top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
أحمد باقر :كشف حساب الحكومة في دور الانعقاد الأول
انتهى أو أوشك على الانتهاء دور الانعقاد الأول للمجلس الحالي، ومع الإقرار بما تعرضت له الحكومة من استجوابات غير دستورية فور تشكيلها واستفزازها بالجلوس على مقاعدها لتعطيل الجلسات إلا إنها اجتازت هذه العقبات وكان لها بعض الإيجابيات، ولكنها في المقابل وقعت في أخطاء لابد من ذكرها ليتم تلافيها في المستقبل ومنها عدم الذهاب إلى المحكمة الدستورية لاستخلاص حقيقة تلك الاستجوابات واستبدلت بذلك صدور قرار بتأجيل ...
مبارك فهد الدويلة :مهلاً.. عزيزي صالح الملا
الأخ النائب الأسبق صالح الملا معروف عندنا بالطرح العقلاني في كثير من مواقفه السياسية، وبالإنصاف في تقييمه لخصومه السياسيين، ويعتبر من شخصيات المنبر الديموقراطي القليلة التي تتحلى بهذه الصفات، لكنه مؤخراً كتب تغريدة خالف فيها سمته وخطه الذي تعودنا عليه، وذلك عندما انتقد بيان جمعية الإصلاح الاجتماعي، الذي دعا إلى وحدة الصف ونبذ الخلاف والتمسك بالدستور، لكن أبا محمد نعته بالركيك، ونعت من كتبه ...
سعيد الشهابي: مجلس التعاون الخليجي بين تهديدات الخارج وتحديات الداخل
قيل الكثير عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه في مثل هذا الشهر قبل أربعين عاما، وطرحت التوقعات العديدة، المتفائلة والمتشائمة حول مستقبله منذ ذلك الوقت، وتحدث معارضوه عن «حتمية» سقوطه، بينما عمل مؤسسوه على ترسيخ دعائمه طوال العقود الأربعة الماضية. عندما أقر القادة المؤسسون الورقة الكويتية التي طرحت آنذاك لمشروع هذا التحالف الخليجي كانوا يومها مدفوعين بتطورات إقليمية ومحلية عاصفة أهمها ...
عامر التميمي: المأزق السياسي عطَّل الإصلاح الاقتصادي
تواجه الكويت مشاهد سوريالية في الحياة السياسية في الوقت الراهن، منذ أن أعلنت نتائج انتخابات الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2020، والبلاد تعاني من كابوس عدم الاستقرار وتعطل المسيرة. بطبيعة الحال أن الأوضاع التي سبقت الانتخابات لم تكن سارة بعد أن اتضحت معالم الفشل في الادارة في العديد من الملفات الحيوية وتزايد جرائم الفساد الاداري والسياسي التي تم تحويل قضاياها للنيابة العامة والمحاكم. يضاف إلى ذلك أن ...
عبدالله بشارة :سمو الرئيس.. في موكب الشراكة
اعتاد الكويتيون رفضَ الاستكانة للموجود، فتحدّوا الفقر في أرضهم، وفازوا ـــ على سخونة الصيف ــــ بترويض بحرهم، وكانت خياراتهم الجرأة والمواجهة مع رفض الإذعان للموجود، ويمكن القول إن مبادرة الرئيس لسد الفجوة في عبوره إلى أعضاء المجلس في التشاور والتنسيق لمسارات المستقبل، تأتي من تلك النزعة في مقاومة المناخ السائد والخروج بدعوة علنية لإحياء الشراكة التي يقوم عليها الدستور. وفي هذا التوجه ينال الرئيس ...
د. غدير محمد أسيري :استنفار اقتصادي
تمر الكويت في الفترة الحالية بتدهور اقتصادي ينعكس على الفرد الكويتي، حيث إن التعاطي من الجهات المسؤولة والمشرعين، نجده ينحرف باتجاه ممكن أن يضِّر المواطن بالدرجة الأولى، وينعكس على الشكل العام للدولة. وقد جاء بتقرير وكالة بلومبيرغ أن السبب الأساسي للتدهور الاقتصادي بالكويت هو الاعتماد الأساسي على النفط، وعدم وجود موْرِد بديل أو دخيل على الميزانية، مما يجعلنا متأخرين عن غيرنا ممن يحاول أن يستثمر العقول ...



انتهى أو أوشك على الانتهاء دور الانعقاد الأول للمجلس الحالي، ومع الإقرار بما تعرضت له الحكومة من استجوابات غير دستورية فور تشكيلها واستفزازها بالجلوس على مقاعدها لتعطيل الجلسات إلا إنها اجتازت هذه العقبات وكان لها بعض الإيجابيات، ولكنها في المقابل وقعت في أخطاء لابد من ذكرها ليتم تلافيها في المستقبل ومنها عدم الذهاب إلى المحكمة الدستورية لاستخلاص حقيقة تلك الاستجوابات واستبدلت بذلك صدور قرار بتأجيل الاستجوابات المزمع تقديمها وهو ما أثير بشأنه شبهة دستورية.

وكذلك من الأخطاء تصريح الحكومة بالموافقة على أن تعرض اقتراحات إحدى الكتل النيابية ويتم الموافقة عليها في الجلسة الأولى، وهذا ما لا يجوز أن تقوم به أي حكومة في العالم، ولكن الحكومة عادت وأوضحت أن هذا التصريح لا يعني الموافقة النهائية على تلك القوانين قبل مناقشتها في لجان المجلس، ولكن المعارضة ما زالت متمسكة بالتصريح الأول.

ومن أجل تحقيق الأغلبية في جلسة القسم وافقت الحكومة على قوانين بالمليارات بعد أن كانت ترفضها في اللجان، وهذا التصرف يثير المخاوف من قيام الحكومة بعمل مشابه في دور الانعقاد القادم إذا وقعت مشكلة معينة وأرادت الحصول على أغلبية نيابية لمعالجتها باستخدام المال العام.

ومن أخطاء الحكومة أيضاً أنها تركت لرئيس المجلس مسؤولية الرد والتصدي للهجوم الهائل عليها كما حدث في موضوع انسحابها من الجلسات نتيجة جلوس النواب على مقاعد الحكومة ومدى صحة انعقاد الجلسات دون حضور الحكومة، وكذلك الدفاع عن صحة جلسة الميزانية، رغم أن الحكومة تملك ستة عشر وزيراً، وكان من المفترض أن يدافعوا بالتضامن عن أعمال وتصرفات الحكومة بقوة وفصاحة، يعني أن يكونوا (مبلتعين)، ولكن الحكومة التزمت الصمت إزاء هذه الهجمات وتركت الرد على عاتق الرئيس.

ولعل هذا يقودنا إلى أكبر الإخفاقات الحكومية وهو صمتها الرهيب إزاء ما يثار في وسائل التواصل الإلكتروني من إشاعات وأكاذيب ومبالغات وهجوم دون رد أو توضيح من الوزارات المعنية حتى أصبحت هذه الوسائل خاصة الوهمية منها تهدد الاستقرار والأمن الاجتماعي والتنمية نتيجة تصديق جموع كبيرة من المواطنين لكل ما يكتب في هذه الوسائل، مثل قضايا الفساد والاستيلاء على المال العام والخاص والتنفيع والتعيينات بالواسطة، وأن إقرار الميزانية خطأ ودمار على المال العام والاتهام بمحاباة إحدى الدول العربية على حساب مصلحة الكويت، وغير ذلك الكثير من الأخبار التي تنشر بحسن أو بسوء نية خاصة في المنصات الوهمية التي لا نرى أي ردود مقنعة عليها، وبيان صحتها أو كذبها، كما لم تفعل الحكومة أي شيء بشأن الحسابات الوهمية المسيئة حتى الآن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المؤتمرات الصحافية التفصيلية التي أدلى بها بعض النواب لم نسمع رداً واحداً تفصيلياً أو مؤتمراً صحافياً من الوزراء يشرح قانونية عمل الحكومة أو ينفي صحة ما صرح به النواب من أرقام أو مخاوف بعد جلسة الميزانية.

وهذ إخفاق كبير لأن الحكومة يجب أن يكون لها التأثير الأكبر في قيادة الشارع وتوجيهه مع الردود الحاسمة على ما يثير اللغط حول عملها وأمانتها،

ويستثنى من ذلك موقف الحكومة الممتاز من التغييرات التي قامت بها اللجنة الإعلامية في المجلس لقانوني المطبوعات والمرئي والمسموع والتي تخالف الشريعة الإسلامية والمصلحة العامة، كما يحسب للحكومة إصرارها على الامتحانات الورقية وتصديها لتوصية اللجنة التعليمية التي كانت ستؤدي إلى استفحال الغش في الامتحانات، وبحمد الله لم تحدث الأضرار الصحية التي كانت اللجنة تتوعد بها.

كما أرى أن وزارة الصحة تحتاج الى مزيد من الردود والإيضاحات العامة في مقابل ما ينشر من أخبار كثيرة حول إجراءاتها، خصوصا أهمية وسلامة التطعيم وقرارات الدخول الى البلاد، كما أرى ضرورة عودة الديوانيات مع الالتزام بالاشتراطات الصحية بعد السماح بالسينما والأسواق والمطاعم (راجع الصور المنشورة) خاصة أن الديوانيات محدودة الرواد وتقوم بترشيد كبير للوضع السياسي وعمل مجلس الأمة.

أما برنامج الحكومة فقد خلا من أهم ما كان ينتظره المواطن وهو مساهمة الكبار في إيرادات الدولة وعوضاً عن ذلك ذهبت الى ضريبة القيمة المضافة (المشتريات) التي سيعانيها كل مواطن صغيرا كان أو كبيرا، مخالفة بذلك أصلا جوهريا في الإسلام وهو مساهمة الكبار قبل الصغار والمتمثل في الزكاة، خصوصاً أن حصيلتها يمكن أن تستخدم في كثير من مصروفات الدولة وليس على الفقراء فقط، مما ينعكس إيجابياً على الميزانية ومعنوياً على المواطنين عندما يرون مساهمة الكبار في بلدهم الذي استفادوا منه الكثير.

