top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
خريدة القصر وجريدة العصر.. كتاب وحد المثقفين !
"خريدة القصر وجريدة العصر" كتاب أدبي يقع في 21 مجلدًا، ترجم فيه مؤلفه عماد الدين الأصفهاني لشعراء عدة في القرنين الخامس والسادس الهجريين. ذيّل عماد الدين الأصفهاني كتابه، كما يقول ابن خلكان على كتاب زينة الدهر لأبي المعالي الحظيري، الذي وضع كتابه ذيلا على "دمية القصر" للباخرزي، والتي هي ذيل "يتيمة الدهر" للثعالبي. واليتيمة ذيل على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم. جمع العماد في الخريدة كما يقول، ...
رقصة الحياة في زيارة ابن حزم الأخيرة
يقدم د. محمد السيد إسماعيل، في نصه المسرحي "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" تجربة أدبية، يستلهم فيها الماضي ليدمجه بالحاضر في رؤية استشرافية تُلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه. وفي زيارة ابن حزم الأخيرة، الزمن هو زمن ملوك الطوائف، حيث يدور حوار بين ثلاثة من كبار علماء المسلمين في الأندلس، ويكون الانهيار الوشيك للحكم الإسلامي في الأندلس، ويدور حوار بين كل من ابن حزم صاحب "طوق الحمامة"، وابن شهيد صاحب ...
الديكتاتورية تدَّعي الحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه
يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟ الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، ...
استيليو .. الخواجة اليوناني السكندري
شرد الخواجه استيليو في ماضي حياته، عندما نشأ في شارع الرحمة – قريبا من مدافن عمود السواري – كان يلعب مع أطفال الشارع، ينتظرون الميت، يدخلون خلف المعزيين، ويمد استيليو يده مثل باقي أطفال المسلمين لتلقي الهبات من المعزيين الذين يعطون قروشا قليلة، يسعد بها . أهله اليونانيون لا يعرفون ما كان يفعله مع أطفال المسلمين، انتقلوا بعد ذلك لمنطقة أبي الدرداء، أراض كثيرة وممتدة امتلكها اليونانيون هناك – حول ...
الحفرة ... رواية الرعب والتشويق
صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون النسخة العربية من رواية «The Taking of Annie Thorne» وجاءت الرواية تحت عنوان «الحفرة» وهي من تأليف س. تيدور مؤلفة «رجل الطبشور» وترجمة بسام شيحا ومراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة. وفي الرواية: ذات ليلة، تختفي آني من سريرها، تجري عمليات بحث واسعة يشترك فيها رجال الشرطة ومتطوعون محليون. وحين يظن الجميع بحدوث الأسوأ، تعود آني مجدداً – بعد ثمان وأربعين ساعة – بيد أن شقيقها، جو، ...
طبيب الأناضول رواية تاريخية اجتماعية حول المجتمع التركي
يعد الروائي أحمد حمدي تانبينار (1901 ـ 1960) أحد أهم الروائيين في تاريخ الأدب التركي المعاصر، كانت روايته التي ترجمت إلى العربية باسم "طمأنينة" واحدة من علامات التحديث في أدب بلاده، كتب تانبينار كذلك القصة والشعر والمقال، ويقام حاليا في إسطنبول مهرجان أدبي سنوي يحمل اسمه، كما يحمل متحف الأدب التركي المعاصر في إسطنبول اسمه أيضا. وهذه الرواية له "طبيب الأناضول" التي ترجمتها أماني محمد صبحي وصدرت عن دار ...








عرضت العاصمة اليابانية طوكيو الخميس رسما يُعتقد أنه من توقيع أشهر رسامي الغرافيتي في العالم بانكسي، فيما دعا رئيس بلدية المدينة هذا الفنان الغامض إلى التواصل مع السلطات المحلية.

وتوافد عدد كبير من الفضوليين ومحبي الفنون من سكان طوكيو وزوارها لرؤية هذا العمل الذي يظهر فأرا يحمل مظلّة وكان قد رُصد قرب محطة للقطارات في وسط العاصمة.

وعلى جري العادة، سادت شكوك حول ما إذا كان هذا العمل من توقيع فنان الشارع الغامض.

وقال رئيس بلدية طوكيو يوريكو كويكي "إذا ما كان هناك أي مشكلة، سيكون من دواعي سروري لو يتصل السيد بانكسي بسلطات طوكيو".

ولم يتضح تاريخ إنجاز هذا العمل الذي وصفه كويكي بأنه لـ"فأر ظريف"، غير أن هيئة السلامة العامة في المدينة كانت على علم بالرسم الجداري منذ فترة بعيدة ويبدو أنها لم تدرك قيمته.

ورسم الفأر الذي يحمل مظلة هو من أشهر الأعمال الفنية لبانكسي، وثمة صور على وسائل التواصل الاجتماعي تظهره وهو ينجز هذا العمل قبل سنوات عدة.


ولم تدرك السلطات المحلية في طوكيو أن هذا العمل قد يكون من توقيع بانكسي إلا في ديسمبر/كانون الاول الماضي بعد اتصالات من السكان.

هذا الرسم موجود حاليا خلف ستار زجاجي واق في داخل المقر الضخم الخاص بالسلطات المحلية لمدينة طوكيو.
وأبدى الكثير من الأشخاص الذين عاينوا العمل أملهم في أن يكون أصليا.

وقال أكيهيرو إيشيكاوا (71 عاما) "لأنه فنان ذائع الصيت، جئت إلى هنا والأمل يحدوني بأن يكون العمل أصليا".

أما ريوكو ساتو وهي امرأة خمسينية فقد اعتبرت أن "أفضل ما في الأمر هو أن أحدا لا يعلم حقيقة من هو بانكسي. أحب الغموض الموجود لديه". كما أن زوجها توشيو استبعد أن يبادر الفنان البريطاني للاتصال بالسلطات في طوكيو.
وقد استعانت طوكيو بخدمات خبراء من دون أن تنجح حتى اليوم بالبت في الطابع الأصلي لهذا العمل.

وكان بانكسي الذي لا يعرف هويته سوى حفنة من الأصدقاء، قد أثار ضجة عالمية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إثر تمزق إحدى لوحاته ذاتيا بفعل جهاز خفي وضعه في داخلها، فور بيعها في المزاد بمبلغ 1,4 مليون دولار.



ويتفاعل الفنان العالمي مع القضايا العالمية والنزاعات، ففي أواخر العام 2015، رسم على الضفة الأخرى من بحر المانش جداريات عن المهاجرين، صوّر في إحداها مؤسس شركة "آبل" ستيف جوبز، وهو ابن مهاجر سوري، يرتحل حاملا حقيبة وجهاز كومبيوتر.

وفي عام 2016 ظهرت جدارية جديدة لفنان الشارع أمام السفارة الفرنسية في لندن، منتقدة استخدام قنابل الغاز ضد المهاجرين في منطقة كاليه.

والجدارية تمثل الصورة الأشهر لفتاة صغيرة من رواية "البؤساء" والدموع تترقرق في عينيها حين يندفع الغاز تجاهها.

وتشير رسمة بانكسي إلى حادثة استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع من قِبل السلطات الفرنسية في مخيم اللاجئين، الذي يُسمى "الغابة"، في منطقة كاليه.
وبانكسي من مؤيدي استقبال اللاجئين في أوروبا إذ أعلن في بداية العام 2017 أن منتزهه "ديسملاند" في إنكلترا سيتحول إلى ملجأ للمهاجرين.











يقدم الفنان الروسي فاسيلي كليوكين رؤية خاصة لكتاب "الكوميديا الإلهية" أشهر مؤلفات الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، التي تعد واحدة من التحف الأدبية التي أنتجتها العصور الوسطى.

صاغ كليوكين البيان للملحمة الشعرية المكونة من الجحيم والمطهر والجنة في تماثيل فريدة تترجم ذنوب الإنسانية في مكان واحد.

فالعمل الرئيسي لدانتي يحتوي على نظرة خيالية بعناصر مجازية حول الآخرة بحسب الديانة المسيحية، ويتضمن فلسفة القرون الوسطى كما تطورت في الكنيسة الغربية.

ويعد قسم الجحيم الأشهر في هذه الملحمة، ويتألف من 34 مقطعًا أو أنشودة، بينما يتألف كل من القسمين الآخرين من 33، أي أن الكوميديا الإلهية مكونة من 100 مقطع أو أنشودة ككل، وهي رحلة خيالية قام به دانتي في الممالك الثلاث الجحيم والمطهر والجنة.

ويرى الفنان الروسي وفقا لموقع "روسيا اليوم" أن ذنوب البشر ليست صفات لازمة ولصيقة بهم، وإنما يستطيعون التخلص منها، ويستطيع كل شخص أن يتطور أو ينحط، وروحه في كل يوم قد تكون أكثر نورا أو ظلاما.

ولم يستخدم كليوكين لصنع هذه التماثيل أي مزالج أو مواد لتثبيتها، إذ إن أجزاءها تتحد بنفسها، وكل جزء منها يسند الآخر. ويمكن فك هذه التماثيل بسهولة لنقلها إلى أمكنة جديدة لعرضها.
وكان فاسيلي كليوكين أثار انتباه العالم في اكتوبر/تشرين الأول 2018 عندما استخدم نفايات بلاستيك مستقدمة من كل دولة في العالم في تصميم منحوتات بعنوان "الناس لا يمكنهم الطيران".
وأراد الفنان والمصمم أيضا من خلال هذه المنحوتات المحشوة بنفايات بلاستيكية من كل القارات والدول والجزر، أن يسلط الضوء على تلك المشكلة العالمية، التي شبهها الفنان بالإدمان على التدخين.












رأى الباحث التونسي منير السعيداني في دراسته القيمة التي قدم بها كتاب "التعصب والتطرف والارهاب.. مقاربات في المجتمع والدولة والدين" أن من بين نتائج ما تشهده الرقعة الجغرافية العربية منذ نهايات 2010 استحالات عميقة وسريعة وحادة أحياناً في العلاقات بين مختلف المؤسّسات والبنى والكيانات الاجتماعية. وقد أدّى ذلك، في أحايين كثيرة، إلى إعادة صياغة العديد من الصلات الاجتماعية بين الأفراد وذواتهم، وبين الأفراد والأفراد، وبين هؤلاء والمجموعات، وفي ما بين المجموعات، وبين المجموعات والمؤسسات.. إلخ.

