top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
خريدة القصر وجريدة العصر.. كتاب وحد المثقفين !
"خريدة القصر وجريدة العصر" كتاب أدبي يقع في 21 مجلدًا، ترجم فيه مؤلفه عماد الدين الأصفهاني لشعراء عدة في القرنين الخامس والسادس الهجريين. ذيّل عماد الدين الأصفهاني كتابه، كما يقول ابن خلكان على كتاب زينة الدهر لأبي المعالي الحظيري، الذي وضع كتابه ذيلا على "دمية القصر" للباخرزي، والتي هي ذيل "يتيمة الدهر" للثعالبي. واليتيمة ذيل على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم. جمع العماد في الخريدة كما يقول، ...
رقصة الحياة في زيارة ابن حزم الأخيرة
يقدم د. محمد السيد إسماعيل، في نصه المسرحي "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" تجربة أدبية، يستلهم فيها الماضي ليدمجه بالحاضر في رؤية استشرافية تُلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه. وفي زيارة ابن حزم الأخيرة، الزمن هو زمن ملوك الطوائف، حيث يدور حوار بين ثلاثة من كبار علماء المسلمين في الأندلس، ويكون الانهيار الوشيك للحكم الإسلامي في الأندلس، ويدور حوار بين كل من ابن حزم صاحب "طوق الحمامة"، وابن شهيد صاحب ...
الديكتاتورية تدَّعي الحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه
يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟ الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، ...
استيليو .. الخواجة اليوناني السكندري
شرد الخواجه استيليو في ماضي حياته، عندما نشأ في شارع الرحمة – قريبا من مدافن عمود السواري – كان يلعب مع أطفال الشارع، ينتظرون الميت، يدخلون خلف المعزيين، ويمد استيليو يده مثل باقي أطفال المسلمين لتلقي الهبات من المعزيين الذين يعطون قروشا قليلة، يسعد بها . أهله اليونانيون لا يعرفون ما كان يفعله مع أطفال المسلمين، انتقلوا بعد ذلك لمنطقة أبي الدرداء، أراض كثيرة وممتدة امتلكها اليونانيون هناك – حول ...
الحفرة ... رواية الرعب والتشويق
صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون النسخة العربية من رواية «The Taking of Annie Thorne» وجاءت الرواية تحت عنوان «الحفرة» وهي من تأليف س. تيدور مؤلفة «رجل الطبشور» وترجمة بسام شيحا ومراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة. وفي الرواية: ذات ليلة، تختفي آني من سريرها، تجري عمليات بحث واسعة يشترك فيها رجال الشرطة ومتطوعون محليون. وحين يظن الجميع بحدوث الأسوأ، تعود آني مجدداً – بعد ثمان وأربعين ساعة – بيد أن شقيقها، جو، ...
طبيب الأناضول رواية تاريخية اجتماعية حول المجتمع التركي
يعد الروائي أحمد حمدي تانبينار (1901 ـ 1960) أحد أهم الروائيين في تاريخ الأدب التركي المعاصر، كانت روايته التي ترجمت إلى العربية باسم "طمأنينة" واحدة من علامات التحديث في أدب بلاده، كتب تانبينار كذلك القصة والشعر والمقال، ويقام حاليا في إسطنبول مهرجان أدبي سنوي يحمل اسمه، كما يحمل متحف الأدب التركي المعاصر في إسطنبول اسمه أيضا. وهذه الرواية له "طبيب الأناضول" التي ترجمتها أماني محمد صبحي وصدرت عن دار ...









أعلنت مؤسسة عبدالعزيز البابطين الثقافية أن الثلاثين من يونيو المقبل سيكون آخر يوم لتسلم المشاركات في مسابقة الجوائز الشعرية، معلنة أن المسابقة مفتوحة في مجالات الشعر والنقد الشعري وتبلغ قيمة جائزة الابداع أربعين ألف دولار والقصيدة عشرة آلاف وديوان شعر عشرين ألفا حيث ان المشاركات مجانية.














جمع المتحف الخاص للباحث الكويتي ومؤسس فريق إكسبو 965 للمعارض التراثية والحرفية والمبدعين الكويتيين محمد كمال بوثائق ومقتنيات ومصاحف وقطع إسلامية نادرة تعود إلى مئات السنين، حيث يعود تاريخها إلى ما قبل 150 و650 سنة تقريباً وهي ذات نقوش مذهبة ومن بلدان مختلفة.

وقال كمال إنه يهوى جمع المخطوطات القديمة والنادرة موضحاً أنه يمتلك أيضا رقوقا تعودان إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين ورقوقا من القرنين الخامس والسادس الهجريين وغيرها الكثير.












قال فيصل الحفيان مدير معهد المخطوطات العربية إن هناك آلاف المخطوطات التي خرجت من الدول العربية على مدى القرون الماضية مما فرض القضية بإلحاح على (يوم المخطوط العربي) الذي يحتفى به في ابريل/نيسان من كل عام.

وأطلقت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) مبادرة (يوم المخطوط العربي) عام 2013 وتبناها وزراء الثقافة العرب وتم الاتفاق على الرابع من ابريل/نيسان لمواكبة تاريخ قرار إنشاء معهد المخطوطات العربية.
وفي دورتها السابعة تقام الاحتفالية هذا العام على مدى يومين تحت شعار "المخطوطات المهجرة". ويخصص اليوم الأول في 3 ابريل/نيسان بالمكتبة المركزية الجديدة لجامعة القاهرة للافتتاح البروتوكولي والاحتفاء بالوفود المشاركة من السعودية ولبنان وفلسطين وسلطنة عمان والمغرب.

وفي اليوم التالي تنشط ندوات ونقاشات اليوم العلمي في مقر معهد البحوث والدراسات العربية بحي الدقي.


وقال الحفيان وهو سوري الجنسية في مقابلة مع رويترز على هامش افتتاح معرض الإسكندرية للكتاب "هناك آلاف المخطوطات التي خرجت من البلاد العربية على مدى القرون الماضية، هناك الآن في مكتبة تشستربيتي الأيرلندية آلاف المخطوطات، في متحف الاسكوريال في إسبانيا، وفي روسيا، وفنلندا، والصين.. كل ما يخطر على البال من أماكن في العالم بها مخطوطات عربية خرجت أو أُخرجت بالتعبير الدقيق من البلاد العربية".

وأضاف "نحتاج كخطوة أولى إلى جمع صور هذه المخطوطات من كل أنحاء العالم حتى تكون موجودة في البلاد العربية ومتاحة للقارئ العربي، لذلك اخترنا هذا العام شعار 'المخطوطات المهجرة' والتي سنتناولها من زوايا مختلفة".

وتابع قائلا "ستبحث الجلسات والنقاشات في.. كيف حدث التهجير تاريخيا؟، وما هي الرؤية الفقهية للمسألة؟ لأن عندنا تراثا في الفقه يتكلم عن قضية الوقف والمقصود هنا وقف الكتب (وهبها) وهي ظاهرة معروفة في تراثنا، وعندنا الرؤية القانونية التي سيتكلم فيها متخصص قانوني بشأن استرجاع هذه المخطوطات".

وفي (يوم المخطوط العربي) يكرم معهد المخطوطات العربية هذا العام اسم الكويتي عبدالله حمد محارب (1947-2017) المدير العام السابق لمنظمة ألكسو الذي اختير شخصية العام التراثية، كما يحتفي بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب التي اختيرت مؤسسة العام التراثية، ويسلط الضوء على "معجم مطبوعات التراث في المملكة العربية السعودية" الصادر في ثمانية مجلدات لمؤلفه أحمد الضبيب والذي اختير كتاب العام التراثي.
كما يصاحب فعاليات (يوم المخطوط العربي) ثلاثة معارض، الأول للوحات للمخطوطات المهجرة، والثاني لأدوات صناعة المخطوط العربي وحفظه، والثالث لإصدارات معهد المخطوطات العربية.











بعد أربعين عاما في انتظار إيزابيل يعود إلينا سعيد خطيبي بروايته "حطب سراييفو"، لم يبتعد الكاتب عن المجال التاريخي إذ استقى ثيمة روايته الجديدة من مصادر تاريخية، ولكن هذه المرة أراد البحث عما هو مشترك بين بلده وسرايفو أين نقل لنا حياة بطليه إيفانا وسليم وتداعيت الحرب على كلا الشخصيتين.
وعن سبب اختيار تلك المدينة، وكيف تحولت إلى خلفية مكانية بالرواية قال سعيد خطيبي: ليست المرّة الأولى التي أكتب فيها عن سراييفو، بل المرّة الثّانية، بعد كتاب "جنائن الشّرق الملتهبة" (2015).
وأضاف: أظنّ أن سراييفو واحدة من أكثر المدن الأوروبية حضوراً في المخيّلة العربية. ليس فقط بسبب حرب التّسعينيات، بل نظراً لتاريخها الذي يتقاطع مع تواريخ مجتمعات عربية، ولحضور المكوّن الإسلامي في العلاقات التي تجمع بين ساكنيها. انطباعي عن سراييفو، حين زرتها للمرّة الأولى، قبل ستّ سنوات، كان يُشبه من يلج مغارة، إما أن يضيع فيها ويحبّها، أو يترصد أول فرصة للهرب منها ويدير ظهره لها. حصل أن وجدت فيها ما احتجت إليه من مادّة للكتابة، ومن تقاطعات مع مزاج مدن جزائرية، ومن رغبة في مواصلة التّيه، وشيئاً فشيئاً تحوّلت المدينة إلى ديكور للرواية، ولكن ليست سراييفو الآن، بل المدينة التي كتبت عنها، في الرّواية، هي سراييفو ما قبل أكثر من عشرين سنة، التي خرجت لتوّها من أصوات القذائف وشراسة القنّاصة، وهي تبحث عن فرصة لها لتحيا، دون أن تنالها يوماً.


ويوضح خطيبي أن الأرشيف لعب دوراً وليست الذّاكرة وحدها. والمفارقة أن هناك تاريخاً مشتركاً، وشبكة من المصادفات، بين الجزائر والبوسنة، ولكن – اليوم – لا توجد علاقة رسمية بين البلدين، فبينما تعاطف الجزائريون مع البوسنيين، فضّلت الجزائر الرّسمية الحفاظ على صداقتها مع الحليف القديم: صربيا، مما انجر عليه سوء فهم مع حكومة سراييفو.
من الصّدف المأساوية أن أوّل ضحية أجنبية، سنوات التّسعينيات، في الجزائر، كان عاملاً بوسنياً (بصحبة عمّال كروات)، بمنطقة تمزقيدة (ولاية المدية، 60 كلم جنوب الجزائر العاصمة)، نهاية 1993، وفي تلك الفترة بدأ التحاق مقاتلين جزائريين، بحرب البوسنة والهرسك، ووقع أول ضحية منهم في مدينة زينيتسا، شمال سراييفو. من وهلة أولى، لا تظهر لنا نقاط مشتركة بين تاريخي البلدين المعاصر، ولكن – لاحقاً – بعدما قضيت بضعة أسابيع في تقليب الأرشيف، وبعد التّمكّن قليلاً من اللغة الصّربو كرواتية، ظهرت لي نقاط مشتركة بين تاريخي البلدين، فما حصل في الجزائر عشرية التّسعينيات، تعود جذوره إلى ثورة التّحرير (1954-1962)، وما حصل في البوسنة والهرسك يعود إلى نتائج الحرب العالمية الثّانية، كان يجب أن نعود أكثر من نصف قرن إلى الوراء، كيف نفهم ما حصل، ونعرف أنّ الحرب لم تكن طفرة، ولا لحظة عابرة، بل في كلا البلدين، قامت حربان تهيّأت لهما ظروف وحفرت لهما خنادق أثنية وثقافية قبل عقود من اشتعالهما.

