top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
كيف يحدد علماء الآثار مواقع الحفريات؟
علم الآثار هو دراسة الماضي البشري باستخدام بقايا المواد الذي خلفها القدماء ويستخدم علم الآثار القطع الأثرية والميزات لمعرفة كيف يعيش الناس في أوقاتهم وأماكنهم. يريدون أن يعرفوا كيف كانت الحياة اليومية لهؤلاء الأشخاص، وكيف حُكموا، وكيف تفاعلوا مع بعضهم البعض، وماذا يؤمنون ويقدرون...عن أصل كلمة عالم الآثار وعمليات المسح..والتقنيات الحديثة المستخدمة..وكيف يحدد عالم الآثار مواقع الحفريات ..يدور التقرير ...
شجرة الحياة... المزار الذي أبعدت كورونا عنه الزوار
تعد شجرة الحياة في مملكة البحرين معجزة حقيقة، فهذه الشجرة التي يتجاوز عمرها 400 عام وأكثر، لازالت تقف وسط صحراء الصخير جنوب العاصمة المنامة في بقايا قلعة عمرها 500 سنة، وسط درجات حرارة تزيد على الـ50 درجة صيفاً لتكون معجزة تشمخ وسط الصحراء الجافة الممتدة، حيث تقف وحيدة صامدة في بيئة لا وجود لحياة أو ماء فيها، ويبلغ طولها 10 أمتار، وتبعد عن العاصمة المنامة 10 كيلو مترات وتعرف محلياً باسم شجرة العوسج التي ...
مشروعات خيالية عملاقة قد ينفذها البشر يوما ما
ما هي أضخم المشروعات التي يمكن للإنسان تصميمها وتنفيذها؟ في السطور القادمة يسعى أندرس ساندبرغ للإجابة على هذا السؤال، عبر استعراض بعض أكثر الرؤى طموحا في التاريخ. في عام 1603، وضع كاهن يسوعي، يُدعى كريستوف غرينبرغر، تصورا لآلة قال إن من شأنها "رفع كوكبنا بأسره"، باستخدام الحبال والتروس. وفي تلك الأيام، كان غرينبرغر يتولى مراجعة الأبحاث التي يعدها المؤلفون اليسوعيون في مجال الرياضيات، في دور يشبه ما ...
هل كان كولومبوس مهرباً؟ سبعة قرون من نقل البضائع والكتب والممنوعات
أثار مسلسل «الهيبة» في السنوات الأخيرة، بأجزائه الأربعة، نقاشات واسعة حول طبيعة عمل المهربين والقيم التي يعيشون وفقها، ومدى صحة متابعة الجمهور لهذا النوع من المسلسلات، التي تنشر ثقافة العنف، وترسم صورة عن المهربين بوصفهم أبطالا وديعين وأصحاب هموم وطنية؛ إذ تدور أحداث الجزء الثاني من المسلسل حول رفض البطل جبل تمرير أسلحة ثقيلة باتجاه لبنان وسوريا، ليدخل في صدامات مع عصابات أخرى، وهذا ما ينطبق أيضا على ...
الحيلة اللغوية وعلم التداولية
تفترض عملية الاتصال بين مرسِل ومستقبل المعرفة اللغويّة، فالتواصل يتطلب الوعي بعلوم البلاغة، التي تهدف إلى إبلاغ المتلقي المعنى، وتمكينه في نفسه كتمكينه في نفس المرسِل، بمعرضٍ حسن وصورة مقبولة، من خلال وسائط عدّة، انتظمتها علوم "البلاغة" وساعد في إيصالها علم "التداولية"، على اعتبار أنّه ينظر إلى الإنتاج اللغوي، بوصفه فعل كلاميّ مبني على مقصد معيّن يوجّه ببوصلة الموقف الاجتماعي، الذي يوضحه ...
الاحتفال باللغة وتأصيل الحكي في أسرار أمونة
بعد تجربتين روايتين، الأولى تحت عنوان "عشق في زمن الغضب" الصادرة عن دار روافد بمصر، والثانية "ذاكرة جدار الإعدام" الصادرة عن دار مدارك للنشر والتوزيع بالسعودية، يطل علينا من جديد الروائي والكاتب المغربي خالد أخازي برواية جديدة تحت عنوان”أسرار أمونة” الصادرة عن دار مركز الأدب العربي بالسعودية، وهي تعد، حلقة أخرى في مشروعه السردي الذي يحتفل باللغة ويؤصل للعربية كلغة قادرة على احتواء المتغيرات والتحولات ...





في ندوة فكرية من السينمائيين والنقاد الألمان موسومة "حاضر النقد السينمائي"، الموضوع الذي يتعلق بواحد من أهم فنون الفيلم الفنية والإنتاجية والتسويقية، نظمها في منزله أحد الاصدقاء الصحفيين لغرض الحوار وتبادل الآراء بعد أن أصبح تعطل العديد من المهرجانات والفعاليات السينمائية العالمية في أغلب البلدان التي تقيم عادة مهرجاناتها السينمائية السنوية في مواعيدها، أمراً لا يمكن تحمله على المستويين الحرفي والمادي، بسبب تفاقم جائحة Covid -19 وتأثيرها على نشاط الصحفيين لاسيما النقاد، بسبب الالتزام بقوانين التواجد المباشر. إذ لم يحالف الحظ الكثير من الصحفيين إلا أعداداً محدودة، ومتابعة أحداث المهرجانات عبر منصات الأرقام الافتراضية.

بالطبع لم يكن الهدف من هذه الندوة التي أتيحت لي فرصة المشاركة فيها مناقشة الأمور السالفة، إنما ظاهرة ممارسة النقد غير الرصين في وسائل الإعلام المرئي والمقروء، المتعلق بمواضيع السينما حصراً، على أساس أن النقد السينمائي من ناحية "المقاربات الحرفية" لم يعد يقتصر على نخبة من النقاد المحترفين المتخصصين، إنما دخل على هامشه ممن يجهلون تعريفه وحتى مناهجه البليغة. وكان من بيننا ناقد سينمائي، كتب النقد وهو في الثامنة عشرة من عمره وأصبح محترفاً حين أسندت إليه وهو في الخامسة والعشرين مهمة الكتابة في صحيفة يومية لتحرير قسم الأفلام المعاصرة، ثم عمل محرراً وناقداً في مجلة سينمائية في باريس. إلى جانب ذلك عمل مستشاراً لمهرجان سينمائي أوروبي، وكتب النقد السينمائي في الكثير من المهرجانات العالمية وله العديد من الإصدارات والمنشورات المهمة.

الحديث في موضوع النقد ونحن نتحدث هنا حصراً عن النقد السينمائي، موضوع مهم، سيما وإن دراسات علمية حول تعريفه بشكل دقيق، نادرة، أو تكاد أن تكون في أغلب الأحيان قاصرة. وأن ثمة اعتبارات لا تزال تقف عائقاً أمام تطور أساليبه. على المستوى العربي مثلاً، هناك افتقار إلى أقسام تخصص عصرية ومراكز أبحاث ومعاهد وأكاديميات سينمائية وندرة المحترفين في هذا المجال وإناطة مكاتب خاصة بهم في دور الصحافة والإعلام، الأمر الذي أتاح لغير الحرفيين الذين يجهلون الفرق بين النقد والتحليل ولا يملكون مهارات، يمارسون النقد دون أن تكون لديهم الكفاءة والاختصاص.

طرح في مستهل الندوة سؤال: هل لا يزال النقد السينمائي العالمي (أنا أضيف ـ أو العربي) ضرورياً في عصر التكنولوجيا ولماذا؟. وهل النقد إبداع ـ أم ليس إبداعاً؟. أجاب أحدهم: بأنه لا يستطيع أن يحكم على ذلك، بقدر ما يجزم بأنه خط فاصل بين الفيلم والجمهور. ثم عرج، لإيجاد مقاربات لتفسير فلسفة النقد السينمائي، وإشكالية تعريف مصطلح النقد؟ ومن هو الناقد؟ فكلا التعريفين كما يقول ما زالا يثيران جدلاً فكرياً متصاعداً بين نقاد السينما في وسائل الإعلام.

كلمة "نقد" كما هو دارج في اللغة العربية، تعريف غير متوازن، ولا يتواءم مع دلالات المصطلح في اللغات الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، حيث لا توجد مثل هذه المشكلة اللغوية، بين المصطلح ومصدر الكلمة. إذن ما هو النقد ككلمة، ومن ثم كمفهوم؟ أصل الكلمة لا يعني ما تعنيه اليوم. ليست هناك كلمة مرادفة والصياغة المعمول بها تعني الإشارة إلى ما هو سلبي ـ حسب الكلمة ذاتها.. نقده بالعربية أي دفع له، ونقده بالدارجة أي انتقد ما عليه. أما الناقد؟ كما يفسره علم السينما، هو مَن يقوم بقراءة الفيلم قراءة معرفية تتجانس مع اختصاصات مهنية وفكرية من حيث الدقة والموضوعية. كذلك هو من يؤول على نفسه مشاهدة كل الأفلام بصرف النظر عن هويّتها ونوعها وما يعجبه وما لا يعجبه. من يتبحّر في ماضي السينما كما في حاضرها، ويفهم في العناصر المكوّنة للفيلم، الفنية والتقنية والفكرية، ويستطيع قراءة الفيلم ليس بطروحاته الفكرية أولاً بل بما يتألّف الفيلم مهنياً وفنياً.

والمهم من يتمتّع برؤية إنسانية من النوع ذاته، يراها أساسية للحياة البشرية على الأرض.
إذن ما هو النقد السينمائي؟ هل هو عملية إبداعية؟ هل هو عملية ضرورية؟ من يحتاج إلى الناقد والنقد؟ على هذه التساؤلات كلها تتمحور الإجابة حول حقيقة أن العمل النقدي عمل في الأصل غريب وغير منخرط بين الأعمال الثابتة والقائمة على حرفيات محددة كالإخراج والتمثيل والتصوير الخ.. لكنه عمل قائم بلا ريب يرتاده حالياً عديدون ولو أن معظمهم لا يعرف الكثير عن السينما لينقد فيها.. إذا ما كان ضرورياً فإنه ليس ضروريا بمجرد طرحه، بل باستكشاف وظيفته التي هي، اتخاذ خط وسطي يقع على مسافة واحدة من العمل الإبداعي والجمهور، ويوفر المعلومات الكاملة للمشاهد وتركه يختار المناسب لذائقته وثقافته. بذلك، يكون مشاهداً أفضل وناقداً مستقلاً.

لكن هل النقد رأي؟ أعتقد بأنه أبعد ما يكون عن مجرّد رأي. هو علم ومعرفة يفلترهما الناقد "مع تحفظي على كلمة فِلتر" حيث لها مرادف بالعربي "غرْبَله، وصفّاه، واختار لبابَه"، في صياغة عليها أن تتوجه إلى جميع القراء بمختلف مستوياتهم بوضوح مهما كان الفيلم خاصاً. كل إنسان لديه رأي، ما يميّز الناقد أن لديه المعرفة، لكن علينا أن ندرك ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بالنقد السينمائي؟ ما فعلته هنا هي ما تفعله في كل مكان تذويب الهوية الفردية إلى ذات تستطيع أن تشترك في الكتابة وإبداء الرأي من دون مرجعية أو معرفة، وبالتالي تذويب الهويات الثقافية والوطنية إلى مفهوم القرية الكونية. هذا دفع بالعديد من الكتبة الحديثين إلى الانتشار مما أسهم في تعميم النقد الناقص مقابل النقد الصحيح والتشويش على استيعاب الجيل الجديد لماهية المطلوب والدور المناط بالنقد.