هذه بعض ملاحظاتي على أداء الحكومة أضيفها إلى الملاحظات التي كتبتها في المقالات السابقة عن أداء النواب، والله يستر على الكويت من دور الانعقاد الثاني

أحمد باقر









الأخ النائب الأسبق صالح الملا معروف عندنا بالطرح العقلاني في كثير من مواقفه السياسية، وبالإنصاف في تقييمه لخصومه السياسيين، ويعتبر من شخصيات المنبر الديموقراطي القليلة التي تتحلى بهذه الصفات، لكنه مؤخراً كتب تغريدة خالف فيها سمته وخطه الذي تعودنا عليه، وذلك عندما انتقد بيان جمعية الإصلاح الاجتماعي، الذي دعا إلى وحدة الصف ونبذ الخلاف والتمسك بالدستور، لكن أبا محمد نعته بالركيك، ونعت من كتبه بالتنظير في الوطنية، وقال في آخر التغريدة، وهنا مربط الفرس، «... فكلما طوينا صفحة مشاركتكم في الانقلاب على الدستور عامي 76 و86 فتحتم صفحة جديدة»!!
وليسمح لي العزيز بومحمد أن أتوقف عند هذه العبارة قليلاً لما فيها من تحريف للتاريخ القريب، الذي مازلنا جميعاً نتذكره جيداً، لأننا عايشنا تلك المرحلة، ولنوضح للأخ الكريم من الذي انقلب على الدستور ان كان هناك انقلاب!
 
من الواضح أن الأخ الكريم يقصد مشاركة رئيس جمعية الاصلاح الاجتماعي آنذاك العم يوسف الحجي، عليه رحمة الله، في حكومة سبتمبر 1976، وهي الحكومة التي تشكلت بعد حل مجلس الامة وتعليق الدستور، فاعتبر أن هذه المشاركة انقلاب على الدستور وتصرف غير وطني! وقد يكون محقاً في فهمه وتقييمه، لكن أن ينعت جمعية الإصلاح دون غيرها بهذا النعت فهنا ليسمح لي بأن اذكره بعدد من الشخصيات التي شاركت في الحكومة المذكورة نفسها، وهل يجرؤ على نعتها بعدم الوطنية!

- حمود يوسف النصف وزير الأشغال.

- سليمان حمود الزيد الخالد وزير المواصلات.

- عبدالله ابراهيم المفرج وزير العدل.

- عبدالله يوسف احمد الغانم وزير الكهرباء والماء.

- محمد يوسف العدساني وزير التخطيط.

- عبدالعزيز حسين وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء.

- يوسف جاسم الحجي وزير الأوقاف.

فهل يستطيع الأخ المحترم أن ينعت هذه الشخصيات باللاوطنية؟

ومع يقيني بأن المشاركة في تلك الحكومة خطأ جسيم من كل الأحرار والشرفاء والتيارات الوطنية، الا ان تحديد الخيانة والانقلاب على الدستور بالتيار الذي كان يمثله يوسف الحجي فقط دون غيره فيه الكثير من الإجحاف واللاإنصاف بخلاف ما تعودنا من بومحمد أثناء تقييمه للأحداث!

أما ما ذكره بالانقلاب على الدستور بعد حل مجلس الامة عام 1986، فأعتقد أن هذا ادِّعاء جديد لم أسمعه من قبل، لأن التيار المحسوب على جمعية الإصلاح آنذاك كان رافضاً بقوة حل المجلس وتعليق الدستور، ومشاركاً في كل الفعاليات التي أقيمت في تلك الفترة للاعتراض على الإجراء السلطوي المخالف للدستور، بما فيها دواوين الإثنين، وكان تيار الجمعية ممن شارك في تنظيم الدواوين وإدارتها، وكان شباب جمعية الإصلاح في تلك المرحلة هم وقود تلك التجمعات والمسيرات التي أعلنت رفضها لتعليق الدستور، كما انهم رفضوا المجلس الوطني وقاطعوا انتخاباته واستمروا في هذا الخط الى أن جاء الغزو الغاشم!

عزيزي أبا محمد

بدلاً من أن تقيّم أداء تيار كامل ببيان يصدر من جمعية نفع عام تحرص على تجنب الخوض في الشأن السياسي وخلافاته، وتدعو دائماً الى وحدة الصف ونبذ الخلاف، كان أولى بك أن تقيّم العمل السياسي لهذا التيار بأداء رموزه السياسيين ونوابه في مجلس الأمة، وهو الأداء الذي أزعج الكثير من خصوم الديموقراطية وأغضبهم، وكم كنت أتمنى أن تتوحد القوى السياسية هذه الأيام في وجه المحاولات الحثيثة لوأد الديموقراطية، وهي محاولات جادة بدأت تلوح في الأفق، فإن صرنا نبحث عن عثراتنا ويحفر بعضنا لبعض فعندها سيقول أحدنا «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض»!

مبارك فهد الدويلة









قيل الكثير عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه في مثل هذا الشهر قبل أربعين عاما، وطرحت التوقعات العديدة، المتفائلة والمتشائمة حول مستقبله منذ ذلك الوقت، وتحدث معارضوه عن «حتمية» سقوطه، بينما عمل مؤسسوه على ترسيخ دعائمه طوال العقود الأربعة الماضية.


عندما أقر القادة المؤسسون الورقة الكويتية التي طرحت آنذاك لمشروع هذا التحالف الخليجي كانوا يومها مدفوعين بتطورات إقليمية ومحلية عاصفة أهمها ثلاثة: قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بعد ثورة استمرت أكثر من عام وأدّت إلى إسقاط نظام الشاه، اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية 1980 التي كانت تهديدا لأمن المنطقة واستقرارها بما فيها الدول التي ارتبطت لاحقا بمجلس التعاون الخليجي، والاضطرابات الداخلية في بعض دول المجلس التي كانت في بعض حالاتها الأوسع والأعنف منذ عقود. في ظل هذه التطورات كان حكام الدول الست: المملكة العربية السعودية، الكويت، قطر، سلطنة عمان، دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، يبحثون عن صيغ فاعلة لمواجهة التطورات المذكورة. وفي 25 أيار- مايو 1981 أقروا مشروع المجلس في أول قمّة لهم عقدت في أبوظبي. ومنذ ذلك الوقت دخلت منطقة الخليج في استقطاب ثلاثي بين إيران والعراق ومجلس التعاون الخليجي. هذه المعادلة تواصلت حتى اليوم، مع تفاوت في مدى الالتزام بمواقف مشتركة من قبل دول المجلس. ومن المؤكد أن التطورات الإقليمية والمحلية اللاحقة أوصلت المجلس إلى أوضاعه الحالية وعلاقاته الداخلية التي تختلف كثيرا عما ساد المجلس في سنواته الأولى.


في مطلع الثمانينيات كانت دول الخليج والعراق قلقة جدا مما حدث في إيران وما يجري داخل حدودها بالإضافة لسباق بين الاستقرار والاضطراب في منطقة الخليج التي كانت محط أنظار العالم منذ عقود سابقة. أوّلاكان سقوط الشاه مروّعا خصوصا بلحاظ ما كان يتوفر له من دعم غربي عام وأمريكي خاص، وما يمتلكه من قوات مسلحة جعلت جيشه الخامس في العالم من حيث القوة والإمكانات، وما لديه من أجهزة استخبارات تتصدى للمعارضين وفي مقدمتها «السافاك».

ثانيا: تصاعد ظاهرة المعارضة في عدد من هذه الدول خصوصا السعودية والبحرين، التي شجعها ما حدث في إيران بشكل خاص. فكانت هناك تظاهرات واحتجاجات في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية وفي البحرين والكويت. وسبق ذلك ما يسمى «حادثة الحرم» التي تزعمها الزعيم السلفي، جهيمان العتيبي، في نوفمبر 1979، وهي الحادثة التي كانت الأكثر تهديدا للأمن السعودي منذ قيامه قبل ذلك بأقل من خمسين عاما.

ثالثا: كانت دول الخليج تشعر، بشكل خاص، من غياب القيادة العربية منذ توقيع اتفاقات «كامب ديفيد» من قبل الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، الذي كان قد زار القدس في خريف 1978، ووقع اتفاقات كامب ديفيد بعد ذلك بعام. وفي غياب القيادة الفاعلة للعالم العربي حدث فراغ كانت مصر تملأه حتى رحيل جمال عبد الناصر في العام 1970.

وشهدت حقبة السبعينيات مرحلة بناء ذاتي من قبل دول الخليج، خصوصا السعودية. فقد ساعدتها الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات، على إعادة تموضعها العربي والإسلامي، مدعومة بالمال النفطي الهائل الذي توفر بعد حرب أكتوبر بين العرب و «إسرائيل» في العام 1973. وبتدفق المال النفطي للدول الخليجية أصبح لديها حافز لتطوير نفسها وبناها التحتية. وبحلول الثمانينيات أصبح لحكومات الخليج موقع سياسي واقتصادي متميز على عكس ما كانت تمارسه قبل ذلك. فمنذ الانسحاب البريطاني في صيف 1971 من كافة المناطق الواقعة شرقي السويس ساد العديد من حكومات الخليج شعور بالقلق والخشية من فقدان أمنها السياسي، فكان ذلك من بين أسباب اندفاعها للانضمام لتحالف اقليمي بين حكومات متشابهة إلى حد كبير.

