top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
النحت على قشر البيض.. إبداعات للفنان الكويتي صباح أسد
يبدع الفنان الكويتي صباح أسد في مجال النقش على قشر البيض منذ سن الـ15 إذ يعد من القلائل الذين يمارسون هذه الهواية المميزة والدقيقة. يستخدم الفنان أسد مجموعة من الأدوات التي تساعده في إنجاز وتقديم أعماله منها المثقاب الخشبي والمثقاب الذي يستخدمه أطباء الأسنان فضلا عن الريش الناعم. ونظرا إلى قابلية قشر البيض إلى الكسر بسهولة عمد الفنان الكويتي إلى ابتكار مادة من شأنها المساهمة في حمايته من التلف أو ...
5 أسرار من خزانة ملابس ملكة انكلترا
كشف كتاب لواحدة من أقرب مساعدات الملكة إليزابيث الثانية عن مجموعة من الأسرار الخاصة بالأزياء الملكية. وووثقت أنغيلا كيلي مشاهداتها خلف الستار، خلال سنوات من العمل لدى ملكة انجلترا كصانعة ملابس وأحد أصدقائها المقربين. ووافقت الملكة بنفسها على إصدار الكتاب، الذي يحمل عنوان "الوجه الآخر للعملة: الملكة والحائكة وخزانة الملابس" وهو إجراء غير معتاد. يأتي في ديباجة الكتاب أن "الملكة منحت أنغيلا موافقتها ...
ما سر الهوس العالمي بمقبرة توت عنخ آمون؟
عندما فتحت مقبرة توت عنخ آمون في عام 1922، خلبت ألباب العالم بأسره وتعلقت بها الأنظار. ويرى علماء الآثار اليوم أن سر الهوس العالمي بتوت عنخ آمون يكمن في احتفاظ المقبرة بكامل محتوياتها من كنوز فريدة، على عكس المقابر الأخرى التي تعرضت للسلب والنهب، وفي الغموض الذي أحاط بمصير الفرعون الشاب واللورد كارنارفون، الثري الإنجليزي، الذي موّل أعمال الحفر. وفي الوقت الذي يستعد فيه قاعة ساتشي للفنون بالعاصمة ...
المسيرة الخضراء.. دعوة الحسن الثاني التي انتهت بإعلان الجمهورية الصحراوية
خاطب ملك المغرب الراحل الحسن الثاني الشعب المغربي في مساء 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975، داعيا إلى خروج 350 ألف متطوع في مسيرة للسيطرة على الصحراء الغربية، المتنازع عليها مع موريتانيا. جاء الخطاب في نفس اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية قرارا استشاريا، قالت فيه إنه رغم ثبوت روابط تاريخية بين القبائل التي تسكن المنطقة وملوك المغرب، عبر الولاءات وتقديم البيعة، "إلا أن ذلك لا يثبت السيادة المغربية أو ...
بيع لوحة مُهملة في مطبخ امرأة بملايين الدولارات
بيعت لوحة للفنان الإيطالي تشيمابو، في مزاد بفرنسا، محققة سعرا قياسيا بلغ 24 مليون يورو (26.6 مليون دولار). وكان من المتوقع أن تباع لوحة تشيمابو، وهو من رسامي عصر ما قبل النهضة، بنحو ستة ملايين يورو، ولكن السعر الذي بيعت به في المزاد فاق التوقعات بصورة كبيرة، إذ حققت أكثر من أربعة أضعاف السعر المتوقع. واكتُشفت لوحة "كرايست موكيد" (Christ Mocked) ، والتي تعود إلى أواخر القرن الثالث عشر، في مطبخ امرأة مسنة في بلدة ...
لماذا تنقل اسبانيا رفات الديكتاتور فرانكو؟
على مدار عقود، كان موقع قبر الديكتاتور الراحل الجنرال فرانسيسكو فرانكو محل جدل كبير. لكن الفصل الأخير في هذه القصة أوشك على الانتهاء، إذ تقول الحكومة إنها ستستخرج رفاته يوم الخميس، وتنقله إلى مقبرة في العاصمة مدريد. فلم تصاعدت المطالب بنقل رفاة فرانكو؟ ولم أثار الأمر كل هذا الجدل؟ القصة في مئة كلمة حكم فرانكو أسبانيا منذ عام 1939، حتى وفاته عام 1975. ودُفن في ضريح ضخم يحمل اسم "وادي الشهداء"، في ضواحي ...










في 31 أغسطس/آب 1290 أصدر ملك انجلترا إدوارد الأول أمراً بطرد كل اليهود من بلاده واصحب أول بلد يقدم على هذا الإجراء في أوروبا قبل إسبانيا بثلاثة قرون، فكيف تم ذلك؟

وصل اليهود إلى انجلترا في عام 1070 بدعوة من ويليام الفاتح الذي كان بحاجة لاقتراض المال لتنفيذ برنامجه الخاص ببناء القلاع والكاتدرائيات، ولأن التعاليم الكاثوليكية لا تسمح للمسيحيين بالإقراض بفائدة فقد تم تشجيع اليهود على المجيء للعمل في هذا المجال حتى يستطيع اقتراض المال الذي تحتاجه حكومته.

وفي الوقت الذي تحول فيه بعض اليهود المقرضين مثل آرون من لينكولن وليكوريتشيا من أوكسفورد إلى أشخاص فاحشي الثراء فإن الكثيرين من اليهود عملوا في مهن مختلفة داخل طوائفهم بداية من الطب وليس انتهاء بتجارة السمك، وكانوا يعيشون في أنحاء عديدة من ويلز وانجلترا حيث يمارسون طقوسهم في بعض الأحياء الكبيرة.

وكان من المسموح لليهود الاختلاط بحرية مع بقية السكان وكان الملك هنري الأول قد منحهم "ميثاق الحريات" والذي يعني أنه كان من حقهم دخول قلاع الملك بأمان لو شعروا بالخطر، لذلك كان أغلب السلكان يشعرون أحيانا أن اليهود في صف الحاكم.

وكان على اليهود دفع ضرائب أعلى من غيرهم مقابل حماية من قبل التاج.

ويصعب الحصول على صورة كاملة لحياة اليهود في انجلترا في القرن الثالث عشر إذ لا توجد أي مواد مكتوبة وإن ظهرت أسماؤهم في بعض سجلات الضرائب والوثائق القانونية، كما أن هناك بعض المباني المسجلة بأسمائهم مثل بيت اليهود في لينكولن وبقايا حمام الطقوس في بريستول.
العداء للسامية

ولكن نزعة العداء للسامية تصاعدت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر اللذين شهدا العديد من الاعتداءات عليهم.
Image caption قلعة بيورك شهدت مذبحة ضد اليهود عام 1190

فمع صعود الصليبيين تزايد العداء ضد الأديان الأخرى الغير كاثوليكية وتزايدت الهجمات ضد اليهود والتي أثارها أحيانا رجال دين اتهموا اليهود بالمسؤولية عن قتل المسيح.

وعندما كانت الأوضاع تزداد صعوبة في البلاد يؤخذ اليهود، باعتبارهم أقلية دينية، ككبش فداء ويلقى باللوم عليهم.

وفي ما ازداد اعتماد التاج في انجلترا على البنوك الإيطالية قل الاعتماد على أثرياء المال اليهود وبالتالي قلت الحماية الممنوحة لهم وبالتدريج انقلب عليهم الملك.

وفي عامي 1189 و1190 وقعت مذابح عنيفة ضد اليهود في لندن ويورك.
قتل طفل

وفي عام 1255 جرى اتهام يهود لينكولن بتعذيب وقتل طفل انجليزي في طقوس دينية. وقد اعتقل الملك هنري الثاني 93 من اليهود المحليين وأعدم 18 منهم.

وفي العام التالي فرضت قيود عديدة على اليهود الذين باتت حياتهم في خطر بشكل متزايد.

وفي عام 1260 فرض الملك هنري الثالث ضرائب كبيرة على اليهود مما أجبرهم على مطالبة الناس برد القروض مما أثار مشاعر عدائية كبيرة ضدهم فاندلعت أعمال شغب مناوئة لهم قتل فيها المئات من اليهود وأحرقت الوثائق التي تثبت الأموال التي يدين الناس بها لهم.

وفي عام 1275 أصدر الملك إدوارد الأول قرارا يحظر على اليهود الحصول على فوائد مقابل القروض بل وأعفي المقترضين منهم من رد الديون.

وقد أكسب هذا القرار الملك شعبية، ولكنه كان كارثياً على اليهود الذين دخل أغلبهم دائرة الفقر المدقع.

كما فرض إدوارد الأول على اليهود ارتداء شارات صفراء، ولم يسمح لهم بالعيش إلا في عدد قليل من المدن.

وكان إدوارد الأول يريد من اليهود اعتناق المسيحية وهو الأمر الذي استجاب له قلة منهم ولكن الغالبية رفضت.

وفي عام 1290 أصدر إدوارد الأول مرسوما بطرد من تبقى من اليهود من انجلترا وكان عددهم يقدر بنحو 3 آلاف أجبروا على السير إلى الشاطئ الجنوبي وعبور البحر إلى أوروبا كلاجئين وقد مات الكثيرون منهم في الرحلة.

وظل بعض اليهود في انجلترا كمسيحيين وقد استغرق الأمر نحو 4 قرون حتى استطاع اليهود العودة لإنجلترا.
أثر اليهود

وكان أثر اليهود واضحا في عهد وليام الأول وخلفائه حيث استطاعوا تشييد العديد من القلاع والكاتدرائيات والكنائس بالأموال التي اقترضوها منهم كما استخدم الملوك المال أيضا في دفع أجور الجنود ومد نفوذهم إلى شمال فرنسا.

كما شهدت المدن التي استقر فيها اليهود ظهور مشاريع محلية بفضل القروض التي قدموها.

وكانت لقصة قتل الأطفال المسيحيين في طقوس يهودية والتي انطلقت من انجلترا وانتشرت في أوروبا أثرها في تعرض العديد من اليهود للقتل، وكانت انجلترا هي أول بلد يجبر اليهود على ارتداء شارات صفراء وهو الإجراء الذي قلده النازيون في القرن العشرين.

وبعد أن طردت انجلترا اليهود عام 1290 قلدتها دول أخرى وطردتهم مثل المجر عام 1349 وفرنسا 1394 والنمسا 1421 ونابولي 1510 وميلانو 1597 وإسبانيا 1492 والبرتغال 1497 وغيرها.












اكتشف باحثون في إثيوبيا جمجمة للأسلاف الأوائل للقردة الشبيهة بالإنسان عمرها 3 ملايين و800 ألف سنة تقريبا.

ويتحدى اكتشاف المستحاثة الجديدة الأفكار المتداولة عن كيفية تطور الإنسان الأول من أسلاف القردة الشبيهة به.

وربما يجب إعادة النظر في الفكرة السائدة حاليا، والتي تقول بأن القرد المسمى (لوسي) كان من بين أنواع ساهمت في وجود أول إنسان على الأرض.

ونشرت مجلة (نيتشر) العلمية دراسة عن الاكتشاف الجديد.

وعثر على الجمجمة البروفيسور يوهانيس هيلي-سيلاسي في ميرو دورا، وهو مكان يقع في مقاطعة ميل في ولاية عفار.
وقال العالم، الذي يعمل في متحف كليفلاند للتاريخ الطبيعي في ولاية أوهايو الأمريكية، إنه أدرك على الفور أهمية المستحاثة.

وقال هيلي-سيلاسي لبي بي سي: "ذهلت لما رأيتها وقلت لنفسي: هل أنا فعلا أرى ما أرى؟ وشعرت بالسعادة عندما أدركت أن هذا ما حلمت به".

ويقول البروفيسور إن الجمجمة أفضل مثال لأسلاف الإنسان الشبيه بالقردة، الذي يسمى أوسترالوبيثيكوس أنامنسيس، الذي يمشي على قدمين، وهو أقدم نوع معروف من أوسترالوبيثيكوس الذي ربما يرجع تاريخ وجودة إلى 4.2 ملايين عام مضت.

وكان يعتقد أن أوسترالوبيثيكوس أنامنسيس هو الجد المباشر لأنواع لاحقة أكثر تقدما تعرف باسم أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، وهي بدورها تعد الجد المباشر لأول إنسان وجد على الأرض، ويعرف باسم (هومو)، وهو النوع الذي يشمل بني البشر الموجودين حتى الآن.

وتضمنت بقايا الجمجمة أجزاء منفصلة من الفك والأسنان مما جعل من الصعب فهم خصائص هذا الإنسان البدائي بصورة كاملة.‭

و‬‬‬للجمجمة أهمية حاسمة في التعرف على طبيعة الطعام الذي كان يأكله البشر الأوائل، وحجم المخ وشكل الوجه لديهم.

من هي لوسي؟

اكتشف أول هيكل لأفارينيسيس في عام 1974 وكان العثور عليه مثيرا جدا. وأطلق عليه الباحثون وقتها اسم (لوسي)، وهو الاسم الذي استخدمته فرقة البيتلز في أغنيتها (لوسي في السماء مع الألماس)، التي كان فريق الباحثين يستمع إليها في موقع الحفريات.