وعن الموت الحاضر في الرواية قال الكاتب الجزائري: من يخاف من الموت يموت مرّتين. الجزائر والبوسنة والهرسك جرّبا الموت، لذلك لم يكن في ذهني إعادة الكتابة عن الفظائع، التي وقعت، ولا إعادة تدوير الحكايات، التي يحفظها النّاجون من الحربين، بل اخترت من البداية خطاً معاكساً، أن أكتب عن تجربة العيش وإمكانياتها، في ظروف تبعث على الموت، أن أكتب عن الإنسان لا عن التّاريخ، عن أولئك المجهولين، الذين لم تجرفهم الحرب في طريقها، لكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بعدها. بعد سنين طويلة من العنف اليومي، ومن القتل المنظّم، كادت تتشكّل ما يشبه متلازمة ستوكهولم، في عقول النّاجين، وذلك ما عبّرت عليه إيفانا، في واحدة من الوقائع، ومثلها فعل سليم، في الجزائر، حيث إنهم من تعوّدهم على الحرب، صارت أخبار الموت أمراً مبتذلاً ولا تشعرهم بحزن، وفي الوقت ذاته، لا يعرفون كيف يُعيدون بناء حياتهم بعد أن يتوقّف الرّصاص. تعايشوا مع الحرب ولم يتخيّلوا شكل حياة لهم بعدها. في الحقبة التي تدور فيها وقائع الرّواية كان الموت بوصلة النّاجين، يعلمون أن خرجوهم من الحرب بأقل الأضرار، لا يعني أنهم سلموا منها، حيث إن كلا من البطلين إيفانا وسليم يدركان، لاحقاً، أنهما ضيعا حياتهما في تلك المرحلة، لم يموتا لكنهم تحوّلا إلى مسخين. إيفانا تكتشف أن أباها لم يكن نفس الشّخص الذي عرفته حياً، وسليم يجد أنه من نسب مشكوك فيه، ويشرع في البحث عن والديه. لقد راوغا الموت، واستمسكا بحبل الحياة، بدا عليهما صبر وتحمل، لكنهما كانا ينزلقان، في لا شعورهما، من اليقين إلى الشكّ.


وقال سعيد خطيبي عن مدلول الحطب ورمزيته في الرواية: حرب البوسنة والهرسك سبقت، بفارق زمني بسيط، حرب الجزائر في التسعينيات، وأسبابها أيضأً كانت أسبق، رغم أوجه الشّبه، التي تجمعهما. لذلك فضّلت أن أنطلق من سراييفو، قبل أن أصل إلى الجزائر. عدا الأرشيف البصري، عن أيام الحرب في سراييفو، ومشاهد النّاس وهم يقطعون الأشجار، فصل الشّتاء، هناك فيديوهات، تعرض في مؤسسات حفظ الذّاكرة، بوسط المدينة، يُعاد فيها تمثيل ما وقع في تلك الحرب، وكلّ مرّة يتكرّر مشهد قطع الأشجار، في حدائق وساحات عامّة، نظراً للشّتاء القارس الذي تعرفه المدينة، في وقت كانت الكهرباء مقطوعة، وكذا الماء ولا توجد وسيلة للتّدفئة والنّجاة، عدا قطع الحطب.
وأضاف: حين انتهت الحرب، ومرور سنوات، تمّ ترميم البنايات، ومحو آثار القذائف والقناصة، ومن يتمشّى في سراييفو – ليلاً وليس نهاراً – لا يشعر أن حرباً مرّت هناك، ولكن الشّيء الوحيد الذي عجزوا عن ترميمه هو حدائق المدينة، وإعادة أشجار تتجاوز أعمار بعض منها مئة سنة. ثم هناك بعد رمزي في كلمة "الحطب"، في المخيّلة الدّينية، في الإسلام وفي الإنجيل، بحكم أن في البلدين كان الدّين لاعباً فيما جرى، والحطب لها مدلول آخر في التّراث العربي، وفي الجزائر تستخدم الكلمة كثيراً في أمثال شعبية، ثم عثرت على الكلمة ذاتها وأنا أستمع إلى أغانٍ كلاسيكية بوسنية (مستوحاة من أشعار)، لذلك طرأ أكثر من سبب في توظيف كلمة "حطب"، كمشترك بين الجزائر والبوسنة والهرسك.
وقال عن الآلية التي جنّبته الوقوع في السّرد التّاريخي المحض: من السّهل أن نُعيد سرد ما حصل، في كتابة كرونولوجية، وننسخ تاريخاً معلّباً، ونخرج بأدب قابل للاستهلاك السّريع. لكن من كتب ذلك التّاريخ الذي نلجأ إليه؟ كلّ تاريخ يتضمّن رغبة في السّيطرة، ونظرة أيديولوجية من جانب واحد. وإعادة الكتابة، وفق هكذا طريقة هي اصطفاف في جانب طرف ضد آخر. وسقوط حتمي في أحكام قيمية.
وأظنّ أن الرّواية يجب عليها مراوغة التّاريخ وتحريره. شخصياً، كانت تهمّني الحكاية، متعة النصّ، ولذّة السّرد، البحث عن شخصيات وحبك أقدار لهم. لم أهتم بإعادة تصدير التّاريخ، بل بحثت عن فهم الحياة آنذاك، وجزيئاتها، ثم تخيّلت قصّة، دون منتصر ولا خاسر، بل قصّة تُحاول أن تحكي مصائر النّاس العاديين، البسطاء، المجهولين، الذي عاشوا تحت الحرب دون أن نسمع عنهم، عن يومياتهم في الحب والخوف والتّوجّس والحيرة والدّهشة والغبطة والكرب والهمّ والهجر. كان يهمّني أن ابتكر لهم حياة ثانية، يصنعون فيها تاريخا شخصياً لهم، بعد أن استبعدوا من التّاريخ العام في بلديهما.

ليلى عبدالله











تاريخ الشك مثال مهم عن عملية ونمو قاعدة فقهية إسلامية تفاعلت مع قواعد قانونية أخرى وقواعد قانونية اجتماعية
قاعدة الشك انتشرت بسرعة، محققةً مكانةً بارزةً في القانون الإسلامي، وهي مبكرةً جداً في تاريخه

تقدم انتصار راب أستاذة القانون في كلية القانون في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأميركية في كتابها "قاعدة الشك عند الفقهاء المسلمين" تأريخا لمفهوم الشك في نظام الفقه الجنائي الإسلامي، على وجه التحديد، مفهوم يكشف الكثير عن طبيعة القانون الإسلامي نفسه وتعقيداته؛ المعروف أيضاً بالشريعة. ويطرح هذا التأريخ تساؤلات حول المفهوم الشعبي عن الفقه الإسلامي؛ الذي أيده البعض وعززه، وانتقده آخرون وعارضوه. والمفهوم هو أن الفقه الإسلامي تقليد قانوني إلهي لا يتسع لحرية التصرف أو الشك، خاصة في الجانب الجنائي.
رأت راب في كتابها - الذي ترجمه الباحث المغربي د. سعيد منتاق وراجعه د. رضوان السيد وصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود - أن تاريخ الشك مثال مهم عن عملية ونمو قاعدة فقهية إسلامية، بما أنها تفاعلت مع قواعد قانونية أخرى وقواعد قانونية اجتماعية.
انتشرت قاعدة الشك في الإسلام بسرعة، محققةً مكانةً بارزةً في القانون الإسلامي، وهي مبكرةً جداً في تاريخه. وخلال عقود من وفاة النبي، أصبحت قاعدة الشك مركزيةً جداً في القانون الجنائي الإسلامي إلى حد أنه، مع نهاية قرن الإسلام الأول، أشار إليها القاضي الرائد في مدرسة الكوفة في القانون، إبراهيم النخعي بأنها بديهية. وقام فقهاء من الأجيال اللاحقة بالشيء نفسه، مع علماء رواد في كل مركز رئيس من مراكز الإمبراطورية الإسلامية النامية، مستحضرين المبدأ بحلول منتصف القرن الثامن. قبل مطلع القرن التاسع، أعلن أحد العلماء أن قاعدة الشك كانت مبدأ من المبادئ القليلة التي اتفق عليها كل الفقهاء المسلمين.
بعد ذلك، رُسخت القاعدة بشكل جيد إلى حد أنها ظهرت في الأدب الشعبي المشهور مثل "ألف ليلة وليلة". وظهرت أيضاً في سجلات تاريخية مهمة، مثل تلك السجلات التي وضعت شعراً من قبل مؤرخ أندلسي من بلدة في البرتغال اليوم: "قاعدة تجنب العقاب في حالات الشبهة، حديث رواه كل العلماء الثقات حسني السمعة". الحديث هو رواية لكلام أو أفعال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو مصدر تأسيسي للقانون الإسلامي، في المرتبة الثانية بعد القرآن. إن تصريح الشاعر المؤرخ إذاً معبر: مع القرن الثاني عشر، حيث كتب ذلك المؤرخ، بل وقبل ذلك، بدأ الفقهاء المسلمون يعدون قاعدة الشك نبوية الأصل.


استكشفت راب مفهوم الشك المنسي تقريباً والمركزي جداً في القانون الجنائي الإسلامي، والطرق التي نشر بها الفقهاء المسلمون قاعدة الشك، وسوغوا استعمالها الواسع في الحقبة الممتدة من القرن السابع إلى القرن السادس عشر في الديار الإسلامية المركزية. وقالت: مطلبي الأساس هو أن الفقهاء المسلمين في القرون الوسطى، الذين ادعوا التزامهم بالنص، نشروا الشك (مع قواعد قانونية أخرى خارج النص) لتشكيل طريقة واقعية في التأويل زادت من سلطة المؤسسة على القانون. لإنجاز هذه المهمة التأويلية، عبروا عن مثل القيم الأخلاقية والعمليات القانونية والسلطة التأويلية التي بوساطتها سعوا إلى تحديد الاستعمال الشرعي للقوة في القانون الجنائي الإسلامي.
وتساءلت راب: كيف استطاع الفقهاء المسلمون ادعاء التزامهم بالنص ومغادرته في آن واحد؟ لماذا قاموا بذلك؟ وأشارت لبعض الدوافع التي لأجلها نجح الفقهاء المسلمون في تحويل مذاهب الشك إلى قواعد نصية. أولاً، الوسائل: أزعم أنه على مدار ثمانية قرون ومن خلال نقاشات تأويلية عديدة، وضع الفقهاء المسلمون مجموعة من القواعد، وحددوا النصوص وعمموا مذهب الشك الإسلامي المتجذر في الممارسة القانونية المبكرة. بمعنى، حددوا مذهباً للشك طبق في الحالات المبكرة التي - مع التكرار على سبيل الممارسة القانونية - أصبحت قاعدة قانونية في شكلها المعياري المكرر أحياناً كثيرة. حول هؤلاء الفقهاء إذاً ممارسة قانونية لتجنب العقوبات في حالات الشك إلى نص قانوني يتطلب ذلك. لإنجاز وضع نصوص للقاعدة، أكد الفقهاء أن الرسول محمداً (صلى الله عليه وسلم) نفسه صرح بذلك داعياً الفقهاء إلى تجنب العقوبات الجنائية في حالات الشك. وبإعطائها أصلاً نبوياً، حول هؤلاء الفقهاء القاعدة إلى نص قانوني معياري. وبعد تجهيز القاعدة بأس نصي ثقة، عمم هؤلاء الفقهاء أنفسهم فحواها، وحددوا مفهومها الأساس بوضع تشريع للشك متطور وعبر قرون طويلة .
ثانياً، الدوافع. ماذا يشرح هذا التحول الراديكالي لمذهب الشك الإسلامي من الممارسة القانونية إلى نص قانوني ملزم، وتوسعه نحو مبدأ عام أصبح يسيطر بل ويحدد القانون الجنائي والإجراء الإسلاميين؟ الجواب معقد، له علاقة بما يمكن أن نسميه على حد سواء عوامل قرينية خارجية وعوامل نصية داخلية لها علاقة بالتأويل القانوني الإسلامي. وخارجاً عن المشروع التأويلي لفقهاء المسلمين كانت البنية الشاملة للقوة المؤسساتية في تحديد القانون الإسلامي، الذين كانوا في مفاوضات متواصلة حوله مع السلطات الحاكمة.
هناك نقطتان نقديتان لفهم موضوع تلك المفاوضات. أولاً لم يكن الفقهاء المسلمون في القرون الوسطى، وهكذا تحديدات القانون الإسلامي، مدمجين في الدولة، ولا هم مسيطر عليهم بالشكل الذي تمارس فيه الدول الحديثة الاحتكار على القانون. ثانياً، كان أولئك الفقهاء علماء قانون يتميزون عن طبقة منفصلة من القضاة المعينين من قبل الدولة، ولو أن بعض الفقهاء كانوا يلبسون القبعتين. وهكذا كان هناك تفاعل بين الفقهاء، الذين حددوا القانون، والسلطات الحاكمة، التي تفرضه، والقضاة، الذين كانوا يعتمدون على الفقهاء في تحديد القانون وعلى الحكام في فرض قراراتهم. ونظراً لأن هذا الترتيب للقانون الجنائي حقل في القانون العام يشتمل على كل الأنواع الثلاثة من الفاعلين، يعد الشك عدسة مهمة من خلالها قد نحدد كيف وصل الفاعلون المؤسساتيون تاريخياً إلى الترتيبات المؤسساتية المعروفة في الإسلام الرسمي، والتي حاولت أن توازن العلاقات بين الفقهاء المسلمين والحكام السياسيين.
ولفتت راب إلى أنه داخل مشروعهم التأويلي كان استعمال الفقهاء المسلمين للتأويل النصي يهدف إلى تحديد القواعد الإسلامية والتعبير عنها، وخلال العملية مفاوضة العلاقات المؤسساتية ومدونة السلوك الأخلاقي. ينطبق هذا الإطار على الفقهاء السنة والشيعة على حد سواء. أنجز الفقهاء المسلمون هذه المهمة بالتركيز على عوامل ثلاثة رئيسة، قدمت كلها على أنها محاولات لخدمة المشروع الإلهي بإخلاص: القيم الأخلاقية التي اختار الفقهاء إعطاءها الأولوية في ضوء السياقات الاجتماعية السياسية المتغيرة التي تحيط بالقانون الجنائي والشك، والعمليات القانونية التي صممها الفقهاء المسلمون في مدارس تأويلية عديدة لتحديد "تشريع للشك" ومعنى للنزعة النصية ونظريات الفقهاء، المعتمدة على اللاهوت، في نطاق سلطتهم التأويلية الخاصة.
وأضافت "يبرهن مسار الشك أنه ولا طالب تاريخ القانون الإسلامي يجب أن ينخدع مع الظهور اللاحق نسبياً لأطروحات عن القواعد القانونية بالتفكير أن تلك القواعد لم تبتكر أو تنشر حتى القرن الرابع عشر. كانت قاعدة الشك هناك منذ بداية القانون الإسلامي، مع أول المصادر التي دونت انتشارها، وكانت قد وضعت معياراً للقانون الإسلامي العام في القرن السابع أو بداية القرن الثامن. تم تحديد قاعدة الشك آنذاك نصاً وعممت في القرن الحادي عشر، عندما نضجت المدارس الرئيسية للقانون الإسلامي، وتفككت الإمبراطورية، وشهد العالم الإسلامي تحولاً من الممارسة القضائية إلى النص القانوني باعتباره أساً موثوقاً به للتأويلات الشرعية في القانون الإسلامي. واستمر شكل ووظيفة قاعدة الشك - وإلى جانبها، السلطة التأويلية للفقهاء المسلمين بين السنة والشيعة - في كونها مسألة نقاش بعدئذ، عندما نما استعمال القواعد القانونية والأدب الذي سجلها من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر، حيث ينتهي التركيز الأساس لهذا الكتاب".
قاعدة الشك
قاعدة الشك نبوية الأصل