تباينت نظرات القوى السياسية الأخرى لقيام مجلس التعاون الخليجي، وفقا لمصالح كل منها. أولا كانت هناك القوى الغربية، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي تبحث عن تحالف إقليمي يحمي مصالحها من جهة ويكون قادرا على التصدي للنفوذ الإيراني في مرحلة ما بعد الثورة من جهة أخرى. فقد انزعجت كثيرا من سقوط نظام الشاه الذي كان القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية، ودفعت باتجاه تأسيس المجلس لاعتبارات استراتيجية وسياسية. ولم يكن ذلك سرا، بل قرأه الكثيرون ضمن هذا المنظور، وساهمت السياسات الأمريكية آنذاك في دعم هذه القراءة.

ثانيا: اما إيران فاعتبرت المجلس واجهة للنفوذ الأمريكي في المنطقة وقاعدة متقدمة للتصدي لها نيابة عن أمريكا، وعبّر وزير خارجيتها آنذاك، محمد علي رجائي عن امتعاضه من قيام المجلس متزامنا مع تصاعد الحرب العراقية – الإيرانية. فكان الإعلام الإيراني يتصدى لمجلس التعاون ويؤكد انتماءه للمشروع الغربي، ويعتبره من بين «قوى الثورة المضادة». كما اعتبرته طهران واجهة أخرى للمساعي الغربية ضد الجمهورية الإسلامية، ولم تُخف عداءها له من جهة، واعتباره امتدادا للمشروع الأمريكي في المنطقة من جهة ثانية.

ثالثا: نظام العراق برئاسة صدام حسين، كان في البداية مترددا في الموقف بسبب النزاع الأيديولوجي التاريخي مع حكوماته. ولكن تورطه في الحرب مع إيران دفعه نحو سياسة براغماتية تجاه المجلس، فاعتبره سندا له في المشروع الحربي مع إيران.

رابعا: نظرت قوى المعارضة في السعودية والبحرين بشكل خاص للمجلس أنه مشروع «أمني» يهدف للالتفاف على المعارضة الخليجية، فلم ترحّب بقيام المجلس بل كانت أدبياتها تطالب بتعاون الشعوب الخليجية وتوحدها، وتنتقد مشروع مجلس التعاون بأنه مشروع أمني يهدف لحفظ أمن الانظمة الحاكمة وليس الشعوب. كانت مجموعات المعارضة خصوصا المتناغمة مع ثورة إيران تعتبر المجلس «مشروعا أمريكيا» يهدف لمحاصرة الثورة ويسعى لمنع حدوث تغير ديمقراطي في منطقة الخليج. يومها كتبت المقالات وألّفت الكتب لتأليب الرأي العام ضد المجلس.

كيف تبدو صورة مجلس التعاون الخليجي بعد أربعة عقود؟ لا يبدو أن المشاهد التي ظهرت في بداياته قد تغيرت جوهريا. فما تزال الأطراف الأربعة المذكورة متخندقة في المواقف نفسها. مع ذلك لا بد من الاعتراف بأن مجلس التعاون الخليجي، برغم ما اعترض مسيرته من تحديات كبرى بقي متماسكا إلى حد كبير وما يزال يتحرك كتحالف إقليمي متماسك. من هذه التحديات عدم قدرته على إقرار اتفاقية عسكرية مشتركة، او عملة موحدة، او سياسة خارجية ثابتة. ومنذ البداية كان هناك خلاف على العلاقات مع إيران خصوصا بين سلطنة عمان والسعودية. وما يزال هذا التباين قائما حتى الآن، بل توسع أكثر. فهناك تقارب في السياسات الخارجية بين عمان وقطر والكويت من جهة، وبين السعودية والإمارات والبحرين من جهة اخرى. وأصبح هذا التباين اوضح في حرب اليمن حيث اتخذت الدول الثلاث الاخيرة سياسة مختلفة دفعتها للمشاركة في الحرب، بينما ترددت الدول الثلاث الاولى. ومن هذه التحديات ما واجهه المجلس في اغسطس 1990 عندما اجتاحت القوات العراقية في عهد صدام حسين الاراضي الكويتية. فبرغم امتلاك مجلس التعاون قوة عسكرية مشتركة (قوات درع الجزيرة) تتمركز في قاعدة حفر الباطن السعودية، إلا أنها لم تستطع وقف الاجتياح العراقي او التصدي له، بل اعتمدت دول المجلس على تدخل القوات الاجنبية لانهاء الاجتياح. وهناك اختلافات حول قضايا عديدة منها العلاقات مع تركيا وإيران في الوقت الحاضر. أما العلاقات مع «إسرائيل» فقد أوضحت التباين الواضح في السياسة الخارجية لمجلس التعاون، خصوصا بعد ان قام حكام الإمارات والبحرين العام الماضي بالتطبيع مع إسرائيل».

د. سعيد الشهابي






تواجه الكويت مشاهد سوريالية في الحياة السياسية في الوقت الراهن، منذ أن أعلنت نتائج انتخابات الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2020، والبلاد تعاني من كابوس عدم الاستقرار وتعطل المسيرة.

بطبيعة الحال أن الأوضاع التي سبقت الانتخابات لم تكن سارة بعد أن اتضحت معالم الفشل في الادارة في العديد من الملفات الحيوية وتزايد جرائم الفساد الاداري والسياسي التي تم تحويل قضاياها للنيابة العامة والمحاكم. يضاف إلى ذلك أن العملية السياسية شابها الاعتلال وعدم المناعة نظراً للنظام الانتخابي الذي اعتمد في البلاد والذي كرس الاستقطابات القبلية والطائفية والفئوية وأحدث الصراعات البينية وغير البينية في المجتمع الكويتي. استبشر الكثير من الكويتيين من نتائج الانتخابات الأخيرة بعد أن خسر عدد كبير من أعضاء مجلس 2016، وتخيلوا أن ذلك عائد للرغبة في الاصلاح وتمكين عناصر أكثر فعالية ونزاهة لتمثيل الشعب الكويتي، وبما يمكن من إنجاز الاصلاحات التشريعية المستحقة والدفع بإصلاحات اقتصادية يمكن أن تنقذ البلاد من تبعات تراجع قيمة الإيرادات النفطية والتحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، والتي ستفعل دور مصادر الطاقة البديلة وتقليص اعتماد البلدان المستهلكة على النفط.
 
مخرجات الانتخابات

أثبتت مخرجات الانتخابات أنه ليس هناك تغيير حقيقي أو جذري عن مخرجات الانتخابات السابقة، الفرق الوحيد في نبرة الصوت وطبيعة التحالفات الخاصة والشخصية لكل عضو، لكن الاهتمام بواقع البلاد سواء تعلق الأمر بالحياة الاقتصادية ونمطها وهيكلتها أو التعليم أو الرعاية الصحية أو حقوق الإنسان، فليس هناك من تفاوتات تذكر بين الأعضاء الحاليين أو السابقين.

ولذلك ظلت البلاد مشحونة خلال الأشهر الثلاثة الماضية بالنزاعات حول من يكون رئيساً لمجلس الأمة أو رئيساً للوزراء من دون التعامل بعقلانية مع ما هو متاح، والتعاطي مع الملفات الأساسية ذات الصلة بالإصلاح الاقتصادي أو تعديل القوانين المتعلقة بالانتخابات، وتطوير الحياة السياسية، وتعزيز الحريات السياسية والشخصية، وتمكين المواطنين من الإدلاء بآرائهم في الفضاء الإعلامي من دون قيود غير منطقية، وتجاوز عقوبات الحبس. لا بد من الإقرار بأن النظام الدستوري في البلاد، وغياب الجماعات والأحزاب السياسية، قد أديا إلى هذا الكرنفال السياسي، ودفعا إلى مواقف فردية أو مواقف تنم عن الخوف والوجل وتعطل اتخاذ القرارات الصائبة البعيدة عن مكامن الابتزاز السياسي والتوجس من الانعكاسات على مواقف فئات الناخبين.

الإصلاح الاقتصادي

تأتي مسألة الإصلاح الاقتصادي على قمة الأولويات، حيث إن الميزانية العامة للدولة تشهد عجزاً متنامياً منذ عام 2014، بعد أن تراجعت أسعار النفط من مستوياتها العالية، وبعد أن أصبحت الإيرادات بعيدة عن الوفاء بالتزامات الإنفاق المتنامي خلال السنوات الماضية. كما أن التعطيل السياسي، أو غياب الإرادة السياسية، للإصلاح الاقتصادي كرس تخلف الإدارة الاقتصادية، بما أدى إلى تأخير تنفيذ عمليات التخصيص، ورفع من مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتعطيل الإصلاح في سوق العمل بما يرفع من مساهمة العمالة الوطنية في منشآت القطاع الخاص، ويخفف من أعباء التوظيف في القطاع العام.

يضاف إلى ذلك أن الإدارة السياسية ظلت غائبة ولم تعمل على إصلاح النظام التعليمي الذي يعتبر أساسياً في أي عملية تحول اقتصادي رشيد، والذي يمكن أن يعزز الانتقال إلى اقتصاد المعرفة. لا شك أن عملية التنمية الاقتصادية المستدامة، تعتمد على تبني استراتيجية تعليم مبنية على مفاهيم العصر والتقدم التكنولوجي. معلوم أن الكويت يجب أن تهتم بالتنمية البشرية، حيث تتزايد أعداد صغار السن والشباب في المجتمع السكاني الكويتي، بما يفرض أهمية التعليم واستيعاب التقنيات الحديثة والتأهيل بالمهن العصرية التي فرضتها التحولات التقنية أو ما يطلق عليه بالثورة الصناعية الرابعة.

تدني السيولة

مضت فترة طويلة والمسؤولون يتحدثون عن تدني مستويات السيولة التي تمكن من مواجهة عجز الميزانية بعد أن سُحبت أموال كبيرة من الاحتياطي العام، ونظراً لعناد مجلس الأمة وعدم جدية الحكومة في طرح مسألة الاستدانة، لم يتم إقرار قانون الدين العام المقترح لرفع مستوى ذلك الدين إلى عشرين مليار دينار. ثم طرحت الحكومة اقتراحاً بقانون يسمح بالسحب من احتياطي الأجيال القادمة، ولكن ذلك الإقتراح لا يمكن القبول به قبل إصلاح السياسات المالية، وتنفيذ عمليات لمكافحة الفساد والهدر في المال العام، وترشيد الإنفاق. كما أن السحب من الاحتياطي لا يمكن القبول به على عواهنه. يمكن القبول بتعديل قانون الميزانية العامة بحيث يسمح بتوريد جزء من عوائد الاستثمار إلى الخزينة العامة لدعم الإيرادات.

