة النفسية التي خلفتها جائحة كورونا في المجتمعات، لأن الفن والأدب لا يمكن – بأي حال من الأحوال – سلخ واقعهم عن واقع المجتمعات وآلامهم ومآسيهم؛ بكون الأدب والفن ما هما إلا ترجمة للمشاعر ولغة الأحاسيس الإنسانية التي تزودنا وتزيدنا وعيا وإدراكا ووضوحا وتعطينا فهما عميقا لكل الأشياء التي تحيط حولنا، ولهذا فإن الأدب والفن عوالم تتناول كل ما في الحياة والتي تؤثر في مشاعر وأحاسيس الإنسان؛ لذلك تأتي أعمال الأدب والفن من هذه الأعماق ويتم تنفيذها في نفس الأعماق عبر التعبير الواقعي المعبر عن صدق الذات ومشاعرها اتجاه الإنسانية لتحقيق أكبر قدر من التوازن بين الدوافع والرغبات والمشاعر والعقل؛ أي بين الشكل والمضمون؛ لأن الفنانين والأدباء يوازنون بين الحرية والمسؤولية؛ بكونهم لا يتجردون من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية إزاء ما يقدمونه؛ فالتفكير والإرادة والإحساس والمشاعر هي التي توصلنا إلى الجمال الذي يكمن فيه المضمون بأصالة المعنى المطروح مع روعة الإشكال المعبرة عنها.


فؤاد الكنجي








أكد الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة ورئيس جامعة القاهرة، خلال ترأسه جلسة بعنوان "العولمة والدولة الوطنية" ضمن فعاليات الملتقى السابع لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة "قيم عالم ما بعد كورونا .. التضامن وروح رُكاب السفينة"، والذي عقد بدولة الإمارات عبر تقنية الفيديو كونفرانس، خلال الفترة من 7 وحتى 9 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تحت رعاية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي بالإمارات، ورئاسة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم، ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، وبمشاركة وزراء وممثلي حكومات ومنظمات دولية وشخصيات رفيعة المستوى ومئات المفكرين والأكاديميين والباحثين وعلماء الدين وممثلي منظمات المجتمع المدني والشباب.

وناقشت جلسة "العولمة والدولة الوطنية" التي ترأسها الدكتور محمد عثمان الخشت، 3 موضوعات هي: مفارقات العولمة والحاجة إلى التعاون الدولي، والأزمة الاقتصادية وأخلاقيات التضامن، وأهمية الدولة الوطنية وسبل تعزيز مكانتها".

وشارك في موضوعات الجلسة كلٌ من: السفير تركي بن عبدالله الدخيل سفير السعودية لدى دولة الإمارات، وروبرت ويكسلر رئيس مركز إس ۔ دانیال آبراهام للسلام في الشرق الأوسط، الولايات المتحدة الأمريكية، ورحمن شيشتي عضو مجلس النواب بالمملكة المتحدة، والدكتور حسن أوريد أستاذ جامعي للعلوم السياسية بالمغرب، والدكتور ياسر قنصوه أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا، والكاتب الهندي رامي صديقي مؤلف کتاب "وجه الإسلام"، وجيرالد أربويت مؤرخ وباحث ومحاضر في عدة جامعات فرنسية.

وفي بداية كلمته، أكد الدكتور محمد الخشت، على ضرورة التوافق حول رؤية قيمية تستلهم المشتركات الدينية والإنسانية من أجل عالم أفضل لجميع البشر يمكن معه إيقاف تلك الآلة الجبارة التي تحركها قيم الاستهلاك والتنافس المحموم على الربح السريع؛ في ظل عولمة تحكمها قيم الغاب أكثر مما تحكمها قيم وأخلاق التقدم.

وقال الدكتور محمد الخشت، إن أزمة كوفيد 19 ليست مجرد أزمة صحية عابرة، بل هي امتحان صعب للإنسانية كلها، كشفت عن انحدار قطاعات كبيرة منها إلى الانتهازية وصراع المصالح وقيم الاستهلاك والربح، وازدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وهو الأمر الذي يعكس أزمتنا مع الحداثة.