وأشارت راب إلى أنه بعد القرن السادس عشر، استمر أدب القواعد القانونية في النمو بهدوء كبير في الأراضي السنية العثمانية والأراضي المغولية، وكذلك في العالم الشيعي، إلى حدود القرن الثامن عشر. تتضمن الأجزاء عن القانون الجنائي في هذه المجموعات من القواعد القانونية صياغة جديدة للتعريفات الأولى لشريعة الشك بطرق بدت أحياناً كثيرة أنها تخدم الأهداف البيداغوجية للتربية القانونية والأهداف التداولية للأحكام القضائية؛ مع أنه يُتطلب مزيد من العمل للتفصيل في الدور الدقيق للشك في تلك الميادين .
وأكدت أن تاريخ الشك يوفر خلفية لتقويم الانحطاط الحاد للقواعد القانونية في العالم الحديث، خاصة بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية - مع تقديم تسعة وتسعين قاعدة في القانون التجاري العثماني للعام (1869)، محدداً واحداً من أيام القمة في القواعد القانونية للحقبة الكلاسيكية في القانون الإسلامي. تعرضت القواعد القانونية عموماً إلى الهجر في العالم الإسلامي بعد فترة من الاستعمار الأوروبي والتدوين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما أتت بنيات حاكمة بتغييرات عنيفة في التربية القانونية والسلطة الفقهية على القانون في العالم الإسلامي. صممت القوانين الحديثة لتهميش الفقهاء، كما كان الأمر بشأن فك النظام التربوي التقليدي لصالح أنماط غربية.
صاحب تدوين القوانين المدنية والجنائية أنماط حكومة مستوحاة من الغرب في الشرق الأوسط: تشريعات جديدة، محاكم تابعة للدولة وسلط تنفيذية أقوى. في الواقع سمح هذا التحول من التقليد التأويلي الحيوي في القانون الجنائي في القرون الوسطى إلى قوانين بأسلوب أوروبي ومحاكم في سياقات حديثة بقضاة جدد تعينهم الدولة للاستغناء عن القواعد القانونية الإسلامية، وتبني مقاربات للقانون نصية وأكثر صرامة. كذلك، من المحتمل أن هؤلاء القضاة اعتمدوا على مجاميع الحديث ونصوص أخرى لم تتضمن بالضرورة القواعد القانونية مثل قاعدة الشك، التي تم تحديدها نصاً فقط نحو نهاية الحقبة التأسيسية الإسلامية، ومن ثم لم تظهر في أجزاء النصين التأسيسيين الإسلاميين.
ورأت راب أنه كان للتأثير الأجنبي المتواصل الأثر غير المقصود في إحداث حنين إلى العصر الذهبي المتصور عندما كان المسلمون، في سيطرتهم على شؤونهم، قادرين على تنفيذ نظام القانون الجنائي الذي تميز ظاهرياً بتطبيق واسع لعقوبات الإسلام الجنائية. وجاء استحضار مثل هذه المفاهيم غير التاريخية عن هذا العصر الذهبي المتصور بشرعية رمزية لفاعلين سعوا إلى إرجاع قاعدة القانون الإسلامي بتطبيق القانون الجنائي الإسلامي من خلال جهاز الدولة الحديثة أو بصفتهم فاعلين غير حكوميين، تباعاً. ولكن هؤلاء الإسلاميين ليسوا علماء قانون، ولا هم مؤرخين. كانوا يميلون إلى عدم اضطلاعهم بالقانون الإسلامي خارج النصوص الأساسية، التي تتضمن عادة صياغات واحدة للمادة، ولكن ليس الإجراء الموسع للقانون الجنائي الإسلامي، كما تطور من خلال قاعدة الشك.
باختصار، أظهر أشد المناصرين للقانون الجنائي الإسلامي قليلاً من الفهم إلى جهل الملامح التاريخية، وطبعاً جهل بتعريفات سياق الشك ووظائفه واستعمالاته. ربما لهذا السبب، في القرنين العشرين والواحد والعشرين، أن الاهتمام بالقواعد القانونية الإسلامية ظهر من جيوب العلم في العالم الإسلامي - مع اهتمام جديد باستخراج القواعد القانونية في القرون الوسطى لفحص علاقتها بالأسئلة القانونية الحديثة.
وكما اقترح أحد العلماء منذ ثلاثة عقود تقريباً، ربما كان اعتبار القانون الإسلامي دون القواعد القانونية يغلق سبل فهم طبيعة القانون الإسلام، والتأويل القانوني تاريخياً في العالم المعاصر على حد سواء.
وختمت راب بالقول "لا مجال للمخادعة: يوحي تاريخ القانون الجنائي الإسلامي أنه على الفقهاء المسلمين في أي عصر التعامل مع الشك".

محمد الحمامصي













*في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجل من عامة الناس رحلته، نحو اكبر هدف يمكن ان يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال واقامة الدولة العربية في فلسطين، متحديا بذلك حكمة أكبر دولة في العالم آنذاك (الدولة العثمانية) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارات: اوروبا وآسيا وأفريقيا…كان اسمه “ظاهر العمر الزيداني” (1689 – 1775).
*أنا اخاف من الموت، لكن انطفاء قنديلي قبل انطفاء قناديلكم، لا يمكن أن يخيفني، سأدفع الموت ما استطعت الى خارج طبرية، ولعلي استطيع أن ادفعه أبعد من ذلك في يوم ما!

*مذهولا كان يسير، كما لو أنه يسير في حلم، الى أن ايقظته واحدة منهن بيد تربت على كتفه: ما دمت اشتريت قنديلا أبها الجميل، فان عليك أن تضيئه لتتمكن من رؤية حسنك وتتمكن من رؤية حسننا أكثر!

*في الخيل عزة لا يستطيع الانسان أن يفهمها، انها تحزن ولا تبوح، وتتألم ولا تنكسر يا ظاهر. كأن ما تسرب من الفرس البيضاء الى داخلك، لم يكن حليبها وحدها، ولكن عليك أن تتذكر انك انسان اولا واخيرا. قالت له نجمة.
*اريد شعبا كاملا من الأبطال، لا شعبا من الخائفين بين هذين البحرين: بحر الجليل وبحر عكا. البطولة الحقيقية في ان تكونوا آمنين الى ذلك الحد الذي لا تحتاجون فيه لأية بطولة اخرى..

*هذه البلاد بلادك وبلادي يا سعد مثلما هي بلادهم. هذه بلاد كل من يجرؤ على الدفاع عنها، اما الجبناء فلا بلاد لهم، لأن جبنهم هو بلادهم الوحيدة الاي باستطاعتهم ان يرحلو ا اليها الآن، دون أسف عليهم!
*أصبحت كرامة الناس فوق أي اعتبار، وحقوقهم خطا احمر لا يجرؤ احد على الاقتراب منه.

*كان القنديل الأول قنديله والثاني قنديل يوسف والثالث قنديل ظاهر: حدق في الشعلات الثلاث، الشعل المضيئة غير العابئة بشيء سوى فرصها بقدرتها على تبديد بحر الظلام!
*باشر ظاهر استعداده، شكل قوة من الف وخمسمائة رجل، من طبرية وما حولها، من حلفائه عرب الصقر، وبدا بتدريبهم بما يكفل دخول القلعة ورد برسالة…

*لم نأت الى هنا الا لننتصر..خاطب الظاهر عسكره بصوت مجلجل.

*العهد وخطوات الريح: لم تكن الناصرة بحاجة الى حرب كي يدخلها ظاهر، اذا انطلق بهدؤ من عرابة ودير حنا وطبرية وصفد، ليضم اطرافها اليه، ويبسط نفوذه وحمايته عليها، وعلى مرج بني عامر.

*كان جبل نابلس ملكا خاصا لسلاطين آل عثمان، وكان المال المقرر عليه خمسمائة كيس في السنة، يدفعها شيوخ الجبل لوزير دمشق، ليرسلها بدوره الى اسطنبول مباشرة، ولذا كانت تلك اول معركة يخوضها ظاهر ضد الدولة العثمانية، لانها الحرب الاولى التي يواجه فيها أشد حلفاء الدولة اخلاصا لها ودفاعا عن مصالحها.

*لكن ما آراده ظاهر قد حدث: أن تكون كل أراضيهم الساحلية تحت سيطرته. ولم يكن هناك أكثر فرحا من أهالي المرج والناصرة، الذين رأوا قوة الجرار تلك تعود الى قفصها، وتحكم بنفسها اغلاق الباب على نفسها.

*على بوابة الكنيسة البشارة، سجد وصلى، رفع يديه وشكر مريم العذراء، واستدار امام العيون المحدقة به، التي امتلأت، تأثرا بالدمع: كل ما يلزم الكنيسة من قناطير الزيت يتم احضاره لها في الموسم…

*لم يصل ظاهر شيئا حول رسالة وزير صيد، بقي صامتا. دار في الشوارع يساعد الناس، ويرفع الحجارة التي اغلقت ويصلح ابوابا تكسرت، ويعيد البضائع ويوزع الحلوى على الصغار…
*حق الدولة أن تأخذ الميري، اما اذلال الناس وتمريغ كراماتهم في الوحل فليس من حق الدولة، لأن الكرامة التي وهبنا اياها ربنا ليست ملكا للدولة..

*فتحت أبواب المدينة لتجار روسيا وايطاليا وفرنسا ومالطا والبندقية، وامتلأت بالمنسوجات القطنية والصوفية والسكر والأسلحة والورق والأواني الزجاجية، وعادت السفن التي جاءت محملة بهذا كله ممتلئة بالقطن والكتان والصوف والصابون والقمح والزيت والسمسم.

*…وانت تعرف، أن ظاهر الذي يبسط نفوذه اليوم على معظم بلاد فلسطين، استطاع أن ينشىء جيشا كبيرا، واستطاع ان يكسب دول كبرى بعلاقاته التجارية والسياسية معها، ولم تعد هناك دولة واحدة لها قنصل في بيروت او صيدا او دمشق…الا ولها قنصل في عكا يسير امور رعايا بلاده وعلاقات بلاده مع ظاهر.
*تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، واجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها، في حين كانت صور في يد حلفاءه المتاولة، وبيروت في يد حلفاءه الشهابيين..ولم يبق للدولة سوى ميناء طرابلس في الشمال..