الجدارة الائتمانية

ظلت الأمور غير محسومة في الوقت الذي تهدد وكالات التصنيف الائتماني، وآخرها وكالة موديز، بإعادة النظر بمستوى الجدارة الائتمانية لدولة الكويت. لا شك أن الجدارة الائتمانية تعتمد على أوضاع سياسية مستقرة وتوافق بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية حول السياسات المالية والثقة بحسن إدارة الاقتصاد ومتانة وملاءة الأصول. يتعين على السلطتين حسم هذا الملف، والتأكيد على قدرة البلاد على مواجهة عجز الميزانية، والسيطرة على مستواه ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإنجاز إصلاحات تؤدي إلى تقليص حجم العجز. السؤال الكبير: هل يعي أعضاء مجلس الأمة والوزراء أهمية هذه القضية قبل أن تصبح عصية وتعطل التحرر من هواجس التصنيف الائتماني؟. 



قضايا حيوية
بطبيعة الحال، هناك قضايا حيوية أخرى تستحق المعالجات من أهمها:

أولاً: التركيبة السكانية

لا يمكن الاعتماد على القانون الذي اعتُمد من قبل مجلس الأمة السابق، يجب التأكد من سلامة الإجراءات اللازمة لإصلاح التركيبة السكانية، وتنفيذ بنود القانون بعقلانية ودون المساس بحقوق الوافدين. في الوقت ذاته، لا بد أن يواكب التنفيذ إنجاز إصلاحات تؤدي إلى تطوير القدرات المهنية للمواطنين، لتولي مسؤولية أعمال متنوعة لدى مؤسسات القطاعين العام والخاص.

ثانياً: إصلاح أنظمة الرعاية الصحية

تبين خلال أزمة كورونا، أن هناك قصوراً في القدرات التي تمكن من السيطرة على الوباء ومصادر انتشاره، وكذلك عجز المشافي على التعامل مع المصابين أو أولئك الذين يتطلبون عناية مركزة. قبل الوباء كانت هناك مشكلات في معالجة العديد من المرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية داخل البلاد، بما أبرز أزمة العلاج في الخارج وتكاليفه الباهظة وسوء إدارته وفساد عدد من القائمين عليه.

ثالثاً: معالجة أوضاع البنية التحتية.

هذه قضايا مهمة تتطلب مواقف سياسية سليمة وتستحق التوافق بين مجلس الوزراء ومجلس الأمة بشأنها.. لا يجوز تعطيل عمليات الإصلاح والهروب منها إلى إنجازات شعبوية في خضم التنافس السياسي تكون مكلفة ماليا وغير مجدية اقتصادياً.. فهل سيعمل السياسيون على تجاوز الشعبوية والانتباه لأهمية الإصلاح؟. 

عامر ذياب التميمي
مستشار وباحث اقتصادي





اعتاد الكويتيون رفضَ الاستكانة للموجود، فتحدّوا الفقر في أرضهم، وفازوا ـــ على سخونة الصيف ــــ بترويض بحرهم، وكانت خياراتهم الجرأة والمواجهة مع رفض الإذعان للموجود، ويمكن القول إن مبادرة الرئيس لسد الفجوة في عبوره إلى أعضاء المجلس في التشاور والتنسيق لمسارات المستقبل، تأتي من تلك النزعة في مقاومة المناخ السائد والخروج بدعوة علنية لإحياء الشراكة التي يقوم عليها الدستور.

وفي هذا التوجه ينال الرئيس المؤازرة الجماعية من الرأي العام الذي لم يكن مرتاحاً من غياب الحيوية وانعدام المبادرة وانسداد منافذ التجديد، واختار أن ينفتح على مجرى الإعلام بلقاء رؤساء التحرير، مبدداً الاتهام بأنه يتجنب حلبات المواجهة الفكرية والسياسية؛ وبهذا أشعل جوّاً متطلّعاً للتعاون المستقبلي. ولا أشك في أن سمو الرئيس على بينة من قائمة التمنيات التي سطرها نواب التحرّك، كوثيقة ينطلق منها التعاون عند الاستجابة لمحتواها..

وأولها: صحيفة العفو العام برفع القيد على عودة بعض ممارسي السياسة المتواجدين في الخارج، في تركيا أو غيرها، لاجراءات قانونية وثقتها أحكام تمت وفق القانون الكويتي، رأت فيها المحكمة تجاوزاً على مناخ التسامح واستخفافاً بضوابط السيادة، ولم تتوقف المساعي نحو إيجاد مخرج يؤمِّن للمغادرين العودة، ولأن الاجتهادات التي يقدمها الوسطاء تتجاهل الترتيبات التي تقبلها بعض الزملاء الذين كانوا من المنتظرين في مدن تركيا، فمن الإنصاف أن تتواجد ترتيبات العفو من دون استثناءات وهذا موقف مفهوم، وعلى الرغم من منطقية المساواة، فلن تجف العقول عن إيجاد صيغة تتآلف فيها حقوق السيادة بجانب التقدير الإنساني، وأنا من الذين يرون أن الموضوع لا يحتاج تكثيف أعداد المتوسطين، فلا حاجة لهم؛ فالقيادة تملك الحصافة لإغلاق الملف، لكن ذلك يحتاج إبعاده عن لائحة الهموم الشعبية، فرغم التعاطف مع محتويات الملف، فليس من الحكمة تصوير الأمر كقضية تؤرّق شعب الكويت وتتصدر أولوياته، والنهج المفضل هو التعامل الهادئ للوصول إلى المرغوب فيه.

ثانياً: يظل الفساد وملفاته مواقعه وألغازه، مادة شيقة يتناولها الرأي العام الكويتي بإلحاح وبمتابعة، فيها استعجال للاستماع إلى خطوات تريح، ومؤشرات تطمئن، وتصميم يزيل الشك ويغذي الثقة بجدية العلاج بالاجتثاث وبالعلنية التي تعبر الحدود برسالة بأن الكويت وشعبها وقيادتها يشكلون القوة الكويتية المتصدية للفساد، بلا تجميلات لأحد ولا مكياجات للتغطية. ورغم الثقة بعزم سمو رئيس الوزراء في قيادة كتائب الحكومة، فإن الرأي العام يرغب في أن يخرج التصدي بالصوت الجهوري الذي يوحي بحتمية المصير لمن استطعم مذاق الفساد، ونضيف أن وسائل الإعلام الأجنبية لم تتجاهل مفاجآت الكويت في الفساد، وربما زادت من غلاظتها، في تشويه سمعة الكويت، فجاء موقع الكويت في مواجهة الفساد في مؤخرة المحاربين.. ولا أشك في أن أبلغ نجدة لتنظيف ملف السمعة الكويتية تأتي من أقوال الرئيس، ومن حيوية هذه الأقوال، والقصد هنا إبراز حجم الهم الشعبي وتخوفاته من تمييع قضايا الفساد، فالفساد هو الحطب السريع الانفجار إذا تورّم.

ثالثاً: خرجت الصحافة، وبأكبر الحروف، عن مبلغ العجز في الميزانية، في حدود 12 مليار دينار، المصروفات 23 مليارا، والدخل عشرة مليارات؛ فالوضع الاقتصادي لا يريح مع اعتماده على خيرات الاحتياطي، في عالم متبدل عازم على توظيف التكنولوجيا تضعف اعتماده على الطاقة غير المتجددة، وهي النفط، مع وعي لدى دول المجلس، لم يوازه اهتمام كويتي لتخفيف الاعتماد والتنقيب عن بدائل أخرى للدخل، في نظام اجتماعي ريعي لا تستذوقه بيئة الاقتصاد العالمي المستقبلي. وكلنا على علم بأن الأجراءات التصحيحية تحتاج لتعاون حكومي ــــ شعبي، يعمل بتناغم وبصراحة وشفافية، ويكشف الضرورات بوضوح، وأولى خطواتها إبعاد الرخاوة عن القرار الكويتي، فجميع دول مجلس التعاون فرضت ضريبة القيمة المضافة منذ سنوات، فقد كان قرارها خلال فترة الثمانينيات والكل بدأ، ما عدا الكويت؛ لأن حساباتها السياسية والاجتماعية غير واقعية، وفيها مجاملات سياسية وتدليعات اجتماعية.. هناك طريق ملح في فتح ملف الخصخصة، والانفتاح على دور القطاع الخاص الذي لوث النواب سمعته، مع بحث جدي في فرض ضرائب على أصحاب الدخل المرتفع، وحماية المواطنين أصحاب الدخل الضعيف بإعفاءات.. نراهن على المواهب والمبادرات من مالكيها؛ فالحيوية الوطنية متينة ولا يقل شعب الكويت عن الآخرين المبادرين. في بداية السبعينيات كانت مصر أفضل من كوريا الجنوبية، وكانت سوريا أفضل من المكسيك، هذه إحصائيات الأمم المتحدة، فأهل كوريا ليسوا سحرة، وإنما أصحاب جدية وعزم.

