top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
خريدة القصر وجريدة العصر.. كتاب وحد المثقفين !
"خريدة القصر وجريدة العصر" كتاب أدبي يقع في 21 مجلدًا، ترجم فيه مؤلفه عماد الدين الأصفهاني لشعراء عدة في القرنين الخامس والسادس الهجريين. ذيّل عماد الدين الأصفهاني كتابه، كما يقول ابن خلكان على كتاب زينة الدهر لأبي المعالي الحظيري، الذي وضع كتابه ذيلا على "دمية القصر" للباخرزي، والتي هي ذيل "يتيمة الدهر" للثعالبي. واليتيمة ذيل على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم. جمع العماد في الخريدة كما يقول، ...
رقصة الحياة في زيارة ابن حزم الأخيرة
يقدم د. محمد السيد إسماعيل، في نصه المسرحي "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" تجربة أدبية، يستلهم فيها الماضي ليدمجه بالحاضر في رؤية استشرافية تُلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه. وفي زيارة ابن حزم الأخيرة، الزمن هو زمن ملوك الطوائف، حيث يدور حوار بين ثلاثة من كبار علماء المسلمين في الأندلس، ويكون الانهيار الوشيك للحكم الإسلامي في الأندلس، ويدور حوار بين كل من ابن حزم صاحب "طوق الحمامة"، وابن شهيد صاحب ...
الديكتاتورية تدَّعي الحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه
يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟ الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، ...
استيليو .. الخواجة اليوناني السكندري
شرد الخواجه استيليو في ماضي حياته، عندما نشأ في شارع الرحمة – قريبا من مدافن عمود السواري – كان يلعب مع أطفال الشارع، ينتظرون الميت، يدخلون خلف المعزيين، ويمد استيليو يده مثل باقي أطفال المسلمين لتلقي الهبات من المعزيين الذين يعطون قروشا قليلة، يسعد بها . أهله اليونانيون لا يعرفون ما كان يفعله مع أطفال المسلمين، انتقلوا بعد ذلك لمنطقة أبي الدرداء، أراض كثيرة وممتدة امتلكها اليونانيون هناك – حول ...
الحفرة ... رواية الرعب والتشويق
صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون النسخة العربية من رواية «The Taking of Annie Thorne» وجاءت الرواية تحت عنوان «الحفرة» وهي من تأليف س. تيدور مؤلفة «رجل الطبشور» وترجمة بسام شيحا ومراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة. وفي الرواية: ذات ليلة، تختفي آني من سريرها، تجري عمليات بحث واسعة يشترك فيها رجال الشرطة ومتطوعون محليون. وحين يظن الجميع بحدوث الأسوأ، تعود آني مجدداً – بعد ثمان وأربعين ساعة – بيد أن شقيقها، جو، ...
طبيب الأناضول رواية تاريخية اجتماعية حول المجتمع التركي
يعد الروائي أحمد حمدي تانبينار (1901 ـ 1960) أحد أهم الروائيين في تاريخ الأدب التركي المعاصر، كانت روايته التي ترجمت إلى العربية باسم "طمأنينة" واحدة من علامات التحديث في أدب بلاده، كتب تانبينار كذلك القصة والشعر والمقال، ويقام حاليا في إسطنبول مهرجان أدبي سنوي يحمل اسمه، كما يحمل متحف الأدب التركي المعاصر في إسطنبول اسمه أيضا. وهذه الرواية له "طبيب الأناضول" التي ترجمتها أماني محمد صبحي وصدرت عن دار ...








منطقة وادي النطرون بأديرتها الأربعة وهي دير البراموس، دير الأنبا مقار، دير الأنبا بيشوي، دير السريان، محور دراسة "البناء الاجتماعي للدير بوادي النطرون.. دراسة انثروبولوجية للرهبنة القبطية المعاصرة" للباحثة د. أليس اسكندر بشاي تتناول البناء الاجتماعي للمجتمع الديرى القبطي، والاهتمام بظاهرة الرهبنة من شكلها الواضح إلى باطنها العميق، نظرا لأهميتها وتأثيرها على الفكر المسيحي عامة، وعلى مسيحية الغرب بنوع أخص، فقد امتد أثرها في مناطق كثيرة من العالم من عدة نواح. بدأت الرهبنة كحياة وحدة. ثم تحولت إلى الديرية فتكونت الأديرة وصارت مجتمعات لها طابع خاص، ولم تقتصر حياة الرهبان والذين يعيشون في وحدة على ذاتهم، ولكن كثر الذين يزورونهم ويلتمسون منهم الإرشاد في حياتهم وسلوكهم.

ومن هنا كان للرهبنة تأثير اجتماعي خارج حدود الوحدة والأديرة. بل تولى بعض هؤلاء الرهبان قيادة تلك المجتمعات إذ أصبحوا كهنة لكنائسهم في المدن. فلو عرفنا أن الكاهن المسيحي يستمع إلى اعترافات الناس في كل تفاصيل حياتهم، ثم يرشد المعترف بما ينبغي أن يفعله لأدركنا تأثير هؤلاء الرهبان في المجتمعات التى عاشوا فيها.

ورأت بشاي أن الأمر لم يقتصر على هذا، وإنما بدأت الكنائس تختار رؤساءها من بين الرهبان وتطور الأمر حتى أصبحت رئاسات كل الكنائس قاصرة على الرهبان وحدهم.

واستقر هذا الأمر منذ القرن الخامس الميلادي. فأصبح البطاركة والمطارنة والأساقفة من الرهبان وحدهم، بما لهؤلاء من تأثير في المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا التأثير يرجع إلى شخصياتهم وإلى المعتقدات الدينية في احترام رجال الدين وطاعتهم. ولما كانت الكنيسة القبطية والدير القبطي، يمثلان جانبا من جوانب البناء الاجتماعي للمجتمع المصري باعتبارها مصدرا للمؤثرات والمبادئ الفكرية والدينية والأفكار القيمية، ونظرا لأن البناء الاجتماعي يقوم على أبنية داخلية لا يمكن التوصل إليها بالدراسة، وفي العادة يجهلها الباحثون حتى أتباع الديانة أنفسهم. فإن موضوع الدير القبطي يعتبر جديرا بالدراسة. وخاصة أن الرهبنة القبطية منبع الرهبنة في العالم المسيحي كله، فقد نشأت في مصر أولا ومنها انتقلت إلى بلاد العالم.


وقالت "تتلمذ قادة الرهبنة في العالم على آباء الرهبنة المصريين. لذا نقلوا تعاليمهم ونشروها، وحاولوا أن يقتدوا بها. وبانتشار الرهبنة في مصر تكونت مدارس رهبانية، وتعددت وتنوعت النظم الرهبانية فوجدت رهبنة قاصرة على الوحدة ـ يسمونها طبقة السواح ـ عاش فيها الرهبان عشرات السنوات لا يرون وجه إنسان، كما وجد أيضا الذين عاشوا في مغارات تسمح لهم وحدتهم أحيانا أن يقابلوا بعض الزوار، كما في النظام الأنطوني، أيضا وجدت جماعات رهبانية يحكمها نظام دقيق حازم تعيش تحت إمرة رئيس الدير، يدير وينظم كل شيء كما في النظام الباخومي، ووجدت جماعات رهبانية طابعها العام الوحدة، ولكنها تلتقي معا مرة واحدة كل أسبوع، وفي المناسبات كالأعياد كما في النظام المقاري.

ولكن كانت أشهر الجماعات الرهبانية هي تلك التي سكنت منطقة وادي النطرون.

ولفتت بشاي أنها تناولت البناء الاجتماعي في أعماق الأديرة بنفس الطريقة التي يدرس بها عالم التشريح، الشعيرات والأعصاب والعضلات في الكائن الحى ليصل إلى حقائقها ووظائفها. ومن ثم تناولت نشأة ظاهرة الرهبنة درجاتها، والأسباب التي تدعو إنسانا إلى الاندماج في سلك الرهبنة.
كما ذكرت كيف بدأت الرهبنة كحياة وحدة مطلقة لا يختلط فيها الراهب بأى إنسان آخر مثل الأنبا بولا السائح. ثم بدأت تعرف كنظام على يد القديس انطونيوس أب جميع الرهبان الذي عاش في وحدة كاملة في مغارات في الجبال، ثم تحول من متوحد، إلى أب يحيا حياة الوحدة وله تلاميذ يرشدهم. ثم ظهرت رهبنة القديس مقاريوس في وادي النطرون، وهو نظام يعيش فيه الرهبان في وحدة خلال الأسبوع، ويلتقون في مساء السبت للصلاة معا حتى صبيحة يوم الأحد، ثم يتناولون الطعام معا ويعود كل منهم إلى وحدته. أى أن هناك أنواعا في الوحدة منها الوحدة الكاملة، والوحدة الجزئية، وظهر أيضا في نفس الوقت تقريبا نظام الديرية أو الحياة المشتركة في الصلاة والعبادة والعمل وتناول الطعام على يد القديس باخوميوس حيث وضع قوانين وأنظمة لتنظيم الحياة الديرية، تلك التي يجتمع فيها الرهبان معا في دير واحد، في مجتمع متناسق متكامل، يقوم على الاكتفاء الذاتى، ويخضع لرئاسة حازمة قوية، تحفظ النظام، وترشد وتقود وتعاقب وتطرد أيضا من الدير إذا لزم الأمر. ثم جاء الأنباء شنودة الذي طور حياة الشركة وجعلها أكثر صرامة.

وأوضحت بشاي "في الديرية كانت الوحدة والعزلة بالنسبة للعالم الخارجي فقط، أما الوحدة داخل الدير لم تكن متوافرة كما في النظام الأنطوني والنظام المقاري. وحاليا أصبح كل دير يضم تقريبا الأنماط الرهبانية جميعها، ففي الدير الواحد يوجد من يعيش حياة الوحدة الأنطونية، ومن يعيش حياة الوحدة الجزئية المقارية، ومنهم من يعيش الحياة الديرية تحت قايدة رئيس الدير، وإرشاد الأب الروحي الذي يسمح لكل راهب بما يناسب روحانيته ومواهبه واستعداداته لحياة الوحدة.

وأكد أن الرهبنة كظاهرة نسكية مسيحية ظهرت في مصر أولا، وانتقلت منها إلى كثير من بلاد العالم في الشرق والغرب. وإن كان النسك كظاهرة دينية ظهر العديد من الديانات الأخرى ليس عن طريق الانتشار الثقافي كما في الرهبنة المسيحية، وإنما نتيجة لتوافر ظروف بيئية واجتماعية معينة، ولتشابه العقلية الإنسانية.

وكشفت بشاي عن أن هناك بنية اجتماعية معينة تتميز بها تلك الأديرة، الجانب الأول منها هو رحلة الشخص الذي يذهب بعيدا إلى مكان بعيد، وينضم إلى جماعة غريبة عنه يرتضي الانتماء إليها، والجانب الثاني يرينا شخصا يستطيع التحكم في مصيره، ولا يخضع خضوعا أعمى لأية جماعة. بل يستطيع اختيار حياته اختيارا حرا. وهو في هذا يستبدل بعائلته البيولوجية أسرته الرهبانية التي ينتسب إليها. وإن كان هذا لا يتم إلا بعد ممارسة طقوس الشخص لإنضمامه لهذا المجتمع. وأيضا يفسر الانتقال من نظام النسب العائلي إلى الأسرة الديرية الرهبانية. كما تحتل الأبوة الروحية مكانا ممتازا في التصورات الاجتماعية للمجتمعات العادية.

وتساءلت بشاي هل يكون الدير مجتمعا متكاملا؟ وإن كان كذلك فهل هو مجتمع عادي أم يختلف عن المجتمعات العادية؟ وقالت "إن الدير يكون مجتمعا متكاملا، غير أن المجتمع الرهباني مجتمع غير عادي لعدة أسباب لا تتوافر في باقى المجتمعات.

فالمجتمع العادي نواته الأسرة سواء كان المجتمع قبيلة أو عشيرة، إنما الوحدة البنائية فيه هي الفرد، وليست مجموعة أسرات، أما هو مجموعة أفراد. والرابطة التي تربط بين فردين، ليست هي القرابة البيولوجية أو رابطة الدم، أو حتى رابطة الوطن الواحد أو البلدة الواحدة، وإنما هي مجتمع تربطه روابط روحية لا جسدية، وله هدف واحد مشترك وليس عدة أهداف، وهو محبة الله.

أيضا المجتمع العادي يسعى فيه كل فرد وراء الرزق، سواء عن طريق الوظيفة أم عن طريق استغلال الثروة، وبيحث عن زيادة موارده المالية والاقتصادية. بينما المجتمع الرهباني لا يوجد فيه من يبحث عن الثروة والمال. لأن الفقر الاختياري مبدأ من مبادئ الرهبنة قبله العضو بانضمامه لهذه الجماعة.

وأضافت "أوقف بعض الأغنياء بعض الأراضي الزراعية والمنازل على الأديرة في الريف والمدن لسد ما يلزمهم بدلا من العطايا والهدايا التي يأتي بها البعض. أي هناك مصدر لسد الاحتياجات. ومع ذلك فيمكن للراهب أن يعمل أو لا يعمل على حد سواء، وإن كان الراهب في البداية يعمل من أجل العمل نفسه، ولكن من أجل اختيار مدى قدراته والتعرف على قامته الروحية، ومدى استعداده لخدمة الآخرين ومحبتهم، لأن العمل يساعد على الكشف عن ضعفات الراهب، وما بقى في داخل أعماقه من محبة العالم، وبالتالى يمكن معالجتها أو التخلص منها.

أي أن الهدف من العمل هو هدف روحي بحت، ومن أجل فائدة ومنفعة الراهب الروحية. لذا فالراهب الذي يعيش في مغارة لا يعمل، ومع ذلك يكفل له الدير كل احتياجاته من طعام وكساء ومستلزمات الحياة الأخرى والراهب الذي يعمل لا يتقاضى أجرا عن عمله، وليس هنا علاوات أو ترقيات، إنما هو يعمل كشركة في الحياة، ويتعاون مع أفراد المجتمع الذي يعيش هو معهم، ولقضاء الوقت والبعد عن الملل ومحاربة الأفكار.

ولفتت بشاي أن المجتمع الرهباني فيه حد أدنى للسن لقبول الأعضاء في هذا المجتمع، ولأنه مجتمع بلا أطفال أو صبية، وأنما أقل من يعيش فيه عمرا، لا بد أن يكون قد بلغ سن الرشد على الأقل، وبالنسبة للرجال لا بد وأن يكون معافى من الخدمة العسكرية. أيضا المجتمع العادي له اهتمامات متعددة بأهداف مختلفة، أما الدير فهو يتميز بأن له اتجاها معينا، وطابعا مميزا في الحياة، وهدفا محددا مخصصا، لا يوجد فيه مؤسسات كثيرة تلك التي يستلزمها التنوع في المجتمعات الأخرى، فلا يوجد به مدارس وطرق ومواصلات ولا وسائل إعلام أو ترفيه، ولا يوجد احتياج لساحات القضاء والمحاكم وما شابه ذلك.

ومع أن الدير مجتمع غير عادي إلا أنه مجتمع متكامل تتوافر فيه جميع عناصر التكامل، فهو يتكون من مجموعة من الأفراد يعيشون في بقعة ما، يحتل كل منهم مركزا معينا أو عددا من المراكز والمنزلات التي يشغلها، ويقوم بأدوار معينة تتطلبها تلك المراكز والمنزلات التي يحتلها.

فهناك أنواع للرهبنة وهي الراهب الحبيس، الذي يعيش في وحدة مطلقة في المغارات، والسائح ولكل منها شروط محددة لاختيار من يشغلها، وأيضا محددات لكل منها تحدد السلوك الذي يسلكه وعلاقاته بالأخرين، ممن يكونون في مرتبة رهبانية أقل أو أعلى منه. أيضا هناك عدد من المراكز الثابتة بتلك الأديرة إلى حد ما كالأسقف وأمين الدير وأمين المكتبة وحارس الباب وأمين المخزن. لا بد من أن تتوافر في تلك الديرة بصرف النظر عن الأفراد الذين يشغلونها.

وكشفت أن هناك تقسيما للعمل بين الرهبان، وإن كان هذا التقسيم يختلف عن المجتمع العادي، إذ أن الهدف من العمل هدف روحي، لذا فتقسيم العمل تحكمه القيم الروحية والمبادئ الرهبانية، ويقوم على الأسس النسكية التي تساعد الراهب على الوصول إلى أعلى الرتب النسكية. وهذه الأسس تحدد العلاقات الاجتماعية داخل الدير ومع كل ذلك، فهذا المجتمع ليس منفصلا عن العالم الخارجي تمام، فالراهب ليس منعزلا انعزالا كليا تاما، بل أن له علاقات اجتماعية بالعالم الخارجي (العالم الخارجي المقصود به كل ما هو خارج أسوار الدير) تتمثل في علاقته بالكنيسة، فالدير يمد الكنيسة والمجتمع المسيحي بالآباء والأساقفة والمطارنة والبطاركة، وإن كانت الحياة الرهبانية في البداية بعيدة عن الرتب الكهنوتية إلا أنه بمرور الوقت درجت الكنيسة على تقليد ثابت هو اختيار البطاركة والأساقفة من الرهبان أيضا، ثم رهبانا آخرين يشغلون وظائف الرعاية والخدمة في بعض الكنائس.

وأكدت بشاي أن الأديرة فتحت أبوابها للزوار لقضاء فترة خلوة روحية، وأيضا حالات التعمير الحالية اضطرت الأديرة إلى الاستعانة ببعض العمال والمقاولين من غير الرهبان. كما أن الدير يتصل بالعالم الخارجي لسد ضروريات والتزاماته الأخرى.

من هذا يتضح أن الدير ليس منقطعا عن العالم تماما، بل أن له اتصالات وعلاقات ويؤدي دورا في الحياة الاجتماعية للمجتمع الذي ينشأ فيه. وبالتالي يمكن القول إنه مجتمع متكامل تكامل الكائن الحي يتكون من أفراد يعيشون في بقعة محددة، ويحتلون عددا من المراكز يقومون فيها بأدوار معينة وتنشأ بينهم علاقات اجتماعية ثابتة. ومهما تعاقبت السنون فإن البناء الاجتماعي للدير يظل نظامه كما هو وغير معرض لعوامل التغير التي يتأثر بها أي نظام اجتماعي دنيوي وينطبق عليه معنى البناء الذي تصوره ايفانز بريتشارد وخلاصته. "أفراد يدخلونه وآخرون يخرجون منه لكنه ثابت على مر السنين".

محمد الحمامصي











ينشغل القاص المغربي محمد التطواني في مجموعته الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بعنوان "مهرّب الأحلام" بالأماكن العرضية والشخصيات الهامشية.
وفي مجموعته التي تقع في نحو مئة صفحة يستهل القاص مجموعته بقصيدة يهديها إلى القدس، ومطلعها:
"أنا القدس أم الدنا
وروض وبيت الهدى
أنا نبض معجزة
تكالم بها الأحمدا
بأمر صدوق نزل
ترى فيه صدق الصدى"
ويلتقط غالبية قصصه وشخوصه من الأماكن المتحركة أو المحال التي يتوافد إليها الناس ويغادرونها، ومنها المقاهي والشوارع والراحلات والقطارات.
وغالبية القصص تتصل بشخوص وأماكن مغربية لأناس التقاهم عرضيا، ولم يختارهم، وهم ليسوا أبطالا ليقوموا بأشياء خارقة، بل أناس عاديون، وبطولتهم تنبع من حكاياتهم الفارقة أو المؤلمة للحياة الرتيبة التي يعيشونها في القرى أو الأحياء الشعبية من الواقع المؤلم.
يسرد القاص حكاياته كراوٍ جوال بمشاهدات من الحياة التي يراها، ومعظم قصصه تنطوي على إسقاطات سياسية مرمّزة بتساؤلات أو بناءات تقوم على المفارقة، ومنها القصة التي حملت عنوان "الفانوس.. أين العفريت؟" التي يسرد فيها حكاية عن سلوك اليهود "العفريتي" في المغرب.
وتبدو تلك الرمزيات حتى في الأسماء التي يختارها القاص للطفل المغربي اسم أحمد، وللرجل اليهودي اسم شارون بما توحي الأسماء من دلالات، حيث يرتبط اسم شارون بالإرهابي الصهيوني الذي غزا بيروت.
ومن مناخات القصة: "ألم يخبرك ابني (مردوشيه) قبل أن يبيعك إيّاه؟ إننا تقاسمنا إرث الفوانيس قديما.
رد الطفل أحمد، هذا كلام أكبر من سني، وضّح كلامك، ابنك غاظني.
تظاهر شارون بضحكة محلها الخداع والكذب، والتقت عيناه بعيني أحمد، ثم قال بلغة ركيكة معرّبة: "أخبر والدك أن نصيبكم من الإرث هو الفانوس، أما العفاريت فقد احتفظنا بها نحن اليهود لتخدمنا. أي باليهودي: الفانوس لعبتكم، والعفاريت ملك لنا".
ويركز القاص على المقارنات بين زمنين أو مكانين حزهما الزمان، ملتفتا إلى سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي على الأجيال، والتغيرات الاجتماعية التي أحدثتها سلطة المال والتي انعكست على المجتمعات البسيطة بالمعاناة والبطالة وتأثير العولمة على الفقراء.
ولا يستعمل القاص في حكاياته بعض مفردات اللهجة المغربية وأمثالها الشعبية، وإنما الروح المغربية في القص التي توحي بالبيئة المغربية في شوارعها ومقاهيها وبيوتها وناسها.
اشتملت المجموعة على عدد من عناوين القصص، ومنها "حملة شغب"، "وطأة الإهانة"، "الزاوية"، "الأقزام"، "لا صياح..لا نباح"، "مهرّب الأحلام" (التي حملت المجموعة اسمها)، "هوميروس الكذاب"، "الأجلاف"، "خريطة الغد"، "بعوضة كافية لإطعام فيل"، و"الفانوس .. أين العفريت؟".
فيما وصفه القاص والناقد العربي بنجلون، بأنه أحد الذين ظلوا متشبتين بوطنهم، وانتمائه لبلده.
يشار إلى أن الكاتب محمد التطواني صدر له مؤلفات عدة نذكر منها: في مجال القصة "الحيتان والثعابين"، وفي مجال الرواية "مكاشفة تلاحق الزعيم"،
وفي مجال الشعر "أنا لا أتكلم لغتك ولكن أتفهَّم شعورك، وهو عمل مشترك عربي هولندي"، وفي مجال المذكرات "رحلة مع محمد زفزاف وعبدالسلام عامر، قراءة".












تحمل مجموعة قراءات هذا الكتاب "المعنى والظل في الأدب والفنون والمعرفة" للكاتب جمال حيدر، رؤى وتحليلات لعدد مهم من الأعمال والشخصيات والأحداث الثقافية العربية والغربية التي شكلت منعطفا مهما أو أحدثت صدى عالميا واسعا، وقد قسم الكتاب إلى أربعة أقسام: نصوص، معرفة، قراءة، رؤية، تندرج تحتها هذه الرؤى والتحليلات التي تعددت مهامها للولوج في رحلة متعددة الأبعاد وقراءة بدلالة متقاطعة مرة ومتوازية مرات أخرى لملامسة حواف المعنى، على اعتبار استحالة الوصول إلى جوهر المعنى المكتمل. مؤكدا أن المعنى أفق لا نهائي من المحال الإمساك بأطياف أسراره وطبقات ظلاله، بدون الادعاء في الوقت ذاته أنه يمتلك الرؤية الأوسع والإدراك الأعمق لكل ما تناولته بحثاً عن معطى مفتوح على كل الاحتمالات، أنه ينبض باكتشاف اللحظة في التقاطاتها وتعكس الرؤية والذائقة للكاتب والكتابة في آن.

مواد الكتاب المختارة اختزنها حيدر "طوال أربعة عقود من مغامرة الكتابة، ونفض الغبار عنها اليوم بفعل متجدد يمثل بالنسبة لي، على الأقل، تأويلاً متواصلاً لقراءات ماضية ورؤية مغايرة لاكتشاف ما تركته كل تلك الأعوام على ماهية المعنى وقيمة ظلاله التي تفاعلت معها في لحظة الكتابة، لهذا حافظت على هيئة المقالات من دون المساس بجوهرها، برغم تجدد عوالمي وتغير رؤيتي وتعدد طبقات مخيلتي وذاكرتي، إضافة إلى انعطافات لامست مساري على صعيد الوعي والفكر، والاعتقاد بأنها ولادة جديدة لنصوص استلت من زمنها ودفعها إلى واجهة قراءة متفاعلة (ربما) لاستدعاء قارئ جديد من عمر مغاير ووعي ومعرفة وتأمل مختلف تماما عن تاريخ كتابتها الأولى، كذلك لردم الهوة بين ماضينا وما تبقى من أعمارنا، باعتبار أن من دون قراءة ثانية للمعنى وظلاله ستدفع بها إلى النسيان.. والإهمال تالياً.

في تقدمته أوضح حيدر أن ليس للمعنى وظله دلالة ثابتة، فهويتها قابلة للتأويل، ودون ذلك التأويل يضع النص - أي نص - حداً لروحه ومعانيه، وهنا تكمن أهمية الولوج في المعنى لاختراق معانيه والكشف عن أسراره المخبوءة.

في هذا الشأن لا بد من الاعتراف بأن مقالات الكتاب دوّنت في مناخات وأزمنة وأمزجة مختلفة؛ فالكتابة بنت شرعية تخضع لتلك الشروط، وليس من نص.. أي نص، خالد على الإطلاق وفقاً لرؤيتي وتجربتي المتواضعة. ويكمن تمييز جودة المقال في تداخل روحه مع القارئ واحتياجاته المعرفية لسد فراغات الأسئلة التي تولدها انزياحات حياتية عدة، وتكمن أهميته في حضوره ضمن حياتنا اليومية، فالمعنى المعزول وغير المتوشج مع تفاصيل القارئ غير قابل للحياة.

واعتبر مواد كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة سجلاً لأحداث ثقافية شهدها عدد من مدن وعواصم عالمية خلال مسار طويل من الزمن، باعتبارها فواصل متميزة في أحوال الثقافة، أغلبها نشرت في الصحافة العربية ضمن ملفاتها الثقافية، واستلت من أرشيف كبير، جمعته خلال مسار مهني طويل. ورغم ارتباطي الروحي بالنصوص التي دوّنتها بتأن وحرص ومحبة، فإنني قد استبعدت الكثير منها لسبب لا أعرف جوهر حقيقته. بشفافية انحصر همي في استعادة تلك السعادة التي غمرتني في زمن كتابتها، كذلك استثارة الأسئلة التي طرحتها في محاولة جادة لملامسة المعرفة والكشف عما هو مخفي بعيداً عن أي التباس. في هذه المقالات لست معنياً باعتراف بقدر ما كنت معنياً بكتابة المخبوء، وغير المرئي والمقروء عادة لدى المتلقي.

حاول حيدر "تلمس المعنى وظلاله المخفية في حالات من أحداث ثقافية فاعلة شكَّلت منعطفاً حينها، وما زالت على ما أعتقد، بعيداً عن الادعاء بالوصول إلى معناه الأخير. في هذا الإطار لا بد من الاعتراف بأن مقالات الكتاب لا تمنح الأجوبة بهيئتها الكاملة، إنها تستدعي المتلقي للبحث والاستقصاء والغور في الباطن لإكمال المعنى والكشف عن حدسه ومكنونه المخفي والتعرف على وميضه السحري بصورة جلية، ومن دون استدعاء تلك المغامرة تبقى معرفة المعنى ناجزة وناقصة ومختلة أيضاً.

في قسم النصوص تطرق حيدر لتجربته ثم رؤيته لفنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، والروائية العراقية زهور حسين، كاشفا عن وجع تجربتهما مع الحياة والفن والكتابة، وعن حزن عميق لرحيلهما المأساوي.

وفي قسم معرفة يسرد ويحلل حيدر مسيرة تجربة الشاعر يانيس ريتسوس (1909- 1990) الذي ربطته به علاقة طويلة، وقد قام بترجمة أعماله الكاملة لتصدر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، مؤكدا أن ريتسوس أكثر شعراء اليونان المعاصرين سطوعاً، شكّل الشعر لديه فعلاً حياتياً يومياً، لذا فلا غرابة أن يكون من أغزر شعراء القرن الماضي، مكثفاً الكتابة وموسعاً مداها، لتشمل التفاصيل اليومية المهملة التي أقام عليها فضاؤه الشعريّ الواسع.

هنا أيضا يقدم حيدر مشهد الرواية والشعر في بريطانيا لافتا إلى أنه من الملاحظات التي يمكن تسجيلها عن الشعر الإنجليزي غياب "الشعر الأسود" مقارنة بالشعر الأميركي مثلاً بعكس الرواية، لكن ثمة سمة لافتة ميَّزت الشعر الإنجليزي في الأعوام الأخيرة، وهي حضور غير عادي لشعراء من أصول غير بريطانية، خصوصاً باكستان وبلدان أفريقية، مما سيترك بلا شك تأثيره على المشهد الشعري البريطاني مع مرور السنين.

ومشيرا إلى أن ما تُرجم من الشعر الإنكليزي، في مختلف مراحله المتقدمة والمتأخرة، إلى العربية، قليل جداً مقارنة بالشعر الفرنسي مثلاً، باستثناء شكسبير، الذي ترجمت معظم أعماله، وقصائد للشعراء الرومانتيكيين، ومن الشعراء المعاصرين: تي. إس. إليوت. فقلما نجد شاعراً إنجليزياً ترجمت أعماله بصورة كاملة، ليس سوى قصائد متفرقة، لذا لا يعرف القارئ العربي إلا القليل عن الشعر الإنجليزي بعد الحرب العالمية الثانية، واقتصرت المعرفة على وليم تبلر، ييتس، إزرا باوند، وتي. إس. إليوت، ثم ستيفن سبندر ودبليو إتش أودن.

ويتحدث حيدر عن الثقافة والمثقفين العراقيين ودورهم في إسقاط صدام حسين، لينتقل إلى "جيل "البيت" الأميركي" موضحا أنه لم يعرف تاريخ الأدب المعاصر، جيــلاً مثيراً للجدل مثل جيل الستينيات الأميركي، الهيبي الفكر والتصور، الذي تمخّضت عنه الحداثة الغربية، ويتمحور ضمن هذا الجيل حركة "البيت" تحديداً، التي فرضت عناصر تجديدها على مساحة الثقافة الأميركية من خلال تفكير مغاير على صعيد الثقافة والفن والفكر والأدب، لتحدث موجة جديدة في الوعي السياسي والاجتماعي لدى شرائح واسعة من الأميركيين، خاصة الشباب، إذ أشعل جيل "البيت" النيران في عقول الكثير من خلال التساؤل حول جدوى الثقافة في التعبير من خلال الشعر، وأنواع أدبية أخرى.

وقال إن شعراء هذا الجيل بدأوا ناقمين على معطيات الواقع الثقافي المتهرئ، والأطر الأدبية التقليدية شكلاً ومحتوى، تلك التي شاعت في أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، كذلك على القيم الزائفة التي روَّج لها الأدب الكلاسيكي، محاولين غرس رؤية جديدة تتميز بالتعبير الذاتي كوسيلة لإدراك الحقيقة. هجر جيل "البيت" المعايير الأدبية التقليدية، وجربوا الشعر النثري، والتأليف خارج الهيكلية المعروفة، واستخدام اللغة المحكية، والنثر التلقائي، بمصاحبة موسيقى الجاز للتعبير والإفصاح عن كل المكنونات الذاتية، مستخدمين التقنيات الأدبية بطريقة جديدة للتعبير عن أفكار غير تقليدية.

وختم حيدر هذا القسم بقراءة المشهد العراقي مشيرا إلى "أعلم تماماً أن انتفاضة متوقعة للعراقيين ضد كل ما يعيق إنسانيتهم، ضرب من المستحيل، نتيجة الانقسامات الطائفية والعرقية والإثنية، فالجميع تحت وهم الانتظار. العنف اليومي الذي يحاصر العراقيين لا يميز بين مواطن وآخر، ولا يعترف بالفوارق السياسية والطبقية والمذهبية، فالجميع تحت رحمته، باستثناء السياسيين وقوات حماياتهم المجحفلة، فهؤلاء هم الذين في بإمكانهم أن يمرروا الزمن في إلقاء التهم وتوزيع مسؤولية التردي، وتعليق الاتهام على مشاجب الغير. أمام هذا المعطى يتوحد العراقيون، رغم مفاعيل الاصطفافات السياسية والطائفية، فالكوارث تجمع الناس تحت خيمة فواجعها، على العكس من السياسيين الذي يعجزون تماماً عن إيجاد مبادرة تنقل حياتنا إلى مستوى آخر من الانتظار.
وفي قراءة يتساءل حيدر: كيف ولجت «آيات شيطانية» تاريخنا؟

ليقرأ تجربة رشدي وردود الفعل التي صاحبت الرواية، والرواية ذاتها، مشيرا إلى أن ثمة خيطا يبدأ من صفحاتها الأولى عن المسلم المهاجر الباحث بجهد عن هوية، المشتت بين عالمين وحضارتين ولغتين وسلوكين. ولعل صلاح الدين تشامشا، بطل الرواية ومحور أحداثها، حاول أن يترجم حلم والده بأن يغدو جنتلماناً إنجليزياً، لكنه مني بالفشل بعدما سقط في قاع الثنائية المقيتة الفاصلة بين عالمين، ليعود تالياً إلى بلاده ليواجه والده وهو على فراش الموت متحدثاً معه بلغته الأم، ليتحول مسار حياته إلى حلم بالكامل؛ حلم الانبهار بالحضارة الغربية، وتحول الحلم إلى الهرب صوب الجذور بعدما لامس عميقاً جذور تلك الحضارة وحقائقها المخفية.

رأى حيدر أنها عمل ملحمي طويل من الصعوبة تلخيصه، وتكمن الثيمة الأساسية في التفاصيل. إذ يستلهم رشدي الكثير من أحداثها من التراث والفقه الإسلامي، إلى جانب معرفته الدقيقة للمجتمع البريطاني، خاصة مجتمع الجاليات، مستعرضاً العلاقات التي توشج الإنجليز مع تلك الجاليات المتسمة بالتوتر والنبذ والتجاهل. وفي مجمل أعماله، يعمل رشدي على تقنية سينمائية في العمل الروائي، ثمة عدسة كاميرا تدور بين الأحداث والشخصيات والأمكنة، تسجل تلك التفاصيل بروحية مثابرة.

في الرواية ثمة شخصيات حقيقية يطالعها القارئ بين صفحات العمل، كرئيسة وزراء بريطانيا الأسبق مارغريت ثاتشر التي يلقبها رشدي بـ "مسز تورتشر" (سيدة عذاب). إضافة إلى شخصيات حقيقية أخرى، كاشفاً في الوقت ذاته عن فاشية الشرطة البريطانية في تعاملها مع الأجانب، خاصة الفقراء، مسلطاً الضوء في فصل «مدينة موجودة لكنها غير مرئية» على تدهور الحياة وشيوع الفقر في حياة جاليات العالم الثالث الفقيرة، إلى جانب الصراع بين الجيل الأول والأجيال التالية التي فقدت بوصلة الانتماء.

ويستمر حيدر في رؤاه متناولا مأساة سيلفيا بلاث وتيد هيوز، والمسيرة الشعرية والفنية للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد معتبرا أن "فروغ الشاعرة الإيرانية الأولى التي عبرت عن المشاعر الأنثوية بأسلوب واضح يمتاز بالجرأة، إذ كانت الأديبات الإيرانيات يعبِّرن بصور تخفي المشاعر النسوية الخاصة.. وهنا تكمن ريادتها في مسار الشعر الإيراني".

ثم يقرأ حيدر الروائية الإنكليزية جين أوستن 1775 – 1817 لافتا أن أوستن دوّنت رواياتها في عصر اتسم بالاضطراب السياسي الحاد: الحرب مع فرنسا، الحرب في أميركا، اندلاع الثورة الفرنسية، لهذا كان ينظر لأي انتقاد بمثابة تهديد للسلم الأهلي، خاصة مع توسيع معنى الخيانة لتشمل أي فعل مرتبط بالتفكير والطباعة والقراءة والكتابة، وجاء ضمن السياق أنّ تحدي المعايير الاجتماعية يعتبر عملاً غير قانوني، لتنتشر الكتابة المحافظة، فيما نزع الراديكاليون نحو الطبيعة أو الغور في التراث، لتغدو أوستن في مناخ متشدد كهذا متميزة في تشخيصها لآفات الواقع الاجتماعي".

محمد الحمامصي












حظيت لوحة "جوديث تذبح هولوفرنيس" للفنان الإيطالي مايكل أنجلو ميريزي المشهور باسم كارافاجيو، باهتمام كبير، بعد أن أثبت خبراء الفن في 2016 نسبتها إلى رائد الاتجاه الواقعي في الرسم في القرن السادس عشر.
هذه اللوحة التي تمثل فصلاً من التوراة، وجدتها بالصدفة عائلة فرنسية وستباع بالمزاد العلني في 27 يونيو/حزيران الحالي، في مدينة تولوز الفرنسية.
تزخر اللوحة بالعنف، فالجنرال الأشوري ينظر نظرة توسّل إلى جوديث وهي شابة يهودية جميلة تحمل سيفا لتقطع رقبته في حضور خادمة، فبعد مهاجمة الآشوريين اليهود قامت جوديث بإغراء القائد ومن ثم قتله، وعادت إلى شعبها (اليهود) منتصرة وشجع ذلك اليهود للقتال والدفاع وطرد العدو الآشوري، وتمثل اللوحة الصراع الأنثوي الذكوري.
وسبق لكارافاجيو أن تناول هذا الموضوع في لوحة ثانية تعود الى العام 1598. فقد نالت جوديث ثقة هولوفرنيس وعمدت بعدها إلى ذبح هذا القائد العسكري الذي كان يحاصر بأمر من نبوخذ نصر مدينة بيثوليا اليهودية.

أوجه الشبه بين اللوحتين شبه معدومة إلا أن اللوحة المكتشفة قريبة في المقابل من عمل للوي فينسون وهو رسام فلمكني كان يعمل في نابولي معروف عنه أنه كان يقوم بنسخ لوحات كارافاجيو.
وعرضت اللوحة في قاعة كولناغي الفنية في لندن في مارس/آذار الماضي.
وقال الخبير الفرنسي إريك توركان خلال هذه المناسبة إن اللوحة من توقيع كارافاجيو بالتأكيد وهي من أعماله "المهمة".
وأوضح "كنا نعلم أنه ستكون هناك مناقشات وأن كارافاجيو فنان صعب بالنسبة إلى مؤرخي الفن. ولم أكن أريد أن أعرض سمعتي للخطر، لذلك انتظرنا سنتين".
وأضاف "هذه لحظة مهمة جدا في عمل كارافاجيو لأنه من خلاله يغادر روما ويطور نمطا جديدا من الرسم، أكثر قتامة وسوداوية ومأساوية ودراماتيكية".
وقد عثر على هذه اللوحة الزيتية البالغ طولها 173 سنتيمترا وعرضها 144 سنتيمترا والتي رسمت العام 1607، سنة 2014 في علية في تولوز (جنوب غرب فرنسا) حيث كانت منسية على ما يبدو لأكثر من مئة عام، ووصف وزير الثقافة الفرنسية وقتها عملية العثور عليها بأنها "مهمة جدا".

وقد وثّق وجود هذه اللوحة في سلسلة من الرسائل المتبادلة بين أمراء وهواة جمع أعمال فنية كانوا متحمسين للحصول عليها قبل أربعة قرون.
لكن إسناد اللوحات إلى كارافاجيو الذي توفي عن 38 عاما في 1610 بعد حياة مضطربة، كان أمرا صعبا لأنه لم يكن يوقّع أعماله التي كانت تنسخ كثيرا.
وكان نيكولا سبينوزا، وهو خبير آخر معروف على مستوى العالم، قد أكّد العام 2016 أن اللوحة أصلية.
وأضاف "جودتها استثنائية وتعود إلى حوالى العام 1605، حين كان يترجم الدراما عن طريق الرسم".
وقدّرت قيمة هذه اللوحة بـأكثر من 170 مليون يورو بعدما كانت مقدّرة في السابق بـ120 مليون يورو.
عرضت "جوديث تذبح هولوفرنيس" في ميلانو ولندن وباريس ونيويورك، واكتسبت شهرة عالمية.












"هي والذاكرة" لمنى علي عبده الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بعمّان، بمثابة سيرة تتوزع بين الجملة الشعرية والسردية التي تتبع فيها الكاتبة محطات الحياة.
الكتاب الذي يقع في 90 صفحة من القطع الوسط وصمم غلافه الفنان محمد خضير، انقسم إلى ثلاثة مقاطع تتداخل بين الحب والغربة والألم والانتظار والشوق والخيانة.

تستهل كل مقطع بنص مستعار للشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر السوري نزار قباني والكاتب المصري مصطفى محمود، وتمثل كل جملة عتبة للنصوص اللاحقة التي تدونها الكاتبة بروح تلك العتبة وتأويلاتها التي تختبر الوجود والحياة نفسها، فهي ليست مدونات شخصية بمقدار ما هي شهادة على الحياة.
ومن المقطع الأول، الذي بدأته الكاتبة بنص لمحمود درويش "أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار"، وتقول:

"مجازية الحب

هو أننا لا نشعره في الوقت ذاته

ومجازية الوحدة

هو أننا نشعرها في الوقت ذاته".

وتبدأ السيرة بأمها التي علمتها الحب، ووالدها الذي كان الحب الصادق في حياتها، والرحلة الأولى في الطائرة والقطار، والموعد الأول في المقهى.

رحلة بحث عن الذات ضمن هذا العالم الملئ بالقسوة والحروب والغياب، وحتى الكتابة تصبح مهمة صعبة لأنها تشعل الذاكرة بالفراغ الذي يحيط بالكائن

وتدون من مذكرات امرأة حالمة، تتخيل أن يأتي العاشق على فرس أبيض، ولأن عصر الفرسان سرقته السيارات، فهي تحلم أن تلتقيه مصادفة في فضاء الغرباء الذين لا ينتظرون شيئا سوى اللحظة التي تتيح لقاء غريب مثله:

"أصدق اللحظات

تلك التي تعثر علينا ولا نعثر عليها

في أماكن لم نتعمد أن نقصدها

مع غرباء في انتظارنا

يجلسون فوق مقعد اللهفة

حول طاولة الصدفة"

ولم يكن ذلك الحلم الذي يداعب خيالها في "لوحة" سوى فرصة لتطلق لجناحي الأنثى فرصة التحليق، ولم يكن سوى جملة في كتاب الأمنيات الذي تشيد فيه صورا جديدة وغير مألوفة لمدن العشق.

وتعيد تعريف الوطن، بأنه ليس المكان الذي نسكنه، بل الذي يسكننا، ومثل ذلك في الكتابة التي تتحول إلى قبلة.
في المقطع الثاني تراهن على الكتابة التي لا تموت، وحينما يقترن الحب بالكلمات بين أوراق العاشق، فهو يخلد، وكذلك الألم فهو يمكث طويلا، بل لا يغيب، وتقول: "يصعب على الإنسان – على ما يبدو - أن ينسى الأشياء التي تؤلمه، ليس ذلك فقط، بل هو يتذكرها بإلحاح عجيب، في طعم الجرح مرارة، لا تنسى، وفي الألم ملوحة لا تغيب".

وفي المقطع الأخير الذي تستهله بجملة لمصطفى محمود "لو دخل كل منا قلب الآخر، لأشفق عليه"، ويكون حوارها مع الذات أمام مرآة الوحدة، وتقول: "هي، تحارب دون أن تحظى بمن يحارب من أجلها، تحب، فهل من فارس يحبها".
وحينما تتذرع بالكتابة تصادف اللاجدوى التي تزيد حزنها الأبدي، لتلك المشاعر التي تفيض في هذا الزمان الجاف، وخلال ذلك فهي رحلة بحث عن الذات ضمن هذا العالم الملئ بالقسوة والحروب والغياب، وحتى الكتابة تصبح مهمة صعبة لأنها تشعل الذاكرة بالفراغ الذي يحيط بالكائن.

تقول: "تغدو الكتابة مؤلمة
تمسي سيمفونية موزارت موحشة،
وعليه قررت أن تغلق عينيها
أن تتوسد أملا قد يكون كاذبا
... ...
نحن لا نختار الحزن
هو الذي يختارنا".












قال صلاح عبدالصبور "المسرح لا يُكتب إلا شعرا"، فالشعر من وجهة نظره ضرورة في المسرح، وهو أقدر من النثر على تجسيد الصراع الدرامي، لكن يبدو أن كثيرين لا يشاركونه الرأي فمعظم المسرحيين لدينا ليسوا شعراء، والشعراء لا يميلون لكتابة النصوص المسرحية إلا قليلا، ومن هذا القليل الشاعر المصري أحمد سراج الذي أصدر مؤخرا نصه المسرحي الثامن "لمسة البعث" (دار نهضة مصر) وفيه يستعيد عصر ملوك الطوائف، تحديدا مع دخول ملك إشبيلية المعتمد بن عباد لمدينة قرطبة منهيا حكم بني جهور.

المسرحية لم تعالج شخصية الملك الغازي، رغم امتلاكها لمقومات وعناصر درامية هائلة، فقد حكم إشبيلية وهو في الثلاثين من عمره، أغراه زهو شبابه بأن يوسع من حدود مملكته فسعى إلى حروب مع دويلات الجوار المسلمة، ونجح في ضم غرناطة وقرطبة وغيرهما ليحكم أغلب جنوب الأندلس، ولم يجد غضاضة في الاستقواء على خصومه بالعدو المشترك، فدفع الجزية لألفونس السادس ملك قشتالة، فاستهان به وبغيره من ملوك الطوائف فانتزع طليطلة ثم فكر في غزو مملكة بن عباد الذي لم تنفعه الجزية، فاستنجد بالمرابطين، لتأتي نهايته على يد من استجار به، وليموت أسيرا ذليلا.

كان يمكن لأحمد سراج أن يتخذ من تلك الأحداث موضوعا لمسرحيته، لكن هدفه لم يكن إسقاط تاريخ الفتن على حاضر يشبهه، وكان بوسعه أن يقصرها على تناول علاقة الحب الشهيرة التي جمعت بين الشاعر ابن زيدون والأميرة ولادة بنت المستكفي، لكن ذلك أيضا لم يكن هدفه، لذا اختار لحظة سقوط قرطبة في يد المعتمد، أي لحظة تمام زوال سلطة الأميرة المعشوقة، مع بداية سلطة جديدة للوزير الشاعر العائد إلى قرطبه بعد فراره منها بأربعين سنة، أعتقد أن اتخاذ الكاتب لتلك اللحظة منطلقا لأحداث مسرحيته ينبىء بغرضه من كتابتها متمثلا في إضاءة تلك العلاقة الملتبسة والمتشابكة بين المثقف والسلطة، فابن زيدون كان واحدا من عامة الشعب.


أيام العاشق

يضعنا تعريف الكاتب بشخصيات مسرحيته مباشرة في قلب فكرته، فمثلا عرف ابن زيدون بأنه "شاعر ووزير، في التاسعة والستين، يتحرك ببطءٍ، وينطق كلماته في هدوء مختلط بالحزن كثيرًا". بعده يأتي المعتمد "ملك قُرطبَة وإشبيلية، في الحاديةِ والثَّلاثين". هكذا يضع فتوة السلطة في مواجهة شيخوخة المثقف، ويصف ابن عبدوس غريم ابن زيدون بأنه "في التاسعةِ والستين، كان وزيرًا في قرطبة" أي ينتمي للسلطة البائدة بينما قائد الحرس في الثلاثين. ونلاحظ ابن زيدون وغريمه ابن عبدوس عاشا حياتهما كلها في ظل الطوائف، لذا كانا ضعيفين في مواجهة سلطتها.

والمسرحية تتألف من ستة مشاهد، وهي أيام من عمر العائد إلى قرطبة، تبدأ بيوم "المكر الأول" حيث يبدي ابن عمار وزير المعتمد قلقه من سطوة ابن زيدون، وخادمه "هادي" وهو صديق طفولته يغذي فيه حلم الملك ويغريه بالتآمر على المعتمد، هكذا تكشف المسرحية منذ لحظاتها الأولى عن بذور الفتنة المستترة، فالخادم يغريه بالملك لذا يهون من شأن ابن زيدون "بل تصنعُ شيئًا من وهمٍ / شبحًا/ سجنًا/ وتصدِّق صُنعَ خيالكَ أنت/ وما هو إلا/ وهم/ مسجون/ مطرود".

لكن الوزير يخشى من سطوة ابن زيدون ويصرخ شاكيا "ها هِي قرطبةُ المستباحةُ بي، بتدابيري، لا تذكرُ غير ابن زيدون"، لذا يتمنى موته "لو أقضِي عليهِ بنصفِ حَياتِي"، فيقترح الخادم خطة تريح الوزير ممن يخشى، "فهُنا طرُقُ الموتِ أكثرُ من أن نُحصيها؛ طعنة في الحشودِ .. هنا، رمية في الظلامِ .. هناك".
يجعل الشاعر من قصر ولادة أو قرطبة القلب فضاء لليوم الثالث "يوم يقترب النسيم"، ويبدو عليه أثر الزمن وتبدل الأحوال، حيث "الأثاث قديم، تتوسط القاعة أريكة، أمامها نافورة صغيرة لا تعمل". والخادمة العجوز تشكو "الوِسادَةُ أقوى مِني.. الترابُ بلا آخرٍ.. لا نُزارُ ولا نُذكر".

أما ولادة فلا تزال محتجبة في الطابق العلوى حيث لا يراها أحد. يتبادل الخدم حديثا عن الأميرة وعشق الشاعر وسعي الوشاة، بما يمهد لكيد جديد يتم التدبير له في "يوم المكر الثاني"، ولا يظهر ابن زيدون إلا في اليوم الخامس، عند قصر ولادة، يناجي نفسه "هل دواء يعيدُ شبابا مضى؟.. هل دواء يرد على الغائبِ الوطنَا؟". يعرفه غريمه القديم ابن عبدوس، فيخرج سيفه لكن ابن زيدون يوقفه "ما تزالُ بهيم الطباع.. وما منح العمرُ عقلكَ شيئًا"، ويصف ما مر به "من جمر السجن إلى منفى الروح" ويتهيأ لرحلة يعرف أن فيها هلاكه، لكنه جاء من أجلها "لمسةُ البعثِ أنتِ.. فلا تبخلي بالحياةِ.. على من يحيا لك".

وتأتي المحاكمة "يوم بألف ألف" يستنكر ابن زيدون "بعد سجني أحاكم"، ويذكر القاضي بأصل الداء، يقول "حاكمِ المنصور على خلعٍ لخليفتِنا وخلافتِنا.. رجل يبني مسجدًا من جماجم جيراننا.. كي يخفي عورة حكم مغصوب".

التاريخ والرمز

أثارت تجربة ابن زيدون أسئلة حول كُنه العلاقة بين المثقف والسلطة، فاقتراب الشاعر من سلطة بني جهور في قرطبه أدى إلى توليه الوزارة، ثم إلى عزله منها ودخوله السجن، فلما نجح في الهرب، لجأ إلى خصومهم بإشبيليه، والمفارقة أنه لقى مصرعه بعد عام، بعد سقوط قرطبة، فالملوك هكذا لا أمان لهم، وبحسب النص "إذَا غَضِبوا أو خَافوا ذِئاب".

مسرحية أحمد سراج لا تستدعي التاريخ، وإنما تشير إليه من بعد رامزة إلى تلك العلاقة التي أودت بحياة الشاعر العاشق، بعدما أذاقته مرارات السجن والنفي، وما المحاكمة في المشهد الأخير إلا تجسيد للرمز، حيث المسجون يظل رهن المحاكمة، لأنه أحب ابنة الخلفاء، ويتعدد القضاة يحاكمونه قاض إثر قاض، وتدخل قاضية يظنها المسجون ولادة فيهتف باسمها، وتقول إنها القاضية وتعدد ذنوبه مستعيدة كل ما قيل للتفريق بين العاشقين، يبدو وكأن المحاكمة والتعذيب الذي تراه القاضية تطهيرا، من هذيان ما قبل الموت، وحينما يأتيه صوت ولادة، يملأ الضوء المكان، وتعلو أصوات الطيور المغردة، فيما يدور ابن زيدون في سعادة. ويناديه الصوت أن تعال، ويظلم المسرح دلالة على ذهابه بعد أن طالته لمسة البعث. (وكالة الصحافة العربية)

أحمد رجب










يظل ماركس مفكرا مثيرا للجدل، وإن عمق هذه السجالات التي يستطيع فكره إثارتها تدل على أنه مازال حيا بيننا، وأن شبحه ما زال يطارد معارضيه الذين كانوا قد أعلنوا موت فكره مرات عديدة. تدعي الفكرة الأكثر انتشاراً ضد ماركس في الدوائر الأكاديمية الغربية بأنه قدم فهمًا مغلوطًا للقوة الخلاقة للرأسمالية ولسوقها "الحرة" ولهذا فإن التطور التاريخي قد تجاوز أفكاره. ومن الواضح أن مثل هذه الكليشيهات قد تآكل تمامًا منذ الكساد الكبير عام 2008 والذي أسقط معه النظرية النيوليبرالية المعتمدة.

كيفين ب أندرسون أستاذ العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا في كتابه "ماركس ومجتمعات الأطراف حول القومية، الإثنيات والمجتمعات غير الغربية" الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، يدرس ثلاثة مواضيع متشابكة في فكر ماركس وثلاثتها تتعلق بنظام رأس المال والنضال من أجل تجاوزه أولها قضايا العرق والإثنية والطبقات في دول بعينها؛ ثانيا القومية والتحرر القومي وأخيرا الكولونيالية ومقاومتها.

وقد أوضح المترجم هشام روحانا أن رؤيته تشكل دفاعا ناجحًا في وجه الادعاءات التي بدت وكأنها تسود المشهد الأكاديمي وداخل بعض تيارات ومدارس النقد الثقافي وما بعد الكولونيالي والقائلة بأن ماركس ومعه إنجلز أيضًا كان في حقيقة الأمر مفكرا أوروبي التمركز واقتصادوي. والماركسية من وجه النظر هذه تقلل من دور العناصر غير الاقتصادية أي العناصر الثقافية - الحضارية وتختزل مسار التاريخ إلى مجرد مسار اقتصادي صرف.

وهذه ادعاءات يشترك فيها الفكر اليميني مع مفكرين يأتون من مدارس وتيارت الفكر النقدي المختلفة ويزيد الأخيرون إلى هذا بأن الماركسية تفرض رؤية أوروبية على المجتمعات غير الأوروبية، حتى أنها تشارك الغرب في نظرته الكولونيالية إلى هذه المجتمعات.

وأضاف روحانا أن أندرسون ينقض في فصول ستة هذه الادعاءات ويوضح بأن العكس هو الصحيح؛ ويقدم الدلائل بأن ماركس كان طلائعيا في نقده للكولونيالية، وبطل قضايا كان اليسار المعاصر له قد تجاهلها ومتقدمًا صفوف الجميع في حمل لواءاتها. ويُظهر اندرسون أن ماركس (وإنجلز) في كتاباته وفي ممارسته العملية رأى في النضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني وفي النضال ضد العنصرية والعبودية والمساواة الجندرية، نضالًا مشتبكًا ومتداخلًا مع نضال الطبقة العاملة ومكونًا أساسيًا في نضالها من أجل التحرر الإنساني.

ويعتمد فيه المؤلف على نصوص غير معروفة بشكل كافٍ أو أنها لم تنشر بعد أو لم تترجم لماركس. كما يعتمد على نصوص فرعية لماركس تشكلت من ملاحظاته واقتباساته ومدوناته في دفاتر ملاحظاته على "ومن وفي" مراجع تاريخية وأنثروبولوجية واقتصادية واجتماعية.


وأكد أندرسون أن ماركس ركز مشروعه على علاقات العمل - رأس المال داخل المجتمعات الأوروبية الغربية وفي أميركا الشمالية، لكنه وفي نفس الوقت قضى وقتًا مُعتبرا وصرف جهدا كبيرا في دراسة وتحليل المجتمعات غير الغربية، العرق الإثنية والقومية. ومع أن بعضًا من هذه النصوص يظهر قدرًا إشكاليًا من النظرة الأحادية المسار للتطور التاريخي وفي بعض الأحيان أثرًا عنصري التمركز فإن مجمل المسيرة العامة التي تسير فيها كتاباته حول هذه الموضوعات تتجه باتجاه مختلف تمامًا.

لقد تبين لنا من هذا النقاش الذي أجريناه أن ماركس وضع نظرية في التاريخ هي نظرية متعددة المسارات وغير اختزالية جعلته يحلل تعقيدات وتباينات المجتمعات غير الغربية وجعلته يرفض الارتباط بنمط واحد من أنماط التطور أو الثورة.

وأوضح أن كلا من ماركس وإنجلز في عام 1848 وضعا نموذجًا نظريًا للمجتمع الرأسمالي وتناقضاته الجوهرية بنفاذ بصيرة جعلت من البيان الشيوعي فريدًا في قوة بيان لا نظير لها حتى في أيامنا هذه. لكنها يتبنيان في البيان وبشكل ضمني وإشكالي مفهومًا للتطور الاجتماعي يسير في مسار أحادي. وكتبا على المجتمعات ما قبل الرأسمالية، وخصوصًا الصين، والتي وصفاها بمصطلحات عنصرية التمركز "كالأكثر بربرية"، مصيرًا يحتم تغلغل هذا النظام الدينامي فيها وتحديثه لها.

وفي مقالاته عام 1853 لصحيفة التريبيون وسع ماركس منظوره هذا ليشمل الهند، وأثنى على ما رأى أنه تقدمي في الكولونيالية البريطانية كنقيض يقابله نظام اجتماعي تقليدي ثابت لا يتغير قائم على تراتب طبقي طوائفي مغلق. وضمن هذا المعنى نظر إلى الهند كمجتمع بلا تاريخ، عدا تاريخ الغزاة الأجانب لها؛ منذ الغزو العربي إلى الغزو البريطاني.

زد على هذا أنه اعتقد بأن المجتمع الهندي فشل في مقاومة الغزاة بسبب الانقسام الطبقي - الطائفي المغلق وبسبب خمول المجتمع بشكل عام. وشكلت العلاقات الاجتماعية التشاركية والملكية التشاركية في القرية الهندية أساسًا صلبًا لما نشأ من "استبداد شرقي". جعل كل هذا من الهند فريسة سهلة للكولونيالية البريطانية والتي جلبت على كل حال النهضة والتقدم. انتقد مفكرون ما بعد كولونياليين وما بعد حداثيين البيان الشيوعي نصوص ماركس عام 1853 ووصفها إدوارد سعيد على أنها معرفة استشراقية شبيهة بالعقلية الكولونيالية".

ورأى أندرسون أن فشل هذا النقد في معظمه بملاحظة أنه وفي العام 1853 بدأ منظور ماركس يتغير عن وجهة النظر التي انعكست في البيان، فأصبح أكثر اهتمامًا بالتفاصيل وديالكتيكيا أكثر. وهكذا فقد كتب في التريبيون مقالات تشير إلى أن الهند ستجد لها مخرجًا من الكولونيالية التي يصفها الآن بأنها في حد ذاتها شكل من أشكال "البربرية". ففي نهاية المطاف سيتم التخلص من الكولونيالية فإما بواسطة المساعدة الآتية من قبل الطبقة العاملة البريطانية، وإما من خلال تكون حركة استقلال وطني هندية. وكما يكتب مفكرون هنود كبار مثل عرفان حبيب فهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها مفكر أوروبي أساسي بدعم استقلال الهند".

وقال إن تنامى الجانب المناهض للكولونيالية بقدوم سنوات 1856-1857 في فكر ماركس، حيث دعم أيضًا ومن على منبر التريبيون المقاومة الصينية ضد بريطانيا أثناء حرب الأفيون الثانية، والهند أثناء انتفاضة السيبوي. وخلال هذه الفترة بدأ بإدخال أفكاره الجديدة حول الهند في واحد من أعظم نصوصه الجروندريسة (1857-1858). وبالفعل فإنه دفع في هذا العمل التحضيري في نقد الاقتصاد السياسي نحو بناء نظرية متعددة مسارات التطور التاريخي، حيث تقدمت المجتمعات الآسيوية وفق مسار مختلف عن تتابع أنماط الإنتاج التي حددها في أوروبا الغربية – النمط الإغريقي - الروماني، الفيودالي والرأسمالي.

زد على هذا أنه قارن وقابل علاقات الملكية التشاركية والعلاقات الاجتماعية الأوسع في التشكيلات التشاركية التي كانت سائدة في المجتمع الروماني القديم بنظيراتها في الهند. وتبدل موقفه الذي نظر من خلاله في البداية إلى التشكيلات التشاركية في القرى الهندية كمصدر للاستبداد فصار الآن يرى فيها تشكيلات تستطيع أن تكون إما استبدادية أو ديمقراطية".

وأشار أندرسون إلى أن ماركس طور نظرية ديالكتيكية للتغيير الاجتماعي وبأن نظريته ليست أحادية مسار التطور ولا تقتصر على ما هو طبقي حصرًا. وكما تطورت نظريته في التطور الاجتماعي نحو رؤية متعددة المسارات وبدأت تراكم نظريته في الثورة مستويات متعددة لتتشابك القضية الطبقية مع الإثنية والعرقية والقومية. وبالتأكيد، لم يكن ماركس فيلسوف - هوية بالمفهوم ما بعد الحداثي، ذلك رغم أن موضوعًا طاغيًا أي رأس المال هو ما شكل مركز جهده النظري وعالمه، لكنه لم يشكل الموضوع الأوحد أو الحصري. ويشكل مفهوم الكلية المحور الذي تدور حوله نظرية ماركس الاجتماعية المتأخرة والتي لا تطرح منظورًا عامًا للتباينات والخصوصيات فحسب، بل وأحيانًا تجعل من هذه الخصوصيات - العرق الإثنية والقومية - محددات للكلية. وهكذا كان الأمر عندما أعتقد بأن الثورة القومية الأيرلندية قد تشكل "رافعة" تستطيع أن تهدم الرأسمالية في بريطانيا، أو عندما كتب بأن الثورة المستندة إلى التشكيلة التشاركية الفلاحية الروسية قد تشكل نقطة انطلاق لتطور الشيوعية في أوروبا.

وأضاف أن ماركس حلل كيف هيمنت الرأسمالية على كامل الكوكب، وكيف أنها وصلت إلى كل مجتمع وكيف خلقت منظومة صناعية وتجارية معولمة، لأول مرة في تاريخ البشرية، وبالتوازي كيف أنها خلقت طبقة مضطهدة عالمية جديدة وهي الطبقة العاملة الصناعية. ومن جهة أخرى عمل ماركس بجهد من أجل الامتناع عن التعميم والصياغة الشكلانية المجردة لنظريته حول تطور المجتمعات، فحاول إظهار الأوجه الخاصة التي تعينت فيها قوى الرأسمالية المعولِمة في كل مجتمع ومجتمع سواء كان هذا المجتمع مجتمعًا غير غربي لم يتم اختراقه بالكامل من قبل النظام الرأسمالي كروسيا والهند، أو على مستوى التفاعل البيني للوعي الطبقي مع الإثنية والعرق والقومية في البلاد الصناعية الأكثر تطورًا.

وأوضح أندرسون أن القضية الأخرى التي سوف تنشأ عن هذا هي ما الذي تستطيع نظرية ماركس الاجتماعية متعددة مسارات التطور، الديالكتيكية والمفتوحة على حضارات متعددة، أن تخبرنا عن الرأسمالية المعولمة في عصرنا هذا؟ هل توجد لمنظوره متعدد مسارات التطور بخصوص روسيا - ومجتمعات غير رأسمالية أخرى - عندها، أية مصداقية مباشرة لعصرنا هذا؟ وهنا سأدعي أن لها مصداقية محدودة فقط. صحيح أن بعض المجتمعات في المكسيك أو بوليفيا وجواتيمالا أو مجتمعات شبيهة في أميركا اللاتينية، أفريقيا والشرق الأوسط ما زالت المشاعة البدائية المحلية موجودة، إلا أنها لا تصل إلى المستوى الذي كانت فيه أيام ماركس في روسيا أو الهند. ورغم أن بقية من هذه الأشكال التشاركية تلحق بالفلاحين إلى المدن وهكذا فإن حركات مهمة مناهضة للرأسمالية تطورت بالاعتماد على هذه القاعدة التشاركية في بوليفيا والمكسيك، إلا أن نظام رأس المال استطاع اختراقها جميعها.

ولهذا فإن نظرية ماركس متعددة مسارات التطور والمنفتحة حضاريًا مناسبة في أيامنا المعاصرة كنظرية عامة وهي ذات مصداقية على مستوى المنهج العام. إنها تقترح علينا منهجًا تحليليًا كاشفًا كما يظهر هذا في نظريته الديالكتيكية في التاريخ. وهكذا وفي حين أنه انطلق من قاعدة نظرية عامة بأن الرأسمالية وشكل القيمة الخاص بها سوف تهيمن على العالم، فإنه عكف على التناول بالتحليل العيني والتاريخي مجتمعات عالمية وكبرى أساسية والتي لم تقع بعد تحت هذه الهيمنة.

ورأى إن العديد من الاستنتاجات النظرية لماركس بخصوص تداخل القضايا الطبقية والإثنية والقومية ما زالت ذات مصداقية مباشرة لأيامنا هذه. ففي جميع الدول الصناعية الكبرى غير التنوع الإثني، الناشئ بسبب الهجرة في معظم الأحوال، بنية الطبقة العاملة. وفي هذا السياق فإن ما كتبه ماركس حول العلاقة بين العبودية والعرق والطبقة إبان الحرب الأهلية الأميركية، كما وما كتبه عن نضال الشعب البولندي من أجل الاستقلال والعلاقة بالثورة في أوروبا وأيضًا ما كتبه عن أهمية استقلال أيرلندا بالنسبة لنضال الطبقة العاملة البريطانية، لكل هذا علاقة واضحة ومباشرة بعالمنا المعاصر.

إن هذا سوف يساعدنا على نقد الخليط السام للعنصرية والخضوع لثقافة السجون في الولايات المتحدة أو على تحليل انتفاضة لوس- إنجلس 1992 وانتفاضة المهاجرين الشباب في الضواحي الباريسية عام 2005. تكمن قوة منظور ماركس النظري في أنه رفض فصل قضايا الإثنية والعرق والقومية، عن نقده لنظام الرأسمالية الطبقي فوضعها في سياقها الأوسع دون أن يتجاوزها.

وخلص أندرسون إلى أن كتابات ماركس التي تناولها في كتابه، وسواء لأنها نظرية متعددة مسارات التطور الاجتماعي، أو لأنها منهج في البحث والتحليل والكشف يقدم لمصلحة الحركات الوطنية الأصلانية في وجه العولمة الرأسمالية، أو لأنها نظرية في علاقة وتداخل الطبقي بالإثني وبالعرقي وبالقومي، فإن هذه النصوص التي عرضنا لها هنا هي على درجة عالية من الأهمية لأيامنا المعاصرة.

محمد الحمامصي











في أحد متاحف جزيرة قبرص المتوسطية، يكشف معرض أعمال فخارية تحمل توقيع الفنان العالمي بابلو بيكاسو، أوجه شبه بين هذه القطع وفخاريات قبرصية تعود لعصور ما قبل الميلاد.


ويحمل المعرض الذي افتتح مساء الثلاثاء في نيقوسيا ويستمر ثلاثة أشهر، عنوان "بيكاسو في متحف قبرص: أعمال من طين"، ويقدم للزوار مجموعة أعمال مصنوعة من الفخار وملونة للرسام الإسباني الشهير استقدمها المنظمون في معظمها من متحف بيكاسو في باريس.

وتقول صاحبة فكرة المعرض أندرولا ميخائيل لوكالة فرانس برس "ألهم فن العصور القديمة بيكاسو والهدف من إقامة المعرض هو إعادة اكتشاف علاقة بيكاسو بالعصور القديمة"، مشيرة الى أن الأعمال تكشف أيضا علاقة معينة بقبرص التي لم يزرها الفنان في حياته.

لدى الحديث عن الفنان الإسباني، لا تخطر إجمالا في بال أحد، أعماله الفخارية، لكن بيكاسو وهو من أرباب المدرسة التكعيبية في الرسم اكتشف أيضا وهو في الخامسة والستين من عمره، شغفا بالخزف وبتصميم أعمال من الفخار والرسم عليها.

وكان ذلك أثناء زيارته في صيف العام 1946 مشغلاً للفخار في بلدة فالوريس في جنوب فرنسا حيث تعرف على صاحبي المشغل وهما زوجان أصبحا بعدها صديقين مقربين منه. هناك أيضا التقى جاكلين التي كانت تعمل في المجال نفسه، وأصبحت زوجته الثانية.

في ممر ضيق داخل المتحف، عُلقت على جدار صور بالأسود والأبيض يظهر فيها الفنان منهمكاً في عمله وسط قطع فخارية وأغراض مبعثرة.

ويؤدي الممر إلى صالة قسمت إلى جزئين: فقد عُرضت في الجزء الأيسر فخاريات قبرصية يعود تاريخها إلى آلاف السنين مأخوذة من المتحف الدائم، وفي الجزء الآخر، أعمال بيكاسو التي يرى المنظمون أنها تشبه الى حدّ كبير التحف القبرصية.

وتقليدا، تُعرف جزيرة قبرص بفخارياتها التي يعود تاريخها إلى العصور الحجرية الحديثة (10 آلاف سنة قبل الميلاد) وكان يستخدمها السكان في الماضي في حاجاتهم اليومية. إلا أن هذه الحرفة تراجعت تدريجا في البلاد وباتت حالياً تقتصر على بعض القرى.

بين أعمال بيكاسو المعروضة، إناء أبيض ذو ثلاثة أركان رُسم على كل جهة منه وجه امرأة. ويكاد المنظمون يجزمون أن التحفة مستوحاة من إناء قبرصي مماثل شهير معروض في المتحف وإناء قبرصي آخر مشابه موجود في متحف اللوفر في فرنسا.

وتقول أندرولا ميخائيل "تبدو العلاقة بين بيكاسو والفن القبرصي القديم واضحة. فالإناء القبرصي الموجود في اللوفر فريد وغير موجود في أي مكان آخر في العالم"، مضيفة "لا يمكن أن نجزم مئة بالمئة أن إناء بيكاسو مستوحى منه، لكن الشبه بديهي".

وتطغى على فخاريات بيكاسو المعروضة في متحف قبرص رسوم المرأة والحيوانات.



ونُقلت هذه التحف في الطائرة، بعدما وُضعت كل قطعة في صندوق خاص بها بشكل يضمن عدم تحركها أثناء الرحلة. وأشرف على عملية إخراج القطع من الصناديق وعرضها، خبير أوفده متحف بيكاسو وخبير ترميم للتحقق من عدم وجود أي أضرار في أي قطعة. وتُحفظ هذه الأخيرة طوال مدة المعرض في درجة حرارة معينة.

ويروي المنظمون أن بيكاسو كان إجمالا يعمل على قطع فخارية خام صنعها أصدقاء له لا تزال رطبة، فيقوم بمنحها التصميم الذي يريده ويرسم عليها قبل إدخالها إلى الفرن.

وتقول ميخائيل، وهي أستاذة تاريخ الفنون في جامعة بيكاردي جول فيرن في شمال فرنسا ومقرّبة من عائلة الفنان، إن "بيكاسو أعطى حياةً للإناء القديم" عن طريق رسم وجوه المرأة الثلاثة.

عند مدخل الصالة وتحت أضواء خافتة، عُرضت تحفة فخارية لبيكاسو على شكل ثور بلون الطين البني غير مطلية. إلى جانبها، عُلقت صورة يظهر فيها بيكاسو على شاطئ البحر متنكراً برأس ثور، في ما يبدو تأثرا من الفنان الإسباني بمصارعة الثيران التي تعرف بها بلاده.

وحملت أعمال أخرى رسوم خيول وطيور، واستوحى صاحب لوحة "غرنيكا" (التي تظهر كل ويلات الحرب) ولوحة حمامة السلام البيضاء، عددا من الأعمال من الأساطير الإغريقية وحضارات العصور القديمة.

وترى ميخائيل أن "المعرض يربط القديم بالمعاصر ويُظهر كيف أثارت الفنون القديمة اهتمام الفنانين الكبار".
ويُعرف عن بيكاسو الذي توفي في العام 1973، أنه كان يعتبر أن الفنون الكبيرة تبقى دائماً حية في الحاضر، وكان يقول إن فنّ الحضارات القديمة "ليس أمراً من الماضي".












بعد الفيلم الهوليوودي المقتبس عن الرواية العالمية الأعلى مبيعا "اسم الوردة" للكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو، مسلسل تلفزيوني جديد يخرج إلى النور يستند على أحداث قصة مليئة بجرائم قتل حدثت في القرون الوسطى.

تحولت "اسم الوردة" إلى فيلم سينمائي في عام 1986، من إخراج الفرنسي جان جاك آنود، ولعب دور البطولة النجم شون كونري الذي جسد شخصية راهب في القرن الرابع عشر يكافح الخرافات من أجل حل لغز جريمة قتل في دير.

وتثير هذه الرواية التي تضمنت وصفا دقيقا للحياة في دير من القرن الرابع عشر والروايات الموثقة للنزاعات الفلسفية والدينية آنذاك الاهتمام، بسبب حبكتها الذكية وأجواء الخوف والقتامة التي رسمها إيكو ببراعة حول الدير بالإضافة إلى الشخصية الرئيسية الجذابة وهو محقق استوحاه إيكو من شخصية المحقق البريطاني الشهير شارلوك هولمز.

يتولى بطولة المسلسل المكون من ثماني حلقات، وفقا لموقع صحيفة "دويتشه فيليه" الألمانية، نخبة من النجوم كالممثل الأميركي من أصل ايطالي جون ترتورو، كما يتضمن العمل شخصيات نسائية غير موجودة في الرواية أو النسخة السينمائية.

وكانت "اسم الوردة" تطبيقا عمليا لأفكار ايكو الذي توفي في العام 2016، النظرية التي لم يجرؤ على دخول ميدانها إلا في عام 1980 عندما اكتسح المجال الروائي بعمل متكامل فنياً وفكرياً، وليعلن عن نفسه منذ ذلك الحين واحداً من أهم الروائيين المعاصرين في العالم، وحقق لنفسه شهرة دولية بين عشية وضحاها.

تدور أحداث الرواية الغامضة في أحد أديرة إيطاليا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1327، حيث تتكرر في الدير جرائم قتل مريبة، جميع ضحاياها من الرهبان.

ويقدم النساك تفسيرا وحيدا لهذه الجرائم يتعلق بوجود روح شريرة داخل جدران ديرهم لكن رجلا واحدا يشك في وجود شخص ما يقف وراء جميع تلك الجرائم، ذاك الرجل هو راهب ضيف حاد الذكاء سريع البديهة يعتمد على عقله في الإجابة على أي شيء، عمل سابقا محققًا في محاكم التفتيش ولكنه تخلى عن وظيفته تلك بعدما رأى أن مهمة محاكم التفتيش لم تعد فقط إرشاد الناس بل أيضاً معاقبتهم وبوسائل بشعة بعيدة عن روح المسيحية.

يقوم الراهب بزيارة للدير مع تلميذه الذي قام هو نفسه بتدوين القصة كما يقترح المؤلف، وبعد سلسلة من الأحداث الشيقة يصطدم فيها الراهب بأحد محققي محاكم التفتيش والذي كان قد اتهمه سابقاً بالهرطقة مهددا إياه بالموت، ولكن في نهاية الأمر يتمكن الراهب من فك ألغاز الجريمة ويتوصل لمعرفة القاتل الحقيقي.

وتتوقع صحيفة "لوس أنجليس تايمز" أن يكون الانتاج الألماني الايطالي المشترك واحدا من المسلسلات الأكثر بروزا في الأشهر الأخيرة.












يرى الكاتب المصري سامح فايز في كتابه "البيست سيلر .. حكايات عن القراءة" الصادر مؤخرا بالقاهرة عن الدار المصرية اللبنانية، أن الحديث عن أي تحولات تشهدها مرحلة ما يجب أن يتوازى مع قراءة أيديولوجية لهذه المرحلة، ويذهب إلى أن ارتباك المشهد المصري بعد ثورة يناير 2011 دفع دور النشر الكبرى إلى تقليص عدد إصداراتها إلى أقل من الثلث، وهو ما أوجد فراغا حاولت أن تملأه دور نشر جديدة كادت تقتصر على النشر للشباب وركزت على أدب الرعب والخيال العلمي، وهو ما وجد إقبالا من القراء الشباب فلمع عدد من الكتاب الجدد، مما دفع دور النشر الكبرى إلى الاتجاه لهم حينما استعادت نشاطها بعدما استقر المشهد المصري نسبيا، وقد حققت أعمالهم مبيعات ضخمة لكن وبحسب الكتّاب "فعلى الرغم من النجاح التجاري الذي حققته كتب البيست سيلر فإن الصحافة تجاهلتهم تماما وكانت تذكرهم عرضا باعتبارهم ظواهر ستنتهي سريعا، لكن الظاهرة التي شاعت مع ارتفاع حجم مستخدمي الإنترنت في مصر أظهرت دولة أخرى للأدب والقراءة خارج الفضاءالرسمي الذي يعتني به النقاد ووسائل الإعلام في حين راهن الكتاب الجدد على قوة السوشيال ميديا”.

هذا التجاهل لم يغير من الأمر شيئا، فما حدث أن تلك الظاهرة أصبحت واقعا لا يمكن تجاوزه، كما يذهب سامح فايز إلى أن الإنترنت والسوشيال ميديا لم تكن المؤثر الوحيد على كتاب هذا الجيال من الشباب، فما اصطلح على تسميته بالصحوة الإسلامية كان مؤثرا آخر لا يقل عن الإنترنت في درجة تأثيره على تكوينهم، فترددت في أحاديثهم مصطلحات مثل الأدب الرسالي ولم يتجاوزوا تابوهات السياسة والجنس والدين، ويُرجع الكاتب تفسير ذلك إلى تمرد طال الأدب كما طال الوطن كله، لكنه تمرد تصدره شباب لم تتجاوز معارف معظمهم حدود كتب ميكي وأعمال نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق.

القارىء كاتبا

يرصد الكاتب أن الرواية رغم ما تحققه من مقروئية عالية نسبيا إلا أن طبعتها لا تتجاوز ألف نسخة، وتنخفض الطبعات في أغلب دور النشر إلى خمسمائة نسخة، فهل تُعبر هذه الأرقام عن حقيقة مشهد القراءة في مصر؟ وهل ما تعانيه صناعة النشر في مصر من ضعف ناجم عن تدني معدلات القراءة؟

الكتاب يؤكد على عدم صحة ذلك، مشيرا إلى نتائج دراسة أجريت عن موقع جود ريدز كشفت عن أن مصر من أكثر دول العالم استخداما للموقع، ومدللا بأن الإقبال الكبير على إصدارات مكتبة الأسرة التي كانت تنفد آلاف النسخ منها خلال أيام، ويذهب إلى أن عام 2005 كان عاما فارقا في هذا الأمر، فقد شهد تأسيس أول دار نشر في القاهرة بدأت كمنتدى أدبي على شبكة الإنترنت، وحملت نفس اسم الموقع، وقد حول هذا الموقع والمواقع الشبيهة آلاف القراء إلى كتاب، فقد أتاحت لهم فرصة نشر ما يكتبون فتحولت تلقائيا وربما دون قصد إلى ورش لتعليم الكتابة، وحققت حلم النشر بقدر كبير، فقد كشفت تجربتها عن قدرتها الكبيرة على الترويج، فالكاتب الذي كان يكابد ليصل إلى عشرات القراء أمكنه الوصول من خلال تلك المواقع إلى الملايين، كما أنه خلال العام نفسه وبحسب دراسة أجراها المجلس الأعلى للثقافة وصل عدد المدونات الإلكترونية إلى مائة وخمسين ألف مدونة، لكن هذه الطفرات لم يستفد منها صانع الكتاب الأصلي، فقد تسببت في ظهور سوق مواز اعتمد على تزوير وقرصنة الكتب، فقد أشار تقرير حالة القراءة في مصر إلى طباعة عشرين مليون نسخة من نحو ثلاثين ألف عنوان صدرت في مصر عام 2016، أي بمتوسط كتاب لكل خمسة مواطنين، وهو متوسط لا تعبر عنه مبيعات دور النشر المصرية، وهذا يعني سيطرة السوق الموازي على معدلات البيع.

مثلث صناعة النجم

يلمح الكاتب إلى ظاهرة أخرى مستشرية تتمثل في وجود دولتين للأدباء، واحدة رسمية يعرفها النقاد ويؤطرون لها، والثانية لا يعرفها النقاد لكن القراء الجدد يعرفونها جيدا، وصنعوا من كتابها نجوما، وهي صناعة أجادها البعض وتعتمد على ثلاثة أشياء أولها قوائم البيست سيلر أو الأكثر مبيعا، وهي قوائم غالبا غير حقيقية، فدور النشر تتلاعب بها وتضع فيها عناوينَ لم يشترها أحد، كما تتلاعب بعض دور النشر بأعداد الطبعات، فإذا طبعت من الكتاب مائة نسخة في كل طبعة، فإن مائة طبعة تعني إصدار عشرة آلاف نسخة وهو ما كان يصدر سابقا في طبعتين فقط، وثانيها "أولتراس الأدباء" أو الجروبات التي أتاحها الفيس بوك، ولعبت دورا كبيرا في الترويج للكتاب بما يعكس علاقاتهم في السوشيال ميديا وليس القيمة الحقيقية لما يكتبون، وثالث أضلاع المثلث يتمثل في تزوير الكتب، فعندما تصيب الشهرة كاتبا ما تسارع بعض دور النشر الصغيرة إلى طباعة كتبه بشكل غير شرعي، وكأن تزوير الكتاب دليلا على نجاحه لكن البعض استغلها للترويج لنفسه، فامتلأت الأرصفة بكتب مزورة لأدباء مغمورين لكن طرحها كذلك قد يخدع فئة من القراء فيقبلون عليها باعتبار صاحبها مشهورا.
هكذا يحلل الكتاب الظاهرة موضحا زيف النتائج المترتبة عليها، فالأدباء المنتمون لدولة الأدب الحقيقي قد لا يعرفهم أحد، بينما من يجيدون فن صناعة النجم يحققون شهرة ومقروئية، بل يمتد تأثيرهم إلى ما هو أكثر من ذلك بأن يكتب قراؤهم بنفس طريقتهم، فيخرج من رحمهم كتاب يشبهونهم خرجوا من رحم ثقافة مغايرة تنتمي إلى الدعاة الجدد وسطوة الصحوة الدينية التي برزت في الربع الأخير من القرن العشرين، فنصبح إزاء موج قادم سوف يزيح ما يعترض سبيله ليؤسس دولته، فما شهدته سوق النشر في مصر منذ عام 2011 ليس بعيدا عن تراكمات العقود الأربعة الأخيرة.

ويستمر الكتاب في رصد حالة الفصام بين دولتي الكتابة في مصر فيشير لرواج كتب السيرة الذاتية في نفس الوقت الذي يجد فيه أدب الرعب إقبالا كبيرا، وقد فسر البعض رواج أدب الرعب بأن الكاتب والقارىء يقهران مخاوفهما على الورق، بالهروب لواقع أكثر ألما فيخفف وطأة ما يواجهونه يوميا، تماما كما حدث في الولايات المتحدة عقب الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين.
أحمد رجب










لا تقتصر "مذكرات طالب رائع حقاً" على مذكّرات راولي جيفرسون بل تمتد لتشكل جزءاً كبيراً من "مذكّرات غريغ هيفلي" أيضاً، سيبدأ راولي بسرد سيرة حياة صديقه الحميم غريغ وسيخبرنا عن حياتهما معاً كولدين شقيين عاشا معاً مغامرات مخيفة ومقالب مضحكة، وأشياء عن عائلتيهما؛ وغير ذلك، عن ما ظناه "مخلوقاً نصفه إنسان ونصفه معزاة في الغابة"، وعن لحظات الرعب التي عاشاها في "مقبرة قديمة"، وقصة صفع راولي صديقه غريغ بمضرب التنس بعدما ظنه لصّاً خطيراً.

إلى جانب قصة إنقاذ راولي صديقه غريغ من "حفلة ذكرى ميلاد لاركين"، وهكذا يستمر راولي بسرد أحداث ذلك اليوم الذي ابتكر فيه غريغ جائزة من أجل صديقه راولي وسماها "جائزة الولد الشاطر"، وعن اليوم الذي اكتشف راولي أنّ غريغ شريك دراسة كسول عندما حوّل الدراسة إلى فكرة لعبة، وحوّل الامتحان إلى غش وفوضى.

وعن نجاحهما معاً في ابتكار رسماً لـ "بطلٍ خارقٍ" في المدرسة، وغير ذلك من الحكايات الطريفة والمذكرات الشيقة التي يدونها راولي في هذا الكتاب والتي أضاف إليها رسومات وأشكالا مضحكة سيعيش معها الأولاد لحظات قراءة لا تُنسى.












ثورة الموتى تدور أحداثها حول مجموعة من الجنود الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية وقد خرجوا من مقابرهم في ثورة مطالبين بمحاكمة من قدمهم للحرب دون مبرر

قال لي صديق: أكيد العيد حايكون يوم الثلاثاء، فمصر خلاص بتعتمد على علم الفلك، وألغت موضوع الرؤية، وصدقته، لكنني فوجئت بأن العيد في مصر والأردن وتونس الأربعاء، وفي السعودية والإمارات الثلاثاء، فتذكرت حكايات في هذا الخصوص:
ففي فترة عقب هزيمتنا في حرب 67، جاء رمضان 28 يوما فقط، (إزاي معرفش)، ما أذكره أن الدولة أعلنت فجأة أن غدا العيد، وسرتُ في شارع ابن الخطاب وفيه محلات بيع ملابس وسيدات يسحبن أطفالهن ليشتروا لهم ملابس العيد الذي جاء فجأة، والأطفال يبكون، وأهاليهم يطمنوهم بأنهم سيشترون لهم الآن الملابس الناقصة.

وكتب سعد الدين وهبة مسرحيته "سبع سواقي" معتمدا على الصراع الذي يحدث كل عام في تحديد أول أيام العيد، فلو كنا على وفاق مع السعودية سرنا معها، ولو كانت مواقفنا السياسية مختلفة تعارضنا معها، واعتمد سعد الدين وهبة في كتابة مسرحيته على مسرحية "ثورة الموتى"، لاروين شو ترجمة فؤاد دوارة. والتي تدور أحداثها حول مجموعة من الجنود الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية وقد خرجوا من مقابرهم في ثورة مطالبين بمحاكمة من قدمهم للحرب دون مبرر.

ما أتذكره في مسرحية سعد الدين وهبة أن عاهرة ضاقت بشهر رمضان فعملها يتوقف في هذا الشهر، فالبعض يبتعد عن الخطيئة فيه، واستعدت لعملها الذي سيعود مع صباح يوم العيد، لكن الدولة قررت فجأة أن غدا آخر أيام رمضان، فثارت العاهرة وصاحت: "يعني اختلافهم السياسي ما يجيش إلا على راسي، ما هما مختلفين في كل شيء اشمعنى اتفقوا دلوقتي؟!".

كان مقر عملها قريبا جدا من المدافن، فوجدت مجموعة من الناس تخرج من المدافن، اتضح أنهم من ماتوا في حرب 67، يطالبون بمحاكمة من قدمهم للحرب دون استعداد، فتسببوا في موتهم، وفي المسرحية قضايا كثيرة يناقشها سعد الدين وهبة الأسلحة الفاسدة في حرب 48 والقيادة الفاسدة في حرب 67. ولكن ما يعنيني هنا هو رؤية الهلال وبداية العيد الذي اختلفنا فيه هذا العام.

مصطفى نصر






arrow_red_small 3 4 5 6 7 8 9 arrow_red_smallright