*في فترة حكم ظاهر، تقاسم أهالي شفاعمرو بترتيب من ظاهر، اراضي المشاع فيما بينهم: الدروز والمسيحيون…وكانت عشرات العائلات السورية المسيحية وصلت الى شفا عمرو ايضا، بسبب انتشار الأمن والاستقرار والتسامح.

*رفض ظاهر، وأصر: لا اعطيهم اكثر مما اعطيتهم، وكتب لهما: وكي يكون لهم حقهم في الأمان في الآمان وتربية اولادهم دون خوف، حاربت اعدائي. كي تكون للناس كرامة حاربت اعدائي. وكي املأ هذه الطرقات بالامان حاربت أعدائي.
*في ظهيرة السابع والعشرين من شهر آب من عام 1770، وصل ذلك المركب الذي انتظره ظاهر اخيرا، حاملا تلك الجارية “الكرجية” (من جبال القفقاس)، التي لم ترى العين أجمل منها.

*ولي طلب أخير قبل ان انام، اريدك أن ترفع طرف غطاء العربة، لأني أظن أننا وصلنا الى تلك المنطقة التي كلما مررت عبرها، وقفت طويلا اتاملها…كانت واحدة من اجمل المناطق بين الناصرة وعكا.

*ها أنت تعود وتتذكر القناديل! هل انطفأ قنديلك في ذلك اليوم البعيد ام انه كان يخبىء ضوءه، يدخره لكي ترى كل ما رأيته، وتعيش كل ما عشته يا ظاهر حتى هذا اليوم؟!
*مقيدا بقي ظاهر في عكا، منتظرا وصول اخبار تبدد مخاوفه، فهو يدرك أن معركة دمشق هي اكبر معركة يخوضها، وان تحقيق النصر فيها، سيكون ذروة استقلال البلاد ما بين البحرين، دون ان تغيب القدس عن باله، لكنه ادرك ان ستنتهي ما ان تسقط دمشق.

*يوم ظاهر: كان النصر ساحقا، ومهيأ لاحتضان نصر آخر سريع وخاطف، حيث واصل جيش ظاهر مطاردة الجيش المهزوم حتى صيدا، وقبل ان يصلها، وصلت اخبار هزيمة الأمير يوسف، واخبار المطاردة، ففر العساكر تاركين المدينة، فأدرك ظاهر أن عليه أن بقص أجنحة دمشق كلها، بعد معركتين فاصلتين استطاع بهما القضاء تماما على هيبة الدولة وهيبة ونفوذ حلفائها، ولم يكن هناك افضل من حصار دمشق نفسها بالسيطرة على اربد وعجلون…

*هز ظاهر رأسه مستعيدا زمنا كاملا:

-ذات يوم بعيد قالت القناديل لاخوتي ما قاله الرمل لوكيلك!
*تلك الانجازات كلها، كانت كافية ليحلق ولو كان جبلا!
*تعرفين يا امي! لم تزل ليلة القناديل تلح علي بين حين وآخر. لقد اصبحت بعيدة، وظل قنديلي الذي انطفأ مشتعلا! ولكن منذ ذلك اليوم احسه يخبو اكثر فاكثر، كلما رأيت قنديلا احبه يطفأ، لقد انطفأ قنديل أبي ليكون لي قنديل.
*ابنائي! والله منذ أن كبرو لم ارهم يفعلون شيئا سوى ارسال الريح تلو الريح لاطفاء ما تبقى من ضؤ في هذا القنديل! كم يتمنون لي العتمة.

*تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، وأجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها (لم ينتبه الكاتب ولا الناشر لتكرار هذا النص في فقرة اخرى)!

*حين دخل الى يافا، في الأول من نيسان،لم يكن جيش محمد ابو الذهب بحاجة ملحة لخوض معركة! كان بحاجة لأخذ قسط من الراحة بين اشجار البرتقال والتوت والرمان، وبالقرب من نواعير مياه يافا العذبة، وعلى شاطىء بحرها الأكثر صفاء من اي بحر رآه ابو الذهب من قبل.

*ارسل علي الى ابيه أن يغادر المدينة، لأنه لا يريد أن يرى رأسه مقطوعا تحت قدمي ابو الذهب! ففي النهاية هو ابوه! ولن يرضيه أن يحدث له هذا!

*ارجوك ايها الأمير، هذا مقام مقدس عند المسيحيين وقريب الى قلوب المسلمين وهذا المزار ملجأ للفقراء والمساكين، والمقام كنيسة قديمة، ونحن لم نسمع من قبل ان احدا قام بهدم بناء بناه الأولون، فبالله عليك لا تفعل ذلك.
*صوب “الدنكلزي” واطلق رصاصته القاتلة، التي اصابت قلب ظاهر. لكنه لم يسقط، ظل واقفا والدم يتدفق من صدره، وعيناه مثبتتان الى وجه “الدنكزلي”، العينان نفسهما القويتان الثاقبتان. عند ذلك سحب الدنكزلي سيفه، واغار على ظاهر، وبكل قوته قطع عنقه، ففار الدم من جسده، متحولا الى اكبر شعلة قنديل يمكن أن يراها احد تحت الشمس وراحت تتقد وتعلو، وتعلو.

*خطا الدنكزلي الخطوة الأخيرة، ودفعه بقدمه، فسقط، وقربه كان هناك رأسه ملقى بعينين لم يفارقهما البريق.
هكذا انهي تلخيصي “المميز” لهذه الرواية الطويلة البالغة الاسهاب والتفاصيل (أكثر من 550 صفحة)، والتي تحفل بالتعبيرات الشكسبيرية “القدرية” والسرد التفصيلي السينمائي الدرامي المدهش، وكأن الروائي يكتب بقصد سيناريو سينمائي ملحمي لقصة منسية من قصص البطولات الفلسطينية التي حدثت قبل حوالي ثلاثة قرون، ولا يوجد مجال حقا للمقارنة مع الواقع الفلسطيني الحالي البائس، المتخم بالخلافات والانقسامات والزعامات والولاءآت وربما “الخيانات”، حيث ربما الحاجة ماسة لوجود عصري لزعيم فلسطيني فذ وتاريخي وقوي ومسلح بارادة حديدية مثل “ظاهر العمر الزيداني”!

*الخص عادة الروايات بهذه الطريقة الموجزة التي تستند لسرد اهم الفقرات والجمل (من وجهة نظري النقدية)، ثم أذهب لتلخيص منهجية واسلوب الكاتب بشكل لافت، وباعتقادي ان هذا ملائم للكثير من القراء المثقفين المستعجلين (في عصر الانترنت الرقمي) واللذين لا يرغبون ربما بقضاء الساعات الطويلة لقراءة رواية ما، ولكنهم يهتمون بالالمام بالخطوط الرئيسية وتصفح احداثها الجوهرية.


مهند نابلسي












لأنه لم يخضع ـ رغم المحاولات الدوائب ـ لتحييزه تعريفيا، واستطاع صانعوه ومتلقوه القفز به غالبا خارج دوائر التسييج الصوارم، وإن حلا لأجيالٍ أوهي استمرأت الاستراحة إلى تعريف أو آخرمن تعاريف الأقدمين المؤطرة له بعبارات ظنوها موانع جوامع، ولأنه تعبير حي عن الإنسان كان لا بد أن يجاهد التثبيت الذائقي، ويفر من التكبيل، ليظل الطائر المتنقل بحرية لانهائية ـ فيما أتصور ـ بين عصر وآخر، وبين بيئة وغيرها، وتظل الرؤى النقدية والحيرات التلقوية تتقاذف الاتهامات بخروجه عن نسقه، وثورته على سجانه .

جائرٌ، مفارقٌ لنصَفته، كلُّ من يرى الشعر الآن كما كان يراه الأقدمون بتعاقب أزمانهم واختلاف بيئاتهم؛ فأسطع من شمس ظهيرة أنه مر بتبدلات بنيوية ورؤيوية، بل ومهمّية، ليس في العصور المتعاقبة والأزمنة المتلاحقة فحسب؛ بل في العصر الواحد وعلى أيدي مجايلين، ومن ثم فإن محاولات التحنيط النقدية التي يصر بعض أصحاب ذوائق التثبيت على النظر إلى الشعر بها تصبح تعبيرا عن اختلالات بنيوية فضلا عن المحاميل الموضوعية غير القادرة على الصمود طويلا في مواجهة التسارعات في الانتقال بالإنسان وحياته من حال لغيرها، قد لا تفصل بينها أيام، بل ساعات ودقائق، في عالم الفضاء المفتوح وسيطرة "الميديا" القمرية والوسائط الالكترونية و"السوشيال ميديا".

ولأني واحد من عاشقيه، وصانعيه، وأراه بعيدا عن التسييج الإطاري؛ فإني لا أرفض نسقا محددا وأميل إلى آخر بصورة إطلاقية، ولكنني أعتمده ـ هذا المعشوق ـ سبيلا لممارسة حريتي الإبداعية في التنقل بين الأنساق، لا أجد غضاضة في الشكل البيتي الذي ظل صامدا القرون الطوال، بصورته القائمة على تساوي الشطرين وفق ما سجله المستقرئ العظيم الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وبحوره الموسيقية الخمسة عشر، وبحر تلميذه الأخفش، أو حتى ما خالف قوانينه العروضية كـ جمهرة "عبيد بن الأبرص" مثلا ، كما لا أجد حرجا في أن تأتي القصيدة بجذورها التراثية البنائية الأولى، أو تمتح من آبار تجديدات أبي تمام والمتنبي والمعري، لكني ـ قطعا ـ لست أسير الخيل والليل والبيداء، ولا سجين مِكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معا، ولا تتوقف وصوفي عند (أيطلا ظبي وساقا نعامة)؛ فمحيطاتي ومشاكساتي البيئية تخلو تماما من هذه المثيرات، ولا يعوق هذا تقبل ذائقتي الصورة التفعيلية، بتجلياتها المختلفة، وإن كنت ـ قطعا أيضاـ لا أضع لحظتي الشعرية تحت أخيلة الأجيال التفعيلية الأولى، ولا أستسيغ السير على ما درجوا عليه من تصاوير وبنى، كما لم أقطع ـ ككثيرين من هواة القطعية المعرفية ـ بيني وبين القصيدة النثرية، لا يهمني التوقف عند إشكالية الاصطلاح؛ وتجاذبات النقدة حول تناقضية كلمتي الإسناد الإضافي أو النعتي: قصيدة النثر أو القصيدة النثرية، ولكنني ـ في الوقت ذاته ـ لست مستنسخا ما درج عليه النثريون من طرائق رأوها ـ بتحديدية صارمة ـ هي الصانعة لقصيدة النثر.


لا شعر بلا حرية ، ولا شعر بلا تعدد ، ولا شعر بلا سعي لتأكيد إنسانية الإنسان، ومن ثم فإن إعلان "اليونسكو" يوما عالميا له لم يكن ليخرج عن تأكيد هذه الحرية والتعدد اللغوي والتعبير عن الإنسانية في تجلياتها العامة، دون أن يعني هذا مناقضة الهويات المحلية، ولعلي في هذا المقام أستعيد بعضا مما نشرته في مقالات عدة، عزفا على الوتر ذاته، وانحيازا لتحرير هذا الفن دائما من قبضات المسيّجين أورده لتأكيد الموقف النقدي القائم على التحرير الدائم للمعشوق الشعر من أيدي ساجنيه سابقين أو تالين :

"المؤكد أن وظيفة الشعر قد استجابت لما تقاذفته الأيام والعصور من تغيرات طرأت على مختلف جوانب الحياة، وليس في هذا ما يشير إلى انتفاء القيمة، وانعدام الأهمية بقدر ما فيه من تأكيد على الإيمان بالسيرورة التطويرية الإنسانية وإنجازاتها، فدور الشاعر لم يعد - كما استقر عبر قرون الشعر الأولى - التأريخ والسفارة، والقيام بدور وزير إعلام القبيلة، ومنادمة الملوك والرؤساء، وحفظ الذاكرة الوطنية، ولم تعد - في نظري - قضية الكتابة الشعرية وفق ما اصطلحه القدماء، أو ما تواضعوا عليه بـ "عمود الشعر"، وقضاياه وأغراضه المحددة هي الفاصلة بين الشاعر والمتشاعر، أو بين الشعر ومجاوراته من الفنون الإبداعية الأخرى؛ فالإيقاع غير الإيقاع، والصورة غير الصورة، بل إن اللغة ذاتها - على ثباتها النسبي - قد تعرضت، قطعا، لانتقالات دلالية وأسلوبية جعلت الكتابة الشعرية الحديثة في تجلياتها المتعاقبة نماذج مختلفة، رغم التقاطعات الموسيقية أو البلاغية، أو الغرضية، التي يمكن أن تضم حزمة من الكتابات تحت تصنيف واحد وفقا للذهنية الجدولية الفرزية".

"لا يعنينا الاندفاع الشكلاني، وتغير أدوات التعبير عن هذا الغامض الملتبس/الشعر، لكن ما نود أن نشير إليه هو أن المحاولات المتتابعة قد أخرجت - أو هي قد حاولت ونجحت إلى حد ما - الأيديولوجي إلى ما ورائية الهم الشعري، بمعنى تراجع الاهتمام بقضايا كان الاحتفاء بها، أو حتى ملامستها قديما يرفع من رتبة الشاعر، ويثبت قدميه في طين التأريخ الأدبي، لكن السائد الآن أن الترويج لإزاحة هموم الوطن والأرض وتغييب القضايا الكبرى ومنها الهوية العربية والإسلامية، وإفساح الطريق للهامشي واليومي والعادي المألوف، بل وأحيانا الداخلي جدا... يمثل حالة اقتراب حقيقية.

على نحو ما يروج له أصحاب الكتابة بالجسد أو للجسد - من الشعر الحقيقي، وأنه لا ضرورة لدى الشاعر تحتم عليه التعرض للقضايا الكبرى وهموم الأوطان، بمعنى آخرـ وليس ذلك مرفوضا على إطلاقه - إخراج الجغرافي والتاريخي من الشعري، بمعنى أدق تحرير الشعر من انتماءاته الوطنية، وهذا في رأيي مكمن خطورة فادحة، فرغم انحيازي شخصيا إلى القول بإنسانية الإبداع، وخروج المبدع على الحيز الجغرافي المحدود إلى آفاق العالم الأرحب، إلا أن ذلك لا يعني التحلل من كل القيم المحلية والانعتاق من قضايا الوطن والهوية الوطنية، وإن كان هذا هو الشغل الشاغل للقائمين حاليا على صناعة المواطن "الكوزموبوليتاني" العولمي الجديد، وتدشين ما يسمى بالمواطنة العالمية التي قد تبدو مقبولة في حال تكافؤ قوى وتعادل مؤثرات جيوسياسية هنا أو هناك، لكن في ظل التفاوت الرهيب الذي يلف العالم تصبح المحاولات الدائبة لإذابة المواطنة وتسييح الهوية عبر المنجز الثقافي إحدى آليات التغيير التي لا تتوازن فيها القوى، ومن ثم فإن خطورة محو القضية الوطنية لحساب قضية القطب الأقوى لا تمثل مواطنة عالمية، ولكن إخضاعا وتكريسا لهيمنة ثقافية وإبداعية للطرف الغالب على المغلوبين، بالتعبير الخلدوني، وهو ما ينعكس على كل أشكال التعبير ومنها الشعر الذي يمثل لدى العربي أحد سياجات الهوية الثقافية، ومن ثم فإن غياب الهم الوطني والانشغال بالذات وقضاياها الهامشية، رغم تقاطعات هنا أو هناك بين هذه القضايا العامة بدرجة أو بأخرى ظاهرة مقلقة، وجديرة بالملاحقة والمواجهة.

الأدب الإنساني لا شك أنه أفضل الآداب بقدرته على اختراق الحدود الزمانية والمكانية، لكن هذه الإنسانية العالية - في نظري - لن تتحقق لأي أدب إن يتحرر من لسانه، فكما فشلت كل المحاولات التي أنفق فيها أصحابها ردحا طويلا من الزمن لخلق أو تكوين لغة تخاطب عالمية واحدة وليست آخرها «الاسبرانتو» تظل محاولات توحيد اللسان الأدبي ضربا من المستحيل، فكل إبداع يتم داخل لغة، ومن هنا فإن سمات خاصة لا بد باقية مائزة بين الهويات الثقافية التي تسعى - جاهدة - ماكينة الإعلام الفضائياتي، وشبكة «بيل غيتس» ورفاقه الإلكترونيين لإذابتها بالحامض «الكوزموبوليتاني» الذي لن يفلح - مهما اجتهدت الماكينة ومشغلوها - في القضاء على خصوصيات الشعوب ومحو الهويات، وتذويب الفوارق بين الألسنة والألوان، لأن اختلافها وتنوعها آية من آيات الخالق العظيم، ووجودها تأكيد لهذا التنوع الذي يحقق درجة عالية من التفاعل الإنساني بدلا من «المثلية» الإبداعية - على ما في هذا التوصيف من قسوة، الأمر الذي يحتم علينـــا الانتباه، وألا تخدعنا «الكليبات النقدية» والأفكار سابقة التجهيز، فنزيح عن إبداعاتنا عموما، وشعرنا خصوصا - قضايانا الكبرى، ومن ثم يزيحنا المتلقون إلى حيث فضاء الحرام الشعري بعد أن ارتضينا - دون وعي - الاغتسال بماء العولمة الثقافية، خلاصا مما يظن أنه أدران الهويات الخاصة لأوطاننا ".

وعلى هذا ، ودون أن يظن القارئ أن بموقفي ميلا إلى التعزيل، واعتماد الحيوز الجغرافية فواصل بين الإنسان وأخيه في البشرية، فإني فوق اختلافي مع هذا الظن، حتما، أشير إلى أنه ومنذ سنوات قليلة جمعني مهرجان دولي بشعراء من خمس عشرة دولة، وما أحسست، رغم التفاوتات الحضارية والمدنية بين الدول المشاركة، بأن ثمة فارقا إنسانيا، وبدا الأمر وكأنّ الشعراء المشاركين إنسان ذو ملامح واحدة لم تفلح الأزياء والألسنة في إخفائها، ورغم أن بعض المعاني بهتت ظلالها جراء الاختلاف اللغوى إلا أن المشترك الإنساني العام تجلى للمتلقين العاديين فضلا عن إحساس المبدعين المؤكد به .

ويظل التعدد الذي أشار إليه إعلان "اليونسكو" دليلا على احترام تفاوت الهويات واختلاف الخصائص المحلية .
الشعر بإنسانيته لا يمكن حصاره في نسق، ولا تأطيره بالانشغال بمواضيع محدودة ، فلا بد له من فساحات تناسب دورانه الكوني وانشغال مبدعيه غالبا بالمطلق، لكنه للأسف تعرض كثيرا وتعرض مبدعوه لمحن التكفير، والاغتيال النقدي، والمعنوي العام لمن يحاول المروق من "كليشيهات" الثقافة الشعرية العربية، بل وصل الأمر إلى الحكم على شعراء بالإعدام، استنادا إلى جهالات في تأويل صورة شعرية، خارج محفوظات المؤوّل، وربما لحسابات خارج دائرة النقد .

في يومه العالمي، ليس لي إلا أن أجدد التاكيد على رفضي هيمنة السياسي أو الفكر التكفيري على كل من يحاول التفكير خارج صندوق المحفوظات المريح لأصحابه فقط .

مختار عيسى











يأتي معرض "علامات رحّالة: أسفار الخطوط العربية"، الذي افتتحه أخيرا المركز الفني والإبداعي في أبوظبي "معرض421" بالتعاون مع مؤسسة خط، معرضا مختلفا ومغايرا من حيث رؤاه وأفكاره حيث يستكشف الدور المهم الذي لعبته النصوص القديمة في رسم وصون الهوية الثقافية لحضارات منطقة الشرق الأوسط، وخبايا حكايات قديمة عن تطور ستة من الأبجديات الأشد تأثيرا في تاريخ الشرق الأوسط والعالم، مازجا بين عناصر علم الآثار والتاريخ والفن والتصميم ليسلط الضوء على ما أسهم به التبادل التجاري والثقافي التفاعل بين الشعوب على مر العصور في نشر تطوير الأبجديات وأساليب الكتابة والخط في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى الرغم من أن المعرض يركز على حكايات مرت عليها قرون عديدة، إلا أن موضوعاته الأساسية ـ وفقا لفيصل الحسن المشرف على المعرض ـ حاضرة ولها صدى قوي في عالمنا الذي نعيش فيه. ففي وقت تتنامى فيه النزعة القومية في بقاع كثيرة من العالم، يأتي هذا المعرض تذكيرا بأن المجتمعات استفادت على مدار التاريخ من بعضها البعض، وأحيانا ما تحقق ذلك بطرق غير متوقعة، وساد بينها التفاعل بين البشر والثقافات، ولم تكن ميالة لمقاومة تلك التأثيرات، بل العكس حرصت على الاستفادة منها. وكان لذلك الفضل في انتشار ممارسات الكتابة وفنون الخط في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى الرغم من أن المعرض يركز على حكايات مرت عليها قرون عديدة، إلا أن موضوعاته الأساسية ـ وفقا لفيصل الحسن المشرف على المعرض ـ حاضرة ولها صدى قوي في عالمنا الذي نعيش فيه. ففي وقت تتنامى فيه النزعة القومية في بقاع كثيرة من العالم، يأتي هذا المعرض تذكيرا بأن المجتمعات استفادت على مدار التاريخ من بعضها البعض، وأحيانا ما تحقق ذلك بطرق غير متوقعة، وساد بينها التفاعل بين البشر والثقافات، ولم تكن ميالة لمقاومة تلك التأثيرات، بل العكس حرصت على الاستفادة منها. وكان لذلك الفضل في انتشار ممارسات الكتابة وفنون الخط في جميع أنحاء المنطقة.

يتماشى المعرض مع رؤية معرض 421 المتمثلة في تقديم أعمال الفنانين والمصممين الموهوبين من مختلف أنحاء المنطقة العربية، حيث يشتمل على تسعة أعمال جديدة لفنانين ومصممين من الإمارات والسعودية والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، تعكس طيفا عريضا من الفنون، منها الأعمال الفنية التركيبية والخزف وتصميم الحلي والمجوهرات والنسيج والأزياء وتصميم الأثاث والمقتنيات التذكارية.

كما يعد المعرض بحثا عميقا في سبل استخدام الشعوب المختلفة للنصوص الأجنبية، قبل أن يعمدوا إلى تكييفها لأساليب عملية وثقافية وجمالية، كما يبرز العلاقة بين الشكل والوظيفة، التي مثلت ركيزة العديد من الإبداعات الإنسانية عبر التاريخ، وهي من الموضوعات التي يهتم بها معرض 421.
تزامنا مع افتتاح المعرض تم إصدار كتاب ينطوي على بحث مفصل ومختصر في تاريخ وتطور أبجديات الشرق العربي الرئيسية أي موضوع المعرض. وضم عرضا تفصيليا للأعمال الجديدة وللأفكار وعملية التصميم وراء إبداعها من خلال مجموعة من المقالات التي تؤطر وتضع سياق كل من البحث التاريخي في النصوص القديمة والتكليفات الفنية والتصاميم، والتي تتناول الهوية الثقافية في نطاق الثقافات العربية المعاصرة، من منظور شخصي لممارسي فن التصميم ومؤرخيه في المنطقة.

ورأت د. هدى أبي فارس التي أسهمت بالتصميم والتقييم الفني للمعرض أنه "لطالما كان الشرق الأوسط مهدا لعدة حضارات وديانات وتقاليد. كان ملتقى طرق التجارة التي تمر عبر الممالك والأراضي. ولم يقتصر الأمر على السلع فحسب بل والمعرفة أيضا، التي اجتازت عبر القرون الحدود المسافية على امتداد طرق القوافل والمراكز التجارية حيث يتحدث الناس بعدة لغات ويكتبون بخطوط مختلفة ويقتبسون عن بعضهم البعض ويطوعون الأفكار والمهارات والخبرات وفق احتياجاتهم. وفي حكاية الخطوط في الشرق الأوسط العربي ما يشهد على هذه الثروة والتنوع والسيولة الثقافية.

وقالت: من خلال "علامات رحالة"، يتمثل الهدف من مسألة تعريف دقيق للهوية الثقافية واقتراح هوية متعددة أكثر شمولية ودقة قد تمثل أفضل وصف للعرب في العصر الراهن. فهذه المنطقة صورة صغيرة لعالم اليوم بفضل موقعها المتميز الذي جعل منها بوابة بين الجنوب والشمال والشرق والغرب. لقد عبرت جميع طرق التجارة القديمة مدن المنطقة ومراكزها التجارية، وجميع حضارات العالم الكبرى مرت من هنا، ومعها ثقافتها، وبدورها تمازجت بثقافات المنطقة. تعرضت الحدود للتجاوز، وخضعت للحماية، وفقدت، وأعيد ترسيمها، ولكن الشعوب التي ـ ربما غيرت ولاءاتها ولغاتها وأديانها وجنسياتها ـ تعيش اليوم مستمرة في العيش في المستقبل المنظور.

إن شعوب الحضارات التي طال أمدها تستمر عبر روابط الدم والوراثة؛ فنحن أهل هذا الشرق العربي غالبا ما نجد أنفسنا نتحدث معتذرين عن "هويتنا المتعددة الأوجة" كما لو أن هذا مصدر للعار وليس للفخر. إن تعدد هويتنا هو في الحقيقة دلالة ثراء، ويمكن أن يسهم في منظور إيجابي لمواجهة "سياسة الهوية" الضيقة الأفق التي تتزايد انتشارا في جميع أنحاء العالم. ونأمل أن نقدم، من خلال قصص الخطوط والأعمال الإبداعية، صورة لهويات متعددة تتعايش وتتكاثر بشكل متجانس جنبا إلى جنب. إننا بحاجة، أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ أركان مجتمع عالمي أكثر انفتاحا وشمولية لا يحتاج إلى أن يكون منفصلا عن التراث الثقافي القديم أو بديلا عنه. ترتبط جميع الحضارات العالمية في الواقع من خلال العلاقات التجارية والتبادل الثقافي، ومن الطبيعي أن تؤثر في بعضها البعض. ومع ذلك، فإننا إذا نظرنا إليها نكتشف فيها سمات فريدة تستحق الاحتفاء بها.

ولفتت أبي فارس إلى أن المصممين أكثر من مجرد تشكيليين، فهم لا يصيغون الشكل بل العقول أيضا، يصنعون الأفكار ويغيرون المجتمعات. يتعاونون مع أصحاب مهن آخرين عبر تخصصات وثقافات وحدود دولية، ينتجون القطع الفنية أو الصور التي يمكن أن تحرك وتحول وتغير الطريقة التي نعيش ونفكر ونوجد بها في هذا العالم. وتمتلك ابتكاراتهم القدرة على تغيير مسار التاريخ البشري، وكانت الكتابة، خاصة الأبجدية، بكل تأكيد من المحفزات التي غيرت عالمنا، فكانت نتائج اختراع الأبجدية بطبيعة الحال أبعد بكثير مما تصوره مبتكريها الأصليين؛ الشعب الكنعاني/ الفينيقي من الشرق، وقد خلقت هذه الأبجدية أساس العديد من الأبجديات خلال آلاف السنين التي أعقبت ذلك. وتبرز أهمية اختراع الأبجدية في اعتمادنا على نصوصنا المكتوبة في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية، وأصبح النص والخطوط الرقمية جزءا جوهريا من مساحاتنا العامة ويحددان أسلوب الحياة المعاصرة المتعددة الثقافات.

وأكدت أن الحضارات البشرية خلفت أثرا ملموسا وراءها، وفي محاولتها التوصل أو السيطرة على عالمها رسمت على جدران الكهوف، وصنعت رموزا، وابتكرت أنظمة كتابة خطية مجردة.
وقالت هدى أبي فارس إن المعرض يتأمل الدور الذي لعبته الخطوط في تحديد الهوية الثقافية للحضارات الماضية والحالية والحفاظ عليها. وهو يقدم منظورا جديدا عن الطبيعة المهاجرة والتحويلية للنصوص المكتوبة. كما يؤطر أحد الآثار "العلامات" التي تركتها المجتمعات الغابرة؛ أي خطوطهم. ونعرف عن الحضارات القديمة من خلال هذه التجسيدات البصرية لأفكارهم، على أمل أن نجد في قصصهم بعض الصدى في حياتنا المعاصرة. إن الكتابة أكثر حرية في الترحل من البشر؛ وأخف حملا وأشد مرونة. وصار الجيل الجديد من مواطني العالم ينتقل افتراضيا كل يوم، إنهم "الرحل" الجدد الذين يحملون معهم ثقافتهم وجذورهم وينشرونها عبر مسيرتهم.
وينقل معرض "علامات رحالة" نظام الكتابة الخطي الأبجدي من الورق إلى نسيج الحياة اليومية، وشاعريا يربط الماضي بالحاضر، ويظهر على وجه الخصوص ثروة التراث العربي من خلال خطوطه القديمة العديدة الصادرة من الشرق العربي: وهي الخط الفينيقي، الآرامي، المسند، التدمري، النبطي، والعربي. تلك الخطوط هي العناصر الموثقة لهذا المعرض. ويتم الاحتفاء بها من خلال موضوعات وأعمال فنية تعيد بطريقة شاعرية، ربط التراث بفن التصميم المعاصر. وهي تشكل المادة الأساسية لإنتاج أعمال جديدة لمصممين من جنسيات مختلفة "إماراتية وسعودية وسورية وأردنية وفلسطينية ولبنانية" وتخصصات متنوعة. وتتأمل الأعمال، وتفسر بالنص والشكل، مفهوم "الرحل المعاصرين" بالإحالة إلى الحرف التقليدية واستكشاف إمكاناتهم في التصميم المعاصر. وتشمل الأعمال المعروضة التكوينات الفنية، المجوهرات، الأزياء، تصميم المنسوجات، الأثاث، تصميم المنتجات، والخزف.

المعرض مكون من طبقتين: غلاف خارجي يحمل المعلومات التاريخية والتيبوغرافية للخطوط الستة القديمة، ومساحة داخلية تعرض فيها تسعة أعمال فنية وتصميمية حديثة. وتلك الطبعات قابلة للأختراق، والقديمة منها في تفاعل مباشر مع الحاضر، وبالتالي تدعو المشاهد للتجول واستخلاص استنتاجاته الخاصة والانغماس في تخيلاته. وتستهدف هذه المقاربة الشاعرية لعرض المواد التاريخية الوصول إلى جمهور غير متخصص نأمل في مشاركته في التعرف على أسس تراثه الثقافي. ومثل هذه المعرفة الأثارية الأساسية غائبة عن مناهج التعليم بشكل عام في العالم العربي، في حين أنها تكون أحيانا عنصرا حاسما لإبداع التصميم الجيد الذي يتفاعل معه المتلقي. ويمنح عرض الروابط بين علوم الآثار والتاريخ والتصميم نظرة ثاقبة على الماضي، كما يوضح أهمية تلك المعرفة كمصدر لأعمال التصميم مستقبلا. فعندما نعرف أصلنا نكون مؤهلين بشكل أفضل لرسم طريقنا إلى الأمام.

وأوضحت أبي فارس "وصلتنا الآثار القديمة للنصوص،
والتي نجت من مؤثرات الزمن والحروب والكوارث الطبيعية، على مواد صلبة أو أشياء ثمينة مختزنة في المقابر والقصور "أو القصور الفنية الحديثة التي نطلق عليها اسم المتاحف". ونحن عبر هذا المعرض، ومن خلال أعمال المصممين المعاصرين، نحيي هذا التقليد. وقد استخدمت النصوص بشكل جوهري لتكون جزءا من هذه الأشياء الجديدة، لتمنحنا الشكل والمضمون بالقدر ذاته. النصوص إما مطبوعة أو منسوجة أو محرقة أو مستكشفة بوسائط مختلفة، بسبل تتيح التعليق الشخصي حول قضايا ذات صلة بالمجتمعات العربية المعاصرة. والأعمال مبتكرة وتقدم وجهات نظر حساسة للفنانين والمصممين الشاب "العرب". وتتكون تلك الطبقة الداخلية للمعرض، قلبه، من موضوعات تتنوع في أبعادها وموادها ومقاصدها، ولكنها أوضح في الرسائل التي تنقلها عن الحالة البشرية المعاصرة؛ أي حياتنا في عالم العولمة. يقوم كل فنان ومصمم بالتعليق من خلال عمله على معضلة إقليمية محددة ذات صلة بالتصميم.
وقالت أبي فارس "من خلال وسيط مثل تصميم المجوهرات، تتناول مارغيريتا أبي حنا إحساس فقدان الهوية عند الشباب اللبناني، بينما تبرز نادين قانصو خرافات المنطقة وحرية التعبير بشكل غير مباشر، بحيلة بصرية بسيطة. وتعمل مصممة الأزياء ميليا مارون على نسج سرد شعري وإيجابي لثراء تبادل الثقافات بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى، في حين يستحضر مصمم النسيج خالد مزينة القوة السحرية الواقية للكلمات، لينسج حكايات بصرية متعددة الثقافات لرموز الماضي والحاضر كتعليق على هوياتنا المعاصرة المتوسطة والمفرطة الفردانية، وتستخرج فنانة الخزف زينة المالكي نصا ميتا من الرماد لتدسه في فرن لتعاود إحيائه، وبذلك لإحياء ذكرى ثقافات مفقودة ولإدانة الدمار الجنوني. وتقدم المصممة الجرافيكية رشا الدقاق موضوعات "تذكارات" تربط بين خطوط قديمة والأخرى من سلاليها التي لا تزال مستخدمة، وتقدم منتجات كبديل لتذكارات الثقافة النمطية والمعلبة. ويتبنى مصمم المنتجات حمزة العمري نهجا أشد تجريدية، حيث ينظر إلى البنى الداخلية ومبادئ فن الزخرفة الإسلامية الهندسية، ليصنع قطعة أثاث بسيطة وحديثة وعملية. ويستخدم كل من الفنانين ناصر السالم وسارة العقروبي جملة من نص قديم للتعليق على قضايا اجتماعية وسياسية معاصرة؛ فيستخدم السالم آية من القرآن الكريم في التلميح إلى التوسع الحضري وحقبة ما بعد الاستعمار.

محمد الحمامصي













الحداثة تلك الظاهرة العالمية الشاملة التي هبّت على مجالات عديدة وأحدثت ثورة فكرية حرصت على حرية الفرد وتجسيد مبادىء الإنسان الكوني، التي نادى بها فلاسفة عصر الأنوار، ومعلوم أن الساحة الأدبية هي واحدة من تلك الساحات التي شهدت رونق الحداثة وآليات التجديد والتطوير في منظومتها الواسعة، والنقد الأدبي عاملها بحساسية عالية وتفاعل معها بتناقضاتها وتغيراتها من أجل الإسهام بحركة حداثوية تساهم في توسيع دائرة الأدب من حيث إنه الوجه الثقافي وخاصة الشعر.

لقد انطلقت المناهج النقدية لترصد هذه الحركة بكل تجلياتها السلبية والإيجابية في ظل الزخم الوافر لزمن الشعر المعاصر.

فهل يستعيد الشعر وهجه وازدهاره وهو الذي عدّه العرب ديوانهم وتلك النواة الصلبة التي تدور في فلكها الإبداع وخصوصا السرد؟

يعتبر الشعر منهجا أصيلا نشأت على وقعه ثقافة الأمة العربية، بوصفه نص النصوص العربية الأكثر توازنا وتجريدا وتعميرا للدلالات اللغوية، ومن إرهاصات الحداثة وتجلياتها في الأدب الاقتراب بين لغة الشعر والنثر وذلك التشابك بين المكنونات البنائية في النص الواحد.

يذكر الناقد د. عمر عبدالعزيز "أن الشعر يختزل تلك المسافة المتعاظمة بين الأنا الرائية والحقائق الموضوعية، كما يتنكّب مشقّة التعبير عن خفايا النفس واعتمالاتها".


والعديد من الشعراء التحفوا بالحداثة الشعرية وانصهروا فيها فانعكست في نصوصهم وصورهم الإبداعية ومظاهرها الفنية، وكان لهم بصمات ظاهرة وصيت لا ينكره أحد في حركة الشعر العربي المعاصر في المشرق والمغرب.

ونذكر على سبيل المثال خليل مطران وأبوالقاسم الشابي وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة.

وقد نال خليل مطران في حياته عدة ألقاب كلقب شاعر القطرين (أي مصر ولبنان) ورغم وصفه بالشاعر الرومانسي الوجداني إلا أنه كان شاعر التجديد وذاك الحرّ المتمرد في الوقت عينه.
ومن طينة الجيل الثائر الذي لا يستكين للظلم ويأبي التراجع عن مسيرة الكفاح، فيقول في قصيدته الجميلة "مقاطعة":

إنمّا الصالح يبقى صالحا ** آخر الدهر ويبقى الشرّ شرّا
كسرّوا الأقلام هل تكسيرها ** يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

وإذا تطرقنا إلى الشابي فإنما نتحدث عن مرحلة من الشعر التونسي الحديث وعن مرحلة عدّ فيها النقاد رائدها الاول والأوحد، ليظلّ ذلك الرمز الذي لا يمكن التشكيك في شاعريته ولا وطنيته أبدا. مما جعله يتربع على عرش مملكة الشعر وبنيت حوله هالة من الفخامة مكنته من أن يكون نصّه: "إذا الشعب يوما أراد الحياة" أحد رموز الحركة الوطنية.

الشعر في زمن التجديد

إن الاتجاهات والمذاهب الأدبية لا تنبت من فراغ، بل هي حلقات متتابعة تسهم في نشأتها عوامل ثقافية، وقد تلاحقت اتجاهات الشعر الحديث وكانت نشأة كل اتجاه منها ردّ فعل للاتجاه الذي سبقه.

وقد راهن ثُلة من الشعراء على حركة التجديد مثل عفيفي مطر وحسن طلب وأدونيس في ظل واقع عربي تغيرت فيه كل المستجدات في حقول الاجتماع والسياسية والثقافة ممّا أحدث تغييرا جذريا في مضمون الشعر العربي، حيث كان جُلّ همّهم أن يغدو الشعر مواكبا في تقدمه للحركة الفكرية الانفتاحية.

وبدات قصيدة النثر مع تنظيرات أدونيس ابتداء من سنة 1960 وبداية الوعي بهذا الجنس الأدبي القادم بقوّة، وكان ذلك بتأسيس مجلة "شعر" بالاشتراك مع يوسف الخال وأنسي الحاج، هذا الشاعر والصحفي الذي يعود له الفضل في إثراء المحتوى الفكري والشعري العربي، خصوصا مع إصدار ديوانه الاول "لن" الذي شكّل تجميعا للأعمال الشعرية العربية النثرية، والتي كانت مقدمته أكثر تمرّدا وثورة بعدما صاغها على شاكلة بيان شعري "مانيفستو"، أرسى من خلاله الأسس النظرية والجمالية لقصيدة النثر، باعتبارها أفقا منفتحا على الشعر الخالص بعيدا عن البحور والقوافي، والتي عليها أن تحقق ثلاثة شروط: الإيجاز والتوهج والمجانية.

وظل أنسي الحاج وفيا لهاته الشروط في كل نصوصه.
يقول في إحدى قصائده:

في ظلام النهاية
جلست أكتب البداية
في دم الأرض غمست ريشة السماء
وأقول للموت الداخل
أدخل لن تجد أحدا هنا

تقول عنه الأديبة منى متسي: من وقعت بين يديه قصائدك وخاصة ديوان "لن" يعرف أنك ذلك الإنسان الثائر الذي لم يخضع ولم ينكسر".

ومن بين مجموعاته الشعرية الست، تُعدّ "الرسولة بشعرها الطويل حتى اليناببع" الصادرة سنة 1975، هي الأشد تعبيرا عن وحدة الرؤيا الشعرية وصميمها، ونصّه "سفر تكوين" يصطفي فيه أنسي الحاج المرأة ويرقى بها إلى مصاف رسولي ويجعلها عنوانا للحرية والكينونة والوجود.

ويُعتبر محمود درويش أحد الشعراء الفلسطينين البارزين والمُجددين في الشعر العربي المعاصر، وهذا ظهر جليّا في الاستعارات والرموز والإشارت التاريخية.

أما رفيق دربه الشاعر السوري الكردي سليم بركات والذي تأثر به درويش إلى حد كبير، فهو يُعد شاعرا فريدا بين أقرانه، ومُتفوق بغزارة وخصوصية في اشتقاق درب شعري صعب ووعر، وصُنّف كأحد أفضل الشعراء العرب الحداثيين في القرن العشرين، وكما يقول عنه الشاعر والناقد اللبناني بول يوسف شاوول: "إنه شاعر على فرادة خاصة أو على غير تصنيف، لا بالحديث في سياق ثرثرات الحداثة، ولا بالقديم في سياق استثمار الماضي ولا لغوي على طريق البلاغيين".

لقد كان يشحن كل كلمة بطاقة تخيليّة قادرة على رسم عوالم وعلاقات بين المعاني والصور، كمن يخترع مخيّلة تعبيرية وقاموسيّة جديدة تماما.

ويكتب بركات في مديح النساء أنشودة فاتنة في حبّهن فيقول في مقطع جميل من قصيدته الغزلية الكبرى:

أحبهن مسالمات
وفيّات للندم قبل الحروب
وبعد الحروب
أحبهن يتأخرن عن حفلهنّ
وأحبهن أكثر إن غِبن عن حفلهنّ
هي الأمكنة
لم تزل دائخة مذ هززنها.

وحسب بركات، أن تقول شعرا فكأنها تقوم بتفجير اللغة (لا بتدميرها بل كمن يُفجرّ الينابيع) وهو بحاجة دائما الى كسر نمطية القصيدة الحديثة وتطوير لغة النثر نفسها حتى يتجاوز الإرث المتداول للشعر الحديث.

والملاحظ أن الذات الشاعرة أصبحت معيار التجربة الشعرية ودليل بناء عقد جديد بين الشاعر واللغة، وبين الذاكرة والحياة. كما اوجد الواقع عند الشاعر العربي تساؤلات جذرية وتطلعات نحو التغيير في بنية القصيدة يجعلها قادرة على استيعاب هذا الواقع والتعبير عن مضموناته، فصار الشعر صوت قائله ومعبرا عن دواخله من هواجس وأحلام وكوابيس أيضا، ولم يعد صوتا واضحا وجليا للتعبير عن قضايا المجتمع ولعب ذلك كان بتأثر من شعر الحداثة الغربية، وفي هذا السياق يقول الفيلسوف هيدغر "إن فترة الغياب التام للمعنى هي الفترة التي يتم فيها التحقق الكامل لماهية العصور الحديثة".

وحسب النقاد أسهم في غياب الدلالة بين طيات الشعر الحديث، انكفاء الشاعر على ذاته وغلبة البعد الفلسفي والصوفي والميتافيزيقي على كثير من هذه الأشعار، الشيء الذي أجبر المتلقي أن يخلق لنفسه إشاراته التي تقوده إلى ركائز الدلالة وإلى المفاتيح التي تُيّسر له النفاذ إلى سبر أغوار المعنى.

وخلاصة القول إن الشعر يظلّ الغواية الأولى في الأدب العربي ومن خلاله يعبر الكثير لأجناس أخرى تُشكل اتسّاعا في مدى الرؤية وانفساحا في القول كالقصة والمسرح والرواية. وبالتالي يجعلنا نقترب من تخوم التنوع اللامتناهي في القيم التعبيرية والدلالية. وتظل المشاركات العربية والمسابقات تؤطر للزمن الإبداعي للشعر وتعميرا للواجهة الثقافية.
فهل يُمكن اعتباره التعبير الأقصى عن وجدان الامة العربية خصوصا في خضم الثورات التي عرفتها، والخرائب التي استحوذت على خارطتها؟

هدى الهرمي











يبيّن الفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه "أساطير"، وتحديدا في مقاله المعنون بـ "أسطورة دماغ أنشتاين" أنّ البحوث التي تربط الذكاء بالمادّة العصبيّة تجرّد الإنسان المعاصر من الحسّ النقدي. إنّ النزعة العلميّة بهذا المعنى، تثير الفضول وترسّخ ثقافة المشهديّة لأنّها تحوّل الأفراد إلى متفرجين ومكتشفين لمادة متخفية وملغزة هي الدماغ.

يبدو الباحث، في هذا السياق، أشبه ما يكون بالمتطفّل على الخصوصيات الفيزيولوجيّة لشخصّ مّا بل هو الساحر الذي سيكشف المستور ويفكّ شفرات الرموز الذهنيّة. في نهاية المطاف قد يصرفنا كلّ ذلك عن البحث في الأمور الواقعيّة والأحداث العينية التي بموجبها يتطوّر الفكر.

يقول بارت ساخرا من الدراسات التي انشغلت بدماغ أنشتاين "تحتوي أسطورة دماغ أنشتاين على شيء من السحر حتّى أنّه يقع الحديث على فكره كما لو كان آلة تصنيع ميكانيكي للنقانق أو آلة لطحن الحبوب أو مكنة لتفتيت المعادن: ينتج دماغ أنشتاين الفكر باستمرار كمطحنة دقيق وكان الموت بالنسبة له، بدرجة أولى، عبارة عن توقف لوظيفة متعيّنة في المخ: لقد تعطّل أعظم دماغ عن الإشتغال".

إنّ سياق الإثارة والتشويق حول أسرار الجهاز العصبي في بداية القرن العشرين لم يكن مقتصرا على السياق العلمي بل شمل المجال الأدبي والميدان الفني أيضا، نذكر كمثال على ذلك فيلم الخيال العلمي المعنون هؤلاء أنقذوا دماغ هتلر1968 من إخراج ديفيد برادلي. وقد تم اقتباسه من فيلم تلفزيوني قصير (1963) Madmen of Mandoras إنتاج كارل إدوارد.

تدور أحداث فيلم "هؤلاء أنقذوا دماغ هتلر" حول إمكانية إحياء الفكر النازي إذ احتفظ بعض النازيين إثر الحرب العالمية الثانية، بدماغ أدولف هتلر وأخفوه في جزيرة ماندوراس الخيالية في أميركا الجنوبية، ثمّ اختطفوا عالما وطلبوا منه بثّ طاقة في المادّة العصبيّة وذلك حتى يتمكنوا من بناء الرايخ الثالث. فكأنّما الفكر السياسي وحدات مشفّرة في رأس القائد، وكأنّما استمرارية تلك الإيدولوجيا النازية لن تكون ممكنة من دون تلك الشفرة. في المقابل تفطّنت جماعات سياسية لذلك وعملت على إفشال ذلك المخطّط.

ما زالت شخصيّة هتلر إلى يومنا هذا تشّد الانتباه حتّى أنّنا نعثر في مؤلّفات معاصرة على نصوص تبحث من جديد في فكر هتلر وفي من أثّر فيه من ذلك كتاب يوميات الشيطان؛ أسرار ألفريد روزنبيرغ دماغ هتلر الصادر عن دار لافون للنشر سنة 2016 لمؤلفيه روبرت ويتمان عضو سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي والصحفي ديفيد كيني.

لكن ما الذي يثير فضول الباحثين في شخصيّة هتلر؟ ما الفائدة الحاصلة من البحث في تركيبته العصبيّة والنفسيّة؟ إنّ ما يعنينا هنا هو أنّ البحث في الخاصيات البسيكو فيزيولوجيّة للقائد السياسي قد لا يرتبط بالإثارة والفضول فقط، إنّما هو يندرج في سياق التفكير في فن قيادة وعلم التحكّم.

يتصوّر بعض المختصين في علم النفس أنّ السياسي كان يعاني من اضطرابات في الشخصيّة وذلك لغرابته وعنفه وحدّة طباعه غير السوية هذا مع تهوّره وعجزه عن التحكّم في انفعالاته وسلوكاته كما رجّح الأطبّاء النفسانيون أنّ اضطراباته النفسيّة ترتبط أساسا بالهستيريا وجنون العظمة.

تقترن الهستيريا بالمبالغة والتهويل في وصف الأحداث والتعبير الدرامي عن المشاعر، والمصاب الهستيري نرجسيّ ويعتبر نفسه مميّزا وساحرا حتّى أنّه يسعى دائما لإثارة عواطف النّاس وتحفيزهم قدر المستطاع وذلك باستخدام الاستعراض والإيحاء لشدّ انتباههم أكثر ما يمكن من وقت.

تجّلت عوارض هذه الاضطرابات لدى هتلر عند إصابته بالعماء الهستيري وهو عبارة عن انفعال شديد مصحوب بعطالة في العصب الحسّي البصري غير مرتبطة بأسباب عضوية ويرجع ذلك عادة إلى صدمة نفسيّة حادّة أو إلى تعرض لحادث أو لجرح أو لحرق بليغ.
مرض هتلر أثناء الحرب العالميّة الأولى عندما تطوّع للخدمة العسكريّة وانضم لفوج المشاة الألماني الاحتياطي السادس عشر إذ استنشق يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 1918 غازا ساما يعرف بغاز الخرذل ويسمّى أيضا بغاز الصليب الأصفر إثر سقوط قذيفة غاز بريطانية بالقرب من أيبرس ببلجيكا فأصيب بحروق وبفقدان للبصر ونقل إثر ذلك للمستشفى العسكري بمدينة بازهفالك حيث تعافى لكن فقد بصره مرّة أخرى وعلى نحو مؤقت لأسباب نفسيّة هذه المرّة فقد انفعل وغضب بشدّة وحزن لاندلاع ثورة نوفمبر وانهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى 1918. لقد حوّلت تلك الثورة نظام ألمانيا من نظام ملكي فيدرالي دستوري إلى جمهورية برلمانية ديمقراطية.

أثّر ذلك على هتلر وصدمه لدرجة إصابته بالعمى الهستيري وقد وصف بنفسه هول ذلك الحدث التاريخي ووقعه عليه في كتابه "كفاحي" وتحديدا لمّا استحضر عبارات القس الذي ألقى خطابا بالمستتشفى العسكري. أكثر ما استفزّ القائد النّازي حينها هو وصف الرجل لألمانيا بالبلاد المضطرة للهدنة لكونها تحت رحمة العدو المنتصر.

قال هتلر"عندما وصل القس إلى هذا الحدّ فقدت السيطرة على أعصابي ولم أعد أقوى على سماع المزيد، فغادرت القاعة أتلمّس طريقي إلى ردهة المنامة حيث تهالكت على سريري ودفنت رأسي الملتهب تحت المخدّة والغطاء" وقد صمد السياسي بفضل سماعه لصوت ما انفكّ يحثّه على الثبات ويدعوه لنصرة ألمانيا وقد اعتبر الأطبّاء ذلك ضربا من الهلوسة الصوتيّة ودليلا آخر على الهستيريا.

إنّ ما يؤكّد اضطراب هتلر هو أرقه المتوصل واستعماله لمواد مخدّرة مثل الميثامفيتامين الذي يؤثّر على الدماغ ويوهم متعاطيه بالعنفوان والسعادة ويهبه الحماس والثقة بالنفس، واستعماله الكوكايين الذي ينبّه نشاط الجهاز العصبي ويحفّز صاحبه حتّى يجعله يتوهّم القوّة والفرح ثمّ الخوف والوسوسة وفي مقابل هذه المواد المنشطة والمحفّزة كان هتلر يستعمل مخدرات وعقاقير مهدئة كالباربتيورات المضاد للتشنجات والمثبط للجهاز العصبي المركزي والأفيون المنوّم وبروميد البوتاسيوم المسكّن.

بالرغم من توفر معطيات عديدة تخصّ حياة هتلر؛ طفولته القاسية وشبابه وتشرّده وفشله الأكاديمي وبالرغم من ثراء المقاربات الطبيّة حول أمراضه، لم يحسم الدّارسون إلى اليوم في توصيف دقيق ونهائيّ لخصوصيات القائد الفيزولوجيّة والنّفسية تلك التي يفترض أنّها أثّرت على سلوكه السياسي.

إيمان الرياحي











قالت الفنانة التشكيلية الإماراتية أمل لوتاه: إن الفنانين التشكيليين العرب يبذلون الكثير من المال والجهد لممارسة فنونهم، والمشاركة بالمعارض والملتقيات، مشيرة إلى أن "الفنون التشكيلية" تنال إعجاب العرب، لكنهم لا يقبلون على اقتنائها، ويفضلون اقتناء أعمال تجارية تصور البحر وناطحات السحاب.

وكشفت لوتاه فى مقابلة على هامش مشاركتها بملتقى الأقصر للفنون البصرية، أنها تجد فى الرسم فرصة للبوح بما تعجز عن الحديث عنه.

وقالت "إن مشاعرى تُعَبٍرُ عنها ألوانى"، و"أمي حاضرة فى لوحاتى .. فأنا خلقت عاشقة لأمي ".
وأضافت قائلة: "أنا أسيرة المرأة حين أمسك بريشتى" لأن "المرأة هي أساس كل جمال"، فالمرأة في رؤيتي الخاصة، وفي لوحاتي تتأثر بالحزن، وتتأثر بالسعادة، وتتأثر بكل ما يجري حولها.
وحول موضوعات لوحاتها، قالت بأنها ترسم المرأة في كل تجلياتها ولحظاتها وانتصاراتها وانكساراتها، وترسم الخيل "والإنطلاق" والوطن والشيخ زايد بن سلطن آل نهيان، وعلاقته بالشعب الإماراتي، وأن كل أحداث تشهدها بلادها حاضرة في لوحاتها.

ورأت أمل لوتاه، أن الألم والمعاناة هما من يصنعان الفنان، وأن تجربتي الحياتية، وبعض محطاتها القاسية، حولت مجرى حياتي، و"قررت - وقتها - أن أكون أنا"، كما رأت أن "المشاعر شيء مقدس"، وأنها حريصة على توثيق مشاعرها، تجاه وطنها ومن يحيطون بها، وأنها تأثرت في رسومها بفنانتين إماراتيتين هما فاطمة لوتاه، وخلود الجابري، وأن الجابري هي من دفعتها لولوج عالم الفن التشكيلي.
وقالت بأنها تؤمن أن لكل إنسان رسالة، وأن كل لوحة ترسمها تحمل رسالة، وأنها ترسم الشخصية التي تحلم أن تكون هي، وأن العمل منحها القوة على الإبداع، وأن اليوجا منحتها السلام الداخلي.


وحول مسيرتها الفنية، قالت أمل لوتاه، بأنها بدأت ترسم وهي في سن الخامسة من عمرها، وكانت "مهووسة" برسوم عالم والت ديزني، وكنت أرسم شخصيات هذا العالم، وقصصهم المدهشة، وأتذكر أن أول لوحة بسيطة رسمتها في حياتي كانت لـ "نجمة"، وقالت إنها كانت تحلق بخيالها بعيدا منذ سنوات طفولتها.

لكن – وبحسب قولها – لم تجد تشجيعا في المدرسة على مواصلة الرسم، وحين دخلت الجامعة، قررت أن تدرس الهندسة، وحين بدأت في الإختلاط بزملائها وجدت أن بينهم من يعشقون الرسم مثلها، فأسسوا سويا مرسما خاصا داخل الجامعة، ومن هنا استأنفت مسيرتها مع فن الرسم مجددا، ولم تنقطع تلك المسيرة منذ فترة الجامعة وحتى اليوم، حيث تحرص على ممارسة فنها كل يوم برغم أن دوامها في العمل هو عشر ساعات يوميا.

يذكر أن الفنانة التشكيلية الإماراتية أمل لوتاه، هي أول مفتشة نووية بدولة الإمارات والخليج العربى، حيث اختيرت لتلك الوظيفة - بحسب قولها - من بين الكثير من الشبان والفتيات الذين تقدموا لشغلها، لكنها رأت في العمل دافعا على مواصلة مسيرتها الفنية، وفي شخصيات لوحاتها تسعى "لوتاه" إلى "استنطاق" شخوص لوحاتها، ليبوحوا بكل ما هو مسكوت عنه بدواخلهم، كما تسعى من خلال فرشاتها وألوانها لتجسيد شخصيات اختارت الحرية المسئولة، وتخلصت من سيطرة الآخر، ولذلك فإن أمل لوتاه قالت فى تلك المقابلة معها "أنا حين قررت الولوج لعالم الفن .. قررت أن أكون أنا"، أي أن تعبر عن ذاتها مشاعرها ورؤيتها للعالم بكل حرية، فباتت شخصياتها التي تقدمها بلوحاتها وكأنها تخرج من أسر الماضي، لتنطلق نحو فضاءات المستقبل.













عندما كانت السيارة التي تقلنا، تشق طريقها في شوارع البصرة القديمة، متوجهة بنا إلى قاعة الموانئ الكبيرة، حيث حفل افتتاح المربد (33) الذي عقد هناك قبل ايام، حضرني قول طريف ومعبّر للعالم البصري يونس بن حبيب النحوي، الذي تتلمذ على يديه سيبويه والفرّاء وغيرهم من أعلام البصرة والعراق.
كنت قد قرأت له قبل أكثر من ثلاثين سنة، في كتاب بعنوان "شخصيات القدر" يقول فيه: "ثلاثة والله أشتهي إن أمكن من مناظرتهم يوم القيامة ... آدم (عليه السلام) فأقول له: قد مكّنك الله من الجنة وحرم عليك الشجرة فقصدتها حتى طرحتنا في هذا المكروه. ويوسف (عليه السلام) فأقول له: كنت بمصر، وأبوك يعقوب بكنعان وبينك وبينه عشر مراحل، يبكي عليك حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ولم ترسل إليه، إني في عافية وتريحه مما كان فيه من الحزن. وطلحة والزبير، لأقول لهما: إن علي بن أبي طالب بايعتماه بالمدينة وخلعتماه بالعراق، فأي شيء أحدث!".
لقد تخيلت النحوي حيّا ومعنا في السيارة، وقد فارق البصرة دهرا وعاد إليها، كما نحن المدعوون من خارجها، وشاهد أكوام القمامة وخراب الشوارع والفوضى التي شوهت معالم البصرة التي كانت تسمى، ثغر العراق الباسم، والتي تسمى اليوم وقبله، سلة العراق وممولة دولته، بنفطها وغازها وموانئها ونخلها أيضا، وإن بدا اليوم اقل مما كان عليه سابقا. لقد تخيلته وقد أضاف سؤالا أو أسئلة أخرى، ولكن للمسؤولين والقائمين على إدارة البصرة مفاده، أن بينكم أو بين القصور الرسمية التي تسكنونها وبين كل هذا الخراب بضع مئات من الأمتار، فما الذي حال بينكم وبين إصلاح حال الناس والحياة في هذه المدينة التي يعلن الجمال عن نفسه في كل بقعة فيها، حيث شط العرب والأنهار التي تتفرع منه بالعشرات، والنخيل الذي يظلل البيوت والأرض المنبسطة التي لا تحتاج إلى جهد كبير ولا حتى إلى أموال كثيرة تثقل موازنة المحافظة التي يقال إن ما خصص لها منذ العالم 2003 إلى اليوم يكفي لإعادة بنائها من جديد؟
نعم، فالبصرة العزيزة على نفس كل عراقي وعربي، لما لها من تاريخ كبير، وحاضر يعكسه حجم الكفاءات الثقافية والعلمية والاجتماعية الكبيرة، تعيش اليوم حال مزرية على مستوى الخدمات والبنية التحتية المخربة، التي جعلتنا نشعر بالحرج أمام الوفود العربية والأجنبية التي حضرت المهرجان، وهم يحملون بالتأكيد صورة للبصرة توازي مكانتها في نفوسهم لما قرأوه وسمعوه عنها وعن أبنائها، قبل أن يقدموا ويروا حالها التي لا تسر.

للموضوعية، لا بد من القول إن هناك مشاريع خدمية تحققت أو في طريقها إلى التحقق والاكتمال، بعثت شيئا من الأمل في نفوسنا، نحن الذين زرناها سابقا، لاسيما في نهر العشار الذي قد يكون مرفقا سياحيا جميلا، إذا ما اكتمل بعد أن كان مكبا للنفايات، يثير منظره القرف، لكن مشكلة البصرة أكبر بكثير مما شاهدناه، لأنها تتمثل باختلاف أحزابها وساستها وصراعاتهم الطويلة التي عطلت الحياة في المحافظة وليس في مدينة البصرة وحدها، فالمدينة الرياضية لم تكتمل مرافقها حتى الآن، ومعاملها الكبرى كالحديد والصلب والورق والبتروكيمياويات وغيرها متوقفة، وهذا يحتاج إلى تدخل من بغداد لإعادة الحياة إليها وتوظيف الآلاف من الشباب، بدلا من افتراشهم الأرض كباعة للبسطات في بلد يعد من أغنى دول العالم بكثرة ثرواته!
كان مهرجان المربد مناسبة تحسد البصرة عليه بغداد نفسها، وكان على القائمين على المحافظة أن يكونوا مهيئين لاستقبالها باستعداد يليق بها، لكن الذي وجدناه أن تمثال السياب نفسه الذي يغدو في المربد محجا للوفود، غاب عنه اسم الشاعر والبيت الشعري الذي يتغنى به بالعراق، على الرغم من أعمال الترميم التي طرأت عليه، فهل يجوز هذا يا حكومة البصرة المحلية؟
لقد نجح اتحاد الأدباء في البصرة في تنظيم المهرجان، وكان مناسبة رائعة التقى خلالها المئات من الشعراء والمثقفين العرب والعراقيين والأجانب، ممتن تغنوا بالبصرة وبالعراق، وكانت الخدمات ممتازة على كل المستويات، والتنظيم يعكس إرادة ثقافية حقيقية لدى البصريين في تقديم هذه المحافظة بما يليق بها، لكن الصورة الجميلة هذه اختطفتها مناظر البؤس التي ما كان لها أن تحصل لولا غياب الإرادة الحقيقية للبناء، وغياب العقل المدني الذي يعد الأول في سلسلة فقداناتنا الكبيرة ليس في البصرة وحدها بالتأكيد!
شكرا للبصرة التي تبقى الأجمل في أعيننا، لأنها تحملت معنا ثقل العقود المريرة السابقة، وناءت بأحمال تهد الجبال، من حروب وحصار وإهمال، ولأنها ظلت بالرغم من كل هذا، الأم التي ترضعنا الحياة، وإن كانت بها خصاصة!

عبدالأمير المجر




arrow_red_small 7 8 9 10 11 12 13 arrow_red_smallright