رابعاً: ماذا حققنا في معالجة التركيبة السكانية، كنت أردد بأن مجلس التعاون حديقة بجوار حريقة، والكويت الآن بجوارها الملتهب واحة تجاور نيران الدول الفاشلة، فلا استقرار ولا أمن، لا جغرافية الجوار ولا المتواجدون داخل الدار بهذه الأعداد، لا سيما المخالفين والمتهرّبين، تسمح لنا بالارتياح والسير كالمعتاد، ولم يتحقق أي تقدم في علاج الألغام التي تتشكل من هذا التراكم البشري، في بلد اعتاد على الرقة والسكينة. يرسخ الأمن الكويتي وتستقيم أعمدة الأمن عندما يكون الحوض البشري الداخلي متوازن مع قدرة الإمكانات المتوافرة، لكن الوضع الحالي مزعج حياتياً، مخيف أمنياً، ومتفجّر كيانياً.

خامساً: أثني على لقاء الرئيس مع رؤساء التحرير؛ فقد كان شفافاً باقتناع، وداعياً للشراكة البرلمانية بإدراك، وغليظاً ضد الفساد بصدق، ومدافعاً عن حيوية المواطن بتدليل، وانفتح على وسائل الإعلام بخبرة أن قنوات التواصل أصبحت أكثر الفعاليات تأثيراً في شرح السياسة وتفسير القرارات، التي تتبناها القيادة، وتلمس الردود من خلال هذه القنوات، والوقوف على مدى هضم السياسات واستخلاص ما يفضله الرأي العام، فلا توجد في العالم قيادة تهمش دور الحوارات، فإذا كان الرئيس الأميركي له متحدثة تقف يومياً لمدة ساعة على الأقل تتحدث بحوارات، ليست تبليغات وإنما توجهات، لخطوات جديدة ومبررات للاستغناء عن القديم والحصيلة هي المزاج الشعبي عبر رادار الحوارات، وإذا كان رئيس الوزراء لا يتمكن لانشغاله من مقابلات أسبوعية، فلا بد أن يكون لديه متحدث رسمي من مكتبه يلتقي يومياً المراسلين، لكي لا يترك للآخرين التشويه مثل قنوات التوتّر التي تفسِّر وفق الأهواء..

سادساً: مع التدقيق الحيوي نحو التآلف مع تصريحات المعارضين من النواب ومع التوجه لمعالجة البنية الاقتصادية، وما قد تفرزه من احتياجات في تخفيض النفقات، لا يغيب عن ذاكرتنا الحفاظ على الثوابت التي رسمتها الأسرة العالمية في خريطة الكويت، وتموّجها الإنساني الآسر، الذي يتجسد في رسالة صندوق التنمية الكويتي، ومساهمات الكويت في مختلف التجمعات الإنسانية العربية والعالمية، ودورها في استضافات لإعادة بناء دول تحطمت من سوء وعجز قياداتها في اليمن وسوريا والعراق، ومن خارج العالم العربي، فلا تردد في الحفاظ على الوهج الإنساني الذي أشعله المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر، أمير الكويت، ورائد الإنسانية، كما سجلتها قرارات الأمم المتحدة.

ونجدد الترحيب بمبادرة سمو الرئيس، ومن المستحسن أن نجدد الأمل أيضاً، بأن يتواصل موكب الشراكة من دون توقف، مرددين اليقين بأن النواب مهما كانت مشاربهم فإن قناعاتهم وطنية، ومسعاهم لمصلحة الوطن.. والنخوة الوطنية لا تغيب.

عبدالله بشارة







تمر الكويت في الفترة الحالية بتدهور اقتصادي ينعكس على الفرد الكويتي، حيث إن التعاطي من الجهات المسؤولة والمشرعين، نجده ينحرف باتجاه ممكن أن يضِّر المواطن بالدرجة الأولى، وينعكس على الشكل العام للدولة. وقد جاء بتقرير وكالة بلومبيرغ أن السبب الأساسي للتدهور الاقتصادي بالكويت هو الاعتماد الأساسي على النفط، وعدم وجود موْرِد بديل أو دخيل على الميزانية، مما يجعلنا متأخرين عن غيرنا ممن يحاول أن يستثمر العقول الاقتصادية لإيجاد البدائل في المشاريع المتطورة، والاعتماد على القطاع الخاص ببعض المشاريع السياحية والتعليمية المتميزة، والطبية العلاجية المتفوقة على مستوى العالم، والتي لا يمنعها أن يكون مقرها الكويت، واستقطاب المستفيدين منها، وإعادة تكرير وبيع الصناعات النفطية ومشتقاتها، وخلق بعض الفرق والنوادي الرياضية المنافسة التي ممكن أن تحتضنها دولة الكويت، والاستعداد لاستقطاب البطولات على مستوى العالم في الرياضات التي تتوافق مع المناخ بدولة الكويت.

وفي الآونة الأخيرة بعد كشف وزارة المالية بياناتها عن العجز المالي المستمر والمتراجع، نجد أن الدولة تبدأ باتباع مبدأ الشفافية بالإفصاح عن المعلومات الاقتصادية، وتوافرها للمواطنين خصوصاً لمن يهتم بالقراءة والاطلاع والتحليل من الشعب الذي يملك الوعي الذاتي. ومعظم المراجع الاقتصادية تربط الاقتصاد بالسياسية والتأثير المباشر بينهما

فعندما يكون استقرار سياسي يكون هناك استقرار اقتصادي مصحوب به، والقوانين يجب أن توضع من العقول السياسية بشكل مستعجل للارتقاء بهذا القطاع، ونجد اليوم أكبر دول العالم تتعامل بمرونة، فمهم في هذه المرحلة أن تبدأ الدولة بالاستنفار الاقتصادي الذي يصب في مصلحة المواطن، والحلول الجريئة التي تكسر بعض المدارس الاقتصادية التقليدية وتحريرها من العقول الاقتصادية المتأخرة. وأهمها أن تفتح باب الاستثمار المحلي للمستثمر الأجنبي المتفوق بشروط ومعايير متطورة عالمياً، ودعم المواطن لإيجاد الحلول العقارية التي تنعش الاقتصاد المحلي وتصب بمصلحة المواطن الكويتي، وتقليل الفائدة والشروط عليه من البنوك والقوانين التي تشله من الاستقرار العقاري، واستثمار المبالغ المدفوعة على الإيجارات، وأن تكون هي ذاتها دفعات بالمبالغ الشهرية نفسها للتملك بالمستقبل للعقار نفسه، وربط الرقم المدني وسيرته الاقتصادية بوجود نظام الرهن العقاري والتمويل المرن للعقار الذي ممكن أن يصل الى %80 من قيمة العقار، كما هو موجود في الدول المتطورة مثل المملكة المتحدة، أيضاً تحقيق الرقابة على أسعار الأراضي والعقار والذي يحقق التوازن بين العرض والطلب

. فالكويت تحتاج تصحيح المسار الاقتصادي العاجل لنتمكن من إعادة وزننا وريادتنا الاقتصادية في المنطقة، التي تضع البلد على الطريق الصحيح الذي يستحقه شعبها. ودمتم سالمين.

د. غدير محمد أسيري






إن الاستجواب حق مقرر دستورياً (حسب المادة 100 من الدستور)، ويحق دستورياً ولائحياً أن يمارس ذلك الحق المقرر أي عضو من أعضاء مجلس الأمة، بحيث يوجه الاستجواب لرئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء في شأن من الشؤون الداخلة في اختصاصاتهم. وصفة عضوية مجلس الأمة فيمن يقدم الاستجواب، وصفة من يوجه إليه الاستجواب، ليست شرط قبول فحسب، وإنما شرط أساسي ومهم لاستمرار النظر في الاستجواب المقدم. ومفاد ما تقدم أعلاه، إذا ما فقد مقدم الاستجواب صفته كعضو في مجلس الأمة، أو فقد من يوجه إليه الاستجواب صفته كوزير أو رئيس لمجلس الوزراء، فإنه يترتب على ذلك حتماً وبالضرورة سقوط الاستجواب المقدم، واعتباره كأن لم يكن.

هذا وقد ورد النص الصريح والواضح على هذا الأثر بنص المادة 142 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة بنصها على أن «يسقط الاستجواب بتخلي من وجه إليه الاستجواب عن منصبه..». ومؤدى هذا النص السالف الذكر أن الاستجواب يسقط بزوال صفة من تقدم به أو لمن وجه إليه. وكما هو الحال في وضع سمو الشيخ صباح الخالد، سقط عنه الاستجواب بعد أن قدم سموه استقالته واستقالة وزارته.

ومن السوابق البرلمانية في هذا الشأن، استجواب وزير العدل في ذلك الوقت، وهو الدكتور سعد الهاشل، حول ضعف الإشراف القضائي، وسوء تطبيق القانون في قضية مقتل الطفل الموءود. الذي كان مقدماً من قبل السيد النائب حسين القلاف بتاريخ 27/1/2001. إلا أن الحكومة استقالت بتاريخ 29/1/2001 قبل أن تبدأ جلسة مناقشة الاستجواب السالف البيان. وبالتالي سقط ذلك الاستجواب بموجب المادة 142 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة السالفة الذكر.

وفي الختام، عرضنا الرأي الدستوري من وجهة نظرنا كمتخصص في القانون الدستوري وكمستشار، ونحترم الرأي الدستوري الآخر، الذي يصدر من مختص بالقانون والدستور

. د. فيصل أحمد الحيدر







منذ تكليف رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد تشكيل الحكومة مؤخراً دخلت الكويت في حالة جديدة من الاحتقان السياسي، خاصة بعد تلويح مجموعة من النواب واعتبارهم أن عودة الشيخ صباح الخالد للمرة الثالثة هي خطوة باتجاه تأزيم سياسي خانق.

بالطبع ليست هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها علاقة السلطتين إلى محطة اللاعودة.. لكن مثل هذا الاحتقان والتأزيم اليوم يأخذ أبعاداً أخرى، فالكويت تواجه أزمة اقتصادية تتطلب جهوداً وعملاً للخروج منها، كما أنها والعالم بأكمله اختنقا بتداعيات وباء كورونا التي لا تزال في بدايتها وفقاً لآراء أغلبية الخبراء السياسيين والاقتصاديين، أضف إلى ذلك ما تشهده المنطقة بأسرها من تصاعد في حدة العنف والإرهاب ووتيرة الصراعات والحروب!