ويعني ذلك في ما يعنيه أن العلاقات بين الدولة والمجتمع الأهلي والمجتمع المدني مسّها التحوير عميقاً إلى هذا الحد أو ذاك.
وقال إنّ النزاعات التي تمحورت حول شكل الدولة العربية وأساسها القانوني الدستوري، وكذا حول صياغتها علاقاتها بمنظوريها المحكومين وبمجال ممارستها لنفوذها.. تلك التي اندلعت بقوة وحماسة وصلت إلى حد الحرب الأهلية في غير قطر عربي، تنبئ عن بعضٍ من أعماق ذلك التحوير.

ويترافق ذلك أحيانا، إن لم يكن منفعلاً به، مع تحوير آخر في علاقة الدولة تشكيلاً وجهازاً ومهام بمحيطها الجهوي "المغربي أو الخليجي مثلاً"، والإقليمي "العربي عامة"، والدولي "الإسلامي أو القاري أو الأممي". وليست تقتصر أمثلة ذلك على مجرّد ما أجابت عنه بعض الصياغات الدستورية العربية الجديدة أو المجددة بما وسّع الحريات مثلاً، أو أعاد تعريف كيفية إدارة الثروة الوطنية، في علاقة بمختلف خطوط الصدع الاجتماعي بين الأجيال والجهات والنوعين الاجتماعيين والأصناف المهنية والفئات الاجتماعية. كما لا تقتصر على إعادة محورة الفعل السياسي حول إمكانات أوسع للمشاركة السياسية، بل هي تشمل أيضاً إعادة تشكيل العلاقة مع مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع، بما فيها نواتات السلطة المضادة. وتتجسّد تلك المكامن في كل موقع لم تعد الدولة العربية المعاصرة قادرة فيه على الاحتواء أو التوجيه أو حتى على الاستجابة لمطالب منتمين إلى أشكال انتظام اجتماعي تقليدية مثل القبيلة أو العشيرة أو المحلة الصغرى أو الطائفة أو المذهب أو الدين "غير الدين الأغلبي السائد"، أو منتسبين إلى أشكال انتظام اجتماعي مبتدعة مثل الجمعية والمنظمة والرابطة والمنتدى والنادي.


وأضاف في الكتاب الذي شارك فيه مجموعة من الباحثين العرب (عبدالكريم أبو اللوز، محمد الأشهب، فاتن المبارك، المنجي حامد، عبدالله ياسين، بشرى زكاغ) والصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود "إن ما تحتوي عليه تلك المكامن من سلطة منبثة في تلافيف المجتمع مجموعات وجماعات قد تتطابق، وقد لا تتطابق، في مسرح وجودها مع الحدود السياسية الإدارية التي تضعها سلطة التدبير السياسي في سياق تحديد مجال نفوذها ومراجعته لإعادة تقسيم تخومه الجماعاتية "المصلحية، القرابية، الإثنية، اللغوية، الدينية، المذهبية،..". بالإضافة إلى تضافر العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع تتأسس على أسواق عدة متزايدة الاتساع والتغيّر "سوق العمل، سوق الاتجار، سوق المبادرة، سوق الاستثمار، سوق الادخار، سوق العمل الخيري، سوق التكنولوجيا، سوق المعرفة، سوق الفرص السياسية، سوق النخب المحلية، سوق النخب الوطنية، سوق النخب العابرة للحدود، سوق الخيرات الثقافية، سوق الرموز، سوق المتوجات المخيالية، سوق التصاوير التذكّرية..".

وأشار السعيداني إلى أن في كل تلك المكامن مكونات مجتمعات غير مُدَوْلَنِة العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال، بما يجعلها أهلية مصنوعة من نسيج صلات أشكال الانتظام الاجتماعي التقليدية، أو مدنية مصنوعة من نسيج الانتظام الجمعوي حرّ الانتساب والنشاط والحركة. وفي هذا تعقيدات كثيرة منها ما يتصل بإعادة تشكيل علاقة الدّولة العربية المعاصرة بمنظوريها، فُرادى وجماعات، ومنها ما يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية عامة.

وبالنظر إلى العمق التاريخي، الذي يمكن أن تستند إليه مراجعات المفاهيم ذات الصلة وتجسيداتها الممكنة تاريخياً واجتماعياً، يتوجب النظر إلى هذه المجتمعات غير مدولنة العلاقات والآليات وأنماط اشتغالها في تجسداتها المحلية والوطنية والإقليمية (المنظمات الخيرية الإسلامية مثلاً)، وكذا الدولية (المنظمات الإنسانية الدولية) من ناحية، وفي قدراتها التنظيمية (ومنها التشبيكية) واللوجستية والمالية (ومنها التشغيلية) والرقابية (ومنها التمكينية) والإعلامية والعائدة إلى اللوبيات النافذة (ومنها ما يتصل بتشكيل ملامح قيادات المعارضة المدنية) من ناحية ثانية، وفي علاقاتها بالأفراد والمجموعات والأجهزة والمؤسسات من ناحية ثالثة.

ورأى أن هذا قد يكون مدخلاً من مداخل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة العربية المعاصرة وكل المجتمعات غير مُدَوْلَنة العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال من منظور مسألة العنف. فعلى اعتبار الدولة، في أحد وجوهها الحديثة على الأقل، تأسيساً لتعاقد غير عنيف أو مُمَدِّنٍ للعنف من خلال معالجة مكامنه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر تحكيم الوازع الدستوري الرادع، أو من خلال احتكار ممارسة العنف المنظم، وعلى اعتبار العنف شكلاً من أشكال التصرف في النزاعات الفردية والجماعية والمؤسسية، يمكن أن تكون كل إعادات صياغة مختلف العلاقات والصلات التي أتينا عليها مبعثاً لتصاعد موجات من العنف ممتدة وموجعة وفادحة إلى هذا الحد أو ذاك أو، على العكس من ذلك، مُعَدِّلاً له. وما وقائع التحوّلات الاجتماعية والسياسية التاريخية التي شهدتها دول الرقعة الجغرافية العربية ومجتمعاتها إلا مصداق لهذه المراوحة بين التصاعد والتعديل.

وتساءل السعيداني: ما معنى أن يكون المرء مؤمناً؟ وقال "على الرغم ممّا قد يتبادر إلى الذهن من انحصاره في المجال الديني - الاعتقادي، يمتدّ عميقاً إلى أغوار اجتماعية وجذور تاريخية وأبعاد فكرية ثقافية، ليس العلم ولا المعرفة من خارجها. ولكن يجدر التمييز بين المعتقدات ذات الطبيعة الوصفية - التفسيرية، التي تتكون طياتها من المعارف والعلوم والأساطير مثلاً، ويُحتكم فيها إلى مقاييس الخطأ والصواب والمطابقة من جهة. ومن جهة ثانية المعتقدات المعيارية التي تحتوي في طياتها على القيم والعقائد مثلاً، ويُحتكم فيها إلى معالم الرّشد والغَيّ وصولاً إلى مكاييل الولاء والبراء ومقاساتها.

سياقات المعتقدات الأولى بما تفترضه من مؤسسات وأطر وهياكل وفاعلين يتطلّب بناؤُها واستخدامُها استحضارَ آليات التصديق والتخطيء والتمحيص والاختبار والدّحض والتصحيح ضمن سيرورة بناء الحقائق الوصفية التفسيرية والتأويلية واستخدامها العَمَلي. سياقات المعتقدات الثانية، تلك التي تنمو وتترعرع غير خاضعة إلى العقلانية بالضرورة، تستدعي آليات مخيالية من الإيمان المُصَدِّقِ والتبنّي المُثْلِج صدرَ القَلِقِ ضمن سيرورة تشكل علاقة مخصوصة التعاضد بين مالك اليقين وأتباعه.


يتكون الكتاب من سبع دراسات يكون كلّ واحد منها فصلاً تجمعها ثلاثة أقسام: القسم الأول من طبيعة نظرية مفهومية، في حين يتثبت القسم الثاني في كيفيات الصناعة الاجتماعية للتعصب والتطرف والعنف في مجريات الحياة اليومية ضمن المجتمعات المحلية. أما القسم الثالث ففيه تركيز على العوالم الشبكية الاتصالية للتجنيد المتطرف وكيفيات صناعة الطوائف الافتراضية.

ووفقا لقراءة السعيداني لاستنتاجات الدراسات التي شملها الكتاب، أكد "إنّ في أصل التطرف يكمن التعصب لفكرة ما، وعدم الاستعداد للتحاور فيها أو مناقشتها، أو النظر في ما يمكن أن يكون معدلاً لها. في هذا المعنى يكون التطرف تتويجاً عملياً وفعلياً لجملة المسارات التي تنبع من التعصب الأصلي. تلك مسارات شخصية في معناها الذاتي الشخصي، ولكنها مسارات اجتماعية ثقافية في معناها الجماعي. إن انعدام أو نقص فضاءات الحوار، الذي يمكن أن يعدل التعصب ويجفف منابعه، ليست مسؤولية الأفراد بوصفهم أفراداً، بل هي مسؤولية المجتمعات بما هي مجموع مؤسسات تربوية وتنشيئية وتعليمية وصانعة للأفكار ومروجة للقيم. ولذلك يمكن القول إن التعصب، الذي يكمن في أصل التطرف، هو صناعة اجتماعية صرفة، هي التي تقولب الأفراد فتجعل منهم متطرفين، وإن كنا نعود إلى مسؤولية الأفراد لاحقاً. كيف يكون التعصب صناعة اجتماعية؟

ورأى أن الأصل في المجتمعات أنها تتكون من أفراد ومجموعات وجماعات متباينة متنوعة متخالفة، ولذلك فإن كل مجتمع متعدد ثقافياً بالضرورة. يكون التعدد على أساس التوجهات والرؤى والأوضاع الاجتماعية والمسارات التكوينية التربوية ومجالات العيش وأنماطه، ويستوجب ذلك ما يردد قوله الفلاسفة والمفكرون من أن الإنسان مدني بالطبع، وهي الفكرة التي رددها ابن خلدون مثلاً بعد الفارابي وبعد أفلاطون.
الطبيعة المدنية تعني الحاجة إلى التعاون، وهو ما لا يكون إلا بنقيض التعصب، أي الانفتاح. إذاً، الأصل في الحياة الاجتماعية، بما هي مساحة لتبادل الرؤى والأفكار وجولان المعتقدات بما في ذلك المعتقدات الإيمانية، هو التنوع المنفتح. وعادةً، يترافق في ذلك الثقافي والمعرفي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

فالتاريخ يشهد على أن المجتمعات ذات الازدهار الاقتصادي هي ذاتها ذات التعدد الثقافي والتنوع المعرفي والانفتاح السياسي، وإن كان ذلك من خلال مسارات معقدة ومؤلمة أحياناً من الكفاح من أجل سيادة أفكار تحررية وإنسانية. المهم أن مثل هذه المجتمعات تبني، في سياق ازدهارها متعدّد الأوجه والمستويات، مؤسسات ترعى المناقشات العامة والتبادل الفكري والمجادلات المفتوحة. وليس صحيحاً أن ما يعبر عنه بالمجال العمومي حكر تاريخي وثقافي على المجتمعات الرأسمالية الأوروبية. فتواريخ الحضارات التي تسمى ما قبل كولمبية والعربية والإسلامية غير العربية والأفريقية ...إلخ تشهد على قدرتها على تنظيم المناقشات العامة في الجوامع والمدارس ومؤسسات المناظرة والمهرجانات الثقافية والأشكال الفنية وبنى المعتقدات فضلاً عن الكتابات والمناظرات وأنظمة التعليم العمومي والتربية الجيلية المتعددة، بل يمكن القول إن حادثة الاستعمار الأوروبي الحديث منذ القرن الثامن عشر حتى الآن، بأشكاله المباشرة وغير المباشرة، خلق بنى كولونيالية للمعرفة والحكم وإدارة الشأن العمومي، ومن بين الشأن الثقافي مناهضة بنيوياً لأمداء الانفتاح والتجدد الذاتي للثقافات والابتداع التلقائي لمجاري المجادلات العامة.

ويصح الأمر أيضاً على تصور الحداثة الأنوارية الأوروبية على أنها مسيرة بشرية موحدة نحو العقل والتقدم والحضارة في تناسٍ عنصري تام لمكاسب الثقافات والحضارات البشرية القائمة أصلاً على التنوع ما بين الثقافي.

وأضاف السعيداني أن ليس من معنى لتلك المسيرة المتخيلة إلا في معنى حكمها على كلّ ما عداها من الثقافات والمسارات الإنسانية بالتخلف والرجعية وانعدام المدنية منذ القول بالبربرية والبدائية وصولاً إلى القول بالاستثناءات غير الأوروبية الأميركية في معنى الاستثناء الإسلامي مثلاً.

وبذلك يمكن أن نقف على أن الصناعة الاجتماعية للتعصب كفّت، منذ القرن التاسع عشر على الأقل، عن أن تكون مسألة محلية، وذلك بفعل تشابك مسارات التفاعل ما بين الثقافي على مستويات ظلت تتوسع إلى حد شمول كل المجتمعات والثقافات تقريباً، وعلى الأخص منذ استتباب العولمة.

ومما عمق ذلك أن فترة نهاية الاستعمارات الحديثة في أواسط القرن العشرين، ونشأة المنظمات الدولية والأممية على قاعدة فكرة التعايش السلمي بين المجتمعات والثقافات والحضارات واللغات والديانات تحت مظلة العقد التاريخي الاجتماعي ما بين الدولي، فشلت في تحقيق عدالة انتقالية كونية تسمح بنزع حقيقي للبنى الكولونيالية المتحكمة في المعرفة والسلطة وهندسة الاجتماع الإنساني. وكان من نتيجة ذلك أننا نتقدم كل يوم أكثر في اتجاه توتر هوياتي عالي المخاطر هو السياق العالمي الدولي الذي ييسر الانتقال من التعصب إلى التطرف.

محمد الحمامصي













رحلة إلى عوالم القصور اليمنية القديمة بأسرارها وغموضها وعلاقاتها تحكيها رواية "الرهينة"، تحمل بين سطورها أجواء ألف ليلة وليلة، ذلك الرهينة الذي بدأ العمل في قصر نائب الإمام يتعرّف إلى شقيقة الحاكم التي يُعجب بها، والذي فجأة يتحوّل غراماً يرمي بالرهينة في صراعاته الداخلية بين الحبّ والتمرّد والرغبة والثورة.

كم هي جميلة هذه الرواية! إنها تجذبك ما إن تضع عينيك على سطورها الاولى فتجعل القارئ الفذًّ يقف بين حروفها حائراً يتساءل: "هل الكاتب كتب هذه الرواية لكشف أسرار الإمام العائلية ومناقشة من يقومون بوظيفة الطواشي (الخدم الخصي) الذين يستخدمهم الأمراء في قصورهم لخدمة خاصة الإمام، أو كما ذكرهم الكاتب بـ "الدويدار"، أم أنه كتب الرواية لكشف سياسة الإمام في حكمه للقبائل اليمنية"؟

الرهينة؛ هي رواية للأديب اليمني زيد مطيع دماج، تم اختيارها كواحدة من أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين. قبل أن نبدأ الحديث عن الرواية هناك ثلاث كلمات محورية تتكلم عنها الرواية، أولها كلمة "الإمام"، وهو لقب لحاكم اليمن وقتها، أما الكلمة الثانية فهي "الدويدار"، وتعني صبي يتميز بحسن المظهر والبداهة يقوم على خدمة حرم الإمام وخاصته، وأما الكلمة الثالثة فهي "الرهائن"؛ وهم من يأخذهم الإمام من شيوخ القبائل ورؤسائها لضمان ولائهم له، ومن هنا أتى اسم الرواية.

في حقيقة الأمر الرواية تناقش سياسة عائلة الإمام الحاكمة في اليمن وتكشف أسرارها العائلية في نفس الوقت؛ فقد كانت العائلة الحاكمة تأخذ أبناء الشيوخ ورؤساء القبائل ومن يتمرد على نظام الحكم حتى يضمن الإمام ولاءهم له وعدم انقلابهم عليه بحجة وجود أبنائهم كرهائن لديه.

بعد أن يأخذ الإمام الرهائن ويضعهم في قلعة القاهرة (مكان رهائن الإمام أو وزيره) يقوم باختيار صبيان من الرهائن وذلك ممن لا تتعدى أعمارهم سن الحلم لخدمة حرم الإمام وخاصته، ولكن ربما تتساءل: "لماذا الإمام يأخذ ما دون سن الحلم فقط؟ وهل عندما يأخذ الإمام هؤلاء الصبية أو كما يسمونهم بـ "الدوادرة" من رهائن القلعة يعاملهم معاملة الرهائن أم تختلف المعاملة؟"


في حقيقة الأمر كان الإمام يأخذ من لم يبلغ الحلم وممن يتمتع بحسن المظهر وذلك لأنهم سيقومون على خدمة حرم الإمام وخاصته، وحتى لا تتطور علاقتهم بنساء القصر فيقومون بما يهين كرامة الإمام، لذا فمن الطبيعي اختيار من لم يبلغ الحلم، ليس هذا فقط، فحتى الصبي قد يبلغ الحلم في أي لحظة أو حتى قبل أن يبلغ قد تهيئ له الظروف نساء القصر فيقوم بما لا يريده الإمام، ولذا فما إن يدخلوا القصر حتى يأمر الإمام بضرب خصيته حتى يفقده رجولته فلا يكون بمقدوره بعد ذلك ممارسة الجنس مع نسائه فيستخدمه بعد ذلك لخدمة خاصته دون أي خوف من خطر تواجد رجل بين نساء القصر؛ فهو بعد ذلك يعتبر وكأنه إحدى نساء القصر لا أكثر.

يدخل الدويدار الجديد (الرهينة) قصر الإمام بعد أن أخذه عسكر الإمام من القلعة قسرًا فيلاقي دويدارًا آخر يعمل في ذلك القصر فيحتفي كلٌّ منهما بمعرفة بعض ويقوم الدويدار بتعريف الرهينة على من في القصر من نساء الإمام كـ "الشريفة حفصة" المطلقة فاتنة الجمال؛ ويطلق عليها الشريفة لأنها من سلالة النبي كما كانوا يدعون، هي أيضًا أخت نائب الإمام المدللة والغنية، فملكها يُعد أكثر من ملك والد النائب نفسه.

يقوم الدويدار بتعريف صديقه على القصر فيعرفه على الحمامات التركية التي سيخدم نساء القصر فيها عند الحاجة، ثم يعرفه على بقية نساء القصر وغرفة نائب الإمام وبقية الحجرات، فيرى العيش الكريم وما تتمتع به الحاشية من رغد العيش ولكن في نفس الوقت يلاحظ الكبت الذي تعيشه نساء القصر وتعطشهن لتواجد رجل يعيش بقربهن ولو حتى دويدارًا، من جهة أخرى يلاحظ تدهور صحة صديقة الدويدار لكثرة العمل ولمرضه دون أن يعتني به أحد أو يأبه لمعالجته فيموت أخيراً ولا يمشي في جنازته سوى قلة قليلة مع بعض نساء القصر ومن بينهن السيدة حفصة التي أحبت الرهينة، وهذا إذا دلَّ فإنما يدل على أن السلطة الحاكمة تأخذ ما تريده من الآخرين ثم تتركه دون أن تأبه لعاقبته، وهذا ما سيجعل الرهينة يفكر بالثورة والهرب.

قررت الشريفة حفصة أن تعترف للرهينة بحبها في النهاية طالبةً منه أن تهرب معه مهما كانت طريقه وعره، وهذا يدل على مقدار الكبت الذي تعيشه نساء القصر وتعطشهن للحياة البسيطة دون حرس، ولكن الرهينة برغم حبه لها إلا أنه يرفض ما طلبت منه فارًا في الجبال وظلمات الأودية، فبعد موت صديقه قرر أن لا يمكث في القصر مخلفًا وراءه صوت حفصة المبحوح يترجاه أن ينتظرها لشدة تعلقها به، لكنه لم يتوقف برغم إشفاقه عليها لتعود إلى سجنها الواسع وآلامها من جديد.














اللغة هي الجناح الذي به يحلّق الشاعر بعيدا وتتشكّل القصيدة حيّة نتلمس عطرها وتلاحقنا صورها بدهشتها وعمقها وفضاء تأويلها والاستئناس بلذّتها الحسيّة والجمالية تملأ أرواحنا بالجمال واللذة، اللغة هي الشجرة الوارفة التي تحتها نستظلّ فيئها وتأخذنا إلى عوالم بعيدة تنتشلنا من كلّ هذا الضجيج الذي عمّ الأفق وسدّ منافذه وانتابنا خمول في الذاكرة ونقطف ثمارها ناضجة لذيذة. اللغة هي اليقظة والنشوة والدفء والضوء الذي ينبعث من أعماق الذات تسحبنا من نومنا العميق تستفزّ خمولنا.

وعلى الشاعر الحقيقي أن يمتلك لغة خاصة به يحنو عليها ويشذّبها ويعمل عليها كالمونتير الذكي يقطع المشاهد التي تجعل القصيدة مترهّلة ويضيف إليها ما يوهّجها أكثر ويفتح للمتلقى أفقاً شاسعا للتأويل، يغامر الشاعر بلغته ويرتفع عن لغة الواقع كونها لا تمتلك عنصر المفاجأة والغواية يجعل منها قطعة مشحونة تستفزّ الخيال وتمارس الانزياح الشديد حيث نهرب إليها من نهارنا المكسو بالتشتت والضياع والحيرة نتيجة ما يكتب اليوم باسم قصيدة النثر وهي براءة من هذه التهمة .

وبعد أن حققت قصيدة النثر هذه المصالحة مع الذائقة العربية بالخصوص وكسرت حاجز النفور بينها وبين القصيدة العمودية ومنحتنا فسحة تنفّسنا من خلالها هواء جديدا صار لزاما للشاعر أن يمتلك لغة يشكّلها ويدمّرها كيف يشاء، لغة تفقد الحدود وتتفتّح عن عوالم تنبعث مما وراء الحلم تمتلك حضورا قويّا تلهبنا بسحرها وجماليتها.

واليوم تظهر اللغة السردية التعبيرية وتمنح النصّ إمكانيات كبيرة، لأن السرد يتطلب وبشكل ملحّ لغة عذبة سلسلة تترقرق كالينبوع تحلّق عاليا مدهشة مبهرة تنفذ إلى أعماق النفس والوجدان عند كل قارىء .

والملاحظ لدى لغة الشاعر نصيف علي وهيب، من خلال متابعتنا اليومية والمستمرة لكتاباته أنها تمتاز بالتكثيف الشديد والإيجاز والتوهّج، وأن أغلب قصائده جاءت على شكل مقطوعات صغيرة كأنها غيمة حبلى بالأمطار الغزيرة تلقي حملها وتذهب بعيدا وتترك المتلقي يعيش تحت ظلالها متنعما منتعشا متلذذا بما تبعثه في نفسه.

فمثلا نجد الرسالية الاجتماعية "البوح التوصيلي" حاضرة في قصيدته "لغة الأمل" والذي نقصد به التوصيلية الأمينة والمخلصة المحمّلة برسالة واضحة بغية الخلاص، كما في هذا المقطع:

"مملوء قلبي بالألحان، تسكن سلم اضطرابي لوعة، أدونها مجلوة بالدمع، تتساقط من ألمي أغنية، ترددها الحناجر".
نجد هنا اللغة العذبة تتجلّى من خلال هذا التضاد اللغوي في الفقرات النصيّة أو بين المفردات، والتي كشفت لنا عن حركة تموج بها المعاني في داخل النسيج الشعري، فنجد بأن هذه الحركة حركة دائبة ومستمرة ما بين عناصر متضادة، أو صراح حركي ما بين مواقف أو حالات مختلفة داخل نفس النصّ.
وفي نصّ "أبناء الأرض" نجد اللغة العذبة متمثّلة باللغة المتموّجة التي تتناوب ما بين فقرات وتراكيب توصيلية وأخرى انزياحية، كما في هذا المقطع:

"هكذا نحن أبناء الأرض، نزرع الزيتون، نلوح بالغصن الأخضر إيماءة زهو في درب الشمس، نلمس أحلامنا، تتفتح أملا، نتنفسها مع الفجر حياة".

فبعد أن افتتح الشاعر قصيدته بهذه المقاطع التوصيلية، نجده يمارس لعبة الانزياح اللغوي في هذه المقاطع الجميلة حين نجدهم يتلمسون أحلامهم التي تتفتح على شكل آمال يتنفسونها مع كل إشراقة فجر حياة زاهية. ومن الملاحظ أيضا هنا وفي هذا المقطع قد اختزل ضمير الجماعة وعبّر عن رؤيتها من خلال موقفه ورؤيته.

أما في نصّ "لطافة الريح" متمثّلة باللغة التجريدية حيث تتخلى المفردات عن وظيفة نقل المعنى وتسعى إلى نقل الإحساس المصاحب له كمركز للتعبير، فنجد هنا المشاعر والأحاسيس أكثر مما نرى المعني، كما في هذا المقطع:

"لطافة الريح غضبها وأنت قوي، هل كلمت الريح يوما؟ جرب صوت هزيزها، ستنشدك الفراغات أنينا، لتعرف تفعيلات الغضب".
فاللغة هنا مهمتها نقل الأحاسيس والمشاعر وليس الحكاية. فنجد هنا العنصر الخيالي والمقدرة على تصوير الأشياء تصويرا مجسّما وكأننا نتلمس هذه الصور وظلالها الرائعة، فالمفردات مشحونة بشحنات حسّية بعثت فيها كل هذه الطاقة والجمالية.

أما في نصّ "النهر بريء" فنجد اللغة الجميلة والعذبة متمثّلة من خلال هذا التوافق النثري والشعري، حيث اللغة تتمازج ما بين القرب والتوصيل وبين الرمز والإيحاء، وبين التجلّي والتعبير، أي بما يسمى وقعنة الخيال، أي إظهار الخيال بلباس واقعي مما يعطي للنصّ عذوبة أكثر وقربا وألفة ويزيل عنه حالة الجفاء أو الجفاف والاغتراب بفعل الرمزية والإيحاء، وكما في هذا المقطع:

"الخيبات درس، كتبهُ الزمن على سبورة الأيام، الرقم السادس للأشهر حزيران، تشرين الأول رقم عاشر، عالم الأرقام دنيا متناقضة، الصفر حدٌّ فاصل بين السلبي والايجابي".
فهذا النصّ يتحلّى بين الوضوح والعمق والسموّ، فالشاعر أراد ان يعبّر عن معنى معين بلفظ آخر مستخدما التشبيه، فألفاظه هنا مهذّبة مصقولة مشحونة بالمشاعر والأحاسيس.

أما في نصّ "النهر يردد" فنجد الرمزية التعبيرية واضحة، بحيث ينطلق كل شيء في النصّ من داخل المؤلف وبواطنه وتصوراته، فكل التعبيرات والرؤى ومحور الكلام يتمركز على ما في قلب الشاعر، فالمتلقي لا يرى الأشياء إلا وفق ما يراه الشاعر، لقد طغت الفردية في هذا النصّ على الرؤية فأصبح الجو العام يضجّ بالانزياحات والرمزية.

أما في نصّ "لحظات الشوق" فنجد البوح الأقصى متمثّلا بوضوح في لغة عذبة زاهية، فالكتابة هنا تشتمل على تعابير شديدة البوح، كما في هذا المقطع:

"أتخلى عن نغمتي، لأتبع دقات قلبي، نبضي يتسارع ملهوفا، للتي ربتت على كتفي، وأنا أصغر من حلم، أكبر بعينيها، تكبر بعيني جنة، أحلم بعودتها يوما".

إن هذه التعابير تحمل أقصى أشكال إبراز المكنونات النفسية عن طريق كلمات تحمل أقصى درجات البوح، فهي تتمثل في (نغمتي / قلبي / نبضي / ملهوفا / ربتت / حلم / بعينيها / جنة / أحلم) وهي مفردات قادمة من أعماق الذات الشاعرة مشحونة بالعواطف المتأججة والمشاعر المرهفة.
أما في نصّ "لحظات أخرى" فنجد اللغة العذبة واضحة من خلال استخدام المفردات الدالة على الرقّة والعذوبة والجمال كما في هذا المقطع:

"ما بيننا؛ شذا الورد، نتقاسمهُ محبة، شوقي وشوقكِ وجهانِ للحب، لنتدفأ به كثيراً، القلوبُ المحلقةُ في السماء، ستغيثنا مودة".

فالمفردات هنا رقراقة تنبع من نفس صافية نقيّة، استطاع الشاعر أن يمنحها هذه الطاقة من الشحنات التي تغور في نفس المتلقي دون عناء أو جهد أو مشقة.

أما في نصّ "وردة" فنجد الشاعر قد استطاع أن يمزج ما بين الصورة الشعرية الحسّية والشمّية والذوقية والسمعية بهذا الكمّ المشرق، وكما في هذا المقطع:
أتمعنُ في بتلاتِ الورد، عطرٌ يفوح غوايةَ نحلٍ لشفاءٍ إلينا، رضابُ العشقِ، يتوهج في الشمعِ ضياء، شدَّتهُ وضوحي".
فمثلا "أتمعن" دلالة عن الصورة البصرية و"يفوح" دلالة عن صورة شمّية، و"رضاب" دلالة عن صورة ذوقيّة، و"يتوهج" دلالة عن صورة حسّية. هذا المقطع عبارة عن صورة عذبة مدهشة رسمها لنا الشاعر نصيف الشمري كونه ممن يكتب القصيدة السردية التعبيرية منذ أمد طويل .

كريم عبدالله











بين الجد والفكاهة، استعرضت السيدة الأميركية الأولى السابقة ميشال أوباما ليلة الثلاثاء في باريس مسيرتها التي نقلتها من ضاحية متواضعة في شيكاغو إلى البيت الأبيض.
وتوجهت أوباما (55 عاما) خلال لقاء في قاعة "أكوروتيل أرينا" في باريس لتقديم كتاب مذكّراتها "بيكامينغ" إلى الفرنسيين المفجوعين بحادث احتراق جزء من كاتدرائية نوتردام في قلب باريس وقالت لهم "سيعاد بناء نوتردام!".

وأضافت هذه السيدة التي انتزعت من هيلاري كلينتون لقب "المرأة الأكثر إثارة للإعجاب في الولايات المتحدة"، "كونوا أقوياء وتحلوا بالإيمان".

وتابعت أمام 20 ألف شخص حضروا للاستماع إليها خلال تقديم كتاب سيرتها الذاتية "كنت أتمتع دائما بالعزيمة والحماسة".

وأوضحت "أدرك والداي وجود هذه الشعلة في داخلي وتركاها تنمو".

كما ذكّرت أوباما بالعقبات التي واجهتها كونها أميركية من أصل إفريقي.

وأخبرت أن مستشارة تعليمية قالت لها "لا أعرف إذا تستطيعين فعلا الدخول إلى جامعة برينستون" فيما كانت ميشال الطالبة تفكر في التقدم لارتياد الجامعة الأميركية المرموقة.


وأكملت "لقد فعلت ما كنت أفعله دائما. فكرت… سأريكم إذا كان باستطاعتي الدخول إلى برينستون. ودخلتها".

وفي هذا الكتاب الذي صدر في 13 نوفمبر/تشرين الثاني وترجم إلى حوالى 30 لغة، لم تتوان أوباما عن التطرق إلى الصعوبات التي واجهتها، من حالات إسقاط الجنين ومشكلات زوجية وعدم اهتمامها بالسياسة وعدم قدرتها على مسامحة دونالد ترامب على إثارته جدلا حول الجنسية الأميركية لزوجها باراك أوباما.

كما أخبرت الحاضرين بطريقة فكاهية بأنها لم تكن تريد أن ينخرط زوجها في السياسة قائلة "عندما ترشح للرئاسة لم أكن أعتقد أنه سيفوز كنت أخطط لأن أكون المرأة المحبة التي ستدعمه في نهاية الحملة الانتخابية بالقول لقد حاولت حبيبي".

وأضافت "كنت أتمنى أن يخسر لكنه فاز!… ومرتين".
وأكدت ميشيل أوباما مجددا أنها لا تنوي الترشح للرئاسة الأميركية ودعت الشباب إلى المشاركة في الانتخابات قائلة "إذا لم تصوتوا فيصوّت الآخرون وستعيشون في بلد من اختيارهم".

ويعدّ "بيكامينغ" الكتاب الأكثر مبيعا في العام 2018، وتصدّر المبيعات في عدة بلدان، أبرزها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واسبانيا وفرنسا.

وأطاح الكتاب من صدارة تصنيف العام 2018 لأفضل الكتب في الولايات المتحدة بـ"فايير أند فيوري" لمايكل وولف الذي يقدّم صورة قاتمة عن الحياة في البيت الأبيض في عهد ترامب.
وتلقى المصنّفات السياسية المضمون، من قبيل "ايه هاير لويالتي: تروث، لايز أند ليدرشب" للمدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالية جيمس كومي و"فير" لبوب وودوارد، إقبالا كبيرا في الولايات المتحدة.

وفي مارس/آذار الماضي أعلنت دار نشر "بنغوين راندوم هاوس" أن كتاب السيدة الأميركية الأولى السابقة، أصبح المذكرات الأكثر مبيعا في كل العصور، بعد أن تخطت مبيعاته 10 ملايين نسخة حتى الآن.












شكلت ثورة يناير 2011 في مصر منعطفا سياسيا فقد أحدثت بما صاحبها من تغيرات سريعة رفعت من سقف الحلم من ناحية، ثم الاحباطات والخيبات المتلاحقة التي تلتها من ناحية أخرى ردود أفعال كبيرة على كافة مستويات الواقع والإبداع فدفعت الكثيرين للكتابة عنها والبحث في أسبابها.
كما دفعت الكثيرين أيضا إلى تغيير وجهة نظرهم للمجتمع وواقعه، وبالتالي تغيرت طريقة تناولهم له وطريقة كتابتهم، وقد تنوعت وتوزعت الآراء حول الثورة خاصة بعد انحسار مدها بفعل نجاح الثورة المضادة، فإذا كان البعض قد انحاز لها وأيدها بشكل مطلق، فإن البعض الآخر قد رفضها أو تشكك في دوافعها، زاعما بأنها كانت محض مؤامرة كونية أتت في إطار الفوضى الخلاقة، وبين هذا وذاك فريق ثالث يفضل الوقوف في المنطقة الرمادية.
ومنذ قيام الثورة والأعمال الأدبية التي تتناولها تتوالي وتتواتر، ومنها رواية "بنات 6 إبريل"، الصادرة بالقاهرة 2019، عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر، وهي الرواية الرابعة لكاتبها أحمد محمد عبده وله أيضا عشرة كتب غير روائية، منها "ثورة يناير والبحث عن طريق"، وتبدو رواية "بنات 6 إبريل" وكأنها طرح بشكل ادبي لمحتواه.
حكاية السلحفاة
تبدأ الرواية بتتر البرنامج الإذاعي أبلة فضيلة، حيث تحكي صاحبة برنامج الأطفال الشهير "غنوة وحدوتة" حكاية السلحفاة التي تعيش ثلاثمائة سنة، تتوزع الحكاية وتتشظى، تصير مفتتحا لأغلب فصول الرواية في موازاة رمزية للحكاية الأصلية عن الثورة المغدورة، وفي إسقاط واضح على وضع أنظمة الحكم العربية المؤبدة، فالملك الذي أهدى له صديقه سلحفاة في عيد ميلاده المائة، قضى في حكم بلاده سبعين عامًا.
تصل مع ختام الرواية والحدوتة إلى قرن من الزمان، ويومها دخل عليه أولاده، "قالوا له نريد أن نغير الكرسي والحفَّاضة ياجلالة الملك، فهما لم يتغيرا منذ زمن طويل، الكرسي ينخر فيه السوس، والحفاضة يتناثر منها الدود".
يرفض الملك تغيير الكرسي، ويرفع عصاه في وجههم، وبحسب فقرة ختام الرواية "وإذ بخمس سلاحف صغيرة؛ تقسيمات صدفاتها الرقيقة تشع منها ألوانا فوسفورية مُتلألئة، فُوجئ بها الملك تدخل عليه في مجلسه، يرتبك فتسقط عصاه من بين يديه، راحت الزهرات الخمسة، تبحث عن الحفيد الوحيد الذي لم يمت حتى الآن".

رؤية جديدة للتمزق

هنا لابد أن يتوقف القارىء عند دلالة الزهرات الخمس، خاصة الفصل الأخير تحدث عن خمس زهرات وُلدن في يوم اندلاع الشرارة من المحلة في 6 أبريل 2008، وهل هن بنات 6 إبريل اللواتي أشار إليهن العنوان أم كان يقصد بنات الحركة المعروفة المشاركات في الثورة ضد الملك، أم أنه يقصدهما معا في إشارة إلى أن الثورة ستتواصل ضد حكم الحفيد وسلاحفه.
آباء البنات
ماهينارالهباش، ونسرين الكاشف، وزينب النحيف، ومعهن نيفين بطرس، أربع بنات انتمين لحركة 6 إبريل يتم القاء القبض عليهن إثر مشاركتهن في مظاهرة، وتكون تلك الواقعة سببا في صداقة الآباء، تقول الرواية: "قبل الأزمة التي جمعتهم؛ كان لكل منهم مطبخه الذي يشم فيه رائحة طعامه، لكل منهم ملعقة من معدن تناسب فمه، حتى أنك لتقول متعجبًا: سبحان من جمع التوك توك مع الجيب جراند شروكي والسوزوكي في صالة واحدة"، فهم ينتمون لثلاثة أطياف مختلفة، اللواء السابق حسن الكاشف، والبرلماني السابق أيضا أمين الهباش، وثالثهم شاكر النحيف الآن صاحب كشك، وكان مدرسا سابقا للفلسفة.
الآباء الثلاثة؛ جاء تعارفهم من تداعيات يوم المظاهرة، في أيام المجاعات الكل يخطف اللقمة من أيدي الكل، لكن في ظروف التهجير نجد الجميع يركبون مركبًا واحدًا، وفي لحظات الزلزال الجميع ينزلون على سلم واحد.
راحوا يجتمعون بصفة شبه منتظمة في كُشك شاكر النحيف، وفي التوقيت نفسه تقريبًا، توقيت برنامج غنوة وحدوتة. جمعت الحركة بين بناتهم، كما جمعت بينهم صفة سابق، ربما لتلك الصفة دلالة في انتمائهم للماضي وهو ما انعكس على عدم مشاركتهم في الثورة المطالبة بمستقبل أفضل، فقد آثروا مراقبة ما يحدث عن بعد، مع الحرص على التعليق على الأحداث وتحليلها عبر حوارات طويلة توقف تدفق السرد وتبطىء زمنه المتشظي، والمتردد بين ماضي وحاضر ومستقبل، فقد يرتد إلى ما قبل تأسيس الحركة ثم يتوقف كثيرا عند أحداث الثورة قبل أن يقفز إلى مذابح الثوار من موقعة الجمل وحتى ستاد بورسعيد، ثم يرتد ثانية إلى ماقبل الثورة ليعود إلى اعتصام رابعة مرورا بالصفقة بين الإخوان والمجلس العسكري، ونتائج الاستفتاء المعروف بغزوة الصناديق وهكذا.


ولا تخفى على القارىء عدة أمور ذات دلالة، منها دلالات أسماء الآباء على موقع كل منهم في النظام السابق فاللواء كاشف بحكم أن موقعه يتيح له الحصول على معلومات عبر ما يرفع إليه من تقارير، والبرلماني هباش أي فاسد، بينما مدرس الفلسفة الذي هجر المدرسة ليفتتح كشكا، فهو فقير لا يجد ما يسد جوعه لذا فاسمه النحيف، وتباين المواقع هذا يؤدي إلى تباين المواقف من الثورة، فلا يؤيدها إلا النحيف، ومن الدلالات أيضا عدم اتساع دائرة الصداقة الناشئة بين الآباء لتشمل والد نيفين بطرس رابعة الناشطات، وهو ما يشير من طرف خفي إلى ماض طائفي قامت الثورة ضده.
تقف رواية "بنات 6 إبريل" عند ثورة يناير، مسلطة الضوء على أسبابها وأسباب عدم نجاحها، ويصوغ الكاتب أحداثها معتمدا على جماليات التشظي والتفكك، فمشاهدها المتناثرة، لا تجري وفق زمن خطي يمتد إلى الأمام، بل يتقطع فيتقدم إلى الأمام أو يرتد إلى الخلف، وقد يوقفه حوار طويل بين الآباء الثلاثة، والأحداث كلها رغم ارتباطها بالثورة إلا أنها مفككة غير مترابطة وتنتفي منها علاقات السببية، لتحل محلها جماليات التجاور والتزامن والتوازي، وقد استخدمت الروایة أكثر من تقنیة فنیة، منها "الفلاش باك" والمونولوج الداخلي كما استخدمت تقنية الشهادات لبعض الأصوات المؤثرة في الرواية، بما يتفق مع أدوارهم فيها، والتناص مع ما يناسب المواقف الدرامية، ببعض ما جاء في كتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، على لسان شاكر النحيف المدرس السابق للفلسفة.
كما اعتمدت الرواية على راو عليم طاغي الحضور، حتى حينما يتنازل عن سلطته لأحد الأصوات تحت مسمى "شهادة"، تجىء الشهادات تحليلات، أو اعترافات تؤكد مزاعم الراوي العليم، والكل يبدو كصدى لصوت الراوي العليم المؤمن بنظرية المؤامرة، والرافض للثوار ولمبارك وتصبح الشهادات سواء كانت لبائعة الشاي بالميدان أو لناشطات الحركة مجرد أصداء لصوته، الذي يسعى للإيهام بالواقعية فيشير إلى أسماء لشخصيات حقيقية مثل جاريد كوهين هو مدير الأفكار بشركة جوجل، ويقول إعلام الثورة المضادة أنه القائد الحقيقي لما حدث في يناير، ومثل إيان هيرسي عليّ، الناشطة الهولندية من أصل صومالي، التي تزعمت مجموعة من البنات، صنعن حركة شبيهة بحركة 6 أبريل.
وهكذا تكشف الرواية من خلال بنيتها السردية المتشظية عن العلاقات الخفية بين الظواهر التي قد تبدو متآلفة أو متنافرة، فتتيح للقارىء رؤية جديدة لواقعه المفعم بالعجز والخواء والتشظي كتجربة يومية تؤكد تمزق الفرد وتشتت المجتمع .











ما موقع كتابة الذاكرة، في تصنيفات السرد؟ الكتابة السيرية التي يتواشج فيها سرد الذات بسرد الآخرين في سياق وقائع تاريخية؟ كثيراً ما طرح هذا السؤال إذ هو مفصلي فيما يتعلق بهوية النص من حيث تصنيفه، ومن حيث طرق تلقيه من قبل النقاد والدارسين. هذه الإشكالية يطرحها علينا كتاب جهاد الجفري "أين أبي"، هل هو توثيق لفصول من حياة المؤلفة الشخصية وأسرتها، في إطار قضية أو حدث تاريخي واجتماعي وسياسي أم هو فن قبل ذلك وبعده؟
لطالما كانت السيرة الذاتية عنصراً جوهرياً في الأعمال الروائية، ولطالما تلامعت شخصيات الكتّاب في أعمالهم الروائية وإن تفاوتت درجات الالتماع.
إن رواية السيرة الذاتية تحتاج إلى موهبة خاصة، إلى طاقة تذكّر عالية، وإلى رهافة في طريقة ملامسة الوقائع، وإذا كانت الخبرة تمنحنا القدرة على إعادة موضعة المواقف وتوظيف تقنيات السرد، وتعديد المداخل إلى الحدث الواحد فإن تغذية العاطفة الشخصية للعمل هي التي تسبك مادته وتشغّل فعاليته فينا حين نتلقاه.
لقد اعتبر الفلاسفة السيرة الذاتية فناً وأسقط عنها أرسطو صفة التاريخ، فالفن أصدق من التاريخ٬ فهي إن لم تكن رواية مكتملة الأركان فلها جاذبية الرواية جماهيرياً. بل ربما فاقت جماهيريتها جماهيرية الراوية القائمة على التخييل السردي فحسب، وهذا ما سنفهمه بمجرد الولوج إلى كتاب أو مأساة "أين أبي".


فعلى مدار 210 صفحات من القطع المتوسط أنجزت المؤلفة جهاد الجفري أربعاً وثلاثين لوحة سردية يشتبك فيها الذاتي بالتاريخي، والخاص بالعام، الأسري بالاجتماعي، ليس هناك خيال يصنع الأحداث، هناك أحداث تفوق الخيال وتتجاوزه بما لا يقاس، ولكي ندرس هذه النصوص يجب أن نفهم الخلفية التي تأسست فيها فنحن لن نستطيع فهم النص، ما لم ندرس الترابط بين اختيار نوع السرد وطبيعة السارد ثم الظروف الاجتماعية والسياسية، والتاريخية، إذ نحن أمام لوحات سردية يتشظى فيها الحدث التاريخي متغلغلاً في أوجاع الذاكرة السيرية.
لا مناص من التفكير في التاريخ بوصفه زمناً كي تتحدد معاني ودلالات الأحداث فثمة طفلة فوجئت في لحظة فارقة أنها بلا أب. من هنا تبدأ قصة المؤلفة بوصفها الرواي للحدث، ومن هنا تبدأ قصة الأب عبدالله صالح الجفري الثائر المناضل المحارب الشجاع ضد الاستعمار والمحامي الشاعر والرجل الاجتماعي المميز وأحد القيمين على أخلاق العناية التي توارثتها أسر العلم والخير في اليمن.
فقد الأب يحضر في كل مفاصل السرد، وهاجسه يلح على السارد في كل لحظة زمنية، متواشجاً مع كفاح حاضته الأم سنوات طويلة من أجل معرفة حقيقة ما حدث لزوجها وأين تم إخفاؤه، تتكرر زياراتها للسجون وتصحبها الطفلة الراوية مرراً لتتشبع ذاكرتها بمرارات الألم والحرقة والوجع جراء ما كانت تعاني منه الأم العنيدة من معاملات سيئة.
"جلسنا على الكنبة، نظر إلينا بضيق وقال يخاطب أمي: إلى متى ستبقين تبحثين عن زوجك؟
كان سؤاله صادماً لا إجابة له.
قالت أمي: إلى أن أموت!
قال لها: كم مرات جئت إلى هنا؟
قالت: مئة أو مئتين لا أتذكر".
الأم التي سنكتشف أثناء السرد أنها كانت تحارب في الجبهات إلى جانب زوجها، لن يقتصر نضالها من أجل استعادته على البحث في السجون، بل ستطرق أبواب صف طويل من أقاربه وأقاربها النافذين الذين لعبوا دوراً كبيراً في إلحاق المأساة بها وبأسرتها.
كما سيكشف السرد لنا أن شقاء الأم من أجل سلامة أسرتها المكونة من أربعة ذكور وثلاث إناث كان أكبر كثيراً من معاناتها في البحث عن الأب. فقد تم استهداف أبناء الأسرة من أجل إبعادهم عن التفكير بماضيهم، ومن أجل إقناعهم بأن ضرورات الواقع الجديد كانت تقتضي التخلص من أبيهم.
هكذا عانت الأم من ويلات الخيانات وتخلي الأقارب عنها والهلع تجاه ما يمكن أن يحدث لأبنائها.
نحن إذن أمام نصوص وثائقية، منسوجة بلغة فنية عالية تجمع بين بساطة السرد واكتنازه بالعواطف الجيّاشة حتى المكان عدن وصنعاء والكود وبالذات حي المعلا الذي نشأت فيه الكاتبة وعاشت تفاصيل طفولتها وصباها بين جنباته يحضر موثّقاً بشكل نوستالجي عال يضفي على السرد شجناً يعمق الألم ويوسع دائرة التفتيش في الذاكرة، لكنه يحيي المكان ويستحضر أجمل ما فيه في الآن نفسه.
"هذه المعلا الجميلة وناسها الأجمل كانت مقسّمة حوافي، وكل حافة لها اسم، وكل الناس تعرف بعضها، خاصة الأقران في المدارس يعرفون بعضهم البعض والمحلات مشتركة للجميع فدكان باموسى ودكان باوزير ودكان باعوشة من أشهر دكاكين المعلا والثلاثة في حافتي أنا، ودكان باحكيم في الشارع الرئيسي، وهي بالمناسبة كلها دكاكين حضارم (بقالات)، والمقلاية كانت أشهر مقلاية في حافتنا وكل أصحاب المقلاية من تعز والفرن الشهير فرن شاهر كان في حافتنا، فحافتنا كانت سنتر الحي كله، وما كنت أعرف هذا حين كنت صغيرة، أما المساجد ففي حافتنا اثنان، مسجد الصومال "للصلاة البطيئة" ومسجد الفقيه نعمان "للصلاة السريعة".
حضور الحافة بألقها وجمالها سيشكل ضدية دائمة للسجون التي تزورها الأم باستمرار، وحضور الأقارب الذين ساهموا في مأساة الأسرة سيشكل ضدية دائمة للجيران الطيبين "كانت عمارتنا الخضراء أشبه ما تكون بنموذج مصغّر لمدينة عدن، عدن بتنوعها المبهر تتمثل إلى حد كبير في عمارتنا، ليس التنوع وحده، بل مدنية عدن وتعايشها وتحضّرها، في هذه العمارة كان الدور الأول تسكنه عائلة حضرمية تجاورها عائلة من الحجرية، أما الدور الثاني فتسكنه عائلة من كمران بجوار عائلة من تعز، فيما تسكن الدور الثالث عائلة جنوبية من كل الجنوب بجانب عائلة من زبيد.
كنا مثالاً مصغَّراً لمدنية عدن حافتنا الحبيبة أيضاً وبشكل أوسع يسكنها خليط من حضرموت وأبين ويافع وتعز والهند والصومال وتهامة والبيضاء. كنا متآلفين متحابين متراحمين، ورغم أن حياتنا بحكم طبيعتنا كبشر لم تكن تخلو من اختلافات ومنغصات أحياناً، لكنّ ذلك كان دائماً يأتي بشكل عابر، كل سلبي يزول وتبقى المحبة دائمة، وتبقى الحافة هي الحضن الأوسع لنا".
المزاوجة بين السرد السيري والوصف القصصي بموازاة التضمينات التاريخية والإشارات السياسية المرتبطة بزمن الحدث ترتفع بأهمية الكتاب وتعلّي من قدره، على أن عمليات ما يمكن أن نسميه منتجة اللحظات والوقائع في إطار شاهق من الإدانات الدامعة لكل لحظة ولكل واقعة ترتفع هي أيضاً بالسرد مرات كثيرة إلى مصاف الشعر.
رواية يمنية
إلى كل أسرةٍ توجّعت كأسرتي

وبنظرة شمولية إلى الكتاب بدءاً من عتبته الأولى "أين أبي" تتضح الرسالة فالسؤال يتحول إلى همّ وجودي لا ينقطع، ومن خلال المتن السردي الكامل تتكشف التداخلات: الاجتماعية – السياسية – الفكرية؛ التي باكتشافها نمسك العمود الفقري للعمل.
من جهة أخرى فإن حضور الجانب التفاعلي بوصفه موجهاً للنصوص سيعتبر سمة أخرى في المكتوب، وهي سمة تؤشر على المدى الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على كتاباتنا اليوم، لقد نشرت الكاتبة قرابة 90% من نصوص لوحات الكتاب على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.
وكان الإقبال على قراءتها واسعاً كما تضمن التفاعل معها سيلاً هادراً من المقترحات والوثائق والاستحضارات الخاصة بالأوجاع الموازية وكلها كانت تدفع بالسرد إلى اتخاذ منحى علائقي واسع يتلمس فيه القارىء شيئاً من الكاتبة، مقابل ذلك تتلمس الكاتبة شيئاً من القارىء.
وإذن فإن النص الذي بين أيدينا اليوم هو بوجه ما نص جدلي تبادلت فيه الكاتبة مع القارىء الرؤية والموقف والتذكر والتذكير؛ على سبيل المثال هناك ثلاث لوحات بطلها المسلماني وهو إسكافي طيب ومثقف من أصل يهودي كان يسكن نفس الحافة "الحارة" التي تسكنها الكاتبة في المعلا بعدن، تعلق الإسكافي بالطفلة الساردة وتعلقت به حد أنه طلب منها أن تناديه "أباه" – يا أبي -، لكن علاقتها به استهدفت من قبل الأسرة المشبعة بالحس القومي والشحن الإعلامي الممنهج من قبل إذاعة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في عدن آنذاك حيث اعتبرت علاقة الطفلة بالمسلماني خطأ كبيراً فهو يهودي يقتل الفلسطينيين، الطفلة التي تعتبر نفسها منذورة للقضية الفلسطينية أقدمت بشكل دراماتيكي على قطع علاقتها بالمسلماني الذي أجبرته الصدمة على الاختفاء من عدن. وعندما نشرت اللوحات الثلاث الخاصة بالمسلماني شهدت تفاعلاً واسعاً تخللتها مناشدات من أجل البحث عنه.
على هذا النحو يتآزر الوعيان الذاتي والجماعي، ليلعبا دوراً حاسماً في تشكيل النص، وفي طريقة التفكير فيه، قيمة النص – أي نص إبداعي – تأتي من أصالته من رصيده في الذات وفي الواقع، من ضديته وانتمائه في الوقت نفسه.
وهكذا فثمة مواقف كثيرة يحضر الأب المخطوف فيها بطريقة أو بأخرى تنتقل المؤلفة إلى صنعاء للدراسة، وذات يوم تذهب إلى محل اتصالات لتهاتف أمها في عدن، أثناء انتظار دورها تتعارف مع امرأة كانت تنتظر تلك المرأة خطف أبوها أيضاً، وهي تفتح للمؤلفة باباً للبحث عن أبيها في مستشفيات المجانين وبين مشردي الشوارع فهؤلاء كان معظمهم من المخطوفين وهم يعانون تبعات التعذيب النفسي والجسدي.
ومرة يتواصل معهم قريب لهم في الخارج ليقترح عليهم البحث في سقطرى، وهكذا حتى نصل إلى الخاتمة وهي ذروة الكتاب حين تكتشف المؤلفة عن طريق إحدى زميلاتها في الجامعة أن بحث الأسرة عن الأب كل تلك السنوات كان جرياً وراء سراب بقيعة، فقد تمت تصفية الأب مباشرة بعد خطفه بإلقائه مكمماً ومكتفاً من أعلى بناية في المعلا.
أثناء السرد تحضر ذات الكاتبة واضحة غير متخفية بدءاً من العنوان "أين أبي" ثم الإهداء "إلى كل من حُرم من أبيه مثلي، إلى كل أمٍ عانت كأمي.
إلى كل أسرةٍ توجّعت كأسرتي – جهاد".
وهكذا يتوالى حضورها من خلال كونها الراوي بضمير المتكلم، ومن خلال مخاطبة الشخصيات المسرودة لها باسمها حتى نهاية الكتاب "كنت هادئة أكثر من اللازم، هدوئي أخافها، لم تكن تعلم أن الضجيج الذي في داخلي يكفي العالم كله، كان في داخلي أبي يصرخ.. كان يتألم، كان حزيناً، وحيد اً ومقهوراً، كان أبي في داخلي أراه يسقط من سطح العمارة، وأنا لا أستطيع أن أمنع سقوطه، أن ألتقطه أو أحتضنه أو أمسح الدم والتراب عن جبينه، أن أقبّله وأقول له: أحبك يا أبي. أنا ابنتك جهاد".
لقد كان هدف الكاتبة حرق ركام هائل من الألم اختزنته ذاكرتها وامتلأ به وجدانها سنوات طويلة، لكن الهدف الأكبر كان رسم صورة أبيها الذي لم تره وإدانة من حرموها منه، والهدف الأهم إنصاف أمها الشجاعة المكافحة وتخليد صراعها من أجل استعادة زوجها، ولعمري فقد نجحت الكاتبة في كل ذلك، فالكتاب أغنية للمكان "المعلا" وصرخة في وجه الظلمة والايديولوجيات المدججة بالجهل والطيش والعمه الزائد عن الحد.

علوان الجيلاني











يتشكل العالم الروائي للروائية زينب عفيفي بعيدا عن صخب التشوه الذي يجتاح الحياة اليومية لعالمنا، حيث تذهب إلى حيوات نقية وشفافة تقيم بين ظهرانيها وتمارس حياتها بنقاء وشفافية فريدة، وينعكس هذا العالم على سردها ولغتها وتجليات مخيلتها. وفي روايتها الأخيرة "أحلم وأنا بجوارك" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية تنسج سيرة وعلاقة جمعت بين أم فقدت بصرها في مطلع شبابها لكنها لم تفقد شغفها بالأدب والموسيقى والفن، وابنتها التي ورثت عنها هذا الشغف حتى باتت حياتها تتقاطع مع حيوات وأفكار شخصيات الأعمال الروائية وكتابها، تقيمان في ضاحية المعادي التي تتميز بهدوئها وجمال تخطيطها العمراني، وفي بيت عامر بالكتب والأعمال الموسيقية الشهيرة.
تسرد عفيفي روايتها بروح شاعرية تؤمن بقيم الجمال والحب والإنسانية، ويتجلى ذلك على مفردتها المنتقاة بعناية وبنية جملتها الناعمة والراقية في كافة أحوالها، والتي تتحاور وتشتبك مع عوالم ومخيلات وكتابات روائيين وكتاب مختلفي أساليب السرد والرؤى والأفكار، دون أن تفقد خصوصية نسيج بنيانها اللغوي.
تغزل عفيفي خيوط عالم روايتها بذكاء وهدوء ودون تعقيد مغلبة الإشارات والإيحاءات في انتقالاتها بين الواقع المعاش والحلم والذاكرة، هذا الثلاثي المتصارع داخل شخصياتها المتأججة بالمشاعر والأحاسيس، والمفتونة بالمعرفة والإبداع، والذي يشكل الحب مركزه الدرامي الرئيسي. فالحب هنا هو البطل الفاعل والمحرك لمسار الرؤية بكل ما يتوهج داخله من أحلام وتخيلات وآمال وتحديات، هو مركز الدائرة منه تتوالد الخيوط التي يتم غزلها، ودونه لا يمكن أن نرى لملامح الشخصيات وما يعتمل بداخلها. هذه الشخصيات التي تتشظى ملامحها في ثنايا الحكي ولا يمكن الوقوف عليها مكتملة إلا بعد الانتهاء من الرواية.


حددت عفيفي الزمن والمكان، فالزمن هو الحالي المعاش وإن تخلله أزمنة أخرى ترتبط بذكريات الشخصيات، والمكان هو بيت عتيق في حي المعادي بني من أحجار بيضاء ويضم حديقة صغيرة بشجرتين ياسمينة بيضاء وارفة ونخلة سامقة بلا طرح "كرمز للأم الحنونة والابنة التي لم تتزوج" ويحتوي البيت علي مكتبة زاخرة بالكتب من رواية وفكر وعلم نفس "إرث الابنة عن جدها"، أما الزمان والمكان فكلاهما يحمل بعدا ودلالة مناقضة لبعد ودلالة الآخر، فالزمن المعاش زمن مشوه بفوضى زحام المارة والسيارات وعلامات المرور المعطلة والعبور بالاتجاه المعاكس، زمن لا يحتفي بالثقافة والمعرفة، أما المكان فإن تركيبته تؤكد على أصالة ما يحتضن من وجوه الجمال والفن سواء فيما يتعلق بعمارته أو الشخصيات الكائنة فيه أو احتفائه بالثقافة والفن.
الشخصية المحورية التي تروي عفيفي روايتها على لسانها وتنسج خيوطها من خلالها هي "مي عبدالحميد" الابنة العاشقة للقراءة عامة وقراءة الروايات والقصص والحكايات خاصة، حيث ترى أن "الروايات بإمكانها أن تشفينا من أوجاعنا وتساعدنا على فهم الحياة، وبعضها قادر على تنويرنا ومنحنا حياة أرحب"، تحلم بالزواج عن حب فـ "الزواج الذي لا يأتي عن حب من الأفضل ألا يأتي أبدا"، وعلى الرغم من أنها تحلم كل ليلة بالأمير الذي يمتطي حصانه الأبيض ليمنحها قبلة الحياة لكي تصير أميرته، إلا أن طريقة حياتها المثالية والمنضبطة، والتي تتمحور حول رعاية أمها "راجية" وقضاء احتياجات البيت، والقراءة والعيش في حيوات الروايات والذهاب إلى مكتبة الحي لمتابعة الجديد، تحول بينها وبين الاحتكاك المباشر مع الصخب المتشوه الذي طال العالم من حولها، لذا ما أن تمر وتلمح الكاتب والصحفي "سليم علوان" بينما يوقع روايته الأخيرة "سأحبك للأبد" في أحد المولات، حتى تغرم به. تشتري الرواية لتبدأ العيش مع بطلتها وترى أنها تشبهها حد التطابق بل إنها هي، حتى لتذهب لاستحضاره ـ سليم علوان ـ في حلمها ومخيلتها تحاوره وتناقشه، وتتساءل "كيف استطاع أن يصف أحاسيسي بهذه الدقة وكأنه يعرفني؟ هل كتب الرواية من أجلي؟ أم أنه كتبها لامرأة تشبهني؟".
أما الشخصية الثانية فهي الأم "راجية منصور" التي حلمت أن تكون كاتبة لكن صدمتها في حبيبها وخيانته لها دفعها مضطرة إلى أن تتزوج من رجل آخر، والتي تفقد بصرها في الثلاثين من عمرها رويدا رويدا بينما ابنتها الوحيدة لا تزال صغيرة، والتي تشعر بخيانات زوجها "زير النساء"، لكنها لا تحاول البحث وراءه وإثبات ذلك وتفضل التزام الصمت، وتعكف على تربية ابنتها معتبرة إياها محور حياتها، فتمنحها محبتها للكتابة والأدب والفن والموسيقى، وتتواصل معها بكامل حواسها الجسدية والروحية والنفسية حتى لا نكاد نرى فقدانها لبصرها في ردودها وحركتها مع هذه الابنة، تقول لابنتها بينما تستعد الأخيرة للقاء "سليم علوان" الحبيب الذي غدر بها "لا أريد شيئا، كل ما في الأمر أنني أحببت أن تكوني أنت ولست أنا"، وتقول الابنة بينما تقلب رسائل وصور أمها التي تخص علاقتها بـ "سليم علوان" "من المؤكد أن بصيرتها ظلت مضيئة في أعماقها لتعايش ذلك الحب الذي لم تنطفئ جذوته".
الشخصية الثالثة هي شخصية الروائي والمثقف والمفكر الشهير سليم علوان المحسوب على الدولة، والذي يبلغ من العمر سبعين عاما، آخر أعماله رواية "سأحبك للأبد"، يكتب الرواية التاريخية والقصص والمقال، ويشوب تاريخه الروائي الانتقادات والشكوك، حتى ليتهم بسرقة إحدى رواياته، يرتبط بعلاقة حب مع الأم "راجية" أثناء المرحلة الجامعية ويتبادل معها الرسائل والتقاط الصور التذكارية. ما إن تراه "مي" الراوية والشخصية المحورية حتى يتجسد لها في كل غفواتها وخيالاتها وأحلامها، تعيشه بكل مشاعرها، تناقشه وتحاوره وتتمناه، حتى تعترف الأم لها تحت الضغط والإلحاح في الحديث عنه ولقائه. إنه الحبيب الذي غدر بها، لكن "مي" تواصل لقاءه حتى ليقع في غرامها ويطلبها للزواج، ويتجرأ بالقول لها "أحببتك في "راجية منصور" كما أعيد حبي لـ "راجية منصور" فيك أنت" دون أن يعلم أنها ابنة راجية نفسه!
رواية مصرية
زمن لا يحتفي بالثقافة والمعرفة

بخلاف هذه الشخصيات الثلاثة لا تشكل الشخصيات الأخرى في الرواية سوى مجرد جسور وصل، كشخصية الأب "عبدالحميد شعبان" الذي يموت إثر حادث أليم، ود. علي بسيوني مدير مكتبة المعادي، لكن تظل شخصية "محمد متولي" أمين المكتبة التي تستعير منها "مي" الكتب هي الشخصية الأكثر حضورا وفعلا بعد الشخصيات الرئيسية، هو رجل ستيني قارئ ومتابع جيد لأحدث الاصدارات، تنسجم تركيبته الفكرية مع القيم الإنسانية الراقية التي تدور في فلكها الرواية، وتتمثل علاقته وحواراته مع "مي" بعلاقة أب مع ابنته، يجد لها وظيفة في مكتبة المعادي "قارئة روايات"، الأمر الذي يفتح لها الطريق إلى اللقاء وجها لوجه مع "سليم علوان".
الرواية حافلة بالمعرفة والثقافة ليس على مستوى تماس نسيجها مع الكثير من كبار الروائيين وأعمالهم الإبداعية الشهيرة، ولكن أيضا على مستوى توظيف هذا التماس في بنية الشخصيات والتحليلات والحوارات والتصاعد الدرامي للأحداث. إنها رواية بديعة في عمقها الإنساني والجمالي، كتبتها زينب عفيفي بصفاء ونقاء ووعي ثقافي ومعرفي ثري وذلك دون افتعال أو تعال.
يذكر أن زينب عفيفي كاتبة صحفية ـ مدير تحرير أخبار اليوم، صدر لها روايات "شمس تشرق مرتين"، و"أهداني حبا"، و"أحلم وأنا بجوارك" روايتها الثالثة، ولها مجموعة قصصية "خمس دقائق"، ترجمت بعض أعمالها إلى اللغة الانجليزية ولها مقال أسبوعي تناقش فيه شئون الأدب والثقافة.

محمد الحمامصي











كشفت الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المهندس علي اليوحة عن جهودا حثيثة يبذلها المجلس لترميم وإعادة تأهيل موقع قصر الغانم (قصر خزعل) التاريخي أحد أهم مشاريع الترميم وذلك لصون التراث الثقافي التي يشرف عليها المجلس.














رحلة نصف قرن من السينما عاصرها عبدالحي أديب منذ انطلاقه مهنيًا عام 1958، عاصر كافة المناخات السينمائية وزامل وعاصر نجوما ومعلمين وأسطوات صناع الفن السابع في جميع المستويات المهنية والحرفية والأداء التمثيلي ونجوم الشباك والتحولات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت السنوات الطويلة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

يقول الكاتب ابراهيم الدسوقي في مقدمة كتابه "عبدالحي أديب بين الكلاسيكية والحداثة": هذا الرجل، وصل إلى محطة السينما المصرية كي يكتب القصة أو السيناريو أو الحوار، جاء ووجد كوكبة من نجوم هذا الحقل الراسخ الأقدام منذ زمن، وجد هناك يوسف جوهر، أبوالسعود الإبياري، علي الزرقاني، نجيب محفوظ، السيد بدير كتبوا النص السينمائي، كل شيخ وله طريقة وشكل وطعم ورائحة وروح ومنهج، فأين موقعه من هؤلاء؟ وكيف استفاد من ذلك لإيجاد شكل وإيقاع مميز وخاص به..

وبالتالي انعكست أفكاره عبر النصوص السينمائية، التي شكلت ملامح سينما عبدالحي أديب وتميزها، خاصة في قدراته على اختيار عنصر المكان وانعكاساته على الإنسان وسلوكياته والمحركات النفسية والإنسانية والحياتية بما فيها من شهواته في دفع العمل إلى الأمام.

انعكست أفكاره عبر النصوص السينمائية، التي شكلت ملامح سينما عبدالحي أديب وتميزها، خاصة في قدراته على اختيار عنصر المكان وانعكاساته على الإنسان وسلوكياته

وكيف ساهم في استيعاب مفردات اللغة السينمائية فى اختزال التحولات السياسية والاجتماعية وضخها في القوالب والتيارات السينمائية المختلفة خلال رحلة العمل الطويلة، مع اعترافه وقناعته بأنه استوعب درس علاقته مع الجمهور منذ بدايته الأولى، حتى لو صار يفصل ما هو المطلوب منه أكثر مما هو مدفوع بهواجس ما يدور من حوله، فقد ذهب أحياناً إلى مناطق لا تقنعه أو قدم مواقف لا تعنيه، فقد وضع في ذهنه اعتبارات هامة ألا وهي الجماهير، وحين يجد أن معادلة الجماهير وصلت إلى نصه السينمائي، فقد كان يعمل على أن يتضمن النص ما شاء من أفكاره ورؤاه.


ويرى المؤلف أن الاعتبارات الجماهيرية خلقت حلقة وسلسلة أكثر من رائعة في التواجد وتكوين شبكة من الأفلام التي يمكن أن نطلق عليها أفلام الحركة من خلال الثلاثي الأشهر في السينما المصرية – والذي لم يتكرر ثانياً – ألا وهو نيازي مصطفى المعلم والفنان والرائد، واثنين من التلاميذ في ذلك الوقت، الذي أخذ بيد كل منهما وصار كل واحد منهم أستاذاً ونموذجاً في مهنته ساهم في تكوين النص السينمائي لدى عبدالحي أديب وأعاد صياغة فريد شوقي فكانوا نقطة تحول في السياق العام للسينما المصرية، ثم أضيفت إلى هذه المجموعة سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني فصارت المجموعة رباعية تارة وثلاثية تارة أخرى، لكن شكلت ملامح سينما كوميدية تجاورت حدود سنواتها فعاشت حتى الآن، فكان الهدف الأساسي إمتاع الجماهير والاستجابة لرغباته وميوله بقدر استمتاعه هو.

ويؤكد المؤلف أنه بقدر ما كانت الكتابة السينمائية هي الشغل الشاغل، والتواجد الفني خلال سنوات التحولات الفكرية والمتغيرات السياسية من حول عبدالحي أديب، إلا أنه قدم نفسه خلال كل فترة طارحها ما يغوص فيه المجتمع من حوله، بفكر شاب وعقل رحب مستوعباً المتغيرات الحياتية، ووسط هذا كله كانت له من الإسهامات النقدية والفنية ومحاولة إعلاء شأن مهرجان الإسكندرية للبحر المتوسط وخدمته وتقديم شكل مغاير مع أصدقاء وزملاء وشباب المدينة الذي آمن بهم سنوات ودفعهم إلى مقدمة العمل، وساهم في تكوين جمعية الفن السابع – آفاق الفنون – بعد أن كانت زمننا جماعة سينمائية وصار لها لقاءات سنوية بحد أدنى شهر في صيف الإسكندرية .

يقول المؤلف من واقع معرفته ومعايشته الفنية لعبدالحي أديب في لقاءاته وندواته "حاولنا أن ننهل من ذكريات هذا الرجل، ودائماً ما كنا نشحن ذاكرته بأسماء وأعمال وسنوات مجد ورواد رحلوا عن عالمنا، وكأن هو كتاب مفتوح يفيض بما لديه دون بخل مستمتعاً بذكريات الماضي الحميم وحكاياته، التي لا تنتهي، والتي تؤكد خير هذه الصحبة، وعالم من العلاقات الحميمية لم ينفرط عقده ويرحل منه عملاق بعد آخر، لتبقى السيرة أطول من العمر".

كتاب "عبدالحي أديب بين الكلاسيكية والحداثة" للكاتب ابراهيم الدسوقي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.











بعد اعمال التنقيب التي قامت بها البعثة الكويتية البولندية في جزيرة فيلكة، أعلنت رئيسة البعثة د.اغنيسكا بينكوسكا عن اكتشاف مبنى مربع ضخم لمسجد نموذجي في قرية (خرائب الدشت) الواقعة في جزيرة فيلكا، موضحة أن الفريق يقوم حاليا بالتنقيب في المبنى المربع.






arrow_red_small 6 7 8 9 10 11 12 arrow_red_smallright