ودعا الدكتور الخشت، إلى ضرورة البحث من جديد عن أخلاق للتقدم تقوم على الحد الأدنى المشترك من القيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، حتى تكون أقرب إلى قيم الإنصاف والعدالة، وقيم التضامن والرحمة، وقيم الأخوة الإنسانية المشتركة.

وأشار رئيس جامعة القاهرة، إلى دور الدولة الوطنية في إدارة الأزمات العالمية، لافتًا إلى أن أزمة فيروس كورونا المستجد أثبتت أن الدولة الوطنية هي الإطار الطبيعي والضروري القادر على التصدي لهذه التحديات، حيث لاذ الناس إلى بلدانهم واضطلعت الدول بمسؤولياتها مع أبنائها العائدين.

وأكد الدكتور الخشت، أهمية الدولة الوطنية في مواجهة أعداء الخارج والداخل، مشددًا أنه لا مفر من أن تتراجع أحلام الطامحين في إعادة امبراطوريات قديمة قائمة على الإمبريالية والجشع الاستعماري.

كما أكد الدكتور الخشت، على ضرورة التفكير في بعث روح جديدة للإنسانية تستقبل بها مرحلة ما بعد أزمة فيروس كورونا، التي تُحتم الوقوف طويلًا أمام الإنسانية من أجل أن تراجع نفسها في الأزمات، وقال "إننا يجب أن نتطلع أن تكون جائحة فيروس كورونا فرصة لمراجعة النفس ومحاولة لصنع عالم آخر يقوم على الحد الأدنى المشترك من القيم والتوجهات الإنسانية".


يذكر أن الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، فيلسوف عربي معاصر، ألف عددًا من الكتب ناقش فيها قيم وأخلاق التقدم ومنها كتابه الصادر حديثًا بعنوان "أخلاق التقدم"، كما نشر رؤيته الخاصة عن مفهوم الدولة الوطنية ودورها في العصر الحديث، في كتبه ومنها "فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة" و"المجتمع المدني والدولة".

يشار إلى أن الملتقى السنوي السابع لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يستشرف الآفاق المستقبلية للأزمة الراهنة لفيروس كورونا المستجد، وإمكانيات تطوير القيم الكونية المشتركة، وما إذا كان بوسع الإنسانية أن تبلور منظومة جديدة في الاقتصاد والسياسة والمشروع المجتمعي والعلاقات الدولية؛ أقرب إلى قيم الإنصاف والتضامن والرحمة والأخوة الإنسانية، وذلك من خلال سعي المنتدى إلى تعميق النظر في الدروس والعبر المستخلصة من أزمة جائحة «كوفيد 19»، وفي التصورات والمبادرات الكفيلة بإرساء أسس للتفكير والعيش بإنسانية، والتعارف والتضامن والعيش المشترك بين البشر.

وتبحث أعمال الملتقى عن مخرجات معرفية وأجوبة فقهية وشرعية وفلسفية؛ لجملة من الموضوعات، التي تشغل الوعي الكوني في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البشرية، وتتسبب بالقلق الكبير على كل المستويات النفسية والمعنوية والمادية؛ للأفراد والمجتمعات والدول القوية والضعيفة على حد سواء









زحف وباء كورونا نحو كل أصقاع العالم، وباغت الجميعَ بسرعة انتشاره، ومازادَ من غرابة الوضع وتفاقم من التوتر هو الأوبة من صومعة العلم بالصمت إلى أنَّ خيمَّ السكونُ على الجمتعمات، وتم وقف النشاطات الثقافية والرياضية، وحظرت إقامة الشعائر والطقوس الدينية في المعابد، فبالتالي تعولم الصمت، ولم تعد الحدود مفتوحة بوجه الحركة التجارية. كلما تصاعدَ عدد المصابين نشب الخوفُ أظافره في العقول. بالطبع تضاعف حجم المخاوف نتيجة تضارب التصريحات بشأن الأدوية المرشحة للتخفيف من حدة الوباء. وفي هذا المشهد المشحون بالتوتر انصرفت الأنظار من جديد نحو الفلاسفة والمفكرين.