بمعنى آخر نحنُ نقف اليوم في مواجهة حقبة استثنائية بكل المقاييس «سياسياً ومالياً وصحياً»، وهي حقبة تشترط التعاون والتنسيق لا التناحر والتأزيم. قد تكون هنالك تحركات جانبية تسعى بكل جهدها بهدف التهدئة بين السلطتين، وبشكل يشمل سير عجلة الحياة بكل أوجهها! هنالك قطعاً من يحاول أن يجد مخرجاً لحالة الاحتقان هذه ضمن الإطار الدستوري.. ومع ذلك لا تزال الأجواء متشنجة ولا تزال الأمور معقدة، ولا طرف يبادر بتهدئة الأوضاع بشكل صحيح وفاعل!

صحيح أنه من الصعب ألا تكون هنالك أية بذور احتقان سياسي بين المؤسستين الحكومة من جهة والبرلمان المنتخب من جهة أخرى، فتلك هي شيمة العمل السياسي في أي مكان، لكن الخطر يكون حينما يصبح منبع هذا الاحتقان شخصياً بحتاً.. وبحيث تختلط الأمور على العامة هنا بين الصداع والاختلاف السياسي المستحق، وبين الثأر والخلاف الشخصي الذي لا يمت بصلة إلى العمل السياسي الحقيقي!

يعلم اليوم كل متابع للشأن الكويتي أن ما تشهده الساحة السياسية اليوم في الكويت لا يهدف إلى إصلاح ولا إلى تنبيه ولا إلى أية خطوة باتجاه الأمام.. وإنما هو نابع من تراكمات لصراعات يغلب عليها الطابع الشخصي البحت.. ويوجهها دافع النيل من خصوم اختلفوا على هوامش وقضايا جانبية، ليست من بينها المصلحة العامة للكويت وأهلها، حتى أصبحنا اليوم نعيش أجواء ينشغل فيها الأطراف كلهم، إما بالهجوم على الآخر أو بالدفاع عن أنفسهم، كلّ يجتهد بالبحث عن تهمة يوجهها للطرف الآخر.

اليوم نحنُ بحاجة إلى حكمة العقلاء وحجة المتمرسين في السياسة ممن تثق بهم كل الأطراف لإعادة الأمور إلى نصابها وتشغيل عجلة الحياة باتجاه المستقبل! فلقد سئم الناس حالة الفراغ التنموي والإصلاحي، التي خلفها مثل هذا الاحتقان العقيم!

نتمنى من الأطراف كلها، حكومة ومسؤولين وأسرة ومعارضة ومن الجميع، أن يراجعوا جذور خلافاتهم واختلافاتهم، وأن ينظروا إلى الأمور بعين وقلب المصلح المتجرد من كل تبعات الشخصانية في الخلاف وفي العلاقات والاختلافات السياسية! نريد لهذا البلد الحبيب أن ينهض بهمة وعزيمة الأطراف كلها لا نستثني من ذلك أحداً، فالرماح لا تتكسر إلا إذا كانت آحادا. حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها من كل مكروه.


فهد عبدالرحمن المعجل








أما وأننا، نحن العرب، قد توقفنا عن أن نكون قدوة تستحق المفاخرة، في أي من حقول النشاطات الإنسانية، فإننا على الأقل يجب أن نتواضع ونتعلم مما يفعله الآخرون.

فالاتحاد الافريقي، الذي تعلم من تجربة الاتحاد الأوروبي بصورة أفضل من تعلمنا، والذي بدأ الافارقة بإنشائه عام 1963، أي عشرين سنة بعد إنشائنا للجامعة العربية، والذي لم يثبت في الواقع إلا بحلول عام 2002، والذي يضم دولا بتاريخ وثقافات ولغات وسياسات غير متماثلة، بل أحيانا متناقضة ومتنافسة، والذي لم تجف بعد الدماء التي أريقت بسبب صراعات وحروب دوله وقبائله ودياناته، بين بعضها بعضا..

هذا الاتحاد يخطو رويدا رويدا وبثبات نحو إنشاء سوق اقتصادية مشتركة، سترفع تجارته البينية من نسبة 16% الحالية إلى 60%، وستضيف ما يقدر بسبع تريليونات دولار أمريكي لاقتصاده المتنوع وتطوره الصناعي. ويتكلم قادته عن أن ذلك سيكون خطوة نحو مزيد من الاندماج الافريقي الشامل، في حقول السياسة والاجتماع، ونحو إمكانية خلق عملة موحدة.


لنقارن تلك المسيرة التي جرت لا في العالم الأول المتقدم، حتى لا يتعلل البعض بالفرق الحضاري الكبير بين ذلك العالم الأول، وعالمنا الثالث، الذي ينتمي إليه العرب والافارقة، لنقارن تلك المسيرة الاقتصادية بمسيرتنا العربية لنرى الإخفاق في أشد صوره. بسبب الصراعات والمماحكات، وأحيانا المؤامرات، بين أنظمة الحكم العربية التي أجلت الانتقال الجدي إلى الموضوع الاقتصادي العربي المشترك، حوالي خمس وثلاثين سنة، على الرغم من توقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1957، وعلى الرغم من قرار مجلس الجامعة العربية إقامة سوق عربية مشتركة عام 1964.

لقد كان هناك تردد عند البعض، وكانت هناك انسحابات من قبل البعض، بسبب الظروف السياسية وبدائية الحياة الاقتصادية، وممارسة الطلاق العربي الشهير ما بين القول والفعل. وقد استبشر الناس خيرا عندما أقرت قمة عربية لرؤساء الدول في عمان ـ الأردن عام 1980، استراتيجية عربية اقتصادية مشتركة وخطة للتنمية الاقتصادية. لكن تلك المحاولة دخلت في غيبوبة بسبب الحروب في الخليج العربي، وتذبذبات أسعار النفط، وتوجه فوائض العائدات البترولية والغازية للاستثمار خارج الوطن العربي، وعدم الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متشابك ومتناغم، ما بين مكوناته ونتائجه، وبقاء الاختلافات الشديدة بين القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والتجارية والجمركية، والتعامل مع النظام الاقتصادي العولمي ومتطلباته المطبقة في كل قطر عربي..

كل ذلك جعل التجارة البينية بين الدول العربية تراوح في مكانها، صعودا ونزولا بين العشرة والعشرين في المئة، كحد أقصى، وذلك إبان فترات ارتفاع مداخيل البترول بصورة مؤقتة. كما أن تلك العوامل قادت إلى ضعف شديد في خطوات التكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة وولوج تطورات وتنامي اقتصاد التكنولوجيا والمعرفة.

بعد مرور خمس وسبعين سنة على تأسيس الجامعة العربية، وعلى الرغم من الاجتماعات والقرارات والكلام الكثير عن الوحدة الاقتصادية، والتكامل الاقتصادي والسوق المشتركة، فإن أقصى ما وصلنا إليه في عام 1998 هو إطلاق بداية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي أوصلتنا على الأقل إلى تطبيق شبه الإعفاء الكامل من الضرائب الجمركية على السلع المتبادلة، ما بين الأقطار العربية، بشرط أن تكون ذات المنشأ العربي. لكن الكثير من الأخصائيين الاقتصاديين العرب، بينوا مرارا أن الاكتفاء بأطروحة المدخل التجاري كأداة وحيدة أو مهيمنة على النشاط الاقتصادي العربي المشترك، لن تكفي لبناء اقتصاد تنموي مستقل، وغير تابع وخاضع للخارج. وإننا نحتاج لدخول عوالم جديدة، مثل الإنتاج المشترك، والتشريعات المشتركة، والسوق المشتركة والعملة المشتركة. وإلا ستظل نسبة التجارة السلعية البينية المتبادلة، تدور حول العشرة في المئة، من مجمل التجارة العربية، وستكون النسبة أقل عندما تنتهي حقبة البترول العربية.

ما هو واضح من كل ما سبق هو أننا أمام غياب لإرادة سياسية عربية مشتركة قادرة على الانتقال إلى متطلبات التكامل الاقتصادي ومن ثم، حتى ولو على مدى متوسط، الانتقال إلى نوع من الوحدة الاقتصادية، لكن تلك الإرادة غير متوفرة عند الغالبية الساحقة من أنظمة الحكم العربية. الموجع هو أنه في عام 2011 قام مركز دراسات الوحدة العربية باستطلاع عينة من أفراد الشعب العربي، عبر الوطن العربي، للتعرف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة العربية. لقد أبدى 55% رغبة في قيام وحدة عربية اندماجية كاملة بين الأقطار العربية، وأبدى 66% قيام اتحاد فيدرالي. وقد أظهر استطلاع مماثل قام به معهد الدوحة عام 2014 تأييد 55 ـ 57% التوجه نحو إجراءات تعاونية وتوحيدية بين الأقطار العربية. إذا كانت غالبية الشعب العربي تؤيد قيام وحدة إندماجية في كل مناحي الحياة، فهل كثير على أنظمة الحكم العربية، لو أنها تقرأ أو تعير اهتماما لما تريده شعوبها، أن تتوقف عن الاستمرار في التلاعب بوحدة جزئية في حقل الاقتصاد؟


علي محمد فخرو
كاتب بحريني







لم تقتصر فرحة المصالحة وتأسيس التعاون من جديد بين الدول الخليجية على الشعوب فحسب، بل إنها طالت دول المنطقة أيضًا. فقد نشرت وزارة الخارجية التركية بيانًا في هذا الصدد، جاء فيه: «نرحب بإظهار الإرادة المشتركة لحل النزاع الخليجي، وإعلان عودة العلاقات الدبلوماسية مع قطر، في نهاية الدورة الحادية والأربعين لمجلس التعاون الخليجي، الذي عقد (اليوم) في العلا في المملكة العربية السعودية».