من كل ما ورد، نفهم بأن تحليل الفيلم في إطاره النقدي هو إجراء مختبري لتفكيك الصور المتحركة، أي كل تفاصيل عمل الكاميرا، بمعنى تفسير نقاد السينما لأحداث الفيلم وصناعته، لا إعدادهم بروتوكولات.. أو بمعنى آخر هو اللحظة الحرجة لتقييم جودة الفيلم والتركيز على عوامل الجذب فيه.

مع بداية النهضة التجريبية الأولى لإنتاج الأفلام، كان النقد السينمائي في بداية القرن العشرين لم يصل بعد إلى مستوى من الأهمية. لكن عندما بدأت الأفلام الدرامية تظهر وتكون من الناحية الفنية والتقنية أكثر تعقيداً، ونزوع الفيلم بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية للانتقال من لغة الخطاب إلى الاهتمام بالجوانب الجمالية، حيث كان انتقاد الفيلم في كثير من الأحيان أداة للفكر السياسي والعقائدي، أصبح المشروع النقدي للأعمال السينمائية مع موجة التغيير الجديدة لمفهوم الفيلم بشكل عام أكثر رواجاً، كما أفرز على المستوى العالمي نخبة من الكتاب للتخصص باتجاه ممارسة هذا النوع من العمل الصحفي ليصبحوا نقاد سينما محترفين في وسائل الإعلام. لكن ما الذي قادهم لمثل هذه المهنة التي تتطلب الكثير من المتابعة والجهد؟ أعتقد السبيل كان غايته ثلاثة أهداف رغبة الناقد بناء علاقة ثنائية بين الفيلم والمتلقي، إيجاد تمايز بين توثيق الفيلم وأوجه المقارنة في أساليب الإنتاج، صحفياً كشف معايير الفيلم الفنية القيّمة وأهمها اللغة البصرية والنص والحركة لإشباع فضول المتلقي إبداعياً.

إذن مهمة الناقد الرئيسة عند تناول الفيلم بالمستوى اللفظي والنقد السينمائي المثالي، بالإضافة إلى تفسير خصائصه الجمالية والتعبيرية والبنيوية المتنوعة، التصدي لمعلومات الفيلم وبياناته الإنتاجية والمرجعية ـ البلد المنتج، نوع وطول الفيلم، رجال الكاميرا، أسلوب التصوير، المخرجين والممثلين والمنتجين، علاوة على الخبرات والمهارات التي يمتلكها طاقم الفيلم من ألفه إلى يائه، وبالتالي، وهو المهم، ستصبح هذه التفسيرات والتقييمات وسيلة لتواصل الفيلم مع الجمهور وسوف يكون ناقد الفيلم وسيطاً بين المنتج والمستهلك وانتقاد الفيلم جزء من الصفقات بين المجتمع والسياسة والاقتصاد.

والنقد السينمائي من وجهة نظري، بالإضافة إلى كونه حرفة وحلقة الوصل بين السينما واندفاع الناس إليها. فهو وسيلة لتقييم مقومات الفيلم الأساسية السيناريو والتصوير والمونتاج، أيضاً إضاءة جوانب الفيلم البنيوية على قاعدة الدفع باتجاه الإثارة والتأمل، كما يُعتبر النقد أحد مكونات صناعة السينما "الفيلم" وتسويقه. وإذا كان النقد السينمائي يعتمد الموهبة، فعلى الناقد ألا يوغل في وصف النقد للناقد عندئذ يصبح النقد من الناحية المعرفية والإعلامية لا قيمة له ولا ينسجم مع رغبات المتلقي واهتماماته. عليه أن يقوم بترتيب الوصف وتفسير قيّم الفيلم المفصلية، الفنية والجمالية، كجاذبية الظل والحركة أو الرمزية والانفعالات النفسية والاجتماعية والسياسية، ليتسع النقاش ليس بين الحرفيين وأصحاب الاختصاص وحسب، إنما بين القراء أيضاً.. ويبقى النقد السينمائي بما في ذلك الحديث أو استعراض فيلم في وسائل الإعلام كالصحف والمجلات أو الراديو والتلفزيون، عمل صحفي اختصاصي له من الأهمية التنويرية في الحياة السينمائية والمجتمع.


عصام الياسري







بيعت رسالة كتبها مسافر على متن سفينة تيتانك،في مزاد بمبلغ 42 ألف جنيه استرليني. المسافر وصف بالبطل الذي ضحى بحياته لإنقاذ الآخرين.

قدّم الواعظ القس جون هاربر سترته للنجاة إلى مسافر آخر، وغرق مع السفينة المنكوبة في المحيط في نيسان/أبريل 1912.

بيعت رسالة كتبها هاربر على متن "تيتانك" في مزاد على الإنترنت لبيع تذكارات من السفينة الشهيرة، في ويلتشاير في جنوب غرب إنجلترا.

في نيسان أبريل 1912، كتب هاربر مستخدماً أدوات مكتبية من "تيتانك"، رسالة إلى رجل دين زميل.
ونشرت الرسالة في "كوبه" في إيرلندا، المدينة التي كانت تعرف باسم "كوينستون" حيث رست تيتانك قبل أن تبحر عبر المحيط الأطلسي.

وتحدث في رسالته عن حياته على متن السفينة وشكر صديقه الزميل على مودّته.
وقال مدير المزاد العني أندرو ألدريدج:" ربما كان جون هاربر واحد من أكثرالرجال شجاعة على متن القارب".

وكان الواعظ هاربر يبلغ آنذاك 39 عاماً، ويعظ في كنيسة "والوورث رود بابتيست" في لندن. كان أرملاً وكان مسافراً برفقة ابنته آن جيسي وشقيقته جيسي دبليو ليتش إلى شيكاغو، ليقدم عظة في كنيسة "مودي".

ورفض أن يأخذ مكاناً في قارب النجاة إلى جانب ابنته وشقيقته، وبقي على متن السفينة لتقديم عبارات الدعم للمسافرين.
وأعطى سترة النجاة الخاصة به لمسافر آخر نجى بحياته. ونقل ناجون آخرون أنه استمر بالتبشير بالإنجيل خلال غرق السفينة.
أصوله من غلاسكو، بدأ واعظاً في كنيسة "بايزلي رود بابتيست"، التي سميّت عام 1921 باسمه تخليداً لذكراه.
وتوفيت ابنته آن جيسي عام 1986 بعد أن كانت الأكبر سناً من بين الناجين من غرق "تيتانك".

وقال ألدريدج من شركة المزادات في ويلتشاير إن أعمال هاربر تذكّر بصورة "ذلك الجيل البريطاني في أوقات الشدّة".

وأضاف أن الرسالة بحالة "رائعة" وأنّ أحد هواة الجمع احتفظ بها 25 عاماً وقرّر نقلها إلى الجيل التالي.

نصّ الرسالة

"أخي العزيز يونغ. أكتب هذه السطور قبل أن نصل إلى كوينزتاون لأؤكد لك أنني لم أنسك ولا سيما كل اللطف الذي أبديته بينما كنا في الشمال.

كنت أنوي إرسال تذاكر القطار الخاصة بالسيدة برات قبل مغادرتي مباشرة، لكن في العجلة، كان الأمر استثنائيًا بعد أن كان لدي 11 أو 12 خدمة في نهاية الأسبوع ، لم أتمكن من إنجازها

سأرسلها من شيكاغو. لقد حظينا بموسم رائع من البركة خلال الأيام القليلة الماضية في والوورث.
لا أعرف كيف يمكنني أن أشكر عمتي العزيزة وأشكرك على لطفكما الكبير. سيدفع لك الرب مقابل كل هذا.
ثق بأن الأمور تسير على ما يرام في طريق بيزلي. المحاربون معي هنا وهم يقومون بذلك بشكل جيد حتى الآن خلال الرحلة.
مودتي الكبيرة ، القس الذي يحبّك ، جون هاربر".








كشف علماء آثار ، عن بناء محصن في هضبة الجولان المحتل، قالوا إنه يعود لثلاثة آلاف عام في عهد الملك داوود.

ويّعتقد العلماء أن الحصن الذي يعود لنحو 3000 عام، والذي تم العثور عليه بالقرب من مستوطنة هيسبين الإسرائيلية خلال التحضير لأعمال بناء جديدة، ينتمي إلى قبيلة الجشوريين الذي كانوا حلفاء للملك داوود.

وتشكل صخور البازلت المستخرجة محليا، جدرانا بسمك متر ونصف.

وأشار باراك تزين الذي أدار أعمال التنقيب لصالح سلطة الآثار الإسرائيلية، إلى أن المساحة المكتشفة تغطي أكثر من ألف متر مربع.

وعثر الحفارون على حجر كبير، نقش عليه شكلان لهما قرنان وقد مُدت أذرعهما، بالإضافة إلى تمثال صغير لامرأة تحمل آلة موسيقية، قد يكون طبل إيقاع.

وأضاف تزين «يرتبط ذلك أيضا باكتشافات تعود إلى العصر الحديدي»، خصوصًا وأن قطعا أثرية مشابهة تم اكتشافها في مدينة بيت صيدا، لموقع يرتبط بعاصمة مملكة جشور" التي تقع غرب هيسبين على الشاطئ الشمالي لبحيرة طبريا.

وبحسب تزين، هناك مصدر يشير إلى وجود «روابط عائلية» بين مملكة جشور ومملكة داوود.

ويرى المشرف على عمليات التنقيب أن قلعة هيسبين وهي الأولى من نوعها التي يتم اكتشافها، تضيف «قطعة نادرة إلى أحجية» الآثار في الجولان.

وقال «هذه الظاهرة قد تكون أكثر انتشارا مما نعرف، الأبحاث في الجولان حتى الآن ليست على مستوى عال.. لقد بدأنا للتو في إعادة اكتشاف الجولان».

ويتوقع تزين أن تساعد الاكتشافات المستقبلية في رسم حدود مملكة الجشوريين على نحو أفضل.









يُسلّط فيلم جديد الضوء أخيرا على شخصية جاسوسة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الأنظار. ويشكل هذا الفيلم، كما تقول كارين جيمس في السطور التالية، واحدا من بين مجموعة من الأعمال السينمائية التي أُنْتِجَت مؤخرا، وتناولت شخصيات نسائية حقيقية ودورها في مقاومة النظم الاستبدادية أو المؤسسات التي أهدرت حقوق العاملين فيها.

كانت الأمريكية فيرجينيا هول تعمل لحساب الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانت قد فقدت إحدى ساقيْها في حادث صيد وقع قبل ذلك بسنوات. وخلال فترة الحرب، أصبحت فيرجينيا، التي أطلقت على ساقها الاصطناعية اسم "كَثْبرت"، أول عميلة ميدانية تُرسل إلى فرنسا، قبل احتلالها من جانب النازي وأثناء فترة الاحتلال أيضا. وقد أقامت هناك شبكات تجسس ومنازل آمنة، وكانت العقل المدبر لعملية تهريب أحد السجناء، ولتفجير خط إمدادات للقوات النازية كذلك.

ورغم أن النازيين أطلقوا عليها ساخرين اسم "السيدة العرجاء"، فإنهم كانوا يرهبونها، إلى حد أن كلاوس باربي، وهو من بين أكثر قادتهم وحشية، أمر بإطلاق عملية بحث عاجلة عنها، واصفا إياها بأنها من بين أكثر الجواسيس العاملين لصالح الحلفاء خطورة. لكنها لم تسقط في يد النازيين قط، وهربت من فرنسا كلها، بعد رحلة شاقة سارت فيها لنحو 56 كيلومترا (35 ميلا) عبر جبال البرانس التي تكسوها الثلوج، وهي تئن من الآلام المستمرة التي سببتها لها ساقها الصناعية.

وقد جُسِدّت كل هذه الأحداث - بأسلوب درامي بالطبع - في فيلم "آيه كول تو سباي" (دعوة للتجسس)، وهو عمل سينمائي جديد يندرج ضمن مجموعة من الأفلام التي أُنْتِجَت في الآونة الأخيرة، ونفضت الغبار عن تفاصيل حياة شخصيات نسائية، لم يلقين التقدير الملائم لهن في التاريخ.