وتصدرت الأعمال الروائية التي تدور حول الآفة لائحة كتب أكثر مبيعاً، كأن ما يهم الإنسان في زمن متأزم هو البحث عن العزاء وتفادي الوقوع في فخ الخطابات التدجيلية من خلال إستعادة ما حلَّ بالبشرية من الكوارث على مرِ التاريخ. فيما سادَ الصمت وأصبح الإنتظار المشوب بالقلق مهيمناً على المناخ العالمي، دق الناقوس إيذاناً بضرورة الإصغاء إلى صوت الفلاسفة، وتحول الإهتمام إلى السجل الفلسفي إذ دار النقاشُ على منابر الإعلام عن دور الفلسفة والأدب أمام التحديات الوجودية. وماذا عن النفع الذي يمكنُ للأدباء والفلاسفة إسداؤه للإنسان عندما يكونُ في مفترق الطرق.

تابعَ الكاتب العراقي علي حسين في كتابه الصادر حديثا بعنوان "مائدة كورونا" آراء مشاهير الفكر والأدب ورصدَ ما نشرَ لهم حول الحالة الوبائية معقباً بالتحليل على رؤيتهم ولافتاً إلى أسلوب حياتهم في ظل حصار فرضه عدو غير مرئي.


يضمُ المُؤلفُ أسماء من جنسيات متنوعة، كما أنَّ صاحب "دعونا نتفلسف" يفتحُ قوساً لآراء الخبراء من التخصصات المالية والإقتصادية، وهذا يمكنُ المتلقي من المعرفة بأبعاد مختلفة لواقعٍ وضعَ مصير البشرية على المحك.
أعراض الكارثة
استفاق العالمُ بأسره متفاجأً بمداهمة الجائحة، وبدا أنَّ الإنسحاب إلى البيوت هو الحل الأمثل لإكتساب فرصة حياة جديدة، ربما الحدث كان أقل غرابةً بالنسبة للمفكرين الذين سبقوا غيرهم في تبصر بوادر الأزمة، إذ صرح أمين معلوف بأشهر قبل الهجمة الوبائية بأنَّ الوضعية الحالية خطيرة، ولن يتمَ التفاعل معها إلا بعد هزة كبرى.

يفردُ علي حسين قسماً من كتابهِ لتناول أفكار مؤلف "سمرقند" مشيراً إلى محتوى مؤلفاته لاسيما "إختلال العالم" و"غرق الحضارات"، إذ أعيدت طباعة العنوان الثاني بعد انتشار الوباء مع إقتباس هذه العبارة النبوئية على الغلاف الخلفي "ستكون ضربة قوية لجميع الشعوب سوف يتم جر السفينة العالمية إلى موت رهيب، ويجب على الناس أن يستيقظوا على الفور".

وفي سياق قراءته للواقع المتشبع بالقلق منطلقاً من معطيات فكرية وفلسفية يعودُ حسين إلى مقولات ماركس وصديقه أنجلز. ما يعنى بأنَّ أفكار الاثنين أفق لا يمكن مغادرته بخلاف ما روجهُ أتباع نيوليبرالية بأنَّ ما قدمه ماركس لا مكان له سوى في المتحاحف. لقد أبانت الظواهر البيئية الناجمة من تغول النظام الرأسمالي صحة ما توصل إليه مؤسسا الشيوعية. فعلاً فإنَّ الرأسمالية لن تدمرَ الإنسان فقط بل كذلك الطبيعة التي تشكل مورداً لهذا النظام.
وفي إطار حديثه عن حيثيات الفلسفة الماركسية أوردَ علي حسين ما قالهُ نخبة من المفكرين المعاصرين عن فرضيات صاحب "بؤس الفلسفة" ناهيك عن السجالات التي أثارتها توقعات بعض الفلاسفة حول نفاد صلاحية الماركسية. إذ أدلى آلتوسير بدلوه رداً على هؤلاء "إن ماركس برغم كل شيء سيظل ذلك الذي يزعزع كل الفلسفات التقليدية من أساسها". وهذا يتقاطع مع رأي الفيلسوف الأسترالي بيتر سينغر، فبنظره لا يمكن لأي شخص أن يفكر في المجتمع والعلاقة القائمة بين الإقتصاد والوعي الإجتماعي دون الرجوع إلى ماركس.
التواضع المعرفي