وجذبت لوسي، التي عرفت بـ"أول قردة تمشي"، انتباه الناس. ولكن البروفيسور فرد سبور، الذي يعمل في متحف التاريخ الطبيعي بلندن، والذي كتب دراسة نشرت في مجلة نيتشر، قال إن الأنامنسيس "سيصبح أيقونة أخرى في حلقات تطور الإنسان".

ويرجع سبب الاهتمام بها إلى أننا الآن يمكننا القول إن الأنامنسيس والأفارينيسيس تعاصرا من حيث الزمن. ولم يتطور اللاحق عن السابق مباشرة، كما كان يعتقد.

ويرجع هذا الإدراك إلى إعادة تفسير النتائج، لأن المستحاثة الجديدة تحمل بعض الأجزاء التي وجدت في جمجمة اكتشفت من قبل يبلغ عمرها 3.9 ملايين عاما، وتعود إلى الأنامنسيس. ويستطيع العلماء الآن أن يروا أنها في الواقع بقايا الأفارينيسيس، مما يدفع بأصل هذا النوع إلى فترة أكثر عمقا في الماضي.

ويبدو الآن أن النوعين عاشا معا في عصر واحد لفترة لا تقل عن 100.000 سنة.

ولعل ما حدث على الأغلب هو أن مجموعة من الأنامنسيس عزلت نفسها عن البقية، ثم تطورت عبر الزمن إلى أفارينيسيس بسبب تكيفها مع الظروف المحلية. واستمرت المجموعتان تعيشان معا لفترة قبل تلاشي بقايا الأنامنسيس.

وترجع أهمية تلك النتيجة إلى أنها تشير إلى احتمال حدوث تزامن مع أنواع أخرى متقدمة من القردة الشبيهة بالإنسان، ويعني هذا أن هناك عددا من المسارات المحتملة للتطور والمفضية إلى الإنسان الأول، وليس مسارا واحدا.


ويقول البروفيسور هيلي سيلاسي: "كان الأفارينيسيس لفترة طويلة يعد أفضل مرشح لأجداد بني البشر، ولكن هذا لم يعد هو الوضع الآن. إذ يمكننا أن ننظر إلى الوراء الآن وإلى جميع الأنواع التي ربما وجدت في ذلك الوقت التاريخ، وأن نفحص أيا منها لنرى من هو الأكثر احتمالا ليكون أول إنسان".

وقد أصاب ظهور مصطلح "الحلقة المفقودة" علماء الإنسان من الأنثروبولوجيين بالجنون، خاصة حينما يسمعونه من بعض الصحفيين، الذين يستخدمونه لوصف مستحاثة بأن جزء منها قرد وجزء بشر.

ويقول علماء إن هناك حلقات كثيرة مفقودة في سلسلة تطور الإنسان. ويعد الأنامنسيس الأحدث في سلسلة الاكتشافات الحديثة التي تبين أن خط تحدر الإنسان الحديث لم يكن أبدا سلسا.

بل كان أكثر تعقيدا، وأكثر إثارة للاهتمام. إنه يروي حكاية التطور الناتج عن أسلاف "مختلفين" للبشر وجدوا في أماكن مختلفة، فكان بعضهم مرنا وذكيا بدرجة كافية ليقاوم الضغوط الناجمة عن التغيرات في المناخ والبيئة وندرة الغذاء، ويتطور ليصبح جنسنا الحالي.











كتب جورج لوكاتش في رسالة ضمها الكتاب الصادر مؤخرا عن دار المدى العراقية، وترجم فيه نافع معلا ثلاثمائة وخمسين رسالة أرسلها لوكاتش أو أرسلت إليه، وفي إحداها كتب: "وأما أن كتابي حول الدراما قد نال إعجابك، فهذا ما يزيد من سعادتي. وستزداد سعادتي أكثر، حين أتمكن من معرفة ملاحظاتك، أثناء لقائنا في الخريف. إذا ما انكببت على مراجعته، فسوف أتمكن من إنجازه خلال أربعة، أو خمسة أشهر. وسيؤول أمره إلى الإصدار بعد كتاب المقالات. يبدو أن الإصدار مسألة أكثر صعوبة بكثير من الكتابة".

هكذا كتب جورج لوكاتش إلى صديقه الكاتب المسرحي الألماني أرنست باول في 1911، عقب صدور كتابه "تاريخ تطور الدراما الحديثة"، الذي صدر في مجلدين زادت صفحاتهما عن الألف صفحة، ويبين من هذه الرسالة أمرين، أولهما التفاعل مع أغلب فلاسفة ومفكري وأدباء عصره، والثاني هو أنه كان دائم المراجعة لأفكاره وكتبه ومواقفه، وهي السمة التي لازمته طوال حياته، حتى وصفه معاصروه بأنه الباحث الذي لا يكل، وقد قادته تلك المراجعات إلى القيام بانقلابات فكرية بدت غير مفهومة للبعض، فظل طوال حياته مثيرا للجدل.

المثير للجدل

ولعل أول وأكثر جدل أثاره ارتبط باعتناقه للماركسية مذهبا وفلسفة، فلم يكن أحد يتوقع أن ابن الأسرة البرجوازية اليهودية شديدة الثراء، وقد كان والده مديرا لبنك مؤسسة التسليف، وكان واحدا من أهم البنوك المجرية في ذلك الوقت (أبريل/نيسان 1985) يمكن أن ينضم للبلاشفة، بل ويصير واحدا من أهم منظري فلسفتهم خاصة فيما عرف بالماركسية الغربية، تمييزا لها عن الماركسية السوفييتية.

وقد انضم لوكاتش إلى إلى الحزب الشيوعي المجري في عام 1918، لكنّ دارسيه يرجعون ميوله تلك إلى عام 1911، بعد أن أصدر أول أعماله "الروح والأشكال"، الذي ظهرت فيه نظرته الفلسفية والجمالية من خلال دراسات تناول فيها مجموعة من الأدباء والشعراء، والفنانين، ثم انتقل إلى ألمانيا حيث عاش في مدينة هايدلبرج بين عامي 1912- 1917، وهناك فتحت عاطفة عنيفة عينيه إلى الحاجة إلى مزيد من الالتزام الذاتي الكامل. وقد تحول من المثالية إلى الاغتراب، وأرجع دارسوه اغترابه إلى توتر علاقته بأمه منذ طفولته، كما أن الحرب العالمية الأولى ضاعفت من رفضه للرأسمالية، مما أدخله منعطفا فكريا سهل انتقاله إلى الماركسية التي التزم بها حتى رحيله في مدينة بودابست في الرابع من يونيو/حزيران 1971.

وقد طالت المراجعات كذلك أفكار لوكاتش ونظرياته عن الأدب والفن، فقد أدت التطورات الفكرية التي شهدتها أوروبا وتأثر هو بها شخصيا إلى انتقاله من النزعة الجمالية السائدة في أوروبا في العقد الثاني من القرن العشرين إلى تبني الفلسفة المثالية، كقطب معاكس لمذهب العقلانية العلمية، وكانت دراسته للدكتوراة التي حصل عليها في عام 1906، قد تأسست وفق منهج الكانتية الجديدة، الذي أبعد البحث العلمي المنتظم عن الحقائق التجريبية للعلوم والآداب.
ثم نشر كتابه المهم "نظرية الرواية"، إلا أن لوكاتش وبعد اطلاعه على عدد أكبر من الروايات الصادرة بعد تأليف كتابه دفعته لإعادة النظر في كتابه، في عام 1934، فكتب دراسة بعنوان "تقرير حول الرواية" أثارت جدلا كبيرا.

وفي العام التالي عاد إلى كتابه، مطورا عناصره وأعاد إصداره تحت عنوان مختلف هو "الرواية كملحمة بورجوازية"، أسهم مع كتابه الفكري "التاريخ والوعي الطبقي" في توجيه عالم الاجتماع لوسيان جولدمان نحو ما سمي بعلم اجتماع الرواية .


في عام 1917 غادر لوكاتش ألمانيا عائدا إلى المجر، وقبل مغادرته برلين أودع في خزانة "دويتشه بنك" حقيبة ضخمة، ولم يسع أبدًا لاستعادتها فظلت مجهولة، ولولا أن صدر بعد رحيل لوكاتش كتاب عن حياته، أعده فريتز رداتز، وتناولته الصحافة الألمانية، وتابع أحد موظفي البنك ذلك الحديث الدائر عن الكتاب، وكان يعلم بأمر ملكية المفكر الراحل للحقيبة، فاعتقد أنها تحوي وثائق مهمة، لذلك أعلن عنها ليكتشف العالم، بعد رحيل صاحب "تحطيم العقل"، ألفا وخمسمائة رسالة مرسلة إليه وخمسمائة رسالة كتبها هو لكنها كانت بحوزته، فربما لم يرسلها أو عادت إليه بشكل أو بآخر.
وفيما بعد تم نشر مختارات من الرسائل باللغة الألمانية، وترجمت إلى العديد من لغات العالم ومنها العربية، وتقتصر معظم الرسائل المنشورة على تلك المكتوبة بين عامي 1902 و1917، وأغلب من أبرز المرسل إليهم في هذا الكتاب صديقه الفنان التشكيلي ليو بوبر، ورسائل متبادلة مع المسرحي الألماني باول إرنست، وكذلك رسائل وصلت إليه من مارسيل بندك، ولاسلو بانوتسي، فضلا عن رسائل عديدة من حبيبته الأولى إرما سايدلر.

والرسائل تركز في مجملها على أمور شخصية أو فنية لذلك فهي تعتبر مصدرا مهما للمؤرخين ولكتاب السير الأدبية، كما تكشف الرسائل عن مواقف لوكاتش من قضايا الحرب والسياسة وتطوره الفكري المبكر، ولكنها لا تسهم في الكشف عن أسباب تحوله إلى الماركسية.

وبحسب ما ذكر نافع معلا في المقدمة فإن الرسائل المترجمة تساعد على الوقوف على الخصوصيات التاريخية والثقافية والاتجاهات الفلسفية والنقدية والأدبية السائدة في الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، كما أنها تدفعنا للتساؤل عما إذا كان لوكاتش مفكرا مجرياً حقاً أم أنه مثقف ألماني بالنظر إلى مرجعياته وقراءاته، كما تظهر في المراسلات، وكما يظهر أيضا في مجمل أعماله ومؤلفاته.

لوكاتش عاشقا

بالرغم من مضي قرابة النصف قرن على رحيل جورج لوكاتش إلا أنه لم يزل حاضرا بأعماله ومواقفه التي أثارت جدلا كبيرا، لكن حضور المفكر والسياسي والناقد أخفى حضور الإنسان، ولعل الميزة الأهم لمراسلات لوكاتش تتمثل في كشفه عن ذلك الوجه المحتجب، فالرسائل تضم عددا كبيرا مما كتبته له الشاعرة إرما سايدلر أو مما أرسله هو لها، وتعود أغلب مراسلاتهما إلى عامي 1907، و1908، في إحداها وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 1908، وكانت علاقتهما تشهد أفولها، كتب لوكاتش "ليس بوسع أحد أن يحصي عدد الرسائل التي جهزتها لوداعك الأخير (أنت لم تشائي وداعي. أستميحك عذراً، ورغم ذلك أنا أرغب في وداع، وإن كان بلا صدى). لا تغضبي، فأنا لا أدري إن كنت أعني لك شيئاً، رغم أنك كنت المعنى الوحيد لحياتي". وهي من أطول الرسائل في الكتاب واختتمها قائلا "وأنا ممتن لك شديد الامتنان، على كل ما وهبتني إياه. وأتمنى أن تكون حياتك نشيطة وسعيدة وجميلة كما تستحقينها، وكما تمنيتها لك، ومنحتني في بعض اللحظات إياها".

لكن ذلك العاشق وكما تكشف بعض رسائله كان مقتنعاً بأن الحرب هي "السلام القائم على الوضع الراهن"، وكتب مقالة حول المفكرين الألمان والحرب لم ينشرها، لكي لا تعتبر مساومة سياسية، وتفرغ طوال تلك السنوات للكتابة في الأدب والفن.

أحمد رجب













قامت هذه الدراسة "الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية" للباحث د. أحمد الباز بتتبع مسار العلاقات الإقتصادية والسياسة والأيديولوجية والقانونية والدبلوماسية بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية 1979- 1989، من خلال توضيح شكل الأدوات التى استخدمها كل طرف فى بناء هذه العلاقات، وكذلك دور العوامل الداخلية والخارجية التى أثرت بدورها على نمط العلاقات بين الطرفين أيضاَ، كاشفة أن لدى إيران سواء فى عهد الشاه محمد رضا بهلوى 1941-1979، أو بعد الثورة الإيرانية 1979 رغبة فى إدارة منطقة الخليج، بحيث تكون هى القائد والموجه للسياسات فى هذه المنطقة، فى نفس الوقت الذى لم تكن دول الخليج تتمتع فيه بالقدرة الكافية على التعامل مع هذه الرغبة الإيرانية، وهو ما يمكن التأكد منه فى السهولة التى سيطرت من خلالها إيران على ثلاث جزر إماراتية "أبوموسى- طنب الكبرى- طنب الصغرى".