وقد أخرجت "دعوة للتجسس" ليديا دين بليتشر، التي شاركت أيضا في إخراج فيلم "ريديم غيرلز" (فتيات الراديوم)، وهو عمل درامي آخر، يستند في قصته إلى أحداث حقيقية، ويدور حول شقيقتين تعيشان في ولاية نيوجيرزي في عشرينيات القرن الماضي، وتقاضيان مصنعا أصيب العاملون فيه بالتسمم، بسبب استخدام مادة الراديوم.

ويشكل هذان الفيلمان جزءا من توجه سينمائي، ينضوي تحت لوائه كذلك، فيلم "هيدِن فيغرز" (شخصيات مخفية)، وهو عمل أُنْتِج عام 2016 وحقق نجاحا كبيرا، وتناول قصة النسوة ذوات البشرة السمراء، اللواتي أسهمن في صياغة ملامح برنامج الفضاء الأمريكي. وكذلك فيلم "آمونايت"، وهو من إنتاج العام الجاري، وتقوم ببطولته كيت وينسلت، مُجسدة دور ماري آنينغ، تلك السيدة التي توصلت إلى اكتشافات رائدة في مجال الحفريات والحياة في عصور ما قبل التاريخ.

وهكذا ففي وقت تثير فيه حركة "أنا أيضا"، التي تُعنى برفض واستنكار أي اعتداءات جنسية على النساء، اهتماما متجددا بحقوق النسوة واستقلاليتهن، تتفاعل قصص السيدات اللواتي ظهرن في هذه الأفلام مع واقعنا في الوقت الحاضر، عبر المعارك المتواصلة التي خُضْنها مع المؤسسات التي كانت قائمة في الحقب التي عشن فيها، ومارست آنذاك التمييز ضد المرأة. لكن للحق، ليس هناك من بين هؤلاء النسوة، من عاشت حياة أكثر إثارة في أحداثها، مما فعلت فيرجينيا هول.

وتجسّد سارة ميغان توماس في الفيلم دور فيرجينيا، كما كتبت سيناريو العمل الذي يتطرق أيضا إلى حياة شخصيتيْن أخرييْن، لعبتا كذلك دورا خلال الحرب العالمية الثانية. أولاهما فيرا أتكينز، السيدة رومانية المولد، التي كانت جزءا مما عُرِفَ بـ "منظمة تنفيذ العمليات الخاصة"، التي كان يُطْلِقَ عليها كذلك اسم "جيش تشرشل السري". وقد تولت فيرا (التي تجسّد شخصيتها الممثلة ستانا كاتيك) تجنيد النساء للعمل كعميلات للاستخبارات، في وقت كان ذلك فيه أمراً غير مألوف بشدة.

أما الشخصية النسائية الثانية، فكانت سيدة إنجليزية - هندية من بين من جندتهن فيرا، وتُدعى نور النساء عنايت خان (أدت دورها الممثلة راديكا آبتي). وقد أُرْسِلَت نور إلى فرنسا لتصبح عاملة لاسلكي، وهي أخطر المهام التي كانت تُسند للعملاء في ذلك الوقت.
ورغم تعدد الشخصيات التي يتناولها الفيلم، فإن قصة حياة فرجينيا تشكل محور أحداثه، بداية بالكفاح الذي خاضته لتصبح عميلة استخباراتية رغم إعاقتها الجسدية وكونها امرأة كذلك. المفارقة أن هذين الأمريْن تحديدا شكلا "الغطاء المثالي" لها، كما قالت شخصية فيرا في العمل، عندما كانت تتحدث عن ضرورة توجه فيرجينيا إلى ليون، تحت ستار العمل كصحفية. وقالت في هذا الصدد: "لن يشك أحد في أن مراسلة أمريكية جميلة تعاني من العرج؛ مذنبة في أي شيء".

على أي حال، لا يُدخل الفيلم تغييرات جوهرية على الطابع الذي تصطبغ به عادة أفلام الجاسوسية، لكنه يستفيد من سمات هذا النوع من الأعمال لخلق أجواء من التشويق والترقب لمواجهات تبدو دانية في كل مرة يقترب النازيون من بطلاته. وبحسب الأحداث، تصل فيرجينيا إلى فرنسا، وتشرع على الفور في ترتيب رحلة ليلية خطيرة، يُعاد بها عميل بريطاني جريح إلى لندن. بعد ذلك، نرى هذه السيدة وهي تستجمع شجاعتها على نحو هائل، وتسير واثقة وهادئة، في وقت يطلق فيه النازيون النار على أحد أعضاء خليتها، على قارعة الطريق.

ويركز "دعوة للتجسس" على السنوات التي حققت خلالها فيرجينيا أبرز إنجازاتها، وذلك سيرا على درب غالبية الأعمال السينمائية، التي تُسلّط الضوء على بعض الشخصيات النسائية البارزة، وما مرت به في حياتها. ففي مقابلتها الأولى مع فيرا، تروي فيرجينيا ببساطة ما مرت به في سنواتها السابقة، مثل محاولاتها للعمل لحساب الاستخبارات الأمريكية، وفشلها في ذلك، بسبب استعانتها بساق صناعية، وهو ما حدا بها للتوجه إلى فرنسا، للعمل سائقة لسيارة إسعاف في زمن الحرب، قبل أن تعمل في مقر السفارة الأمريكية في لندن.

ورغم التزام الفيلم بالحقائق التاريخية الأساسية في حياة بطلاته، وتطورات مسار كل منهن في العمل السري، فإنه لا يفعل ذلك بالصرامة نفسها، عندما يتناول تفاصيل العلاقات التي ربطت بينهن. فمع أن فيرا عَرِفَت فيرجينيا بالفعل، لكنها لم تجندها كما ظهر في العمل. من جهة أخرى، فرغم أن نور النساء عنايت عَمِلَت تحت إمرة فيرا، فإنها لم تشترك مع فيرجينيا في الإقامة في غرفة واحدة خلال فترة تدريبهما على العمل الاستخباراتي، ولم تلتقيا بعد ذلك في فرنسا، كما ظهر على الشاشة.

وبررت الممثلة وكاتبة السيناريو ميغان توماس هذه التغييرات، بأنها أتاحت لها الفرصة "لوضع نور وفيرجينيا في المكان والزمان نفسيهما، مثلما حدث في فيلم `شخصيات مخفية`". وأضافت بالقول: "أنا أعتبر نساء مثل هؤلاء، الشخصيات الخفية لعالم الجاسوسية".

من جهة أخرى، أدى ربط قصص البطلات ببعضها بعضا، إلى جعل الفيلم وثيق الصلة بشكل أكبر، بعالمنا اليوم الذي تسوده العولمة. وتقول ميغان توماس في هذا الشأن إنها كانت مهتمة بفكرة "توحيد نساء من جنسيات وخلفيات مختلفة جهودهن لمقاومة شر مشترك". وعلى مدار الفيلم، نلاحظ كيف كانت الشبهات تحيط بـ "فيرا" في داخل قِسمها نفسه، لأنها يهودية من جهة ومولودة في دولة أجنبية من جهة أخرى. كما رأينا كم كان القلق يساورها، من إمكانية عدم حصولها على الجنسية البريطانية، وأن تتعرض للترحيل كذلك. أما نور المولودة لأب هندي وأم بريطانية، فنعلم من الأحداث، أنها مسلمة وناشطة من أجل السلام، تصر على أن لديها دورا يتعين عليها الاضطلاع به، على صعيد محاربة النازية.

الدراما والخطر

وتمثل فكرة المقاومة العنصر المشترك، الذي يربط بين فيلميْ "دعوة للتجسس" و"فتيات الراديوم"، الذي شاركت بليتشر في إخراجه مع جيني مولر، تلك السيدة التي كانت من بين كُتّاب السيناريو للعمل أيضا. وتبدأ أحداث "فتيات الراديوم" في عام 1925، في أروقة مصنع تعكف فيه العاملات على كتابة أرقام تتوهج في الظلام، على قاعدة الأرقام والرموز الموجودة في الساعات. ونرى هؤلاء العاملات، وهن يلعقن الفراشي المليئة بالطلاء، الذي يحتوي على الراديوم، كي يتسنى لهن رسم الأرقام بشكل أكثر دقة. بجانب ذلك، تبيع الشركة المالكة للمصنع، والتي تحمل اسم "أميركان ريديوم" المياه المُشبّعة بالراديوم إلى زبائنها، باعتبارها "إكسيرا سحريا".

وتتناول الأحداث قصة حقيقية لشقيقتيْن لجأتا للقضاء ضد الشركة التي عملتا لحسابها، بعدما اكتشفتا أن أصحابها كانوا على علم مسبق، بالخطر المميت الذي يشكله الراديوم على صحة من يستخدمونه، لفترة تستمر سنوات.

وعلى غرار ما حدث في "دعوة للتجسس"، تخلق بليتشر عالما سينمائيا ذا طابع مميز، وشخصيات يمكن للمشاهد التعاطف معها. وتُدعى الشقيقتان بطلتا العمل بيسي وجوزي. وتجسد جوي كينغ شخصية بيسي، التي تحلم بأن تصبح من بين نجمات هوليوود، فيما تؤدي آبي كوين دور جوزي، التي تتوق لزيارة مصر للقيام بالتنقيب عن الآثار. وبحسب الأحداث، تبدو جوزي أسرع عاملات المصنع وأفضلهن كذلك. لكنها سرعان ما تسقط فريسة للمرض. ورغم أن طبيب الشركة يقول لها إنها على ما يرام، نجد أنها تسعل دما، وتفقد أسنانها أيضا.
ويشكل إبراز الفيلم لطلاء الأظافر المتوهج المُشبّع بالراديوم الذي تستخدمه بيسي، نموذجا على قدرة العمل على الاستفادة بشكل فعال، من تفاصيل الفترة الزمنية التي تدور أحداثه فيها. اللافت أن نضال بطلتيْ الفيلم من أجل الكشف عن الحقيقة، لم يكن ليُعرض في وقت أكثر ملائمة لذلك من عصرنا الحالي، ما يظهر كيف يمكن أن يكون لحياة الشخصيات التاريخية، صدى في حاضرنا. ورغم أن تصوير "فتيات الراديوم"، انتهى قبل أن يجتاح العالم وباء كورونا، فإن بليتشر ترى أن قصته "تماثل ما يحدث في العالم حاليا، حيث يتم إنكار العلم، ويعتبر البعض شيئا ما آمنا، وهو ليس كذلك، وحيث نرى الناس يحتضرون ويموتون".

ورغم الحيوية التي تُقدم بها شخصيات هؤلاء النسوة على الشاشة، فإن أفلامهن لا تخبرنا سوى بجانب واحد، مما مرت به كل منهن في حياتها. فأحداث "دعوة للتجسس" - مثلا - تنتهي، والحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، دون أن يتطرق العمل إلى باقي مراحل حياة فيرجينيا، التي لا تُقاوم من فرط إثارتها. وتشكل تفاصيل مسيرة هذه السيدة بمختلف جوانبها، موضوعا لكتاب سيرة ذاتية ضخم نُشِرَ العام الماضي، واختارت له مؤلفته سونيا بورنيل عنوان "سيدة عديمة الأهمية: القصة المسكوت عنها للجاسوسة الأمريكية التي ساعدت على الانتصار في الحرب العالمية الثانية".

فبعد الحرب، أصبحت فيرجينيا واحدة من أوائل السيدات اللواتي عَمِلن في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي آيه) الوليدة وقتذاك. لكن حتى مسؤولي الوكالة يعترفون الآن، بأنهم لم يستفيدوا من قدرات تلك السيدة على الوجه الأمثل. وقد استشهدت بورنيل في الكتاب بتقرير سري، قال إنه تم تعطيل مسيرة فيرجينيا "لأنها كانت ذات خبرات كبيرة للغاية، يشحب في ظلها نجم زملائها الذكور، ممن شعروا بأنها تشكل تهديدا لهم".
وفي عام 2016، أطلقت (سي آي آيه) اسمها على أحد المباني. ورغم أن ذلك لا يشكل إعادة اعتبار لها بشكل كامل، فإنه خطوة ذات مغزى على أي حال. كما أن من شأن استعراض تفاصيل حياتها على شاشة السينما، جنبا إلى جنب مع قريناتها من النساء اللواتي لم يحظين بالتقدير على نحو كاف من قبل، أن يشكل تقديرا فعالا ونابضا بالحيوية لهن بشكل أكبر، من إطلاق اسمائهن على أي مبنى مهما كانت أهميته.






بلا شك أن الوقت هو أثمن ما في الوجود، فالوقت هو حياتنا، فنحن نحيا عدة سنوات لو قارنتها بعمر كوكب الأرض تصبح لا شيء (أقل من غمضة عين) وإذا قارنت عمرك بعمر الكون يطلع صفر، وأغني ملياردير سواء بيل جيتس أو جيف بيزوس أو سليمان الحكيم، مهما أوتي من ثروة فلن يستطيع شراء يوم أمس، وبالطبع أول أمس يكون أصعب، حتى الثانية التي مرت من عمرك لن تستطيع إسترجاعها، إلا أذا كان لديك آلة الزمن والتي كتبت عنها رواية هربرت جورج ويلز.

كل هذا مقبول ومعروف، ولكن أن يعلمونا في المدارس ونحن أطفالا صغارا: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك!" ففي هذه العبارة كلمتان تشكلان عقلية طفل "داعشي" السيف والقطع! تعلمنا هذه العبارة وحفظناها عن ظهر قلب حتى قبل أن نرى السيف، ثم أن العبارة لا معنى لها كيف يكون الوقت كالسيف؟ هل هو حاد هل هو صديء هل هو يقتل، وكيف سوف يقطعني السيف؟ هل سوف يقطع رقبتي مثلا؟

أما إذا جئنا للشعر، فحدث ولا حرج عند الكلام عن السيف، وسوف أضرب أمثلة للشعر العربي الذي تعلمناه وحفظناه في المدرسة ونحن في سن المراهقة، والأمثلة من أعظم شعراء العرب؛ أبو الطيب المتنبي وعنترة بن شداد العبسي وأبو تمام:
يقول المتنبي في أشهر أبياته:
السّيف أصدق إنباءً من الكتبِ
في حده الحدّ بين الجدّ واللّعبِ

يبدو أن المتنبي كان من جبهة الرفض وكان لا يؤمن بالسلام لأنه يرى أن الحرب هي أفصل وسيلة لإنهاء المشاكل مع الأعداء، والحرب هي الجد، أما السلام فهو اللعب! ولو عاش المتنبي حتى شاهد السادات يعقد معاهدة سلام مع إسرائيل لأعتزل الشعر ثم انتحر بالسيف لأن في حده الحد بين الجد واللعب.

ويقول أيضا المتنبي:
أجبته معلناً بالسّيف منصلتاً
ولو أجبت بغير السّيف لم تجبِ

وطبعا واضح بأن المتنبي كان ناصريا وآمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد ألا بالقوة.
أما عنترة بن شداد العبسي فكان حكايته حكاية، فقد أدخل السيف في كل شعره بما فيه شعر الغزل: فها هو يرسل رسالة على الواتس إلى حبيبته عبلة يقول فيها:

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعتْ كبارق ثغرك المتبسِّمِ

يعني هو في عز المعركة والسيوف تقطر من دمه تذكر حبيبته لأن لمعة السيوف ذكرته بابتسامتها، ما هذه الرومانسية التي تقطر دما، واضح إن عنترة كان ينافس أبو لمعة في المبالغة في القصص والحكي!

ويقول في موضع آخر:
أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُيوفِ القَواضِب
وَأَصبو إِلى طَعنِ الرِماحِ اللَواعِبِ
وَأَشتاقُ كاساتِ المَنونِ إِذا صَفَت
وَدارَت عَلى رَأسي سِهامُ المَصائِبِ
وَيُطرِبُني وَالخَيلُ تَعثُرُ بِالقَنا
حُداةُ المَنايا وَاِرتِعاجُ المَواكِبِ
تَطيرُ رُؤوسُ القَومِ تَحتَ ظَلامِها
وَتَنقَضُّ فيها كَالنُجومُ الثَواقِب

أتخيل عنترة ينام على ظهره في الصحراء يحاول أن يعرف عدد النجوم في السماء الصافية، ولكن فجأة يأخذه الحنين إلى ضرب السيوف وطعن الرماح وسهام المصائب والرؤوس تطير في الظلام، يعني الشخص الطبيعي يحن إلى الحبيب أو إلى الأهل والأصدقاء، أو على الأقل يحن إلى ساندويتش فول وطعمية أو طبق كشري، ولكن يحن إلى طعن السيوف والرماح والسهام وطيران رؤوس القوم، فهذا خيال شخص مريض بالقتل، ويبدو أن الشاعر الشهير أبو تمام أيضا انضم إلى جبهة الرفض فها هو يقول:

بيض الصّفائح لا سود الصّحائف
في متونهنّ جلاء الشّك والريب
فهو يكرر ما قاله المتنبي بأن السيوف أهم من الكلام،

وكل هذا الشعر الذي تعلمناه في فترة المراهقة غرس في نفوسنا تقدير وتعظيم السيف والحرب وتحقير السلام والمفاوضات، واعتبار اللجوء إلى السلم هو دليل الضعف والخنوع، وأن السيف يحل كل المشاكل وكل المسائل، لذلك لا تتعجبوا إذا ظهرت بيننا "داعش" أو "القاعدة" تقطع الرؤوس بالسيوف لأنها تحقق أحلام عنترة العبسي!

سامي البحيري





"صلصال أمريكي" مجموعة قصصية" للقاص التونسي ناجي الخشناوي، لم يكتف فيها السارد بقص الأحداث وإنما أقحم الراوي للتحدث مباشرة مع القارئ، كما كان يفعل بعض الممثلين في المسرح اليوناني القديم حين يخرجون من الركح، ويتحدثون مع الجمهور، ويكسرون الجدار بين المبدع والمتقبِل، أو كما هو الشأن في اكسسوارات الخرافة الشعبية التي تعتمد على عبارات توجه للمتقبل تتخلل الحكي لتشد انتباهه. وهذا ما جعلنا ننتبه لوقوف السارد أمام المرآة ، فلا نفصل من خلالها شخصية السارد عن شخصية الراوي المفترض.

الأنا المتكلمة في قصة متخيلة هي تقنية اعتمدها السارد للتأثير علينا كقراء عبر التواصل الشفوي، ودمجنا في عوالم القصص لنصبح شاهدين على أحداثها. تواصل يتمرد فيه الراوي على السارد وذلك ما تجسد في قصة "رجل أصفر" على سبيل المثال: "إن أقصى ما يمكنني فعله الآن هو أن أعثر على آلة التحكم عن بعد وأهمس لكاتب القصص هذا "سيدي يمكنك إنهاء القصة الآن". كما يراود ذكاء القراء بقوله: "الأكيد أنكم تفطنتم لكذبي عليه وأنه لا وجود لأي طارئ عائلي". فهو لا يخاطب ذهن القارئ فحسب، بل يجر مدركاته الحسية ليخوض معه تجربة القص، خاصة وأن النصوص زاخرة بمشاهد الحرب والدمار وتأثيرها على حركات الشخصيات من خلال صور واقعية، ونفسية، إلى الحد الذي جعلنا نتساءل إن كانت صور الحروب مدونة في كتب التاريخ، تغزو الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، ألا يحتاج القارئ لتقيء صور هذا الواقع الدموي المدمر، أليست الكتابة قدرة على التطهر وشحن الواقع برؤى الفكر للبحث عن عالم بديل. وأي خصوصية يمنحها الكاتب لقرائه وصور الحروب تتشابه في عنفها وسادية مقترفيها عبر التاريخ والثقافات، فما الذي تقدمه الصورة من خصوصية يجد فيها القارئ ما يحفز على اكتشاف الجديد والمبتكر، فهل سيلوذ الكاتب بالرمز ليذكي قدرته على الابتكار أم أن للحروب مشاهدها المجسدة لنرى من خلالها وقعها على شخصيات مركبة مشوهة تحت وطأة صدمات دمرتها المشاهد قاسية، الرجل الذي يتبول لا إراديا تحت تأثير كوابيس الحرب، والمصور في قصة "شلت أصابعي"، الصدمات النفسية التي تفضي للتعفنات النفسية السادية في قصة "رجل أصفر"، الشخصيات التي تتحول من القوة إلى الضعف. والأب الذي يتابع مشاهد الحروب في الصحف القديمة ويشارك ابنته تشكيل الأدوات الحربية بالصلصال في "صلصال أمريكي".


الصورة السينمائية في قصة "شلت أصابعي"

تدور الأحداث في قصة "شلت أصابعي" في فضاء تطغى عليه مشاهد الدمار حيث تتكدس الحجارة والبنايات المنهارة، تحولت فيه البنايات الشاهقة إلى ثغور جائعة.. جدران مثقوبة بفعل طلقات الرصاص، أبواب ملقاة الكوابل تتدلى، الدخان، والغبار.

يتحول الفضاء إلى مكان واقعي تصويري يطل من شاشة ما، ترصد الكاميرا تفاصيل بعض الزوايا لتخطط للمشهد من جوانب مختلفة، لتواجه الشخصيات بعضها بعضا في واقع حربي ملطخ بالقذارة، ينشر الرعب، تشتد فيه المواجهة، واقع يصنع نمطا من الشخصيات لا من خلال صورها المسالمة وإنما في وضعيات متوترة صادمة.

"كانت الصغيرة جاثية على ركبتيها تمسك بيدها اليسرى قطعة حديد صغيرة صدئة. ملابسها تقطر وسخا من شدة الأغبرة التي خلفها غبار الشارع.. تبدو من بعيد مثل قصبة هواء صغيرة، ترتعش وترتعد بشكل يدمي القلب.. كانت مثل فأر صغير تسمر أمام جدار لا منفذ منه للهرب. لكنها كانت تحاول إظهار شجاعة ما، وقدرة على مواجهة أسوأ الاحتمالات".

تتحرك الكاميرا لترصد المكان والمواجهة الفاصلة مع هذه الفتاة المسلحة بقطعة حديد لتدافع بها عن نفسها في قلب أحد الشوارع الخلفية تحت سماء رمادية مخيفة ترمز لوابل الرصاص المنهار على المكان. لم يكن الراوي وحده يواجه الموقف وإنما توجه للقارئ لنقل المشهد "وكأنكم أمام لقطة سينمائية تقدم مشهدا كلاسيكيا من أفلام الوستارن". فلغة المواجهة هي لغة رفع السلاح وإطلاق النار. ولكن الراوي أعزل، كان يواجه فتاة دمرتها الحرب وحركت فيها غريزة القتال، تحاصرها أكوام الحطام. فهرب إلى الأمام.
تمت المواجهة بين جسد محاصر بين الركام يتحكم في زمام المواجهة، وجسد له القدرة على الركض والقفز. ومع ذلك رمى جهاز التصوير، وفر عند انعدام لغة الكلام. فالحوار يغيب في الحروب وتحل لغة القنص. وقد استخدم السارد اللقطة العكسية عند الهروب وكانت الفتاة خلفه داخل الركام.

وفي عودته من الخلف عبر الشارع الموازي ليطل عليها من الفتحة المدمرة. انقلب مشهد الصبية من طفلة هاربة من ويلات الحرب في المدينة الصغيرة إلى مقاتلة بآلة الكاميرا كأنها تتقمص وضعية جندي. "كان المشهد مغايرا تماما. أخذت الصبية وضعية جديدة، انبطحت على الأرض ببطنها الفارغ وجعلت قدميها الصغيرتين تتراقصان مثل المقص، وكان وجهها مصوبا نحو وجهي الناتئ من تلك الفتحة المدمرة".

تتحول الكاميرا إلى سلاح تركه المصور الهارب لتستحوذ عليه الفتاة المحاربة وعوض أن ينقل هو صورتها لصحيفته، تصوره هي وكأنها بصدد تغيير الأدوار.
"كانت أصابعها سريعة فوق زر القنص، تلتقط الصورة تلو الصورة وكان الفلاش القوي المنبعث من آلة التصوير ينهال علي مثل بريق النار الذي يخرج من فوهة البنادق عندما تطلق رصاصاتها".

وبذلك تحولت الفتحة التي تطل منها الفتاة إلى إطار للمجال البصري والمواجهة وجها لوجه، وهي تسمى المواجهة الفاصلة في لغة السينما الكلاسيكية. كما أن الراوي لم يكتف بالتواصل مع القارئ في وضعيات الخوف والهرب بل جعل القارئ يراه عند هربه من الخلف، وزخرت القصة بسلسلة لقطات سينمائية لتصور أجواء المواجهة والهرب. أما السارد فقام بتنظيم شخصياته من خلال شخصية المصور الصحفي المحاصرة في مكان شبه مغلق تتحرك في فضاء محدود وشخصية الفتاة المتحكمة في المشهد على الرغم من أنها محاصرة في مكان ثابت محدود. والرسالة التي أراد إيصالها للقارئ بأن السلاح أقوى من الصورة وهو الذي يتحكم في الصورة. فسياق الصور الفني مدرج في سياق سياسي في فترة تاريخية معينة. والحروب الجديدة صارت تعول على سلاح الصورة وهي تشحن عدتها.


الفكرة التي نخرج بها حين نقرأ "صلصال أمريكي" أنه لا توجد حروب بل حرب واحدة تتكرر، تجدد آلاتها حسب التطور التكنولوجي. تفصل مشاهدها بصلصال لين عطر سهل التشكل كما اللغة التي تطاوع مستعملها. صورها تتكرر وتعاد بنفس الصيغة، تلازم الصحف القديمة والجديدة، تعدد فضاءاتها لتواصل امتدادها، لكن من يطهر العالم من كل هذه الصور المدنسة، ألا تكفي كميات هائلة من المطهرات لإزالة صورها العالقة في الذهن والشعور.

فالراوي / الأب يداوم على قراءة الأخبار في الصحف القديمة، منتهية الصلاحية لأنه يدرك أن نفس الأحداث والأخبار تتكرر. الحرب هي الحرب.. جثث الأطفال والطائرات والصواريخ والبزات العسكرية. صور المجازر والقتلى والمصابين .. منظمات وهيئات دولية الغوث الإنساني والصليب الأحمر والأمم المتحدة.. صناعة الحروب الدينية والاثنية والطائفية والعسكرية من أجل تدمير شعوب بعينها.. بل نحن نعيش حربا يومية صارت مألوفة تتسلل صورها إلى أصابع البنت الهشة تحرمها من براءة الطفولة، تستبدل صور الطبيعة بصور الحروب، لتصنع من الأشكال المختلفة ذات الألوان الزاهية دبابات وطائرات وصواريخ وقنابل يدوية ومدافع وأحذية جنود وخوذات عسكرية وبوارج حربية ومكبرات صوت وجثث آدمية أيضا شكلتها البنت بالصلصال الأمريكي المرن.

ما تبقى من صلصال شكل به الأب مخيمات وطائرات هليكوبتر وشاحنات كبيرة وجعل قرب المخيمات عددا لا بأس به من صناديق الأدوية وكراتين العجين والحليب رؤوس آدمية بأجساد متهالكة تعلوها ملامح الجوع والتشرد.

والآخر الذي تحمله القصة المسؤولية على الحروب العربية لا يقدم قوالبه الحربية فقط، بل هو الذي يشكل العالم ويرسم مشاهد الدمار، ويتسلل إلى كل شيء حتى عادات الأكل، الفتاة تخير أباها في الأكلة التي ستشكلها من الصلصال إن كان يفضل بيتزا أم برغر .. الصور إذن مرتبطة بإدراك الشخصيات أن هذا العالم متوحش. وزرع في أذهانها كل أدوات وصور الحرب، كما تسلل ايقاعه الآلي إلى عاداتها الاجتماعية، وفرض أنماطه الثقافية، لذلك اعتمد السارد على المشاهد البصرية المتراكمة في الذهن والذاكرة كتبت بلغات وأدوات شتى، وما زالت تتفصل من خلال الصور الإخبارية التي يتدفق بها الإعلام بل تسللت إلى رؤية الأطفال إلى العالم، ومن هنا يبرز صوت المؤلف وهو يعلي صرخة الإنذار بالخطر وهو لا يكتفي بالتحديق في الواقع بل يشعر أن جذوره تقويه وتزيد من حجم تضخمه. لذلك شكلت شخصية المعينة المنزلية التي تستهلك كمية مفرطة من مواد التنظيف وما ينتظرها من جهد لمسح آثار قوالب الصلصال الحربية حاجة هذا العالم للتطهر المفرط من كمية العنف المدمر.
الصور النفسية في قصة "الرجل الأصفر"

تنبري الصور النفسية للرجل الأصفر بتصرفاته الغريبة وهو يحول غرفته إلى مزبلة ليعبر عن فكرة متعفنة تجسدت بحركات هستيرية. من خلال إحساسه بانسداد الأفق وشعوره بالعيش في واقع معلب، وجد فيه الإنسان ومازال، يصنع علبه التي تحوي فوضاه وجموحه. فلم يرتب الأشياء من حوله بينما تتكدس على بعضها البعض في الحروب والنكبات وصور الهلوسات في الأحلام والكوابيس، ألا تحاكي تمثلاته الحلمية زيف هذا العالم المتنكر بلحاف السلام بينما يحركه المتوحش الجاثم في أعماق اللاوعي، ويراكم تضاريس صوره المفزعة. من هنا قدم لنا الراوي نفسه في قصة "رجل أصفر" وهو يعود إلى صور اللاوعي ويجسدها في الواقع حين يحول غرفته إلى أكداس من الأشياء والأدوات غير المرتبة كما عبر السارد عن ازدواجية هذه الشخصيى وانفصامها، وهو يقسم حكايته بين ضمير الغائب وضمير الأنا ليعكس انشطاره النفسي.
ما الفرق بين الأحلام والكوابيس والصور غير المرتبة، ألا تطغى على الواقع هلاوس الحلم المرتبة على شكل أكوام متراكمة على بعضها، هل تقدر الشخصية على التخلص من الهلاوس! أم إنها عاجزة على مواجهة صور كبتها. لم يكن ما يفعله غريبا عن الواقع وصور ومشاهد الحروب.
العلبة هي الرحم المعلب الأول حيث هيأه للنزول لعالم لا طمأنينة فيه ولا سلام. يخلف شخصية سادية حركاته مركزة ومدروسة لتحرق كل هذه المحتويات برسم حزام دائري من البنزين وإلقاء عود الثقاب. الخروج من العلب. تدفعه لاختلاق تهويمات متوترة بينما الذئب المتوحش يعوي داخله. الحياة السهلة انتزعت منه مبررات الوجود. يصاب بذعر وتشل حركته ويتدخل صوت الراوي لينهي القصة.
هذه عينات من مجموعة قصصية خاضت في موضوع شائك، مكرر، ممجوج، لكنها اقتنصت كوابيسه في اليقظة والأحلام.

هيام الفرشيشي







يستعد رواق الفنون ببن عروس بإدارة الفنانة التشكيلية نزيهة الصولي وتحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بولاية بن عروس لتنظّيم المعرض الشخصي للفنان التشكيلي الكبير علي الزنايدي خلال الأيام القليلة المفبلة وذلك ضمن النشاط الفني للموسم الجديد الذي شهد عددا من المعارض لفنانين تونسيين من مختلف التجارب والاتجاهات الفنية.

المعرض يضم مشهدية بانورامية مفتوحة على تجربة الزنايدي من خلال الأعمال القديمة والجديدة التي تعكس المسيرة وجهد العقود في تجربة سيد علي الذي هو واحد من أبرز التجارب الفنية التشكيلية المعاصرة في تونس والوطن العربي.
التجربة والمسيرة

هكذا يواصل الفنان التشكيلي والخبير في الأعمال الفنية علي الزنايدي أنشطته المتعددة في المجال الفني الجمالي حيث يقام له هذا المعرض بعد مشاركات سابقة حيث تم عرض لوحاته بعدد من الفضاءات وفق مشاركات شرفية وتكريمية جماعية وفردية كما كان له تكريم دولي بالدورة الأخيرة من المهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية بالمحرس حيث توج باللوقو-الدرع الشرفي للمهرجان بناء على تميزه وما قدمه من أعمال إبداعية في المشهد التشكيلي وبكلمة موجزة ومعبرة قدمه الناقد والفنان التشكيلي د. فاتح بن عامر ليثمن تجربته ويبرز خصوصياتها مشيرا إلى ما يميز سيد علي الزنايدي من علاقات جيدة بالفنانين وتواضعه وأخلاقه ما يجعله صاحب تجربة فنية بينة. كما كان الفنان علي الزنايدي ضيف شرف معرض "نساء 2020" برواق السعدي حيث حضرت لوحاته في حيز من اللوحات المشاركة لفنانات تونسيات بمناسبة عيد المرأة وفق تقليد ثقافي فني يعده سنويا الفنان محمد علي السعدي في نشاط رواقه بضاحية قرطاج.

ويحضر فن الزنايدي الآن ضمن معرض فني تشكيلي بدار الثقافة بمرناق في سياق مشاركة مع الفنانين عبدالمجيد بن عياد وإبراهيم العزابي وعبدالمجيد بن مسعود. وكذلك حضوره الشرفي في معرض جماعي برواق الفنون ببن عروس من خلال عدد من لوحاته الفنية، وإلى جانب عدد من الفنانين التشكيليين.

علي الزنايدي... فنان وتجربة... نعم إن الألوان تتكلم لتقول، بل تصرخ نشدانا للعين لترى ما به يصير المشهد عنوانا باذخا من عناوين الإبداع والإمتاع في تجليات شتى يلونها السحر والشجن المبثوث بين التفاصيل والأجزاء. إن الفنان يظل يسابق الرياح للقبض على المعاني وكنهها الإنساني والوجداني وألوانها الملائمة في حيز إنساني يتسم بالتعميم والتعويم ونثر الضباب لتقليص البون بين الحالة والآلة. نعم الفنان يمضي ديدنه الكشف ومساءلة العناصر والموجودات نحتا للقيمة وتثبيتا لما نسميه السمو. إنه السمو بما هو ساحر وجميل وفاتن ومهم في حياتنا التي يقف على أرضها المبدعون، الفنانون الذين لا يقنعون بغير النظر تجاه الشمس نشدانا للعلو وللقيمة. أليست الشمس مهد الكلمات. والكلمات لباسها الألوان والأصوات والحلم.

أنتِ .. أيتها الألوان الضاجة بالأصوات مثل ناي قديم.. يرافقك الطفل وهو يطاردك مثل فراشات من ذهب الأزمنة.. لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط .. والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجها من وجوه اللوحة جماليا. كل ذلك وفق إيقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار. والزمن في كل ذلك إطار متحرك ومفتوح.. نعم.. هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني، لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم.

من حي باب الفلة وفي أجواء نهج السبخة بهدوئه وناسه الطيبين وأزقته الشاسعة بالمحبة والشجن كانت الخطى الأولى حيث الطفل المتوغل في مسارب اللون والعبارة المرسومة على الملامح وفي الوجوه. من صحن الدار العربي ولمعان الجليز والأصوات المنبعثة من السوق حيث الأمتار القليلة الفاصلة عن المدينة العربية. من كل هذا وغيره بزغت فكرة الذهاب الجمالي في التعاطي مع القماشة منذ السبعينيات. هي الرحلة المفتوحة إلى الآن؛ على الفن بما هو المحبة وكذلك الشجن. تجربة بينت عمقها وأصالة عناوينها لتبرز قوية وهمة في تونس والوطن العربي عموما إلى جانب تجارب أخرى.

من هذا الباب الذي سميناه الحلم.. ألج عوالم أحد هؤلاء الفتية المأخوذين بالفن بما هو الحلم الذي تتعدد تيماته، حيث البساطة التي تصول وتجول في الدروب، الشوارع والأحياء والمدن، والبساطة هي أصعب أعمال الفنان.. الفتى هو الفنان الكبير علي الزنايدي الذي اتخذ لفنه نهجا مخصوصا ضمن تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود تميزت بدأبها الجمالي وجديتها من حيث العمل على رصد الجميل في الحياة التونسية. المدينة وعناصر حيويتها وحركتها المفتوحة على شتى العناوين والألوان. هناك حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي منها الحكاية المبثوثة في العمل التشكيلي بما بجعله يتجاوز القماشة إلى فضاءات أخرى منها الذات المتقبلة وما تزخر به من كيانات وأحاسيس الأمر الذي يحدث ذلك التفاعل الوجداني والجمالي ليصير ضربا من الثقافة البصرية المتشبثة بالأصيل والحديث لتجعل منهما جناحين للشخصية التونسية الآن وهنا.. هذا الأمر يرافق أعمال الفنان التشكيلي علي الزنايدي في مختلف معارضه السابقة والحديثة سواء في تونس أو خارجها، وهذا ما نلمسه في لوحاته ... مسحة من التجديد وعناوين شتى وتقنيات مختلفة كانت في اللوحات لتعبر عن هذا النسق الجمالي المتجدد عند الزنايدي وهو ينظر تجاه العناصر المختلفة يحاولها ويحاورها ضمن القول بالتعاطي الثقافي والفكري والوجداني معها.

الفنان علي يسعى لتقديم أعمال ضمن عنوان المشهدية في أشكالها المختلفة لنشاهد على اللوحات حالات من الحكايات فيها البانوراما وفيها المواضيع المحددة ولكنها تحتفي بذاتها بعيدا عن الاجترار حيث الألوان الدالة على الأعماق العربية الإسلامية والعلامات التونسية المستلهمة في الحياة الومية. حياة تنبض حركة وتدرج في الموضوع للوصول إلى بانورامية الحالة. هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم وفق إيقاع تشكيلي هاجسه التجدد ومزيد التوغل في البيئة الثرية؛ البيئة التونسية بحكاياتها وأشجانها وبمختلف رموزها وعلاماتها. ولا شيء سوى نشدان الإمتاع والإبداع.. قولا بالعذوبة.. والسحر والجمال الوجداني والمكاني المبثوث في الحالة وهي في عنفوان بهائها النادر.

هناك عشق مبثوث في تفاصيل الأعمال، هو عشق البيئة الغنية والمتنوعة؛ الغنية بثقافتها والمتنوعة في ممكنات التأويل. إن الفنان علي الزنايدي يستبطن جيدا جغرافيا المدينة ودلالات ألوانها وعطورها من حكايات وذاكرة ومناسبات وعلامات وتقاليد. إن أسلوب الزنايدي اتخذ خطه الخاص به حيث المفردة التشكيلية لا تلوي على غير القول بالعمق المرادف للبساطة وفق عنوان عام هو حميمية الفهم لحظة النظر حيث تنعدم حالة الانبهار تجاه الفنان والإنسان. إنها فقط لحظة إرضاء الذات التي يحتشد فيها ذلك التراكم الثقافي والوجداني والشعبي بمعناه العميق. وهنا تشتغل قدرات الزنايدي.









أعلنت لجنة تحكيم جائزة الكتاب الألماني، وهي إحدى أهم جوائز الروايات المكتوبة بالألمانية، عن منح الجائزة هذا العام للكاتبة انه فيبر عن روايتها " انيته، ملحمة بطلات".
وتعد هذه الرواية المكتوبة في شكل شعري تأريخا لحياة ان بومانوار، التي كانت مقاتلة ضمن صفوف المقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا، وكانت بومانوار96/ عاما/ معروفة بتقديم الدعم لليهود آنذاك، وقد حصلت ووالدها من مركز ياد فاشيم على اللقب الشرفي "منصفون بين الأمم".
وتم منح الجائزة التي تبلغ قيمتها 25 ألف يورو، بدون حضور جمهور بسبب جائحة كورونا.
وحصل خمسة مؤلفين آخرين على جائزة قيمة كل واحدة منها 2500 يورو.
وقد اطلعت اللجنة المكونة من سبعة أفراد على 206 رواية ظهرت في الفترة بين تشرين أول/أكتوبر 2019 وايلول/سبتمبر .2020

وقالت لجنة التحكيم إن قوة المؤلفة في السرد يمكن تشبيهها بقوة بطلتها، وأضافت أن " الإيقاع الحديث للشكل القديم للملحمة يخطف الأنفاس".
وكانت المؤلفة فيبر55/ عاما/ وُلِدَتْ في مدينة أوفنباخ، وبعد حصولها على الثانوية العامة انتقلت إلى فرنسا حيث لا تزال تعيش هناك حتى اليوم، وقد عملت أولا كمترجمة، وذلك قبل أن تعمل في نشر نصوص خاصة بها منذ نهاية التسعينيات، وهي تكتب مؤلفاتها بالألمانية تارة وبالفرنسية تارة أخرى، ثم تقوم بنفسها بترجمتها إلى اللغة الأخرى.
وقد تعرفت المؤلفة شخصيا على بطلة قصتها وكانت البطلة قد تأثرت بقرار فيبر الكتابة عنها، وكانت بومانوار ناشطة في المقاومة الفرنسية وعضوا في الحزب الشيوعي، كما أنها كانت تقاتل من أجل إنهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر.
ويجري توزيع جائزة الكتاب الألماني منذ عام 2005.








نشرت الرابطة الدولية للناشرين المستقلين، قائمتها للترشيحات السنوية من إصدارات الناشرين المستقلين بمناسبة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب والذي ينطلق /الأربعاء/.
وضمت الترشيحات لأول مرة قائمة كتب عربية بعنوان "أراب هوت ليست2020 " ARABHOTLIST2020 وكان ضمن الترشيحات ثلاثة كتاب من مصر بينهم اثنان صدرت كتبهم في دار صفصافة للنشر.
ويصدر الاتحاد تلك الترشيحات كتقليد سنوي للفت النظر للأصوات المستقلة في الأدب حول العالم.
واحتوت قائمة الاتحاد لهذا العام علي ثلاثة إصدارات من صفصافة للثقافة والنشر وهي كتاب "حزر مكمم" للكاتب أحمد ناجي (مصر)، ورواية "حكايات الخانكة" لياسر علام (مصر)، ورواية "الوحش الذي في داخلي" للكاتب الكردي حليم يوسف (ألمانيا/سوريا).
كما تضم قائمة الترشيحات رواية "آلهة مصر" للكاتب محمد ربيع (مصر)، وأعمال لكتاب عرب مرموقين من المشرق والمغرب مثل شكري المبخوث وخيري الذهبي وسومر شحادة.
وتسعى الرابطة من خلال هذه القائمة إلى تشجيع الناشرين المستقلين من مختلف أنحاء العالم لاكتشاف بعض جوانب الإبداع الأدبي والفكري العربي.
وتتبع هذه القائمة نهج فرع الرابطة في أمريكا اللاتينية، أعضاء التحالف الدولي للناشرين المستقلين، الذين احتفلوا على مدار السنوات الأربع الماضية بثراء وإبداع النشر المستقل بهذه الطريقة (انظر قائمة أمريكا اللاتينية الساخنة 2020).





الحديث عن المستقبل أو الحاضر المتشكل أخيرا أو الغائب عن الإدراك مغامرة في ظل تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية والتقنية، وما تشكله من تحديات للإنسان سواء فيما يتعلق بالصناعات الإلكترونية أو نظم الذكاء الاصطناعي أو إنترنت الأشياء أو الروبوتات الإدراكية.

وهذا الكتاب "من الهرميّة إلى الشبكيّة وجهة الدول والمجتمعات في عصر اقتصاد المعرفة" للباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية د.إبراهيم غرايبة يذهب إلى استقراء المستقبل قارئا للشبكية والمعنى الجديد للوجود الإنساني وعلاقة الشبكية بالاقتصاد والسياسة والتحولات المجتمعية. مؤكدا أن متواليات "الثورة الصناعية الرابعة" وتفاعلاتها الاجتماعية والسياسية تحلّ بسرعة أكبر مما تبديه الأمم من اهتمام واستعداد كافيين للاستجابة والاستيعاب.

وقال في الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون "إذا كانت التقنية تهبط وتعمل بلا استئذان، فإن الاستجابات ليست تلقائية ولا هي متشابهة؛ هكذا تتحول الأسواق والأعمال تبعاً للتقنيات والموارد الجديدة".

وأوضح أن الشبكية ليست مجرد تقنية تُطبَّق في الإصلاح أو التأثير أو التسويق، أو في أي اتجاه، بل هي منظومة جديدة تغيّر الاتجاهات العامة والاجتماعية للناس، وتكرّس فلسفة ومفاهيمَ وقيماً جديدة، أو تعزّز قيماً ومُثلاً جميلة معروفة من قبل. رغم أن الحياة تجري حقيقة في المستقبل، فالماضي انقضى، والحاضر يتسرب على نحو متواصل ليتحول إلى ماضٍ، فإن المعرفة العملية للإنسان بالمستقبل ضئيلة وملتبسة وغامضة، هكذا فإن التحديات والفرص والوعود التي تشكّل حياتنا الواقعية وما يكتنفها من توقعات ومخاطر يحيط بها عدم اليقين والخوف، والأخطر من ذلك أن التجارب الإنسانية وبخاصة في عالم العرب المعاصر يغلب عليها الانشغال بالماضي والغفلة عن المستقبل، ثم تزايدت المخاطر والصعوبات التي تحيط بحياتنا وتوقعاتنا بسبب التغيرات والتحولات الكبرى التي تجري في العالم في التكنولوجيا والموارد والأعمال، وتغيّر كل شيء تقريبا.


ورأى غرايبة أن المعارف والمهارات والقيم المستقبلية تطورت في العالم المتقدم حتى صارت السمة الغالبة لعمل الحكومات والمؤسسات والشركات والأسواق بل الأفراد أيضا، وصار ممكنا إلى حدّ كبير أو معقول الإحاطة بالمستقبل وإدارته، حتى في ظل عدم اليقين الذي يحيط به، والحال أن القيمة العظمى للعمل والتفكير المستقبلي ليست في صحة التوقعات، لكن في العمل والاستعدادات والقدرات والقيم التي تتشكل بفعل التفكير والتخطيط المستقبلي.

ولفت إلى أن مصطلح تكنولوجيا المعنى أفضل ما يصف التكنولوجيا الجديدة، إذ إنه ببساطة يختزل الاتجاه الأساسي للتكنولوجيا الجديدة ثم التحديات الحقيقية الناشئة، فالتكنولوجيا الحاسوبية والشبكية وما بعدها تحاكي الإنسان، وتؤدي معظم - إنْ لم يكن جميع - ما كان يعمله بنفسه، إنها لا تحلّ فقط مكان الإنسان في الأعمال والمؤسسات، لكنها أيضاً تنجز ما كان يتميز به الإنسان عن الآلة، وما كانت لا تستطيع أن تؤديه، فقد كرّس الإنسان لنفسه فكرة مركزية هي المعنى كالتفكير والتحليل والخيال والشعر والذكاء والتعلّم واتخاذ القرارات وتصميم السياسات والتوقعات، وكثير من الأعمال والمهن العادية والمتقدمة أيضا، كالتعليم والطب وقيادة الطائرات والقطارات والاستشارات والتحليل والتصميم والإعلام والمراقبة والأمن والدفاع، وبكفاءة مضاعفة. هكذا يواجه الإنسان تحدياً حقيقياً في أهميته ومعنى وجوده، أو يجب أن يبحث عن معنى جديد يتميز به، ولا تستطيع التكنولوجيا الجديدة أن تفعله.

وأشار غرايبة إلى أن الحديث عن هيمنة التكنولوجيا على المعنى ليس توقعاً مستقبلياً ولا فكرة نظرية، لكنه أمر واقع يتشكل أسرع مما يتوقع معظم الناس، وربما يكون العالم بحلول منتصف القرن الحالي عالماً آخر مختلفاً في تنظيمه ومؤسساته وأعماله وأفكاره وقيمه، ويمكن في هذه المساحة أن نفكر في مجموعة من القضايا والأفكار العملية والمطروحة في الفضاء العام. ما الذي تؤدي إليه الطائرات المسيّرة من دون طيار؟ ما وجهة الجيوش والصراعات؟ وماذا ستكون وظيفة وأعمال الطيارين؟ وكيف سيكون تنظيم الجيوش، وما دورها؟ بالطبع فإنها مسألة لا تقتصر على الجيوش والحروب، لكنها تمتد إلى النقل والشحن والبريد وخدمات التوصيل، كيف ستكون بعد ذلك وجهة الأعمال في النقل؟ وكيف تعمل إدارات الحدود والجمارك؟

وأضاف "في تشغيل منصات التعليم والتطبيقات التعليمية والتدريبية، التي صارت متاحة وممكنة بتكاليف أقل بكثير من تكاليف المدارس والجامعات والمراكز التعليمية والتدريبية، وبإمكانيات في المحتوى والمهارات تستوعب معظم العلوم والمعارف والتخصصات، إلى أين تمضي المؤسسات والمهن التعليمية؟ وكيف يجري تنظيم التعليم والمهن والإجازة بممارستها؟ هل ستظل العلاقة بين السلطات السياسية والتعليم والمؤسسات التعليمية كما هي الحال في الدولة المركزية؟ لقد بدأنا نشهد بالفعل هذه التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية والإرشادية، إذ تحوّل الإعلام إلى فضاء مفتوح للتلقي والمشاركة بلا حدود ولا تنظيم

وتتشارك اليوم المؤسسات الإعلامية والإرشادية التقليدية مع عدد هائل لا يحصى من المنصات التي تُقدّم بسهولة ومن غير تكاليف ومن غير تنظيم قانوني أو سياسي ما تشاء من محتوى بالصوت والكلمة والصورة وبجميع اللغات، ومن وإلى جميع أنحاء العالم. ماذا تفعل الأمم في إدارة وتنظيم هذا الفضاء؟ وكيف تحمي نفسها من الإشاعات والأخبار المزيفة، وكيف توفّر لمواطنيها وللعالم المعلومات والمعارف الضرورية واللازمة للإحاطة والعمل والتعليم والتدريب؟.. والمعنى أيضا!

ورأى غرايبة أن الشركات والأعمال والمؤسسات التجارية بمختلف حجمها ومواردها تلجأ على حماية مصالحها باستخدام التكنولوجيا الجديدة مشاركة ومنافسة أحيانا للمؤسسات السيادية للدول، فشركات التأمين والبنوك على سبيل المثال تُنشئ أنظمة للتحري والحماية والاستعلام، ولم يعد سراً ولا مستهجنا أنها تملك معلومات كثيرة وهائلة عن مؤسسات الدولة الأمنية والتنظيمية، وأتاحت البيانات الضخمة والهائلة على الشبكة الفرصة لشركات مثل فيسبوك وغيرها فرصاً وقدرات كبرى للتأثير في الاتجاهات والأفكار أو في توظيف المعرفة والمؤشرات الهائلة والدقيقة في أعمال ومصالح سياسية واقتصادية، ولم تعد المنافسة التجارية والانتخابية والسياسية تعمل بالقواعد التقليدية التي تواضعت عليها الأمم منذ نشوء الرأسمالية والاقتصاد الصناعي.

وأكد أنه على المستوى التجاري والاقتصادي، فإن تكنولوجيا المعنى تعمل ببداهة وفق قاعدتين، هما الاستغناء عن العمالة البشرية ما دام ممكناً للآلة أن تفعل ذلك، ونشوء أعمال وفرص جديدة أنتجتها التكنولوجيا نفسها، وقد يبدو ذلك يعمل تلقائيا، لكنه مرتبط بالسياسات والمؤسسات القائمة مستقلةً عن هذه المتوالية، ذلك أن التكنولوجيا ومنذ الثورة الصناعية تنمو وتعمل بشكل رئيسي في الأسواق والشركات، وبنسبة أقل في مؤسسات الدولة التعليمية والبحثية، أو أن هذه المؤسسات صارت تابعة لاتجاهات السوق ومصالحها.
يُفترض، بطبيعة الحال، أن تنشأ حول اقتصاد المعرفة أو الشبكية، بما هو التقنيات والموارد الجديدة "الحوسبة والتشبيك والتصغير والأنسنة والجينوم والروبتة والطابعات ثلاثية الأبعاد، والبرمجة الإدراكية والمعلوماتية.."، منظومة اجتماعية وثقافية. وبالطبع، تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً ولا تلقائياً

وفي ذلك فإن الخطاب الإصلاحي يجتهد بالاستجابة للمرحلة الشبكية/المعرفية ببناء منظومة فكرية وفلسفية يَستمدّ منها برامج وأفكاراً واتجاهات في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية والسياسية والقيم والثقافة والمدن.

وأوضح غرايبة أنها عمليات تكتنفها صعوبة الانقطاع عن الماضي الصناعي وغموض التشكل والاتجاهات، فما زلنا في مرحلة انتقالية من الصناعة إلى الشبكية أو ما بعد الصناعة، وهي مرحلة مليئة بالخوف وعدم اليقين والتغير المستمر، لكن يمكن تقدير اتجاهات ومبادئ للتفكير والاستشراف، منها إنشاء العلاقة الصحيحة والملائمة بين الموارد والتقنيات، والتشكلات والاستجابات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ومواجهة العلاقات والتشكلات الخاطئة، وإعادة صياغة الأهداف والأغراض العملية للإصلاح، في ظل الفرص والتحديات الجديدة الناشئة عن هذه التقنيات والموارد، وأخيراً إعادة تعريف الإصلاح نفسه، والتمييز بين الإصلاح وضده، وملاحظة ما أنجز بالفعل، أو تلقائياً، من أهداف إصلاحية، بفعل التقنية والتحولات الجديدة، وما يجب إنجازه، وما يجب التمسك به، وما يجب التخلي عنه، وإعادة توزيع الأدوار والأعباء والشراكات والتحالفات بين فئات العمل الإصلاحي ومكوناته، فما كانت تقوم به، مثلا، وسائل الإعلام، صارت تشارك فيه المجتمعات على نحو فاعل ومؤثر.

ولاحظ أن اتجاهات وقيم اجتماعية وثقافية تتشكل حول الشبكية مثل الفردية والتحولات في أسلوب الحياة ومهاراتها، والنزعة إلى المجتمعات والمدن المستقلة، وصعود الفنون الجميلة والإبداعية؛ مثل العمارة والشعر والموسيقى والتصميم والرواية والرسم، وصعود الفلسفة والتصوف، وظهور الإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه.

وبالطبع، فإنها مقولات وتقديرات تحتاج إلى توضيح وإثبات. مؤكد أن الإنسان يبحث ويفكر في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات التي تجري في الأسواق والموارد. وبسبب سرعة هذه التحولات وجذريتها، فإن الأفراد والمجتمعات يعطون أولوية وأهمية لأسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه، فمثلا، عندما تصعد وتنتشر تقنيات التصوير والمراقبة وجمع البيانات، يتشكل فكر واتجاه اجتماعي لحماية الخصوصية وإعادة تعريفها. وكانت الفردية ضريبة تؤدي في مجتمعات واقتصاد الصناعة، لكنها تتحول في اقتصاد المعرفة إلى فضيلة وضرورة اجتماعية، يحمي بها الإنسان نفسه من الانتهاك والخواء.

وهكذا؛ تصعد قيم الفردية باعتبارها مبدأ أخلاقياً رفيعاً وحقاً جديداً للإنسان، ليحمي نفسه من هيمنة التقنيات الجديدة، وليرتقي بنفسه، ويحلّ فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة، والعلاقات الاجتماعية نفسها تتعرض لتحولات وتحديات، ففي فرص العمل، في المنزل أو عن بعد، يقلّ الدور الاجتماعي لمؤسسات العمل، وهي نفسها تواجه الانحسار والتحول. وفي فرص التعلم الذاتي وعن بعد، يتغير وربما ينحسر الدور الاجتماعي للمدارس والجامعات. وهكذا؛ فإن الإنسان في حاجة إلى أوعية جديدة لتنظيم علاقاته وبناء الصداقة. كيف ستتكون قصص الحب والتعارف؟ وما حدودها وآفاقها في ظل فرص وإمكانيات التواصل الجديدة، واختفاء أو انحسار وسائل التعارف والعلاقات التقليدية؟

وشدّد غرايبة على أن الإبداع صار القوة الرئيسية المحركة لاقتصاد المعرفة وأسواقها، وهذا يجعله هدفاً أساسياً للتعليم والتدريب ومقياساً للتقدم المهني والاجتماعي، وجوهر التنافس على فرص العمل والقيادة. هكذا تصبح الفلسفة والثقافة والفنون والموسيقى والكتابة الإبداعية والشعر والرواية والقصة والعمارة والتصميم المحتوى الأساسي للمؤسسات التعليمية والتدريبية؛ لأنها المداخل الأساسية لتشكيل وتنمية الإبداع والخيال، باعتبارهما المهارات والقيم الأكثر أهمية، وما يجب أن تحوزه السوق والعاملون فيها.

وأضاف أن التقدم العلمي والتقني الجديد يعتمد على معرفة الإنسان وفهمه، ففي محاكاة التقنية للإنسان، تصعد علوم اللغة وعلم النفس والاحتمالات، فجوهر التقدم العلمي والتقني اليوم هو تحويل اللغة والإمكانات والمهارات العقلية والتحليلية والتذكر والتداعيات والترجمة والتفكير والإدراك إلى رموز وبرامج حاسوبية وأجهزة وروبوتات.

وبطبيعة الحال؛ يصعد الشك ليحلّ بدلا من اليقين، وتصعد العلوم الإنسانية مثل الفلسفة واللغات والاحتمالات والمنطق، وتحتل موقعاً جوهرياً ومؤثراً في العلم والتقنية والحياة، وفي إعادة النظر في المعنى والجدوى والوجود والمصير يصعد التصوف، بما هو التأمل الفردي والبحث عن الإجابات والإلهام، أو تخيل الحقيقة ولأنه خيال فلا يحوله إلى معرفة متبعة سوى النزاهة والثقة، هكذا تتحول قيم النزاهة والثقة إلى المورد الأساسي للمعرفة!

وهذا الإنسان، بفرديته وإمكاناته الجديدة، في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه، يعيد تعريف المهن والحِرف، وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق، ففي مدن الأفراد القادرين على العمل، بأنفسهم ولأنفسهم، الذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير أيضاً العلاقة مع السلطات والأسواق.


محمد الحمامصي







رغم إعلان بيكاسو في تصريح منسوب له أنه لم يكن يحب الموسيقى، يكشف معرض غير مسبوق في باريس شغفا كبيرا بالأنغام الشعبية لدى الرسام الإسباني الشهير وميلا لاستكشاف الآلات بدقة، كما يضيء خصوصا على موهبة حقيقية في ابتداع موسيقى صورية.

لم يكن بيكاسو "شغوفا بالموسيقى ولم يكن في وسعه قراءة توليفة موسيقية وهو لم يكن بحاجة إلى الموسيقى للعمل، كما الحال مع شاغال" أو ماتيس، بحسب ما تقول سيسيل غودفروا القيّمة على معرض "موسيقى بيكاسو" في حرم أوركسترا باريس الفلهرمونية (من 22 أيلول/سبتمبر إلى 3 كانون الثاني/يناير).

غير أن أعمال الفنان الذي يعدّ من الأشهر في العالم والذي كان محور معارض لا تحصى "عامرة بالآلات الموسيقية والموسيقيين والرقص"، وفق غودفروا.

وقبل أربع سنوات استندت مؤرّخة الفنّ هذه إلى تصريح نسبته الصحافية الفرنسية إيلين بارمولان في الستينات إلى بيكاسو يبدو متناقضا مع واقع الحال مفاده "لا أحبّ الموسيقى".
ويجمع هذا المعرض الذي أُجّل خمسة أشهر بسبب الوباء أكثر من 250 عملا على صلة بالموسيقى، منها لوحات مثل "كمان ومخطوطة موسيقية" و"طبيعة ساكنة على البيانو" و"امرأة مع دفّ"، وثلاث منحوتات بيضاء لعازفين على أنواع مختلفة من الناي.
وقد صنعت هذه المنحوتات لحديقة دارته "لا كاليفورني" على الساحل الشرقي لفرنسا حيث مكث في الخمسينات.

وقد يعزى هذا الإعجاب إلى طفولته التي أمضاها مع والده خوسي رويس بلاسكو الشغوف بموسيقى الفلامنكو. وهو كان "يتسكّع في طفولته في أحياء مالقة (مسقط رأسه) الغجرية برفقة والده، وقد أثّر فيه ذلك كثيرا"، بحسب غودفروا، ونمّى فيه حبّه للموسيقى الشعبية التي كان يستمع إليها في شوارع برشلونة أو حيّ مونمارتر الفرنسي حيث أقام في العام 1909.
وهذا النمط الموسيقي "الصاخب والمنفتح والأخوي" يتجلّى في أولى لوحات بيكاسو خصوصا من خلال شخصية المهرّج (أرليكينو) الذي يعزف على قيثارة صغيرة في إحدى اللوحات الزيتية.

ولا عجب في أن يكون الغيتار، مع ما يحمله من مدلولات إلى بلده الأم إسبانيا، الآلة الموسيقية المفضّلة لبيكاسو (1881-1973)، بحسب القيّمة على هذا المعرض الذي يقدّم للمرّة الأولى نحو عشرين آلة نفخ هوائية وآلة وترية كان بيكاسو يجمعها ليدرسها بدقّة كبيرة.
وفي الفترة التكعيبية، كان الفنان الذي أمضى الجزء الأكبر من حياته في فرنسا يفّكك الآلات ويعيد تركيبها

وقد لا يكون بيكاسو الذي كان على علاقة لمدّة 20 عاما تقريبا براقصة الباليه أولغا خوخولوفا وربطته صداقة بكبار الموسيقيين، من أمثال إريك ساتي وإيغور سترافينسكي من كبار هواة الموسيقى، غير أنه "يظهر لنا بوضوح أن كلّ ما له صلة بالموسيقى كان يثير إعجابه"، بحسب غودفروا.

فأعماله، على اختلاف أنواعها، تزخر بالموسيقيين وراقصات الباليه. وهو احتفى بالموسيقى وكانت أعماله الأخيرة غنية بالشخصيات والحيوانات الميثولوجية التي تفيض طاقة وحيوية و"تصدح" بموسيقى صورية تنمّ عن مكنونات حياة الفنان.







مجموعةُ الشَّاعرِ أوس حسن "الغريبُ الذي نَسِي ظلَهُ" واحدةٌ من المجموعات التي اشتغلتْ على بنيةِ الحضور والغياب، فقد تكونتْ من ثمانِي عشرة قصيدة، استهلت بقصيدةِ "أسئلة من رماد"، وهي قصيدةُ أسئلةٍ منذ مستهلها حتى خاتمتِها. وقوامُ هذه الاسئلةِ يقومُ على الحضورِ والغيابِ، بوصفهما فعلا حياتيًّا، قد يحدث فيها، ولكنَّهما ليسا متضادين، كما يتجلَّى ذلك في المعنى الذي تحيلُ عليه المُعجماتُ العربيّةُ، وهو ينحصرُ بالتناقضِ والتضاد.

تتعاونُ الاسئلةُ فيما بينها لتكوِّن بنيّة القصيدة كلها، فهي تبتدأ بـ "لماذا تركت الغريب وحيدا خائفا"؟ وتتوالى الأسئلة لتدور حول فكرةِ "الخفاءِ والتجلِّي" أو "الحضور والغياب"، فترك الغريب خائفًا، محوٌّ، وسرقةُ الغيمِ محوُّ، والموت محوٌّ، وسرقةُ الحكمةِ محوٌّ لذاكرةٍ شعريةٍ مكتنزة بالحكمة: لماذا تركت الغريب.. وحيدًا خائفا / يتسكعُ في أزقة الموتِ الباردة / وسرقتَ الغيم من ذاكرته الحبلى بالمطر. ولعل قوله: "وكأن مهنتك صناعة الغياب" تكشفُ بنيةَ هذه القصيدة القائمة على فكرةِ الغِياب، قبالة حضورات مجازية، شفيفة تلوح منها غيابات كثيرة؛ فالمضي خلف الذكريات محو وتلاشٍ، وضياع الغريب الذي تتدافعُ به الأزقة لتوصله إلى عتبات الموت، اختفاء وغياب.

وتمثل هذا المنحى قصيدة "السيِّدة التي صارت موسيقى للبحر"، فقد حضرت الأفعال: “بكت، وانطفأت، و(أرى) المنفية بـ لم، والفعل الماضي (بحث) المسند إلى تاء الفاعل، وتكسرت، وتصدع”، لخلق حالة الغياب،؛ إذ تؤدي دلالتها المعجمية والمجازية إلى الانتهاء والمحو، حتى ألفت البنيةَ اللغويةَ للنص كلّه؛ إذ شفعها بأفعال أخرى أكدت حالةَ الغيابِ الطويل الذي دفعه إلى التحليقِ عاليًّا نحو فضاءات الخلاص، فضلًا عن تتابع (لا النافية) جعلت الغيابَ حقيقةً والحضورَ بعيدَ المنالِ.

بكت أجراسُ الظلامِ/ انطفأت شموعً الصلوات / ولم أرَ وجهكَ يلتمعُ في الريح.
يشكل العنوان بنية الحضور في "أجراس الزمن البارد"؛ فالأجراس انتظار لحظة البداية، ونعت الزمن بالبارد، تشي بالانتهاء والموت، ثم يأتي استهلال القصيدة؛ ليؤكد ذلك الحضور المنغمس في الغياب، فتكرار عبارات “آنَ الأوانُ” دليل على نكوص الأمل والانغماس في
الغياب.

ويكرّس المتن للحضور المجازي، حضور الذات أمام غياب الآخر ونكوصه، وقد خلق حالة من التوازن بينهما: على حافةِ الغروبِ / ومع أولِ شهقةٍ / وآخر ضحكةِ للطيورِ المهاجرةِ / أذكرُ أنَّهما التقيا أوَّل مرةٍ.
فعل التذكر – هنا - حضور، لكل ما يحدث بينهما، إذ يقتسمان المقطع، ويشتركان في كل التفاصيل الصغيرة التي أثثت البنية العامة للنص. فيما تظهر خاتمة النص الإعلان عن الغياب، والتواري خلف الستار نهائيا.

ومن المفيد ذكره أنَّ هذا الافتراقَ بين الثنائيتين، والاندماجَ بينهما هو السَّمةُ الطاغيةُ على عمومِ قصائد الديوان. ويمكنُ التمثُّلَ عليه بقصائد (أغنية من جليد)، و(قمر أخضر). والطريف أن خاتمتيهما تتشابهان على صعيد الصورة، واستجلاب الصوت، إذ أنَّ كليهما تنفتحان على أفق التفاؤل في الأولى، وتتراجعان في الأخرى نحو الماضي المغيَّب:

بعد موتِه .. كان يطوي السماءَ في معطفِه / ويغني / وظلَّ يغني.

تمثل العودة إلى الطفولة نوعًا من الهرب من الواقع والارتماء بأحضان الغياب، ولعلَّ قصيدتي (قطار النشيد)، و(المتهم بصمته) اللتين أقامهما على بنية الحوار نوعٌ من الغيابِ او التغييبِ الذي يؤدي إلى الغياب التام؛ ذلك أنَّ تنامي القصيدة يتمُّ ويستحكم عبر “خط درامي يكشف عن عناصر الغياب. وتوحي قراءة قصيدة (مراسيم الموت الأخير) بأَن العنوانَ يحدد بنية القصيدة الغياب، ويسيطرُ على متنِ النَّصِ عَبْرَ مجموعةٍ من الألفاظ والتراكيب، فضلًا عمّا يبثُ المتن من دلالاتٍ تتفاوتُ فيها حضورات الغياب وغيابات الحضور: في نهاية الدرب الطويل / الشجرة المضيئة بملح الأرض ولون الدم / هي وحدها من ستروي غدًا أساطيرك للعابرين.

أمَّا قصيدةُ "ناقوس الغابة المظلمة" ذات النهاية المثقلة بالمأساوية فتشي بحالة الغياب التي تتملك الغريب، ولا يتخلص من قبضة الزمن الممتد في عمق السنين، أو الزمن العابر للماضي والمشرئب نحو المستقبل: تحاصرني الأصواتُ من كلِّ الجهاتِ/ لا حلمَ هنا يلمعُ بالذكرى/ لا قنديلَ هنا يلمعُ بالحياة.

تأخذ بنيةُ الغيابِ شكلًا آخرَ، حينَ يتعرضُ لحالاتِ غيابٍ متعددةٍ؛ إذ تغدو القصيدةُ كلُّها مثالًا على هذه البنيةِ التي أصابتْ الجسدَ العراقيَّ كلَّه، بحيثُ أفقدتْ الوطنَ شكلَّهُ ولونَهُ. وإلى جانبِ هذا يغدو النسيانُ أو تفريغُ الذاكرة نوعًا من أنواعِ الغَيابِ القَسريِّ بإزاء معجمِ النسيان الذي اجتاحَ الحياةَ برمتِها.
يتسعُ معجمُ الشاعرِ ليحمّل المفردات دلالاتٍ جديدةٍ، تخرجُ من معجميتها لتتحول إلى جزء من بنية الغياب التي هيمنت على هذه المجموعة، من ذلك قصيدة (عبث) فهي لونٌ من ألوانِ الإمساك بطرفِ الحياةِ، والقِرَانِ بكلِّ ما هو جميل فيها، لكن التَفلّتَ من قبضته يستحيل إلى عتبة من عتبات الغياب.

د.جاسم حسين الخالدي





arrow_red_small 3 4 5 6 7 8 9 arrow_red_smallright