ينتقلُ حسين في جزء آخر من كتابه إلى آلبير كامو الذي أعادت عدوى كورونا روايته "الطاعون" إلى مدار إهتمامات القراء من كل أنحاء العالم. يرى المؤلفُ بأنَّ ما يضمهُ عملُ كامو ليس قصة مجازية عن غزو النازية لفرنسا إنما صرخة تنذر بأنَّ البشرية قاب قوسين أو أدنى من الإبادة الجماعية، كأنَّ صاحب "الغريب" يوافق سينيكا في رأيه بأنَّه لا وجود لزمن آمن. والأهمُ بهذا الصدد هو ما يقترحهُ آلان دوبوتون حيثُ يطالبُ بالإفادة من وصية مونتاني إذ يرى الأخير أنَّ الشك هو طريق إلى المعرفة وغياب وسادة الشك يعادل الحرمان من حظوة رأس متوازن.

يُذكر أنَّ الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ما انفك يتذكر جملة فلوبير "إقرأ مونتاني سيهدئك" يراودُ موران الأمل أن يفوز بسباق الحياة على كلود ليفي شتراوس الذي عاش مئة وعام. يعتقدُ إدغار موران بأنَّ محنة الإنسان المعاصر ناجمة من إختزال السياسة في الإقتصاد، وإختزل الإقتصاد أيضاً في جشع النيو ليبرالية. فبرأي موران أنَّ المفارقة الأساسية هي كلما زادت معرفتنا قلَّ فهمنا للكائن البشري.

أما سيلافوي جيجك فيذهب إلى إمكانية أن يكون الوباءُ عاملاً للتفكير في البدائل إذ كشف وباء كورونا المستجد عن الأمراض الكامنة في المجتمعات على رأسها الأخبار المزيفة ونظريات المؤامرة وإستفحال ظاهرة العنصرية والتفاوت الطبقي.

وبدوره يعبرُ هابرماس عن قلقه حول الخطابات المحشوة بالشحونات الشعبوية. ولا يرى الحل لما يسميه بمعضلة "مابعد الديموقراطية" إلا في أوروبا موحدة ومنتصرة لديموقراطيتها.

ينضمُ نعوم تشومسكي أيضا إلى التيار المعارض للرأسمالية المتوحشة موضحاً أنَّ أزمة فايروس كورونا هي جزء من كابوس رهيب يواجه العالم. يقولُ صاحب "من يحكم العالم" إن السلطة الحقيقية في مجتمعاتنا لا تكمن في النظام السياسي إنما الإقتصادات الشخصية هي مصدر السلطة ومن جهته يصفُ آلان تورين، وهو أحد أبرز المنظرين لمفهوم الديموقراطية، ما يعيشه العالم بأنَّه حرب غير متكافئة لأنَّ ما تتمُ محاربته عدو غير بشري.
وما يقولهُ المفكر اللبناني نسيم طالب بأنَّ تاريخنا قصة الأحداث الكبيرة التي لم يتوقعها أحد يؤكدُ أهمية التواضع بوصفه قيمة إنسانية والحال هذه فإنَّ الفلسفة هي ما تحمي المفاهيم العلمية من الجنوح نحو غرور المطلق.
كما أنَّ الأدب يغذي الحس الإنساني أكثر، يعتقدُ إكتور آبار فاسيولينسي أنَّ قساة القلوب يفتقرون إلى الخيال الأدبي.
الثغرة

يتفقُ الأدباء والفلاسفة على أنَّ الوباء قد نزع الأقنعة على مساويء النظام العالمي، وقد أدرك الجميعُ بأنَّ مقابل تضخم في الإنتاج الحربي ثمة عجزُ وفشل في توفير الأدوات الطبية.
يرى الطاهر بن جلون أن أزمة كورونا قد أبانت قصور النظر لدى الدول الكبرى وسلطت الضوء على الجزء المخجل حين تخلت بعض البلدان عن الضعفاء. وما تمر به الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن وصفه إلا بالفوضى برأي بول أوستر، كما يشخص مشيل أونفري محنة الغرب في غياب القيم الروحية وإستبدالها بعجل من الذهب سماه الإقتصاد.
أما إليف شافاك فتلفتُ الإنتباه إلى أن فايروس فضح أكذوبة الحرية والوجه القاتم لعدم المساواة في مجتمعاتنا.

فضلاً على ما سبق ذكره ينتقلُ زمام الحديث حول مائدة كورونا بالسلاسة بين أسماء أخرى منها طارق علي وريجيس دوبريه وأورهان باموك وجوديث بتلر وأرونداتي روي.
وما يشار إليه أنَّ هذا الكتاب منتظم وحداته بحس صحافي مطعم بتذوق أدبي رفيع، هذا إضافة إلى ما يلمسهُ فيه المتلقي من العمق الفكري.


كه يلان محمد








أثار اكتشاف بقايا حمامات رومانية قديمة أثناء بناء شبكة رئيسية لتصريف المياه في وسط العاصمة الأردنية عمّان معضلة تتعلق بسبل الحفاظ على الماضي القديم مع الأخذ بأسباب الحداثة في المستقبل.

ومن المتوقع أن تتخذ لجنة حكومية تم تشكيلها قبل أسبوعين قرارا في القريب العاجل بشأن ما إذا كان سيتم التوسع في أعمال التنقيب في الموقع أو المضي قدما في شق قناة تحت الأرض لتفادي مياه السيول التي تجتاح عمان من الجبال المحيطة.
وتكشف بقايا أقبية الحرق والتسخين عن علامات تدلل على وجود نظام متطور للتدفئة فيما يعتقد علماء الآثار أنه أول اكتشاف من نوعه بين أطلال مدينة فيلادلفيا القديمة التي بنيت عمان على أطلالها.

وقال يزيد عليان مدير دائرة الآثار العامة إنهم سيوازنون بين احتياجات حماية المدينة من الفيضانات والحفاظ على الآثار تحت الشوارع.

وأوضح "طبعا عمان بمدرجها الروماني تشير كم حجمها.. المدرج الروماني وبجواره الاوديون والمدرج الروماني يتسع لحوالي 6000 نسمة أو مشاهد وهو أكبر من (الموقع الأثري في) جرش. ولذلك عمان من المدن الكبرى الرومانية ولذلك حمامها سيكون، الحمام العام تبعها سيكون أيضا من أكبر الحمامات الرومانية ولكن للأسف اكتشفنا الطابق السفلي وهو طابق الحرق والتسخين واضطرت دائرة الآثار العامة لتوقيف عمل العبّارة الصندوقية (قناة تصريف المياه) حتى نكتشف ونقيم الآثار الموجودة".

ومضى قائلا أن من الممكن العثور على آثار في أي مكان يتم التنقيب فيه.
وتم تعليق العمل في شبكة تصريف المياه خلال عملية اتخاذ القرار.
وعمان مدينة قديمة لا تزال ظاهرة فيها معالم كثيرة تعود للحضارة الرومانية، من المدرج الذي يسع 6000 متفرج إلى نافورة نيمفيوم ومعبد هرقل على أحد أعلى تلال عمان.




arrow_red_small 2 3 4 5 6 7 8 arrow_red_smallright