وقال الباز في دراسته الصادرة عن دار العربي للنشر إن مطلع الثمانينيات شهد حدثين غاية في الأهمية بمنطقة الخليج، أولهما نجاح الثورة الإيرانية في الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي 1979، وتولية النظام الثوري الجديد متمثلاً في شخص أية الله الخميني إدارة البلاد. وثانيهما تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981 وما ترتب على هذا المجلس من تغييرات في أدوات وأهداف السياسة الخليجية تجاه إيران.

وقال: إن مرحلة جديدة بدأت بين الطرفين بعد عام 1979، اختلفت فيها أدوات إدارة السياسات. حيث انتقلت إيران من التعامل إنطلاقاً من رؤية علمانية تعتمد على الماضي العريق للإمبراطورية الفارسية في التعامل مع مشيخات الخليج، إلى التعامل مع دول مجلس التعاون إنطلاقاً من رؤية إسلامية عموماً ومذهبية خصوصاً. بينما انتقلت دول مجلس التعاون من مرحلة التردد والضعف في علاقتها مع إيران إلى مرحلة تتسم بكونها أكثر جرأة نظراً لشعور هذه الدول بالقوة نتيجة انخراطها في تكتل واحد، وهو مجلس التعاون لدول الخليج العربية.


ورأى الباز أن النظام الإيراني اعتبر أن ثورته "عالمية"، لا تتوقف أحداثها في إيران وفقط، بل إعتبر أن ما حدث في إيران إنما هو نقطة البداية لثورة تطال كل دول العالم الإسلامى. بُناء على هذه الرؤية كان من الطبيعي أن تكون دول مجلس التعاون الأقرب جغرافياً لفكرة تصدير الثورة الإيرانية، حيث استخدمت إيران العديد من الأدوات في محاولة نشر الزخم الثوري في دول مجلس التعاون عبر العديد من أدوات القوة الناعمة، سواء شيعة الخليج أو الإعلام الموجه، وهي السياسات التي أثرت سلباً على الوضع الأمني والطائفي لشيعة مجلس التعاون، عندما أعتبرتهم هذه الدول الست أنهم أدوات إيرانية، فسعت إلى تضييق الخناق عليهم والتصدي لأي تحركات تقوم بها المكونات الشيعية خصوصاً في البحرين والسعودية والكويت.

وأكد أن الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 ساهمت فى الإنتقال بالعلاقة بين الطرفين إلى حالة أكثر توتراً، عندما طالت نار الحرب دول مجلس التعاون الخليجي. حيث تعمدت إيران معاقبة دول المجلس لتقديمها يد العون للعراق، وكانت أكثر مراحل هذة الحرب سخونة هي ما عرفت بحرب الناقلات، والتي فتحت الباب إلى التدخل الأميركي في الخليج جراء إستدعاء دول المجلس عموماً والكويت خصوصاً للحماية الأميركية من الإعتداءات الإيرانية، فيما عُرف بسياسة رفع الأعلام.

كما أثرت الحرب سلباً على الحالة الإقتصادية لكل من إيران ودول مجلس التعاون، وكذلك على شكل العلاقة الإقتصادية بينهما، خصوصاً في ظل كونهما نظامين حديثي العهد، حيث إن كلا الطرفين يعتمد بنسبة كبيرة على النفط في بنيتهم الإقتصادية، وهي البنية التي تأثرت جراء تهديد ممرات الملاحة في الخليج والتي تعبر من خلالها ناقلات النفط من وإلى إيران ومجلس التعاون.

في النهاية، أجهدت حالة النزاع هذين الطرفين، وفي ظل رغبة مجلس التعاون لبناء دوله الحديثة، وتحقيق ما حلم به قادة الدول الست عند اتخاذهم قرار تأسيس المجلس، وفي ظل رغبة إيران لإصلاح ما هدمته الحرب، فإن كلا الطرفين قد سعى لبناء نمط جديد من العلاقة يتميز بكونه أكثر مرونة وإتزاناً، خصوصاً بعد رحيل رجل الثورة أية الله الخمينى وتولي الرئيس المعتدل هاشمي رفسنجاني زمام القيادة في إيران.

سعت الدراسة أيضا إلى إبراز دور العوائق الداخلية الموجودة لدى كل من إيران ودول مجلس التعاون في الإنتقال إلى مستوى أخر أكتر مرونة في العلاقات فيما بينهما. فعلى صعيد دول مجلس التعاون، نجد أن قضية السيادة دائماً ما تقف عائقاً أمام أي تطور سياسي خارجي، بالإضافة إلى عدم إجتماع دول مجلس التعاون على رؤية موحدة فيما يخص التوجه العام لعلاقاتهم الخارجية فيما يخص إيران. وعلى صعيد إيران سعت الدراسة إلى توضيح هذه العوائق الداخلية أيضاَ التي تقف حائلاً أمام تطوير صيغة من العلاقات الأكثر متانة بينها وبين مجلس التعاون كالخلفية التاريخية الحضارية التي تسيطر على الخيال الإيراني السياسي، بالإضافة إلى رؤية إيران لدول الخليج بإعتبارها حكومات لا تتفق مع الإسلام، وهي أسباب كفيلة لتعميق الهوة بين الطرفين، وتعطيل أي محاولات لتجسير الهوة بينهما.

وأوضحت الدراسة تبيان الآثار الإقتصادية التي حملتها الحرب العراقية الإيرانية 1981-1989 على كل من إيران ومجلس التعاون، بالإضافة إلى اهتمام الدراسة بنقطة لم تتناولها معظم الدراسات، وهي موقف دول مجلس التعاون من العقوبات الإقتصادية الأميركية المفروضة على إيران.

وحاول الباز إلى جانب ذلك الاجابة عن عدة أسئلة مهمة مثل: لماذا اختار قادة دول الخليج الست (السعودية – الإمارات- الكويت- البحرين- قطر- سلطنة عُمان) الشكل التعاوني وليس الإتحادي كصيغة لتكتلهم السياسي الذي بات معروفاً باسم مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ لماذا تملك الخوف من إيران بسبب تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ هل نجحت إيران في تصدير أفكارها الثورية إلى داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ ما هو دور الدين في تشكيل العلاقة بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ لماذا سعت دول مجلس التعاون إلى الحفاظ على هامش من العلاقات بينها وبين إيران، حتى في ظل العديد من التعديات الإيرانية السياسية والعسكرية الواضحة والمعروفة؟ كيف كانت الحرب العراقية الإيرانية سبباً فى أن وجدت الولايات المتحدة لنفسها موطأ قدم في الخليج، من خلال إستدعاء دول مجلس التعاون للحماية الأميركية أثناء الحرب.

وقد انتهى الباز إلى عدة نتائج من أبرزها:

أولا: العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي تندرج تحت توصيف "الفعل ورد الفعل"، كانت إيران دائماً في موقع "الفاعل"، بينما كانت دول مجلس التعاون فى موقع" المفعول به"، والسبب في ذلك أن إيران كانت طيلة التسع سنوات 1979-1989 مازالت تحت تأثير الزخم الثوري الموجه بالأيديولوجيا، بينما كانت دول مجلس التعاون تعاني ضعفاً على مستوى الهياكل السياسية، فلم تستطع القيام بدور الفاعل، أو كانت تتحرك دائماً نحو المواجهة مع إيران بعد أن تتحرك إيران هي نحوها، ويتضح ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988.

ثانيا: لا يعني أن ست دول خليجية قد إنخرطت في تكتل سياسي يسمى "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، أن هذه الدول الست قد باتت موحدة الرؤى بشأن سياساتها الخارجية، حيث نستطيع أن نلحظ عدم وجود رؤية سياسية موحدة لدى هذه الدول الست تجاه إيران - بإعتبارها الطرف الثاني في الدراسة - حيث إختلفت العلاقات بين إيران وبين كل دولة من هذه الدول حسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية، وهو الخيط الذى إلتقطته إيران بدورها وساهمت في تعميقه وجعله نمطاً لعلاقاتها مع دول المجلس، وهو ما يعرف بنمط العلاقات الثنائية.

ثالثا: سيظل مجلس التعاون لدول الخليج العربية يصطدم بعوائق سياسية وإجتماعية تُعيق طريقه نحو الإنتقال إلى صيغة الإتحاد، أو حتى لتدشين علاقات ثنائية حساسة تحت مظلة التعاون. فإتفاقية العملة المشتركة لم يتم التوقيع عليها نظراً لعوائق سياسية وسيادية، والإتفاقية الأمنية إحتاجت نحو ثلاثين عاماً للتوقيع عليها. وبذلك تُضيع هذه الدول الست فرصة ذهبية للوصول إلى حالة أكثر إلتحاماً وما ينتج عن ذلك من تغير في توجهاتها السياسية الخارجية، فتستطيع قطع الطريق على كل من يحاول إستغلال هذه الحالة اللاتعاونية المتصدعة وإحداث حالة من التوازن بينها وبين قوة إقليمية كإيران.

رابعا: لا نستطيع وصف العلاقات الإيرانية مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية بأنها إيجابية على الدوام أو سلبية على الدوام، فحتى وإن إتفقنا على وجود أرضية متوترة بين الطرفين، إلا أن كلاً منهما كان يحافظ على مساحة يستطيعا من خلالها التحرك لقضاء مصالحه عندما تستدعى الحاجة. فعلى الرغم مثلاُ من اشتداد نار الحرب العراقية الإيرانية ووصولها إلى دول مجلس التعاون، فقد ظلت الأبواب مفتوحة بين الطرفين على أمل وضع حد لحرب تخسر فيها كل الأطراف، وفي ظل الحصار الإقتصادى الأميركى، فإن دول مجلس التعاون قد شكلت حديقة إيران الخلفية لتعويض الفجوة التي أحدثها هذا الحصار، على الرغم من التهاب الأوضاع، إلا أن المصلحة الإقتصادية بين الطرفين تفوقت على هذه الأوضاع الملتهبة.

محمد الحمامصي












يختلفُ البعدُ المعرفي الكامن في النص الروائي عن الصيغ السائدة لأشكال المعرفة في مَجالات أخرى، وأيا كانَ موضوع العمل الروائي والخطاب الذي يعبرُ عنه لا يمكنُ التعاملَ معه إلا بوصفه أثراً أدبياً يتوفرُ فيه عنصر الإمتاع وبالطبع تتضايفُ في هذا السياق وظائف متعددة يتمُ إدراكها مع تتابع الشريط السردي وما يلاحظهُ القاريءُ في رواية "ليس لهافانا رب يحميها" للروائي الجزائري ياسمينة خضرا هو إرتحال الكاتب نحو جغرافيا ظلت متواريةً وراءَ شعارات وأسماء مُعينة والغاية من ذلك هي إستكشافُ الجزيرة المنعزلة والبحث عن أصوات حميمة غير صوت الزعيم في فضاء مدينة هافانا ولم يكنُ إختيارُ الكاتب لـ "خوان ديل خونافا" وهو يمتهنُ الغناء في الملاهي بطلاً لسرديته مجرد إجراء إعتباطي بل الغرض من هذا كما يتضحُ لاحقاً هو الإبانة عن حب المرح المُتأصل في الروح على الرغم من مظاهر البؤس التي تغزو الحياة.

يطلقُ المعجبون على خوان لقب دون فويغو بمعنى سيد النار لأنَّ صوته يُلهب المسارح. يوكلُ صاحب "سنونوات كابول" للشخصية الأساسية مهمة إدارة دفة السرد وبذلك يكونُ الراوي مُتضمناً في النص ما يعني أنَّ دون فويغو يحتفظُ بدوره المحوري من بداية الرواية إلى أنْ تتوقف حركةُ السرد.

وتتقاطعُ ضمنَ الرواية سيرة الفنان مع المعلومات المذكورة عن حياة شخصيات تدخل إلى مسرح النص بالتدرج. إذن تنتظمُ الشخصيات في البيئة السردية العامة ويتميزُ دور الفنان في هذا النطاقِ بتحوله إلى نواةٍ أساسية ينطلقُ منها الحدث الروائي. إذ يبدأُ بسرد وقائع حياته وهو يذوق مرارةَ خسارة الأم بحادث السير وعلى إثر ذلك يحاول الأبُ نسيان مأساته بالإغراق في شرب الخمر إلى أن ينتحر ولم يرتح فويغو ولا إخته سيرينا بالعيش على كنف العمة، لذلك تتزوج الأخت برجل سكير أولاً يسيءُ إلى أخيها الصغير ويعنفه ومن ثمَّ تنفصل عنه لتتزوج خافيير الذي يفقد في حرب أنغولا إحدى رجليه، ويعودُ فيغو إلى بيت أخته بعد إنفصاله من ميلينا وما يمرُ كثير من الوقت حتى إنضمَّ إليه إبنه ريكاردو في كازابلانكا بينما تظلُ إيزابيل إلى جوار أمها في ريغلا.