عبّر البيان عن أمل تركيا في أن «يؤدي إعلان العلا الذي تم توقيعه في نهاية القمة بين دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، إلى حل نهائي للصراع» مضيفًا: «كما أكدنا في مناسبات عدة، تولي تركيا أهمية كبيرة لوحدة وتضامن مجلس التعاون الخليجي. بالتزامن مع استعادة الثقة بين دول الخليج، نعلن عن استعدادنا لبذل الجهود من أجل تعزيز تعاوننا المؤسسي، مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تعد تركيا شريكة استراتيجية له».

لا شك بأن هذه الخطوة التي اتخذتها دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل التغيرات الكبيرة، والمشاكل الكثيرة عالميًا، قد تساهم في إعادة إحياء المجلس من جديد، وهي خطوة شجاعة وتستحق التقدير، تجاه هذا التكتل الذي كان مجمدًا منذ عام 2017، وواجه خطر الانقسام جراء الخلافات.

وهنا، لا يمكن إنكار حقيقة الجهود التي بذلتها الكويت لضمان وحدة الصف الخليجي، ومنع التصدع الذي كان يزداد طيلة 3 سنوات. أ

مّا قطر، التي تعرضت لحصار قاس جدًا لمدة 3 سنوات، فإن صبرها وحكمتها في التعامل مع هذا الوضع، هو موقفٌ يبعث على الاحترام. وتجلت هذه الحكمة بشكل صريح في خطاب أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي قال فيه: «استشعارا بالمسؤولية التاريخية في هذه اللحظة الفارقة من مسيرة مجلس التعاون، وتلبية لآمالِ شعوبنا، شاركت إلى جانب الأشقاء في قمة العلا لرأب الصدع وكلنا أمل بمستقبل أفضل للمنطقة».


الاتفاقية الخليجية ليست الأولى على مستوى العالم، فهناك اتفاقيات مماثلة شاهدناها في الفترة الأخيرة، لأن الدول كافة أصبحت تصارع العديد من المشاكل والتحديات، مثل وباء كورونا والجفاف والأزمات الاقتصادية، وقلة المواد الغذائية والمياه، وهو ما يدفعها للحد من الأزمات السياسية والبحث عن الحلول.

وفي هذا الإطار، تعمل تركيا على مراجعة علاقاتها مع الدول التي حدثت معها توترات ومشاكل في الفترة الماضية. في الواقع، تحرص تركيا على عدم قطع العلاقات بطريقة فورية مع البلدان الأخرى بسبب نشوب الخلافات، ما لم يقم الطرف الآخر بقطعها، وحتى إن قطعتها من الناحية السياسية في بعض الأحيان، فإنها تؤيد مواصلة العلاقات على الجانب الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال، لم يؤد احتلال شبه جزيرة القرم إلى انقطاع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا، كما أنها لم تقطع علاقاتها مع دول أخرى مثل اليونان وفرنسا، حتى في ظل النزاعات والأزمات الأكثر خطورة.

يجب على دول مجلس التعاون الخليجي، أن تستخلص درسا كبيرا من الأزمة التي شهدتها المنطقة لمدة ثلاث سنوات، وأن تتخذ أشد التدابير للحيلولة دون حدوث مثل هذه الأزمات بين البلدان الشقيقة في الفترة المقبلة، فالجميع بات يدرك حجم الأضرار التي ألحقتها الأزمة الخليجية بأعضاء المجلس والمنطقة على حد سواء. أمّا الرابحان الوحيدان من ذلك، فهما بلا شك: الولايات المتحدة وإسرائيل. يتعين على الجميع التحلي باليقظة وتوخي الحذر كيلا تندلع أزمات مشابهة لاحقًا. تولي تركيا منذ السابق أهمية كبيرة لعلاقاتها مع دول الخليج، وكان هناك سببان مهمان وراء زيادة أهمية الخليج بالنسبة إلى الجانب التركي، يتمثل أولهما في وقوع «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979، والثاني يتعلق باندلاع الحرب الإيرانية -العراقية عام 1980 التي استمرت 8 سنوات.

في خضم هذه التطورات، وتحديدًا عام 1981، تأسس مجلس التعاون الخليجي، وبدأت علاقات تركيا مع الخليج إبان هذه الفترة أيضًا، لكنها كانت ذات نطاق محدود. أمّا مرحلة تأسيس التحالفات القوية، التي أدت إلى توقيع الاتفاقيات الكبيرة في جميع المجالات مع الخليج، فإنها بدأت مع بداية الألفية الثالثة.

خلاصة الكلام، نأمل أن تهب رياح السلام التي عادت إلى الخليج من جديد، على شعوب المنطقة كافة. يجب أن يكون هناك توجه مشترك وإنتاج حلول ملموسة حيال ما يجري في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين لأن الجميع يعلم أن الأزمات السياسية إذا استمرت بدون حل فإن المشاكل التي تنتظر العالم في السنوات المقبلة ستحوّل المنطقة إلى حلقة من نار. كما يجب على تركيا والدول الخليجية أن تتخذ خطوات عاجلة في كثير من القضايا، لترسيخ إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وإلا فإن أي تأخير سيؤثر في الجميع بلا استثناء.

توران قشلاقجي

كاتب تركي







من “الصراع على سوريا” عنوان كتاب البريطاني باتريك سيل في منتصف ستينات القرن الماضي إلى كتاب “الصراع على السلطة في سوريا” للهولندي نيكولاس فان دام في سبعينات ذلك القرن، كانت هناك عودة في السنة 2020 إلى مزيج من الصراعين. ثمة صراع على سوريا وثمّة صراع على السلطة في سوريا في الوقت ذاته في هذه المرحلة. ثمّة ما هو أبعد من ذلك. ثمّة أسئلة مرتبطة بمصير سوريا التي عرفناها والتي صارت تحت خمسة احتلالات: الإيراني والروسي والتركي والأميركي والإسرائيلي…

جاءت تلك العودة إلى الصراعين بعد نصف قرن على قيام النظام السوري الحالي الذي لم يعد من مجال للشكّ في أنّه كان منذ بدايته نظاما عائليا قبل أي شيء آخر. في السنة 2020، بقي النظام عائليا، لكنّ تغييرا أساسيا طرأ على تركيبته في ظل صعود نجم أسماء الأخرس الأسد، زوجة بشّار الأسد، وأفول نجم رامي محمّد مخلوف. من نظام الأسد – مخلوف، الذي دام طويلا، إلى نظام الأسد – الأخرس الذي انتهى قبل أن يبدأ في بلد يغيب فيه الحد الأدنى من الوعي لما آلت إليه سوريا في ظلّ التجاذبات الدولية والإقليمية.

لم يستمر صعود نجم أسماء ابنة العائلة السنّية (من حمص) طويلا. جاءت العقوبات الأميركية على والدها ووالدتها وشقيقيها فراس وإيّاد لتؤكّد أن الإدارة الأميركية مصرّة على التغيير في سوريا وأن الأمر لم يعد مرتبطا بإدارة دونالد ترامب، بل يتعدّى ذلك نظرا إلى أن اللاعب الأساسي في هذا المضمار هو الكونغرس بمجلسيه (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) حيث يحظى التغيير الجذري في سوريا بتأييد كبير من الشيوخ والنواب الديمقراطيين والجمهوريين على حدّ سواء.

كان لا بدّ من انتظار وفاة محمّد مخلوف قبل ثلاثة أشهر لاكتشاف أنّ الرجل كان ابن خالة حافظ الأسد وأن شقيقته أنيسة زوجة الرئيس السوري الراحل لم تكن من طبقة اجتماعية مختلفة. كلّ ما روّج له النظام طوال نصف قرن عن دور محمّد مخلوف في تسهيل زواج أخته من حافظ الأسد كان غير صحيح. كلّ ما في الأمر أنّه كان هناك، منذ البداية، توزيع للأدوار بين الأسد الأب وابن خالته الذي وضع يده على الاقتصاد السوري بغطاء منه وذلك من أجل السيطرة على الطائفة العلوية وتطويعها عن طريق صناديق مالية خاصة.

أسس حافظ الأسد للنظام القائم إلى الآن. كان ذلك في 16 تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1970. انقلب حافظ الأسد، وزير الدفاع منذ العام 1966 والذي احتلت إسرائيل الجولان خلال توليه هذا الموقع في حزيران – يونيو 1967، في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها غامضة، على رفاقه البعثيين والعلويين. تفرّد بحكم سوريا بعد وضعه العلوي الآخر صلاح جديد في السجن مع السنّيين نورالدين الأتاسي ويوسف زعيّن وآخرين. ما لبث أن تخلّص من الضابط العلوي الكبير الآخر محمّد عمران عندما أرسل من يغتاله في طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني في العام 1972. كلّف ذلك تحوّل رئيس الوزراء اللبناني وقتذاك صائب سلام إلى شخص غير مرغوب به في سوريا بسبب إصراره على التحقيق في جريمة اغتيال محمّد عمران…


يمكن وصف ما حصل في 2020 بتطور في غاية الأهمّية، بل بمنعطف، على الصعيد السوري وذلك بعد أقل بقليل من عشر سنوات على اندلاع الثورة الشعبية في آذار – مارس من العام 2011. ففي ظلّ الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، تغيّرت طبيعة الصراع الدائر داخل العائلة الحاكمة. خرج رامي محمد مخلوف الذي ورث الدور الذي كان يلعبه والده وحلت مكانه أسماء الأخرس الأسد المرأة التي تمتلك شبقا ليس بعده شبق إلى السلطة والنفوذ المالي.