وما يضعُ نهاية سريعة للحياة الزوجية هو غيرة مليينا على ما يحظى به زوجها من الشهرة وإنهماك الأخير في أعماله الفنية لحد فاته تاريخ ميلاد ابنته والمُلفت أنَّ ميلينا يتبدلُ موقفها بعدما تترتبط بموظف الجمارك وتعودُ لمغازلة زوجها السابق، مبدية رغبتها بالتواصل الجسدي معه.

هكذا يناسبُ السردُ منفتحاً مداره في كل مفصل على شخصية جديدة لا تستمرُ حياةُ فويغو على وتيرة واحدة بل يختبرُ تجارب مُضنية فهو يصطدم بما يسمعه من مديره بأنَّ ملهى بوينا فيستا إنتقلتْ مُلكيتهُ إلى عهدة سيدة من ميامي ما يعني أنَّ صوتَ فويغو أصبح مُفتقداً لفضائه البراح هنا يلوحُ في ذهن القاريءِ السؤالُ عن مصيرِ الفنان الذي خسرَ عمله وهو على مشارف الستين من عمره. وبهذا زادت مُعاناته وأرغم دون فويغو الذي كان يغني لفيدل وماركيز وبريجينيف أن يُحملَ همه نحو مؤسسة أدولفو غوزمان وهي بمثابة نقابة الفنانيين لعلَّه يجدُ بارقة أمل لكن يخذله الموظف الشاب بكلامه مشيراً إلى أنَّ كل شهرة هي نتيجة ظروف معينة والرهان على الجمهور لن يكون رابحاً.
لا يتوقف فويغو عن البحث في المطاعم والملاهي إلى أن يتذكر صديقه في الجامعة أوريمي أنشيا فالأخير هو مدير "إسميرالدا" لكن لقاء الإثنين ما يغيرُ شيئا من حياة الفنان عدا أنَّ فويغو يستعيدُ قصة وقوعهما في غرام فتاة واحدة اسمها مارسيدس نجحَ أوريمي في خطفها دون أن يؤثر ذلك على علاقة الصديقين بل قد غنى فويغو في حفلة زواجهما. وهذا ما يظهرُ تكوينه الشخصي المتسامى على الإعتبارات التي قد تشغله عن الفن.

يُذكر أنَّ شخصية بانتيشو الذي يُفتتحُ بكلامه حلقات الرواية يعود إليه الراوي في المقاطع اللاحقة لافتاً إلى تفصيلات حياته عاش بانيتشو حياة صاخبة وتشهدُ باريسُ ومكسيكو وسيدني على براعته في عزف البوق ومشاركته الفعالة في حفلات أسطورية. زد إلى ذلك كان متيماً بالنجمة السينمائية ريتا هيوارث وخالط فئة المهربين قبل أن ينعزلَ في كوخه بكازابلانكا ويتخذَ مظهر رجل حكيم.ة

تنبسطُ على مساحة هذه الروايةِ قصص محمولة بشحنة رومانسية ما ينعكسُ على الأسلوب واللغة التي تنزعُ إلى الشعرية المُطعمة بنكهة التصوف والحكمة ولا يصعبُ عليك إدراك التناغم بين وعي الشخصيات واللغة المحكية. ما ينطقُ به بانتيشو عن معنى الحلم وتحقيق الهدف ينم عن تجربة متراكمة كما لا يتمكنُ فوغيو من التعبير عن عاطفته إلا بعدما يعصفُ به حب فتاةٍ غريبة الأطوار ويحسمُ خياره مقتنعاً بأن "في الحبِ كل تراجع أو تنازلٍ أو تخلٍ هو نوع من الموت المجاني"، والعبارة توحي بانطلاقة مرحلة جديدة في حياةِ الفنان تنساقُ لحظاتها على إيقاع علاقته مع ماينسي التى تعرف عليها داخل ترامٍ مهجور وهي هاربة من الشرطةِ وفقدت أثر أخيها.
هنا تنتقلُ ماينسي إلى مركز السرد وتزاحمُ الفنانَ حضوره في المشاهد المُتتالية، إلى أن تتكثفُ الأضواءُ على الإثنين ومن خلال الحوار الذي يدور بينهما تترشحُ نتفُ من الأخبار تُفيدُ بأنَّ تلك الفتاةُ قادمةُ من منطقة على بعد كيلو مترات من مانزانيللو.

يشار إلى أن الأسماء المؤشرة إلى المدن والمناطق الجغرافية مبثوثة في تضاعيف العمل.

يلاحقُ فوغيو طيفَ عشيقته بعدما تتركُ البيت رافضة تحرشات ابن إخته، وفي مفصل آخر من الرواية يتابعُ المتلقي حياة العاشقين في شقة بإحدى الشواطيءِ ويشارك كلاهما في حفلة بمناسبة العيد الوطني لكن التلميحات الواردة عن حالة التوتر في شخصية ماينسي تنبيءُ بإنقلابها بحيثُ تصبحُ شرسةً عقب محاولة مجهول إغتضابهاإذ يصلُ بها الغضبُ إلى الجنون ويطعنُ حبيبها الستينى بسكين وعلى أثر هذا الحادث يرقدُ فوغيو في المستشفى عدة أيام ولا تنتهي الرواية دون أن تصطفُ قصة ماينسي إلى ما يغطيه السرد من المعطيات الشخصية، ويكونُ ذلك بموازاة رحلة يقومُ بها الفنان نحو البقعة التي أقامت فيها كانديلا التي تنكر باسم ماينسي.

من المعلوم أنَّ هذه المُفاجآت المُتسلسلة تُضاعف من منسوب التشويق في مروية ياسمينة خضرا الذي تفوق في توظيف تقنية الوصف للتوغل في جغرافية مدينة يقايضُ شبابها الحب بالهجرة، وهذا ما يتمثلُ في تجربة ريكاردو مع ماريا حيثُ أقنع الأخيرة بالزواج من الرجل الإسباني آملاً بأنْ تدبر له الحبيبة أمر الهجرة.

ليست هذه الرواية من فصيل ما نشره خضرا سابقاً نظراً لإختلاف البيئة والثيمات المبثوثة في جسد النص والأسئلة الميتافيزيقية المضمرة في الملفوظات والمشاهد المرصودة لتوسل الإنسان بطقوسات ميثولوجية. وذلك كله يخدمُ في المُحصلة الأخيرة الوظيفة الإستكشافية للرواية.

إن محتوى الكتاب واسم مؤلفه الذي هو جزء من عتباته أو فضائه الخارجي والآراء التي تسمعهُا عن الأسلوب واللغة كل هذه العوامل لا يمكن تجاهل دورها في إختياراتك للقراءة وعناوينك المُفضلة، لكن لماذا من بين عدد كبير من المؤلفين الذين تابعتَ آثارهم الفكرية والأدبية ثمة أسماء معينة تعودُ إليها بالإستمرار ولن تجدَ فيما ينضافُ إلى سجل مُطالعاتك وإهتماماتك المعرفية والأدبية من يعوضُ عن هؤلاء الكُتاب المُفضلين لديك؟

هل تلعبُ المعرفة بشخصية الكاتب دوراً بمعنى أن إعجابك بسلوكه وطبعه يشدكَ أكثر إلى نتاجاته الأدبية ونحنُ نصادف كثيراً من يعبرُ عن تقديره لشخصية الكاتب وأخلاقه النبيلة دون كتاباته، والعكس صحيح أيضاً إذنْ لا بدَّ من مقاربة هذا الموضوع من زاوية أوسع عدا عن كل ما تمت الإشارة إليه سابقاً يجوزُ إضافة عنصر الوقت بوصفه من العوامل المؤثرة على عودتك لبعض الكُتابِ وإرتباطك الروحي بأعمالهم إذ لا يفترُ تشوقك لما يقدمونه مع مرور الزمن وإختلاف المرحلة العمرية.

وفي هذا التفسير وجدتُ جواباً لسؤالي عن سبب إهتمامي وحبي لبعض الكُتاب من بينهم الروائي الجزائري ياسمينة خضرا فإنَّ الواقع الذي قرأتُ فيه رائعته المعنونة بـ "الصدمة" قد عمق علاقتى بصاحب "خرفان المولى".

كه يلان محمد












الدراما التليفزيونية فن يعبر عن الحياة وما يدور فيها من أحداث، وتقدم لنا تجارب قد عايشناها من قبل وقد نعايشها في المستقبل، وهي بذلك تُقدم خلفيات ثقافية واجتماعية عن حياتنا، وتساهم في تشكيل معارفنا واتجاهاتنا، مما قد يدفعنا إلى الاعتماد عليها في مواجهة المواقف الحياتية المختلفة. والدراما تلتمس موضوعاتها من الحياة بكل جوانبها، فالدراما ترتبط بالحياة الإنسانية وبالإنسان ومشاكله في هذه الحياة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو دينية أو اجتماعية، والدراما تحاول أن تجد تفسيراً لهذه الحياة التي مازالت أسرارها غامضة.

في ضوء هذه الرؤية تسعى مدرس الإعلام د. هبة محمد عفت في كتابها "التسامح والدراما.. نشر ثقافة التسامح بين الجمهور" الصادر عن دار العربي للنشر إلى تقديم قضية مهمة ومعاصرة في المجتمع المصري تناولتها وسائل الإعلام المختلفة وخاصة الدراما التليفزيونية وهي قضية التسامح الديني في مصر بين المسلمين والمسيحيين، حيث إن مصر لم تعرف أبدا الحروب الدينية ولا الصراعات الطائفية، وإنما عرفت معنى التسامح والإعتراف بالآخر والتعايش معه وهذا ما تناولته الدراما التليفزيونية المصرية.

درست هبة عفت هذه القضية في ضوء عدة إجراءات منهجية اعتمدت على المنهج المسحي وعينة مسحية للمضمون "عينة عمدية" من المسلسلات والأفلام العربية التليفزيونية التي قُدمت بالتليفزيون المصري، والتي تناولت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، والتي شملت ثلاثة مسلسلات وستة أفلام، وشملت عينة المسلسلات مسلسل "خاص جدا"، ومسلسل "محمود المصري"، ومسلسل "الدالي" (الجزء الثاني)، واستغرقت عينة المسلسلات مدة زمنية قدرها حوالي 73:30 ساعة، وشملت عينة الأفلام فيلم "الإرهابي"، وفيلم "الرهينة"، وفيلم "حسن ومرقص"، وفيلم "هندي"، وفيلم "همام في أمستردام"، وفيلم "الناصر صلاح الدين"

واستغرقت عينة الأفلام مدة زمنية قدرها حوالي 12:30 ساعة، وذلك لمدة دورتين برامجيتين كاملتين مدتهما ستة شهور متتالية امتدت من 1/1/2012 وحتى31/5/2012، كما تم تطبيق الدراسة المسحية للجمهور على عينة عشوائية طبقية قوامها 400 مفردة من الجمهور العام، تُمثل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدينية المختلفة بالريف والحضر، وذلك بهدف التعرف على دور الدراما التي يقدمها التليفزيون المصري في نشر ثقافة التسامح الديني بين المصريين.


تناولت هبة عفت التسامح وأهميته ودوره في إحداث التعايش السلمي الفعال بين الأفراد في المجتمع، وباعتباره وسيلة لاحترام الآخر وحقه في التعبير عن رأيه دون قيود، ودعوة الأديان والرسائل السماوية إلى التسامح حتى مع الأفراد المختلفين دينياً، لتحقيق الرخاء وإسعاد البشرية، فإذا كان الاختلاف أمراً حتمياً فرضه الواقع، فإن التسامح هو السبيل لتعايش الأفراد بعيداً عن الصراع والعنف

فالتعددية والاختلاف سنة الله في الكون وليس لأحد أن يحاول إزالة هذا الاختلاف بين البشر، لأنه حتماً لن يستطيع لأن الحكمة الإلهية قد اقتضت هذا الاختلاف؛ لتتعارف البشرية وتتآلف وتتراحم فيما بينها، وذلك من خلال الحوار الهادف والذي يمكن استخدامه لتقريب وجهات النظر المختلفة، ومن أهم شروطه أن يتم بأسلوب راقٍ ومتحضر، وأن يكون بعيداً عن الذاتية والنقد الهدام، لتفعيل القواسم المشتركة بين الأفراد المختلفين.

وأضافت أن من أشهر مظاهر التسامح الديني في مصر "ما حدث منذ الفتح الإسلامي لمصر، ومعاملة عمرو بن العاص للمسيحيين وللبطريرك البابا بنيامين الثاني، حيث أعاده إلى كرسيه وآمنه على نفسه، وأمر بعدم هدم الكنائس والأديرة وبعد أن كانت مصر خاضعة للحكم الروماني الذي اضطهد المصريين

ونال من حريتهم السياسية والدينية، وعانى المصريون في ظله من القتل والسلب والنهب وكافة أشكال التعذيب، حتى جاء الفتح الإسلامي ليخلص المصريين من كافة أشكال الاضطهاد والتعذيب، وكانت ثورة 1919 من أهم صور التسامح الديني في مصر، حيث تجمع المصريون تحت راية واحدة ولواء واحد وهو الدفاع عن مصر، وهنا تجلت أسمى معاني التسامح بين المصريين

وتم إعلاء قيم المواطنة والانتماء الوطني، والتي تُعد من أهم سبل التعايش والاندماج في المجتمع المختلف دينياً، وهذه الروح المتسامحة التي ظهرت وتظهر في مصر لا تعني أنه ليس هناك بعض الخلافات التي قد تظهر بين المسلمين والمسيحيين، وهذه الخلافات هي خلافات قد تقع بين أصحاب نفس الديانة، كما أنها خلافات قد ترجع إلى أسباب سياسية أو اقتصادية "مثل أيام خلافة المأمون والحاكم بأمر الله" وفرض الضرائب الباهظة التي عانى منها المصريون جميعاً".

ورأت هبة عفت أن ثورة 25 يناير تعد من أهم مظاهر التسامح الديني في مصر، حيث ظهرت روح التسامح الديني بين المسلمين والمسيحيين في ميدان التحرير، ورفعوا نفس الشعارات ورددوا نفس الهتافات، وإذا غابت هذه الروح المتسامحة، فإن المجتمع سيكون عرضه لأمراض خطيرة تتمثل في الفتنة الطائفية والتعصب والتطرف والإرهاب الفكري الذي سيقودنا إلى الإرهاب الجسدي والقتل، وهي أمراض قادرة على تدمير المجتمع والنيل منه.

ورأت د. هبة أهمية قيام كُتّاب الدراما بشكل عام والدراما التليفزيونية بشكل خاص بتقديم صورة ناجحة وإيجابية عن علاقات الأفراد المختلفين فكرياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً، وذلك باعتباره حافزاً لتطبيق هذه الصور الناجحة في الواقع، ودافعاً لتقريب وجهات النظر المختلفة ومقوما أساسياً من مقومات الحفاظ على المجتمع وتماسكه وسلامته.

وكذا ضرورة قيام الباحثين الأكاديميين بإجراء دراسات بشكل دوري على أفراد المجتمع، وذلك بهدف التعرف على الواقع والاحتياجات وجوانب التغيير؛ لمواكبة هذه الجوانب للتغيرات السريعة التي يشهدها المجتمع، والتعبير بصدق عن هذا الواقع وما يشهده من تغيرات، لأن الدراما هي المرآة التي تعكس الواقع، وهي بمثابة المؤرخ الذي يؤرخ لفترات زمنية متتابعة بكل ما شهدته هذه الفترات من جوانب إيجابية وجوانب سلبية.

ولفتت إلى ضرورة إلقاء الضوء على الوضع بعد ثورة 25 يناير، حيث شهدت هذه الثورة عدة تداعيات وتغيرات كبيرة على المستوى المجتمعي أو الإقليمي أو الدولي، وشهدت مصر خلالها صورة واضحة وصادقة للتسامح وللعلاقة الطيبة بين المسلمين والمسيحيين بميدان التحرير، وهذا الوضع يستتبع بالضرورة تقديم عديد من الدراسات الإعلامية وخاصة في مجال الدراما − والدراما التليفزيونية تحديداً − للاهتمام بتصوير وتقديم هذا الحدث درامياً ليعكس هذه الفترة التاريخية في تاريخ المجتمع المصري، كما لا يجب إغفال تأثير ظهور شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر، وما أحدثته من تغيرات فكرية وثقافية واجتماعية كبيرة بالمجتمع وخاصاً خلال ثورة يناير.

وأكدت د.هبة على ضرورة اهتمام الدراما بنشر التثقيف الديني في المجتمع، وتدعيم الحوار بين كافة الأطراف على أساس التسامح والتراحم، والذي يتيح تجاوز الخلاف ويُدعم التسامح بين كافة فئات المجتمع لمزيد من التواصل والاندماج والتقارب بين الأفراد المختلفين. وكذا ضرورة اهتمام الدراما بنشر قيم الخطاب الديني البَّناء، وأن ينطلق هذا الخطاب الديني من قاعدة الاحترام المتبادل وتدعيم القيم الأخلاقية والإيجابية المشتركة بدلاً من التركيز على الاختلافات وسوء فهم وتفسير هذه الاختلافات

كما يجب أن تشير الدراما إلى أهمية تدريب رجال الدين من خلال الدورات التدريبية المعدة مسبقاً إعداداً سليماً وصحيحاً عن الدور الإيجابي لرجال الدين في المجتمع، وكيفية قيامهم بدور فعال في إحداث التعايش الإيجابي والسلمي بين كافة الأفراد في المجتمع.

وإلى جانب ذلك قالت إن هناك عدة اعتبارات وضوابط اجتماعية وثقافية ودينية وفكرية يجب وضعها في الاعتبار تجاه الأعمال الدرامية التليفزيونية المقدمة بالتليفزيون المصري وتجاه قضية التسامح الديني تحديدا ومنها:

- ضرورة اهتمام الدراما بنشر أسس التربية والتنشئة الاجتماعية السليمة بين المشاهدين، والتي تقوم على ضرورة احترام الآخر حتى وإن كنا نختلف معه دينياً أو فكرياً أو ثقافياً، لأن هذا من شأنه أن يُحدث تغييراً كبيراً على المستوي الاجتماعي، وأن تتم عملية التنشئة على أساس التسامح ونبذ التطرف والعنف حتى ينشأ جيل متسامح ومتراحم.

- ضرورة اهتمام الدراما بتفعيل بعض المفاهيم في المجتمع مثل المواطنة والحرية الدينية؛ أي أن يتعامل الإنسان في مجتمعه على أساس انتمائه لوطنه وحقوقه وواجباته كمواطن وليس على أساس ديني أو عرقي، لأن هذا من شأنه أن يخلق مجتمعا متعصبا لا يعرف معنى التسامح، فالاختلاف حقيقة واقعية لا يمكن تغيرها أو الهروب منها، وإنما يمكن التعايش معها.

- ضرورة أن تشير الدراما إلى أهمية عقد الندوات والمؤتمرات واللقاءات التي تُدعم فكرة التسامح والإخاء بين الأفراد أو المجتمعات، وضرورة تأكيدها على تفعيل هذه المؤتمرات والندوات ونقل فاعليتها على أرض الواقع حتى لا تحدث فجوة بين الصورة الواقعية والصورة التي نرغب في وجودها.

- ضرورة أن تشير الدراما إلى أهمية تطوير المناهج الدراسية في كافة المراحل التعليمية لنشر ثقافة التسامح الديني بين كافة أفراد المجتمع ونبذ التعصب والتطرف، فالتعليم من شأنه أن يُحدث تغييراً اجتماعياً مهماً ومؤثراً في المجتمع، فإذا قامت المناهج الدراسية والتعليمية على التعصب وعلى رفض الآخر المختلف ونبذه، فإن الوسائل الإصلاحية الأخرى ستكون بلا فائدة.

محمد الحمامصي












ضمن المعرض الجماعي والجهوي للفنون التشكيلية برواق الفنون ببن عروس إدارة نزيهة الصولي، وقع عرض مجموعة من أعمال الشاعر والفنان التشكيلي المعاصر مهدي غلاب وهي: قيثارة الماء، دكاكين الشوق، مدينة عدد 19571، ومن خلال لوحة "منازل الوجدان" وهي لوحة تحمل نفس عنوان مجموعته الشعرية التي قمت بتقديمها بالمناسبة في المقهى الثقافي الصيفي الملتئم بالرواق .. حيث شارك مهدي غلاب كضيف شرف من خلال لوحاته وديوانه.

ويتضمن الديوان قصائد عمودية وشعرا منثورا. مع تنويعات في البحور، ووقع توزيع الأبيات والكلمات على غير طريقة الصدر والعجز في أغلب القصائد مما يدل على أن الشاعر توخى التوزيع البصري.

غلافه الخارجي من تصميم المؤلف، وتتخلله رسومات: هي أربع لوحات عبارة عن أشباح مدينة ومنازل قديمة رسمت باللون الرملي والبني. لم تبرز فيها خطوط الأشكال وفقدت الألوان بريقها، ولم تتنوع ولكن المباني تتميز بالعلو وتعدد الطوابق مع مبان أقل علوا وارتفاعا، تحيل إلى الحنين والذاكرة والشغف بحكمة الماضي وهاماته يشع بنوره، وبدا بصور هلامية متفسخة.

وبما أن مهدي غلاب شاعر وفنان تشكيلي فهذا يدل على ثراء ذاكرته البصرية وعلى تنوع أدواته في التعبير عن الصور عبر اللغة وعبر الألوان المائية والدهنية ورسم الأشكال وخاصة تلك الصور البعيدة التي يحملها الفنان المهاجر معه وهو يسافر عبر الزمان وعبر المكان، فالشعر عماده الصورة يرسمها ويشكلها باللغة سواء كانت واقعية أو ذهنية، ولكن ينسجها ضمن توليفة وعلاقات يولد منها معانيَ ومقاصدَ مختلفة. باستعمال الريشة واﻷلوان والأشكال، يستبطن اﻷفكار والحالات والخيالات والقصص والانطباعات تتجسد عبر أساليب وتقنيات متفردة.

تخللت ديوان "منازل الوجدان" أربع لوحات تتنافذ مع الحالات الوجدانية التي مرّ بها الشاعر الرسام، تضاف إليها لوحة الغلاف كعتبة نصية لها دلالاتها وإيحاءاتها. وكان المعنى أكثر تجسيما وتصويرا من خلال اللوحات وهي تنفذ إلى الصور اللغوية الخافتة رغم حدة التعبير عن الحالة الوجدانية. إذ هي تتنافذ على بعضها البعض، وتنفذ إلى الذاكرة. لها قدرة على أن تصور وترسم ما رسخ من سمات ثقافية واجتماعية تترجمها بعض الصور المتناثرة.

لوحة الغلاف تجسد بناءات أسمنتية رصاصية اللون، يتخللها لون أبيض كلون الجير والثلج، وزرقة طفيفة تبعث النور في فتحات الجدران العمودية تضعنا أمام واجهة بناية مدينة حديثة بينما لوحات الديوان اﻷربعة ترسم ملامح دور قديمة. فاللوحة الأولى تبدو فيها صورة امرأة أمامها بنت صغيرة ووراءها طفل يتسلق عمودا في طريقهم إلى باب مقبب قد يكون حماما أو دارا عتيقة.

في اللوحة الثانية طريق يفضي إلى دار قديمة أبوابها ونافذتها متآكلة، اللوحة الثالثة وسط دار فيها أكثر من فضاء ترابي تتوزع بين فضاء خاص بالحيوانات وآثار قوائمها وفضاء أصغر هو مدخل وممر. في اللوحة الرابعة حي قديم ببناءاته العمودية العالية ألوانه طينية ورملية تنشط ذاكرتنا، وهي تتمثل صورا مشابهة مررنا منها وتحل أقفال العديد من الصور خلف وداخل تلك البناءات العالية وطبيعة العلاقات بين الناس الذين يجمعهم طريق واحد وعتبة واحدة ودرج واحد.

ندرك من خلاله جمالية المكان وما تعنيه للمبدع ولنا. نحن أمام لوحات تنبري فيها صورة حي قديم ومنزل قديم من الداخل والخارج وباب حمام مقوس وقد حضرت في لوحة اﻷولى صورة امرأة وابنيها، وفي اللوحة الثالثة صورة خروف إلا أن الألوان لم تتغير كما جاءت اﻷشكال شبه متفسخة وغير واضحة تماما إلا أنها تحملنا إلى حالات وجدانية وحنين لمدينة أو قرية قديمة في مدينة تبدو بناءاتها إسمنتية.

بين صورة الغلاف واللوحات الأربعة تتغير الرسالة عبر اللون وتتغير البيئة بألوانها. فالألوان في لوحة الغلاف واضحة مشعة داكنة بينما ألوان اللوحات باهتة وكأننا بصدد تصفح أوراق كتاب قديم تفسخت بعض حروفة وتحولت إلى ما يشبه لطخات متفرقة، إلا أن ذلك لم يحجب الارتفاعات وما سطره الرسام باﻷدوات الهندسية دون أن يجعل الخطوط بارزة.

في حين أن قيس المسافة التي تنفذ بنا إلى ذواتنا تنفذ بنا كمتلقين إلى الدور والتصاميم القديمة المخزونة في ذاكرتنا والتي تتراءى في مرايا هذه اللوحات. وبذلك يكون مهدي غلاب التشكيلي قد نفذ بنا إلى فضاء الحنين والخشب والتراب والأرض والأصل والاستقرار من خلال اللون البني.
إن هذا الموروث الوجداني مثل أعمدة أثرية ثابتة إذ كتب في منازل الوجدان في اﻷقصودة 3:

يسكنني الحرف حارقا/ ولد جنب الأعمدة المتروكة في المتاهات
ولغة الشاعر تسترجع صورا قديمة بقيت أعمدتها كآثار تسترجع حيوات سابقة. إنها المتاهات في أيام رملية تحجب الرؤى وتكتم صوت الحرية على الجدران المقفلة.

ولكن تبقى ظلالها تتابع عين الشاعر لتذكره بصور غائبة، فقدرة اللغة هي استرجاع جماليات المدينة الأولى وإن تغيرت ملامحها وهندستها فهي أصل كل حنين، للون وتصاميم البناء وشخصياتها يتعلق بها كما تتعلق الأم بأبنائها.
وفي إعادة ترميمه لمدينته فهو يعانق حجارتها وصخورها التي تمثل له موضوعا عاطفيا قديما، فهو يعانقها ويسترجع ما بثته فيه من مشاعر الطمأنينة:

عاد سلال يرسم الذكريات على جدران لا تتكلم ويفتح الأبواب علّه يعثر على ابتسامة براقة. فهو لا يرسم المكان بقدر ما يرسم ذاكرة المكان بل يرسم سحره الباقي يوزع الضوء على اللغة ويرسم مشهديتها:

يا قبابا سحرك الباقي لنا يمسح الأحزان

وهو يسترجع الحلم الذي يتشبع به كل فنان:

البيوت اندس فيها الحلم مذن
فالحلم متين وشامخ شموخ بيوت الأجداد:

بيت أجدادي وبيتي شامخ فوق هامات سيبقى مستمر
التوزيع البصري لقصيدة عمودية

أوصل مهدي غلاب قصيدته عبر جماليات اتصالية حديثة تقوم على التشكيل البصري. حيث تصبح اللغة الشعرية المجسدة كائنات تصويرية عبر القطع والتشذير. وعلى الرغم من أن مهدي غلاب يكتب القصائد العمودية فهو يوزع بعضها على غير الصدر والعجز، وإنما يلعب على شكل طباعي مختلف، ويحول من شكل القصيد إلى نص له دلالات ومعان جديدة يحيل إليها، وبين بحور خليلية تسترجع الحنين للوقوف علی اﻷطلال واسترجاع أنقاض مدن في الذاكرة، ينحرف إلى إيقاع خاص مجزء، وفي ذلك تجديد وخروج من نمط صوتي مكرر وقديم يقوم على التقسيم الثنائي للبيت بل للبيت أكثر من صورة ولمفردات البيت توزيع يتناغم مع حالات التشظي والغربة.


"منازل الوجدان" هي أحاسيس انبثقت عن مدينة الذاكرة وانبثقت من بين فجواتها أحلام تراود المبدع وتحمل معها خيال المتلقي هي مدينة بألوان الحجر والصخر والتراب والرمل والخشب القديم. معالمها وتصاميمها واضحة وجلية وإن انمحت زواياها.

هي الصور المرتسمة حنينا فاسترجعها الشاعر عن طريق التعبير عن أحلامه داخل جدرانها، ورسمها فنان تشكيلي شغف بصمود أبنية الماضي وألوانه. يعبر عن وجدانه وتعلقه ويرسم منازله لتعكس إبداعاته بيئته ومجتمعه عبر النقاط والخطوط واﻷشكال الهندسية وطمسها بالألوان.


وفي الحالتين فهو يستدعى ذاكرته البصرية لينقل لنا أحاسيسه. من خلال تشبعه بثقافة ترجمة أحاسيسه بلغات ووسائط فنية متعددة ليس أقلها اعتماد التفعيلة التي تحيل إلى الأطلال والتغني بالماضي فهذه الوسائط الفنية لا تعكس اللغة فوتوغرافيا بقدر ما تعبر عن الشحنة الذاتية الكامنة.

فهو لا يصور مدينة من زمن الماضي بقدر ما يصور وجدانه. فهو لا يرسمها كما هي بدقة بألوانها وأشكالها بل بألوانه التي تحسسها ومن خلال إضافة انعكاسات لأشكال.

وهي بذلك تحملنا إلى عوالم المبدع لا عوالم هذه المدن بل بعدها الرمزي والفني بالنسبة إليه وقدرتها على شحنه بالخيال وحالاته الوجودية. وإن اعتمد على أقيسة وأشكال متوازنة وتوزيع الألوان ليبلور دلالاتها الجديدة، فمنازل الوجدان هي تدرج الذات المبدعة في الارتقاء بوعيها وتصوير أحلامها وحالاتها ومناخاتها، وكما قال سيمونيدس: "الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت".

فاللغة تحمل معها إيقاعها ورنين الماضي، واللوحة تحمل معها أشكالها والحنين للون الأرض والحجر والتراب والخشب والرمل وكل المواد اﻷولية التي تشكل منازل الوجود.



هيام الفرشيشي














تعد رواية "الجمال جرح" للأندونيسي إيكا كورنياوان، بمثابة اللقاء الأول لنا بالأدب الإندونيسي، فقبل أن يقدم المترجم أحمد شافعي على مغامرته التي تصدت لنشرها دار الكتب خان القاهرية، لم يكن القارىء العربي يظن أن في إندونيسيا من يكتب رواية تحظى باعتراف عالمي يتمثل في ترجمتها إلى سبع وعشرين لغة، والفوز بجوائز مهمة، وأن تقول عنه الصحف الغربية إن روايته تتحدى واقعية جارثيا ماركيز السحرية، وأنه أيضا تلميذ مخلص لسلمان رشدي وجونتر جراس، هكذا أوجد نقاده الغربيون له أسلافا، وأكد هو انتماءه لهؤلاء الأسلاف بأن مارس هواية ماركيز في صنع فخاخ للنقاد، فأتى كورنياوان، في روايته بما دفعهم للمقارنة بينها وبين مائة عام من العزلة، وبأن "هاليموندا" مبنية على غرار "ماكوندو"، أيضا تطير "ما إيانج" محظية أحد الهولنديين الاستعماريين

كما طارت إحدى شخصيات مائة عام من العزلة، كان ذلك كافيا بالنسبة للبعض ليسلموا بالتشابه بين الروايتين، فرأوا أن الكاتب الإندونيسي مجرد مقلد لماركيز، متناسين أن الواقعية السحرية ليست مجرد سرد لحكايات عجائبية، وإنما تتمثل – وفقا لتعريف بالينثيا روث – في "الوعي الأسطوري بالعالم، وفيها نجد العالم مفهوما رغم امتلائه بالأسرار، فليس ثمة أيّ حدث ليس له تفسير".
ماركيز نفسه قال "إننا نعيش محاطين بأشياء غريبة وخيالية في حين أن الكتاب يصرون على أن يقصوا علينا وقائع غير مباشرة ليس لها أهمية".


وقدم ماركيز تعريفا عمليا للواقعية السحرية بقوله "كانت أكثر مسألة تهمني هي تحطيم الحدود التي تفصل بين ما يبدو حقيقة وما يبدو فانتازيا"، وهذا بالضبط ما فعله بالضبط إيكا كورنياوان، فهاليموندا ليست ماكوندو بل هي مجرد منطقة ساحلية آسيوية، تحمل كل الخصوصيات المحلية للمنطقة وناسها وتراثها وأساطيرها، وقد اهتمت الرواية بذلك أكثر من اهتمامها بالمكان الذي لم يتعد كونه فضاء تتحرك فيه الشخصيات دون أن تؤثر فيه أو تتأثر به، على العكس من ماكوندو، وبالتالي فالواقعية السحرية في "الجمال جرح" ليست تقليدا لروايات أميركا اللاتينية، بل تحتفظ بخصوصيتها ونكهتها المميزة كأي أدب محلي، وفي إطار تحطيم الحدود بين الواقع والخيال. ولعله تأثر بألف ليلة أكثر مما تأثر بمائة عام من العزلة، خصوصا في ذلك الزخم الإيروتيكي الذي يفعم الرواية.


افتتح كورنياوان روايته بمقتبس من دون كيخوتا لثرفانتس، يقول فيه "ما إن انتهى من تنظيف سلاحه واتخذ من قلنسوة بسيطة خوذة مكتملة، وأطلق اسما على حصانه، وقرر لنفسه اسما أيضا، حتى أدرك أنه لا يعوزه غير شيء واحد، هو أن يعثر لنفسه على سيدة يغرم بها، فما الفارس الجوال بغير حبيبة إلا شجرة عاطلة من الورق والثمر، بل هو جسم لا روح فيه".

وربما مع الفصل الأخير وليس قبله يتضح لنا أن ذلك المفتتح لم يكن مجانيا، فالفارس الجوال هو الروح الشرير الذي عاد لينتقم، أما السيدة التي أغرم بها فهي "ديوي آيو" التي نهضت من موتها بعد واحد وعشرين عاما قضتها في قبرها، ويكاد الفصل الأول أن يكون رواية كاملة عن ديوي آيو التى نهضت من الموت، وبناتها الأربعة، وعملها كعاهرة لدى الهولنديين واليابانيين وكل الغزاة، وتنتهي بالفتاة القبيحة جمال وقد كبرت بطنها من الحمل.

وفي الفصل الثاني يحكي عن ما إيانج التى اتخذها الضابط الهولندى محظية ففقد حبيبها ماجيديك عقله، تواعدا على اللقاء وقال انه سينتظرها لستة عشر عاما، وفي الموعد المحدد كان قد استعاد عقله ووسامته. ولما جاءته تناكحا فوق صخرة، وهناك أخبرته أنها تستطيع أن تطير لأنها تؤمن بقدرتها على الطيران، ولما وثبت لم يسمع الناس إلا صراخ ماجيديك الذي بقى وحيدا في التل حيث أرسلت إليه ديوي آيو ليتزوجها.

نعرف أن ديوى آيو ولدت نتيجة زنا محارم بين هنرى وأخته آيو ابنى تيد ستاملر الهولندى وهما ابناه من محظيتين. وبعد اكتشاف أمرهما اختفيا في الأدغال وعاشا حياة بدائية وانجبا ديوى آيو. وكأن اللعنة ظلت تطارد ديوي آيو وبناتها أينما حللن. هكذا ربطت الرواية تلك الحلقة بسابقتها، ونعرف أن هاليموندا كان اسمها ماتارام لكن غير الهولنديون اسمها وأقاموا المستشفيات ومزارع الكاكاو وبيوت الدعارة. وعندما نشبت الحرب واحتلت ألمانيا هولندا، قامت اليابان بغزو أندونيسيا فاكتظت هاليموندا باللاجئين والعاهرات.

يحكي الروائي قصة هاليموندا عبر مائة سنة تقريبا من خلال حكايات العائدة من الموت وبناتها الأربعة، وإن كانت الرواية لا تحدد عمرها بدقة، نقرأ "الجميع كانوا يعلمون أنه قبر ديوي آيو التي توفيت عن اثنتين وخمسين سنة ثم قامت بعد موتها بإحدى وعشرين سنة، فلم يعد أحد يعرف منذ تلك اللحظة كيف يحسب عمرها".

تتقاطع حياة ديوي آيو ووالديها مع الاستعمار الهولندي ثم الغزو الياباني، فمع سقوط المدينة تم سجن ديوى باعتبارها هولندية، كانت عذراء في السابعة عشرة حينما منحت نفسها لضابط يابانى مقابل أن يأتي لامرأة مريضة بطبيب ودواء، وحينما جاء الطبيب كانت المرأة قد ماتت، لكن الصبية أدركت أنها يمكن أن تحصل على أشياء مقابل جسدها. وفي المعسكر تم إعداد الشابات ليكن عاهرات، هكذا تسرد الرواية حكاية ماخور ماما كالونج الذي تزامنت إقامته مع بناء الثكنات الهائلة لجيش الاحتلال الهولندي.

ويصبح جسد المرأة المحلية كوطنها، يستبيحه المستعمر، وبعد الاستقلال تستمر الاستباحة، فقط يتغير السادة ويبقى البشر العاديون عبيدا أو عاهرات. فها هي الإبنة الكبرى "آلامندا" تقع في غرام المناضل الشيوعي كلايوون، لكنها تتعرض للاغتصاب على يد شوادنتشو القائد العسكري لهاليموندا، وهي تتزوجه لتنتقم منه، فتنتهي قصة حب لتنشأ غيرها بين كلايوون الابنة الوسطى أديندا التي تتعرف عليه على الشاطئ حينما ينقذها من عضة كلب مفترس، وقصة حب ثالثة تنشأ بين البنت الصغرى مايا ديوي والبلطجي مامان جيندنج، كل القصص تنتهي نهايات مأساوية، تجد ديوي آيو بناتها وقد أصبحن أرامل، تلوم الروح الشرير أو الهائل، الذي بدا مبتهجا وهو يرى انتصاراته، فقد ثأر لجميع ضغائنه، ولا يرى في ديوي آيو التي أحبته سوى كونها ابنة الهولندي ستاملر، لذلك تعود إلى الموت، ففارسها لا يحارب طواحين الهواء، لم يكتف بمقاومة المستعمر الهولندي، ولا بخوض حرب عصابات ضد اليابانيين، لكنه يمارس إعمال إبادة جماعية ضد الشيوعيين، فتصبح ديكتاتورية سوهارتو في مثل وحشية الغزاة الذين تعاقبوا على إندونيسيا لثلاثة قرون.

وتقول أديندا "كأننا عائلة ملعونة"، فترد ألامندا "نحن عائلة ملعونة، حقا وتماما"، وهنا تتجلى المفارقة، فأقبح بنات ديوي آيو هي من ولدت بعد الاستقلال، وكانت الأم قد أسمتها "جمال"، ربما كنوع من التحايل على قبحها، فكأن اللعنة هي جرح الجمال الغائر.


أحمد رجب












"خريدة القصر وجريدة العصر" كتاب أدبي يقع في 21 مجلدًا، ترجم فيه مؤلفه عماد الدين الأصفهاني لشعراء عدة في القرنين الخامس والسادس الهجريين.

ذيّل عماد الدين الأصفهاني كتابه، كما يقول ابن خلكان على كتاب زينة الدهر لأبي المعالي الحظيري، الذي وضع كتابه ذيلا على "دمية القصر" للباخرزي، والتي هي ذيل "يتيمة الدهر" للثعالبي. واليتيمة ذيل على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم.

جمع العماد في الخريدة كما يقول، طبقته وطبقة آبائه وأعمامه "السالف الماضي والحاضر النامي". ولم يقتصر فيه على قطر من الأقطار. وكان باعثه على تأليفه: جمع ما مُدِحَ به عمُّه أبو النصر أحمد بن حامد الأصفهاني، وتخليد مادحيه من الشعراء، إلا أنه تجاوز هذا الباعث ليشمل عمله تراجم شعراء القرنين الخامس والسادس الهجريين.

طبعت أقسام من الكتاب، في فترات متباعدة، من جهات مختلفة، حيث اعتنى كل من المصريين والشاميين والعراقيين والإيرانيين بإخراج القسم المخصص لشعراء بلدانهم من كتاب الخريدة.

فنشر القسم المصري منه سنة 1951 بعناية أحمد أمين ود. شوقي ضيف ود. إحسان عباس.
نشر القسم العراقي سنة 1955 بعناية محمد بهجت الأثري، عدا الجزء المتعلق بشعراء نجد، الذي صدر مؤخراً في جزء مستقل في بغداد.

نشر القسم الشامي والحجازي واليمني والعجمي بتحقيق الأستاذ شكري فيصل في أربعة أجزاء سنة 1955 فما بعد.
نشر القسم المغربي (تونس، والجزائر، والمغرب الأقصى، وصقلية والأندلس) منذ سنة 1967 بعناية المرزوقي والعروسي والجيلاتي.

آخر ما نشر منه قسم شعراء فارس في ثلاثة مجلدات، في طهران عام 2000، بتحقيق د. عدنان محمد آل طعمة .

ولكتاب "الخريدة" نسخ في عدة مكتبات في العالم، إلا أن واحدة منها لم تخل من النقص، وتعتبر نسخة المكتبة الوطنية بباريس أكمل هذه النسخ، ويتصدر القسم الرابع تعريف به، باللغة اللاتينية، كتب سنة 1732 بقلم جوزيف أسكاري، وعلى النسخة تملكات، أقدمها: سنة 976هـ وللخريدة ذيل مطبوع، من تأليف العماد أيضاً سماه "السيل والذيل".
قال ابن خلكان، في ترجمة يحيى بن نزار: فلما كان في أوائل سنة 672هـ وقفت بالقاهرة المحروسة على مجلد من كتاب "السيل والذيل".

د. يسري عبدالغني













يقدم د. محمد السيد إسماعيل، في نصه المسرحي "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" تجربة أدبية، يستلهم فيها الماضي ليدمجه بالحاضر في رؤية استشرافية تُلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه.

وفي زيارة ابن حزم الأخيرة، الزمن هو زمن ملوك الطوائف، حيث يدور حوار بين ثلاثة من كبار علماء المسلمين في الأندلس، ويكون الانهيار الوشيك للحكم الإسلامي في الأندلس، ويدور حوار بين كل من ابن حزم صاحب "طوق الحمامة"، وابن شهيد صاحب "التوابع والزوابع" وابن حيان المؤرخ.

يأتي هؤلاء الثلاثة في رحلة من العالم الآخر إلى العصر الحالي، يستكشفون ما حدث فيجدون في الظاهر أنه لا شيء قد تغير؛ فالزمان زمان هزيمة إذ بدأ الانهيار الإسلامي في الأندلس ويتربص الفرنجة بالعرب في كل مكان "وقد بلغ كل شيء ذروته، خطر الفرنجة، الحرب الأهلية الوشيكة"، لنقرأ: "أولا تدري بعد أن هذا الملك، وتضرب بيدها على الكرسي، أصبح مثل لعبة الكراسي الموسيقية… من يسرع أكثر يصل إليه".

إنه إذن زمان الانهيار ومع ذلك فكل شيء يتغير رغم المقولة اليائسة إن شيئا لا يتغير. يؤمن ابن حزم بفلسفة للتاريخ ومنهج يختلف جذريا مع ابن حيان فصاحب "طوق الحمامة" يرى أن أخبار الملوك هي السطح الظاهر الجلد المترهل والمتشقق، أما أخبار الناس فهي الدم الدافق.


وفي مقدمتها للكتاب، تقول الناقدة فريدة النقاش: "يجلس القادمون من عمق التاريخ على مقهى شعبي كبير في مدينة عربية معاصرة ويتحدثون إلى المارة العاديين، ويسمعون حكايات ركود صناعة البناء بما تحمله من دلالة، ويحكي لهم ماسح الأحذية حكايات ميسور البناء. ويفتح صاحب المقهى جهاز التليفزيون الذي يعرض صورا لأحداث يناير. ويختلف ابن حزم مع ابن حيان حول الطريقة التي يواجه بها كل منهما الواقع الفاسد، يدعوه ابن حيان للمناورة فيرد ابن حزم "أي أننا ينبغي أن ننتظر المكان الآمن والزمان الآمن، وهذا معناه أننا لن نقول الحق أبدا".

يقول البطل إبراهيم لزوجته نشوى: "في هذا الليل، الليل الممتد طويلًا منذ مئات الأعوام سوف يعودون، إني أبصرهم، إني أبصر ريحًا طيبة تأتي لتزف إليك بشارة أيام قادمة بيضاء".
يمنح ابن حزم مفتاحا للنص يمكن أن يبني عليه كل من المخرج والناقد والقارئ حين يقول عن التشابه بين عصرين: لقد تشابهت أوطان بكاملها فكيف لا تتشابه حكايات الأشخاص.

كذلك تتشابه الوقائع، ففي العصرين امتلأت السجون عن آخرها حيث لا يجدون مكانا لابن شهيد في السجن يلتقى العلماء الثلاثة بشخصية عصرية هي "إبراهيم" – وهو نفس الاسم لبطل رقصة الحياة – المسجون منذ عشر سنوات دون أن يعرف سببًا لسجنه، ويلتقون أيضًا بعيسى الخولاني الذي سبق أن عرفوه منذ عشرة قرون "لقد تاجر بكل شيء حتى شرف نسائه كي يقترب من السلطة"، والفساد هو الفساد في كل زمان ومكان، وهؤلاء الذين تورطوا فيه واثقون أنه بعد سقوطهم "لا شيء في هذا البلد يبقى على حاله"، وهي رؤية تختلف تماما مع القول بأن شيئا لم يتغير، بل تتغير الأسماء والأقنعة إذ إن كل شيء يتغير حتى مع تشابه الظروف والوقائع والحكايات. كذلك فإن المعركة لم تنته بعد، بل إن المعركة تبدأ كل يوم إذ يتواجه زمانان الزمن المعاصر سجن، والزمن القديم حكم يتهاوى .

يذكر أن كتاب "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" لمؤلفه د.محمد السيد إسماعيل، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة . (وكالة الصحافة العربية)

أحمد مروان











يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟

الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، النظم المتسلطة دكتاتوريات تقليدية، بل نظم "ما بعد الشمولية". لا يتعلق الأمر بنظم غير شمولية، بل على العكس. مؤكدا إنها نظم شمولية بوجه آخر غير وجه الديكتاتوريات التقليدية التي اعتدناها.

وقال "تذكرنا لغة إدارة الاتحاد الأوروبي في بروكسل التي تقلب معاني الكلمات، بلغة النظام الشيوعي الغامضة التي أطلق عليها هافل في إحدى مسرحياته لغة الـ "باتيديب".

يصفون الاضطهاد بعبارة مهيبة، وهي "العنصرية الإيجابية"، وفقدان الاستقلال بأنه "سيادة مشتركة"، والسلوك المشين بأنه "إجراء متهور"، ويعتبرون الشحاذين "منبوذين اجتماعيًّا"، والرقابة "إصلاحات سياسية"، الخ.

كتب فاتسلاف هافل كتابه وفقا للبلتاجي في مقدمته إلى أن في أشد عصور الديكتاتورية قسوة، يصف فيه ظهور النظام والذي يطلق عليه نظام "ما بعد الشمولية"، حيث يشرح طريقة عمل هياكله "ذاتية الحركة"، والصراع بين متطلبات النظام الحاكم وحاجات المواطنين اليومية، إنه كتاب عن الهوية الإنسانية في صراعها من أجل تحقيق ذاتها مع نظم - تارة ديكتاتورية تقليدية، وتارة أخرى ديكتاتورية تدَّعي أنها تحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه، يقدم لنا هافل هذا الصراع من منظور قادته المستقلين خارج السلطة، أو كما يصفهم بالضعفاء الذين رفضوا حياة الخداع والوهم الذي يطعمهم الديكتاتور لمواطنيه ويدفعهم إلى أن يتنازلوا عن حاجاتهم الشخصية واليومية لصالح تحقيق أغراضه، يقدم هافل تفسيرًا لكيفية عمل الحركات المدنية الثائرة، أو ما تسمى في شرق ووسط أوروبا بـ "حركات المنشقين" وعلاقتها بالمواطن والنظام والحياة".

وأضاف البلتاجي أنه لا يمكن قراءة الكتاب كدراسة تحليلية نقدية للمجتمع أو كبرنامج تحرري، أو كدليل إلى حراك مجتمعي. وقال "من العبث تفسير العمل إنطلاقًا من أنماط فلسفية أو فكرية أو سياسية. فمن منا اليوم يهُمّه أن يعرف أن هافل كان يمينيًّا مدعومًا من الغرب، أو يدعم الغرب، أو يساريًا يحلم ببدائل للديموقراطية البرلمانية واقتصاد السوق؟

ما أهمية السجال حول القضايا البيئية التي تهم البشرية إن كانت من طبيعة المذهب المحافظ أم المذهب المثالي في السياسة؟ والفرق بين الواقعية السياسية والمثالية السياسية الذي يركن إليها اليوم السياسيون ومستشاروهم، ويتخذونها متكا ثقافيًّا تنويريًّا؟

إن نص "قوة المستضعفين" يتطلب قراءة مغايرة. ففي هذا النص ظهرت موهبة هافل الدرامية، وميله إلى عقد مفارقات مكنته من صياغة دعوة جسورة إلى ثورة وجودية، والعودة إلى فكرة الزعيم التشيكي جريجور مساريك الخالدة حول العمل الجيد الدؤوب".

وأوضح "يكمن سحر المفارقة الجدلية والأدبية أيضًا في التناقض والتعارض الذي لا يخلو من منطق. فالأديب المسرحي والمنشق والسياسي التشيكي فاتسلاف هافل قادر على أن يعبر عن خوفه على حرية البشر بكلمات أخذها من قاموس الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، الذي لم يُعن يومًا – على أقل تقدير- بالمجتمع الديموقراطي، ولا بالحرية. المفارقة في الموضوع بالطبع هو موضوع المقالة التي يصف فيها هافِل "القوة" على أنها حال هؤلاء الذين انتهى بهم المطاف ضعفاء عاجزين، يعيشون على هامش المجتمع، إن لم يكونوا خارجه.

وصف هافل لغة النظم المتسلطة موضحا "إن نظام ما بعد الشمولية يلاحق الإنسان بمبرراته في كل خطوة يخطوها تقريبًا.

يلاحقه بالطبع مرتديًا قفازات الأيدولوجية. فالحياة فيه متشابكة كنسيج طحلباني من الكذب والادعاء. حكومة البيروقراطية تسمى حكومة الشعب، وباسم الطبقة العاملة يتم استعباد الطبقة العاملة، يُفسر الإذلال المستشري للإنسان على أنه تحرير كامل له، ويطلق على حجب المعلومات تداول المعلومات، والتلاعب بالقوة التحكم العام في القوة والتعسف في استعمال القوة حفظ النظام العام، وقمع الثقافة تنمية الثقافة. كما يفسر نشر التأثير الامبريالي على أنه دعم المضطهدين، والحَجْر على حرية الرأي على أنه أعلى درجات الحرية، وتزوير الانتخابات على أنه قمة الديمقراطية، ومنع حرية التفكير على أنه أفضل الآراء العلمية العالمية، والاحتلال على أنه مساعدة الأشقاء. إن السلطة حبيسة مجموعة من الأفاكين، لذلك عليهم أن يزوّرا.

يزوّرون الماضي والحاضر والمستقبل كما يزورن الإحصائيات. يدّعون أنهم لا يملكوا الآلة الشُّرَطية الجبارة والمهيمنة. يدّعون أنهم لا يدّعوا شيئًا".

ورأى أنه "ليس مطلوبًا من الإنسان أن يصدق هذه التعمية. لكن عليه أن يتصرف على أنه يصدقها أو يقبلها صاغرًا، أو يتعامل بصورة مقبولة مع من يتبعها، لهذا هو مجبر أن يعيش في الكذب".

تحدث هافل أيضًا عن تزوير التاريخ، تمامًا كما يحدث الآن في الاتحاد الأوروبي وفي أماكن أخرى من العالم. يتظاهر النظام بأنه يعرف المستقبل، ينبأ بالطقس وبارتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض، يزورون تاريخ الأنبياء، والبشر والحياة.
رأي البلتاجي في كتاب هافل أنه يحمل نبؤة "أكبر نبؤة لهافل كانت عن بائع الخضروات الذي يتظاهر بإيمانه بشعارات النظام كي يتجنبه، ويتقي بها شره. شيء مماثل يعرفه مثلًا تجار اليوم الذين يجبرون على إضافة بعض الجمل الإلزامية حول دعمهم للنظام أو وقوفهم معه ضد أي حراك شعبي أو احتجاجات أو وحتى تعبير حر عن الرأي، هذا إن أرادوا أن يحصلوا على دعم من النظام.

وضع صاحب متجر لبيع الخضروات على نافذة متجره بين البصل والجزر عبارة تقول: "يا كادحين العالم اتحدوا!". وهنا تساءل هافل "ما الذي دفعه لهذا؟ ما هي الرسالة التي أرد أن يوصلها للعالم؟ هل هو فعلًا مهموم بقضية اتحاد طبقة الكادحين في بلاد العالم؟ هل هو مشغول بهذه القضية إلى درجة تجعله يشعر برغبة عارمة في توصيل رسالته للرأي العام؟ هل فكر في وقت ما فعلًا ولو للحظة كيف يمكن تحقيق هذا الاتحاد، وما هو الهدف منه؟

أعتقد أن الغالبية العظمي من تجار الخضروات عندنا لا يفكرون في مغزي هذا النص الذي يضعونه في نوافذ متاجرهم، ولا يوجهون من خلاله رسالة ما للعالم. لقد أتى تاجر الخضروات بهذا الشعار من الشركة الموردة مع البصل والجزر، ووضعه في نافذة العرض كما اعتاد على هذا الأمر منذ سنوات. فالجميع يفعلون نفس الشيء، وصار أمرًا بديهيًا. لو أنه لم يفعله لتعرض للمتاعب؛ فقد يوبخونه لأنه لا يضع "الزينة". قد ينهره أحدهم ويتهمه بأنه غير موال للنظام. فعل هذا لأنه من طبيعة الأشياء، طالما أراد الإنسان أن يمارس عمله. هذه واحدة من آلاف "الأشياء الصغيرة" التي تُؤمّن له نسبيًا حياة هادئة و"متناغمة مع المجتمع".

وأوضح "دعنا نتخيل هذا الموقف. بائع الخضروات المزعوم (أو المنظمة غير الحكومية أو حتى الأفراد) يضع في واجهة العرض عبارة "معًا لدعم الاستقرار"، أو "هذا المشروع يتم تحت رعاية السيد المسؤول فلان". لماذا هذا الشعار؟ "لو لم يفعله لتعرض للمتاعب؛ فقد يوبخوه لأنه لا يضع "الزينة". قد ينهره أحدهم ويتهمه بأنه غير موال للنظام. فعل هذا لأنه من طبيعة الأشياء طالما أراد أن يمارس عمله. هذه واحدة من آلاف "الأشياء الصغيرة" التي تُؤمّن له نسبيًا حياة هادئة و"متناغمة مع المجتمع".

وقال "كما نرى، فإن محتوى الشعار لا أهمية له عند بائع الخضروات. عندما يضعه في نافذة عرض بضاعته لا يضعه لأنه شخصيًا على قناعة بتوصيل فكرته للناس. وهذا بالطبع لا يعني أن هذا العمل الذي أقدم عليه لا يخلو من دافع وغرض، وأنه بهذا الشعار لا يريد أن يبلغ رسالة ما لشخص ما. إن لهذا الشعار وظيفة "الرمز" الذي ينطوي على مغزى دفين ومحدد أيضًا. ربما يمكن أن نقرأه على هذا النحو: أنا بائع الخضروات المدعو كذا موجود هنا وأعرف ما علي أن أفعله، أتصرف كما ينبغي، وأنه يمكن الاعتماد عليّ، ولا يمكن لأحد أن يتهمني بشيء، أنا مواطن مطيع، لذلك يحق لي العيش بهدوء. بالتأكيد هذه الرسالة موجهة لشخص ما: موجهة لمن هو (أعلى)، لرؤساء بائع الخضار. إنها بمثابة درع يتحصّن به بائع الخضروات من مخبرين محتملين".

وأشار هافل إلى أن الديمقراطيات البرلمانية التقليدية لا يبدو في الواقع أنها قد قدمت أسلوبًا حاسمًا للتصدي "للحركة الذاتية" للحضارة التقنية والمجتمع الاستهلاكي الصناعي. بل هي معها في نفس القاطرة، تقف أمامها عاجزة. فالأسلوب الذي يتبعونه للتلاعب بالفرد أشد نعومة، وأكثر كياسة من الأسلوب القمعي لنظم ما بعد الشمولية.

ولد فاتسلاف هافل في العاصمة براغ عام 1936، وأتم دراسته الثانوية في عام 1954، ووقف إعلانه عن آرائه السياسية المعارضة للنظام حائلًا دون قبوله في أي من كليات العلوم الإنسانية التي كان يرغب في الدراسة بها، التحق بعد أدائه الخدمة العسكرية بمسرح إيه بي سي، ثم مسرح "ناذابرادلي" كفني عام 1960، وبالتدريج أصبح سكرتيرًا، ثم محاضرًا، وكاتبًا مسرحيًّا منذ عام 1968، درس الكتابة المسرحية عن بُعد في كلية المسرح التابعة لأكاديمية الفنون المسرحية، وتخرج فيها عام 1966".

وأضاف البلتاجي "في عام 1965 انضم هافل لأسرة تحرير مجلة "تفارش" الأدبية، كما عرض مسرحيته "الـمذكرة" على مسرح ناذابرادلى، وأصبح في فترة ما يعرف بـ "ربيع براغ" إحدى الشخصيات المهمة المؤيدة للجناح الليبرالي المناهض للشيوعية، فقد انخرط في العمل السياسي منذ عام 1968، حيث انضم لتحركات سياسية وتنظيمات أدبية ذات توجهات معادية للنظام، وشارك بقوة مع الحركة الليبرالية في ربيع براغ عام 1968، وفي نفس العام أصبح رئيسًا لرابطة الكتاب المستقلين

كما وقّع على مذكرة النقاط العشر التي تعارض الاحتلال الروسي للأراضي التشيكية وما ترتب على هذا الاحتلال من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، كما تمَّ إدراج أعماله بعد الغزو السوفييتي ضمن الأدب المحظور، وأصبح مطاردًا من النظام الحاكم منذ عام 1969، حيث اتهم للمرة الأولى بالإعداد لقلب نظام الحكم بالجمهورية التشيكية.

كان من أهم المتحدثين باسم منظمة ميثاق 77 الذي كان يندد بالانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في تشيكوسلوفاكيا والذي وقعه مع مجموعة من الأدباء والناشطين التشيك، شارك في عام 1979 في إنشاء وتأسيس "لجنة الدفاع عن المتهمين ظلمًا" مما أدى إلى الحكم عليه بالسجن 15 شهرا، زادت بعد ذلك كي تصل إلى 15 عاما (1979 - 1983) بعد اتهامه بقلب نظام الحكم، وفي محبسه كتب كتابه الشهير "رسائل إلى أولجا" الذي صدر عام 1983، عندما تصاعد المد المناهض للحكم في مظاهرات أكتوبر عام 1989 أصبح هافل متحدثًا باسم مجموعة المعارضة التي عرفت باسم "المنتدى المدني".

وأوضح أن هافل ساعد في إجبار الحزب الحاكم (الذي كان محسوبا على الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو) على اقتسام السلطة مع معارضيه، فيما اعتبر ثورة مخملية، ثم انتخب رئيسًا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا عام 1989 بعد انهيار الكتلة الشرقية على الرغم من أنه لا يعد سياسيا مخضرمًا، بل رجل أدب وفن، وانتُخب مرة أخرى بعد تقسيم تشيكوسلوفاكيا رئيسًا لجمهورية التشيك عام 1993 ثم أُعيد انتخابه عام 1998. كان هدف هافل قيادة تشيكوسلوفاكيا في مرحلة التحول من الحكم الشمولي إلى الديمقراطي، وفي عام 2003 تقاعد عن العمل السياسي، توفي في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011 عن عمر يناهز 75 عاما.

صدر لهافل العديد من الكتب التي تضم مقالاته السياسية مثل "خطاب إلى جوستاف هوساك"، "السياسة والضمير"، "أهمية ميثاق 77"، "القصة والشمولية"، وغيرها.
محمد الحمامصي











شرد الخواجه استيليو في ماضي حياته، عندما نشأ في شارع الرحمة – قريبا من مدافن عمود السواري – كان يلعب مع أطفال الشارع، ينتظرون الميت، يدخلون خلف المعزيين، ويمد استيليو يده مثل باقي أطفال المسلمين لتلقي الهبات من المعزيين الذين يعطون قروشا قليلة، يسعد بها .

أهله اليونانيون لا يعرفون ما كان يفعله مع أطفال المسلمين، انتقلوا بعد ذلك لمنطقة أبي الدرداء، أراض كثيرة وممتدة امتلكها اليونانيون هناك – حول مبنى محافظة الإسكندرية، يحكون هناك بأن هذه الأرض كانت منحة من الملك فاروق لامرأة يونانية شديدة الجمال - قضت مع الملك ليلة، فأهداها كل هذه الأرض، لا، هي ليست بلا مقابل، فقد دفعت اليونانية الجميلة ثمنها من جمالها وأنوثتها الرائعة.
استيليو لا يحب الخوض في هذا الموضوعات، فابن هذه اليوناينة الجميلة امتلك كل هذه الأرض، وباعها لليونانيين أقاربه وأهل بلده، أسس استيليو ورشة خشب باركيه اشتهرت على مستوى مصر كلها، وكان كبار نجوم المجتمع – سياسيين ونجوم سينما – يأتون إلى أبي الدرداء، ليتفقوا على تركيب الباركيه في حجرات نومهم وفيلاتهم، وأسس استيليو مع أخوته مصنعا للبويه مجاور لورش خشب الباركيه.

كانت الإسكندرية مدينة اليونانيين، هكذا أرادها الإسكندر عندما انشأها. لكن إلغاء بورصة الإسكندرية، وتمصير الشركات أضعف دور الأجانب في مصر كلها، فهربوا من الإسكندرية خاصة - خوفا من تأميم عبدالناصر الذي يتوقعون حدوثه.

درس استيليو في كلية فيكتوريا، يتذكر من درسوا معه، بعضهم تولى الحكم في بلده العربية، وبعضهم صار نجما سينمائيا مشهورا، وبعضهم يكتب في الصحف العربية الكبيرة. وتمسك استيليو باسكندريته الحبيبة، مهما فعل عبدالناصر من إلغاء البورصة وتمصير المممتلكات، سيبقى استيليو في الإسكندرية هو وأفراد أسرته، فهو سكندري أكثر منه يوناني.

اختارته الجالية اليونانية – الباقية في الإسكندرية – رئيسا للنادي اليوناني العام، ففكر في هذا العام أن يدعو زملاءه اليونانيين الذين هاجروا وتركوا مصر، يدعوهم لقضاء عدة أيام في الإسكندرية.

أرسل إليهم الخطابات، وتحدث تليفونيا مع البعض، واستجابوا، جاءوا ليستعيدوا ذكرياتهم القديمة، ذهبوا إلى بيوتهم القديمة التي كانوا يسكنونها، استأذنوا سكانها، واستعادوا ذكرياتهم فيها، وأقام استيليو حفلا لهم في النادي اليوناني، لحم البقر والطيور بكل أنواعها، ثم اتفق مع محل فول وطعمية، فأرسل إليه قدرة فول كبيرة، صنعوا منها خلطة الفول السكندري المشهورة.

اليوناينون تركوا لحم البقر والجواميس والطيور ونزلوا على أطباق الفول، أكلوه في تلذذ، فهم لم يتذوقوه طوال سنوات غربتهم بعيدا عن مدينتهم الإسكندرية، فاضطر استيليو أن يسرع بإرسال سيارة أخرى وشراء قدرة فول أخرى، وأسرع الطهاة بصنع خلطة فول اسكندرية التي اشتهرت به.

مصطفى نصر




arrow_red_small 6 7 8 9 10 11 12 arrow_red_smallright