استطاعت أسماء في 2020 تدمير إمبراطورية آل مخلوف الاقتصادية والاجتماعية والطائفية والسيطرة عليها بالكامل وتفتيت ما بقي منها لمصلحة مشروع خاص بها. بذلك صارت العائلات العلوية ولقمة عيشها وخبزها اليومي تحت رحمة مؤسسات “الأمانة السورية للتنمية” التابعة مباشرة لأسماء الأخرس بعد أن كانت تحت سيطرة آل مخلوف منذ سبعينات القرن الماضي حين سمح حافظ الأسد لمحمد مخلوف بالسيطرة على الاقتصاد السوري واستخدام هذا المال للسيطرة على أبناء الطائفة العلوية وتطويعهم وتحويلهم إلى عبيد للعائلة الحاكمة. كذلك، استطاعت أسماء تحويل نفسها إلى ركيزة أساسية في معادلة اقتصاد الحرب السورية لضمان ديمومة النظام الأسدي.

تأمل أسماء بنقل السلطة إلى ابنها حافظ الصغير. باتت تسيطر اليوم على 70 في المئة من اقتصاد القطاع العام السوري عبر ما يسمى “صندوق شهداء وجرحى الجيش العربي السوري”. تشارك أسماء أيضا بطريقة مباشرة في الاقتصاد السوري الخاص. كذلك، تسيطر أسماء على موارد المؤسسات الدولية الإنسانية ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا عبر تحكّمها بوزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة الهلال الأحمر السوري وإجبار كلّ المؤسسات الدولية العاملة في سوريا على العمل حصرا عبر هاتين الجهتين الخاضعتين لها مئة في المئة.

تركت أسماء الاقتصاد “القذر” لماهر الأسد وحيّدته في المواجهة الناجحة التي خاضتها مع رامي مخلوف ومجموعته. إضافة إلى ذلك، استطاعت فرض سيطرة أقارب مباشرين لها على قطاعات اقتصادية معيّنة.

لم يكن في حسابات أسماء الأخرس الأسد أنّه سيأتي يوم تستهدف فيه عائلتها بعقوبات “قانون قيصر” الأميركي. كانت تظن أن الجنسيات البريطانية والدور “السياسي الخفي”، الذي ظن والدها الدكتور فواز الأخرس أنه يلعبه، سيوفّر لهم حماية من العقوبات الأميركية التي سبق أن طالتها شخصيا كما طالت ابنها الأكبر الذي مازالت تحلم بتوريثه الرئاسة.

أثبتت العقوبات أن وضع العائلة على لائحة العقوبات الأميركية جاء بتنسيق كامل بين واشنطن ولندن. أكثر من ذلك، جاءت العقوبات لتثبت أنّ التغيير في سوريا سياسة أميركية بغض النظر عن الشخص الموجود في البيت الأبيض، أكان دونالد ترامب أو جو بايدن.

خيرالله خير الله






أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن رغبته في “علاقات أفضل” مع إسرائيل، وجاء توقيت هذا الإعلان لحظة خروج الرجل من صلاة الجمعة. أي من قلب الأيديولوجيا ومن عتبة “آيا صوفيا” التي استعادها أردوغان مسجدا في نهاية مارس 2019 وأسمع الناس ـ بصوته ـ التلاوة الأولى بعد الفتح الثاني، فتهلل له المريدون واستبشروا بـ”انتصارات” أخرى وشيكة.

في يوم الجمعة 25 ديسمبر 2020 كان المريدون من “الإخوان” ينتظرون من الرئيس التركي كلمات ساخنة، شبيهة بكلماتهم النازلة في ساحة المطبّعين العرب. لكن أردوغان حاول استرضاء الرهط الكريم بعبارة مقتضبة غير أيديولوجية، لتذكير إسرائيل بأن “العلاقات الأفضل” معها لا تزال مرتجاة، لكنها تتعرض للعرقلة، من خلال سياستها “غير المقبولة” تجاه الفلسطينيين. ولم ينس في التصريح نفسه التأكيد على أن العلاقات الاستخبارية التركية – الإسرائيلية لم تتوقف في أي مرحلة.

السؤال الآن: طالما أن العلاقات الاستخبارية لم تتوقف، وأن مشكلة أردوغان مع إسرائيل هي معاملة الفلسطينيين أو سياستها حيالهم، أي أنها ليست قضية استلاب وطن وإنكار حقوق أساسية فيه؛ فلماذا لا يُقاس هذا المنطق بالمسطرة نفسها التي قيست بها اتفاقيات التطبيع الأخرى؟

إن كان أردوغان يعاتب، فلمَ يكن هو مخترع مثل هذا العتب في تاريخ العلاقات التركية – الإسرائيلية. ففي مرحلة الحكم الملتزم بمبادئ أتاتورك، حدث ما هو أكثر من ذلك. بل إن ردود أفعال أنقرة في مناسبات التوتر في العلاقة التركية ـ الإسرائيلية، كانت أشد من ردود أفعال أردوغان على الحروب التي شنتها إسرائيل ضد غزة، أو هجومها بحرا على السفينة مرمرة وقتل مواطنين أتراك متضامنين مع غزة المحاصرة.

ففي نوفمبر 1956 سحبت أنقرة سفيرها من إسرائيل احتجاجا على العدوان الثلاثي، دون أن تكون إسرائيل قتلت أتراكا، بل تشددت في شروط إعادة سفيرها، وطالبت بحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفق مقررات الأمم المتحدة. لذا فإن الجديد التركي المبشر الذي يتوهّمه الأصوليون من حكم أردوغان لا يقوم على منطق، بحكم أن سياسة الدولة التركية تلتزم مسارها الاستراتيجي الموصول بخطط ووظائف حلف شمال الأطلسي مع بعض المراعاة لمشاعر الشعب التركي حيال مسلمي فلسطين والبلاد العربية.

في الموضوع الفلسطيني الذي يجعله الأصوليون قاعدة التخوين والمديح، لم يخرج أردوغان عن الخط التطبيعي القديم. فها هو يخرج من المسجد الأثير بعتاب لإسرائيل مرفقا بالتذكير البليغ أن العلاقات الاستخبارية معها لم تنقطع. فلمصلحة من كانت هذه العلاقات وضد من؟

أردوغان يلعب في الهامش المتاح له، ولكل نظام سياسي تجمعه بإسرائيل علاقات طبيعية راسخة، هامش للخلاف. لكن طريقة اللعب التي اختارها، هي أن يرتبط دفء العلاقة مع تل أبيب بسياستها، وهذا يعني موضوعيا أن شنّ إسرائيل الحرب على شعب وممارسة القتل الرقمي بالقصف الجوي لا يوفران مناخا لعلاقات دافئة. وفي الحقيقة ليس في هذا الأمر مأثرة “إسلامية” لأن الولايات المتحدة نفسها كانت تدين قتل الأبرياء وتتحدث عن “الاستخدام المفرط للقوة”. أما أوروبا فكانت تدين بأشد العبارات!

يستند أردوغان في خطابه السياسي إلى قضية فلسطين، سعيا إلى الرواج والربح الانتخابي. وكلما مرّ وقت أطول على حكمه يصبح أكثر حاجة إلى الخطاب المتاح له، ولأقصى درجة في الموضوع الفلسطيني. وهذا هو الموضوع الذي يقف فيه عند حدود معيّنة، ولا يذهب فيه بعيدا مثلما عليه الحال بالنسبة إلى الموضوع الأيديولوجي وتمظهرات التقوى والتلاوة. لذا تراه يخترع لنفسه تعبيرات مثل “سياسة الربط القوي” بين سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين ودفء علاقاته معها.

الشعب التركي، سواء كان الحاكم أردوغان أو غيره، لديه عاطفة قوية تجاه فلسطين، وهذا أمر استثمره أردوغان وتفاعل معه دعما لمشروعاته الخارجية، لاسيما وأن سياسة اليمين الإسرائيلي المجافية للتسوية والمتمسكة بالاحتلال قد ساعدت على ذلك.

وفي الحقيقة، لم يكن هذا الوقت هو المناسب بالنسبة إلى أردوغان لكي يُعرب فيه عن رغبته في نقل تركيا إلى علاقات أفضل مع إسرائيل. فلم يكن في حاجة إلى استرضاء إسرائيل وتطيير العتاب لها ومنحها مثل هذا التصريح الذي لم تظفر به السعودية أو مصر أو الإمارات. فكأن الصراع بين أنقرة والقاهرة مثلا، تناحري بينما الخلاف مع تل أبيب يتعلق بمحض أسلوبها حيال الفلسطينيين ولم يؤثر على العمل الاستخباري المشترك.

لقد وضع أردوغان بصراحته في الإعراب عن رغبته في علاقات أفضل مع إسرائيل كل جماعات الإسلام السياسي أمام حقائق وخيارات يصعب عليها تجاوزها أو التعاطي معها. بل يمكن أن نذهب إلى القول إن هذا الضليع صاحب التجربة العميقة في العلاقة مع تل أبيب، يريد مساعدة المعجبين به على تطبيع حواسهم مع فكرة التصالح مع إسرائيل التي ينكرون مشروعيتها، قياسا على المدركات والحقائق الأولى التاريخية للقضية الفلسطينية. في هذه الحال يتوجّب على هؤلاء التوقف عن إدانة وتخوين الآخرين، لأن مثل هذا المنطق لا يسعد أردوغان باعتباره مطبّعا ومتعاونا استخباريا وثابتا على علاقة استراتيجية معها.

من نافل القول، أن منهجية “الإخوان” منذ بداية تأسيسهم، لم تكن تشترط التحالف على قاعدة الطهرانية السياسية والوطنية، المتعارضة مع النفوذ الغربي (وفي ثناياه التواجد الإسرائيلي المستتر في أوطان المسلمين). فالعكس هو الصحيح، إذ وقفت الجماعة، على مرّ تاريخها، ضد القوى الراغبة في تصفية نفوذ الاستعمار القديم، وتصادقت مع حلفائه التقليديين ووقفت معهم. وربما يكون هذا من بين الطبائع الانتهازية، التي تجعل تطبيع أنقرة مع تل أبيب حميدا وتطبيع الآخرين خبيثا.

عدلي صادق





1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright