top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
مجلس أمناء جائزة زايد للكتاب يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15
مجلس أمناء "جائزة زايد للكتاب" يعتمد أسماء الفائزين بالدورة الـ 15 اعتمد مجلس أمناء جائزة الشيخ زايد للكتاب نتائج الدورة الخامسة عشرة وأسماء الفائزين في فروع الجائزة التسعة بعد الاطّلاع على توصيات الهيئة العلمية للجائزة، على أن يتم الإعلان عن الفائزين في نهاية شهر أبريل الجاري، وشهدت الجائزة هذا العام مشاركة 57 دولة من بينها 35 دولة أجنبية و22 دولة عربية . وقالت وكالة الأنباء الإمارتية /وام/ - إن اللجنة ...
ما قصة لوحة أمي الخائفة
الكثير من لحظات الخوف والألم يولد من رحمها الإبداع والفن، الذي يجسد هذه اللحظات، بطريقة تحاكي الواقع المعاش، بلمسة لا تخلو من التميز والإبداع وتترك أثراً في نفوس مشاهديها. قصتنا اليوم تتحدث عن لوحة دقيقة بالقماش والخرز، وثقت لحظات حالة خوف أم سورية، لحظة سماعها صوت انفجار ضخم في منطقة قريبة من منزلها عام 2015، حيث قام فادي الإبراهيم فنان تشكيلي سوري، بتحويل الصورة الفوتوغرافية التي التقطها ...
من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل؟
بحلول أول أبريل/نيسان ربما يفكر البعض في إطلاق بعض "الأكاذيب" على أسرته وأصدقائه لأنه ببساطة اليوم الذي اعتاد فيه الناس خداع بعضهم البعض بمرح. وقال أندريا ليفسي المؤرخ بجامعة بريستول: "إن الناس تحتفل بهذا اليوم في بريطانيا منذ القرن التاسع عشر." ولكن لماذا نحتفل بكذبة أبريل/نيسان؟ يقول أندريا:" لا أحد يعرف على نحو دقيق من أين جاء الاحتفال بكذبة أبريل، ولكن هناك عدة نظريات عن أصل هذا ...
البابا فرنسيس في عزلته
يفتتح الخبير الإيطالي في الشأن الفاتيكاني ماركو بوليتي كتابه المعنون بـ"البابا فرنسيس في عزلته" بفصل يتمحور حول مفهوم الألوهية عند البابا فرنسيس (برغوليو)، بعيدا عن الصياغات اللاهوتيّة الجامدة، بشأن الألوهية. مستعرضا الكاتب محاولات فرنسيس بناء معتقد حيوي منفتح، يرفض الانغلاق السائد والمزمِن في تصوّرات الكنيسة الكاثوليكية. ثمة تشاركية عَقَديّة يودّ فرنسيس ترسيخها في أوساط الكاثوليك خصوصا. إذ يدرك ...
الأثر الذي تتركه الوجوه في زمن كورونا
"الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية" هكذا وصفه بابلو بيكاسو، فهل يمكن للفن في زمن كورونا أن يفعل ذلك؟ هل يمكن مواجهة الخوف والقلق الوجودي من الموت الرابض وراء مصافحة تصافحها لصديق أو نفس يدخل صدرك في مكان مزدحم؟ أو ملامسة باب مكتبك؟ أو حتى باب المصعد؟ أو المترو؟ هل يمكن مواجهة هذا الخوف الإنساني بالفن؟ هل للفنان التشكيلي مثلا أن يتمكن من تصوير كل هذه المخاوف الإنسانية التي تلاحق الإنسان منا، منذ ...
جائزة الشيخ زايد للكتاب تعلن القوائم القصيرة لدورتها الخامسة عشر
أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب في الإمارات اليوم الثلاثاء القوائم القصيرة لدورتها الخامسة عشر في فروع الآداب والمؤلف الشاب وأدب الطفل والناشئة. وضمت القائمة القصيرة لفرع الآداب ثلاث روايات هي (أن تعشق الحياة) للبنانية علوية صبح و(غرفة المسافرين) للمصري عزت القمحاوي و(في أثر عنايات الزيات) للمصرية إيمان مرسال. وضمت قائمة المؤلف الشاب، الموجهة للمبدعين دون سن الأربعين، رواية (ليلة يلدا) للمصرية غادة ...




"الفلسفة والطب وعلم اللاهوت، التي ازدهرت جميعها في الشرق العباسي، كانت أيضًا ذات أهمية في المغرب، ومن هناك وصلت التأثيرات القوية إلى أوروبا في العصور الوسطى."
"الفلسفة الإسلامية، أو الفلسفة العربية، مذاهب فلاسفة العالم الإسلامي في القرنين التاسع والثاني عشر الذين كتبوا باللغة العربية أساسًا. تجمع هذه المذاهب بين الأرسطية والأفلاطونية الحديثة مع أفكار أخرى أدخلت من خلال الإسلام. ترتبط الفلسفة الإسلامية بالعقائد والحركات اللاهوتية في الإسلام ولكنها تختلف عنها.

الكندي، على سبيل المثال، أحد أوائل الفلاسفة الإسلاميين، ازدهر في بيئة حفز فيها اللاهوت الجدل (الكلام) لحركة المعتزلة الكثير من الاهتمام والاستثمار في دراسة الفلسفة اليونانية، لكنه لم يكن هو نفسه مشارك في النقاشات اللاهوتية في ذلك الوقت. في غضون ذلك، تأثر الرازي بالمناقشات اللاهوتية المعاصرة حول الذرية في عمله على تكوين المادة. شارك المسيحيون واليهود أيضًا في الحركات الفلسفية للعالم الإسلامي، وتم تقسيم المدارس الفكرية على العقيدة الفلسفية بدلاً من العقيدة الدينية، ومن المفكرين المؤثرين الآخرين الفرس الفارابي وابن سينا، وكذلك الإسباني ابن رشد، الذي أخذت تفسيراته لأرسطو من قبل المفكرين اليهود والمسيحيين. عندما سيطر العرب على إسبانيا الأندلسية، تُرجم الأدب الفلسفي العربي إلى العبرية واللاتينية. في مصر في نفس الوقت تقريبًا، تم تطوير التقليد الفلسفي من قبل موسى بن ميمون وابن خلدون.

لقد تراجعت شهرة الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لصالح التصوف، كما أوضحها مفكرون مثل الغزالي وابن عربي، والتقليدية كما أعلنها ابن تيمية. ومع ذلك، ظلت الفلسفة الإسلامية، التي أعادت تقديم الأرسطية إلى الغرب اللاتيني، مؤثرة في تطوير المدرسة السكولاستية في العصور الوسطى والفلسفة الأوروبية الحديثة.
"

الفكر الإسلامي
علم الدين الإسلامي (الكلام) والفلسفة تقليدان للتعلم طورهما مفكرون مسلمون انخرطوا، من ناحية، في التوضيح العقلاني والدفاع عن مبادئ الدين الإسلامي (المتكلمين)، ومن ناحية أخرى، في السعي وراء العلوم القديمة (اليونانية والهلنستية أو اليونانية الرومانية)، (الفلاسفة). اتخذ هؤلاء المفكرون موقفًا وسيطًا بين التقليديين، الذين ظلوا مرتبطين بالتعابير الحرفية للمصادر الأولية للعقائد الإسلامية (القرآن، والنصوص الإسلامية، والأحاديث، وأقوال النبي محمد) والذين كرهوا التفكير، وأولئك الذين دفعهم تفكيرهم إلى هجر الأمة برمتها.

ظلت مكانة المؤمن بالإسلام عمليا مسألة فقهية، وليست مسألة يقررها علماء الدين أو الفلاسفة. باستثناء ما يتعلق بالأسئلة الأساسية حول وجود الله والوحي الإسلامي والثواب والعقاب في المستقبل، فإن الشروط القانونية لإعلان شخص ما كفارًا أو ما وراء الإسلام كانت متطلبة لدرجة تجعل من المستحيل تقريبًا إصدار إعلان صحيح من هذا النوع عن مسلم يعترف.

في مجرى الأحداث في التاريخ الإسلامي، قام ممثلو بعض الحركات الدينية، الذين صادف أنهم فقهاء ونجحوا في تحويل الحكام إلى قضيتهم، بإعلان تأييدهم لحركاتهم، بل شجعوهم على اضطهاد خصومهم. وهكذا نشأ في بعض المحليات والفترات ما يشبه عقيدة رسمية أو أرثوذكسية.

التطورات المبكرة

لا يمكن تمييز بدايات علم الكلام في التقليد الإسلامي في النصف الثاني من القرن السابع بسهولة عن بدايات عدد من التخصصات الأخرى - فقه اللغة العربية، والتفسير القرآني، ومجموعة أقوال وأفعال النبي محمد (الحديث)، والفقه. (أصول الفقه)، والتأريخ. إلى جانب هذه التخصصات الأخرى، يهتم اللاهوت الإسلامي بتأكيد حقائق وسياق الوحي الإسلامي وفهم معناه وآثاره فيما يتعلق بما يجب على المسلمين أن يؤمنوا به ويفعلوه بعد توقف الوحي، وكان على المجتمع الإسلامي أن يرسم طريقه الخاص.

خلال النصف الأول من القرن الثامن، شكّل عدد من الأسئلة - التي ركزت على وحدة الله وعدله وسمات أخرى وكانت ذات صلة بحرية الإنسان وأفعاله ومصيره في الآخرة - جوهر تخصص أكثر تخصصًا الذي سمي بالكلام بسبب "الخطاب" الخطابي والجدلي المستخدم في صياغة مسائل العقيدة الإسلامية ومناقشتها والدفاع عنها ضد المعارضين المسلمين وغير المسلمين.

تدريجيًا، جاء علم الكلام ليشمل جميع الأمور ذات الصلة بشكل مباشر أو غير مباشر بتأسيس وتعريف المعتقدات الدينية، وطور حججه المنطقية المنهجية الضرورية أو المفيدة حول المعرفة الإنسانية وتكوين العالم. على الرغم من الجهود المختلفة التي بذلها المفكرون اللاحقون لدمج مشاكل الكلام مع مشاكل الفلسفة (والتصوف)، فقد حافظ اللاهوت على استقلاله النسبي عن الفلسفة والعلوم الأخرى غير الدينية. لقد بقيت وفية لوجهة نظرها التقليدية والدينية الأصلية، وحصرت نفسها في حدود الوحي الإسلامي، وافترضت أن هذه الحدود كما فهمتها متطابقة مع حدود الحقيقة.

الإرث الهلنستي

تضمن الإرث الجاهلي وغير الإسلامي الذي اتصل به اللاهوت الإسلامي في وقت مبكر كل الفكر الديني الذي نجا وكان يتم الدفاع عنه أو المتنازع عليه في مصر وسوريا وإيران والهند. تم نقلها من قبل ممثلين متعلمين من مختلف المسيحيين واليهود والمانويين (أعضاء في ديانة ثنائية أسسها ماني، نبي إيراني، في القرن الثالث)، الزرادشتية (أعضاء في دين توحيدي، ولكن فيما بعد ثنائي، أسسها زرادشت، إيراني عاش قبل القرن السادس قبل الميلاد)، هندي (هندوسي وبوذي، في المقام الأول)، وصبيان (غالبًا ما يخلط عابدوا النجوم في حران مع المندائيين) ومن قبل المتحولين الأوائل إلى الإسلام على دراية بالتعاليم والكتابات المقدسة والعقائدية تاريخ ديانات هذه المناطق.


في البداية، كان الوصول إلى هذا الإرث من خلال المحادثات والخلافات مع هؤلاء الناس، وليس من خلال الترجمات الكاملة والدقيقة للنصوص المقدسة أو الكتابات اللاهوتية والفلسفية، على الرغم من أن بعض الترجمات من البهلوية (لهجة فارسية وسط) والسريانية واليونانية يجب أن كانت متاحة أيضًا. كان النهج المميز لعلم اللاهوت الإسلامي المبكر للأدب غير الإسلامي من خلال الخلافات الشفوية، والتي كانت نقاط البداية منها البيانات التي قدمها أو دافع عنها (شفهيًا) من قبل المعارضين.
استمر استخدام الجدل الشفوي في علم اللاهوت لعدة قرون، ومعظم الكتابات اللاهوتية تعيد إنتاج أو تقليد هذا الشكل. من خلال هذه الخلافات الشفوية والمكتوبة، جمع كتاب الأديان والطوائف الكثير من معلوماتهم عن الطوائف غير المسلمة. وهكذا تمت مواجهة الكثير من الفكر الديني الهلنستي (الثقافة اليونانية بعد القرن الثالث قبل الميلاد) والإيراني والهندي بطريقة غير رسمية وغير مباشرة. بحلول ذلك الوقت كانوا قد شغلوا معظم مناصبهم الأساسية. لقد استخدموا أدب الترجمة بشكل انتقائي، متجاهلين معظم ما لم يكن مفيدًا لهم حتى أوضح لهم عالم اللاهوت الصوفي الغزالي (ازدهر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر) طريقة دراسته، والتمييز بين المذاهب غير الضارة والضارة الواردة في عليه، ودحض هذا الأخير.
بحلول هذا الزمن، كان اللاهوت الإسلامي قد صاغ عددًا كبيرًا من المصطلحات الفنية، وكان علماء الدين قد صاغوا اللغة العربية إلى لغة علمية متعددة الاستخدامات. لقد نضج فقه اللغة العربية. وطورت العلوم الدينية (الفقه، ودراسة القرآن، والحديث، والنقد، والتاريخ) تقنيات معقدة لدراسة النصوص وتفسيرها. استفاد مترجمو القرن التاسع من هذه التطورات لتلبية احتياجات الرعاة.
بصرف النظر عن المطالب بالأعمال الطبية والرياضية، تم تعزيز ترجمة التعلم اليوناني من قبل الخلفاء العباسيين الأوائل (القرنين الثامن والتاسع) ووزرائهم كأسلحة إضافية (كان السلاح الأساسي هو اللاهوت نفسه) ضد تهديد المانوية والأفكار التخريبية الأخرى التي جاءت تحت اسم زندقة ("هرطقة" أو "إلحاد").
الفلسفة: ابن رشد وابن سينا
الفلسفة والطب وعلم اللاهوت، التي ازدهرت جميعها في الشرق العباسي، كانت أيضًا ذات أهمية في المغرب، ومن هناك وصلت التأثيرات القوية إلى أوروبا في العصور الوسطى. غالبًا ما جاءت التأثيرات من خلال وساطة اليهود، الذين تم تعريبهم إلى حد كبير، إلى جانب العديد من المسيحيين، في نظرتهم الثقافية والأدبية. يمكن أن تتباهى البلدان الإسلامية الشرقية بأوائل الكتاب المنتظمين في مجال الفلسفة، بما في ذلك الكندي (توفي حوالي 870)، والفارابي (توفي 950)، وخاصة ابن سينا (توفي 1037).
كان عمل ابن سينا في الفلسفة والعلوم والطب رائعًا، وحظي بالتقدير على هذا النحو في أوروبا. كما قام بتأليف أطروحات وحكايات دينية بميل صوفي. أعاد الفيلسوف المغربي ابن طفيل (توفي 1185/86) إحدى رواياته الرومانسية في كتابه حي بن يقظان. إنها قصة إنسان علّم نفسه بنفسه عاش في جزيرة منعزلة وحصل في نضجه على المعرفة الكاملة التي علمها الفلاسفة والأنبياء. ومع ذلك، كان الشخصية المهيمنة في مملكة الموحدين هو الفيلسوف ابن رشد (توفي 1198)، طبيب بلاط الملوك الأمازيغ (البربر) في مراكش والمشهور بأنه المعلق العربي الكبير على أرسطو.
إن أهمية فلسفة ابن رشد التي يساء تفسيرها كثيرًا في تشكيل الفكر المسيحي في العصور الوسطى معروفة جيدًا. من بين كتاباته العديدة الأخرى، الجديرة بالذكر على وجه الخصوص، رده القاسي على هجوم الغزالي على الفلسفة (توفي 1111). كان الغزالي قد أطلق على هجومه اسم "تهافت الفلاسفة"، بينما كان رد ابن رشد المشهور أيضًا بعنوان "تهافت التهافت". مهنة علمية، تصبح الممثل الأكثر تأثيرا للصوفية المعتدلة. استند عمله الرئيسي، إحياء حلم الدين ("إحياء العلوم الدينية")، على التجارب الدينية الشخصية، وهي مقدمة مثالية لطريق المسلم المتدين إلى الله. ألهمت الشعر والنثر الديني في وقت لاحق".
لكن لماذا كان مصير الفلسفة الإسلامية هو التراجع التاريخي؟ وكيف حل التصوف محل المنطق، وظهر العقل المستقيل محل العقل البرهاني؟ وما هي أسباب الجمود الفكري الذي عرفته حضارة إقرأ؟
المصدر: الموسوعة البريطانية

د.زهير الخويلدي




الثقافة هي الحل
12/27/2020 1:39:42 PM



في الوقت الذي ألغيت فيه كل معارض الكتب في العواصم القاهرة ولندن والدوحة وغيرها، وتوقفت النشاطات الثقافية نتيجة إنتشار فيروس كورونا وبدت الأجواء مختنقة كأنَّ هذا الخطر قد صادر مساحات حركة الإنسان؛ بادرت مؤسسة المدى للثقافة والإعلام بتنظيم معرض العراق الدولي للكتاب على أرض المعارض الدولي بدورته الأولى التي حملت اسم الشاعر الكبير "مظفر النواب" مع اتخاذ الإجراءات الاحترازية المشددة للوقاية من فيروس كورونا كافة، وذلك من خلال توفير كمامات، إضافة إلى بوابات وأجهزة تعقيم ذكية في الصالات .

شاركت في هذا المعرض أكثر من 300 دار نشر عربية وأجنبية، وتم عرض أكثر من مليون كتاب، وزار المعرض أكثر من 600 ألف زائر من العامة والشخصيات الثقافية وحتى الشخصيات السياسية.

افتتح المعرض في 9 ديسمبر/كانون الاول حيث شهد حفل الافتتاح حضور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي ألقى كلمته أثناء حفل الافتتاح لافتاً إلى دور الثقافة، فقال: "إن الثقافة هي أساس التغيير في كل مجتمع، ويمثل الكتاب العنصر الرئيس في أي عملية إصلاح ثقافي، فقد بدأ الباري كتابه بالدعوة إلى القراءة، وأعلت الأديان من شأن الكتاب والقراءة، فمن هنا تبدأ رحلتنا ومن هنا نستمد قوتنا".

واستمر المعرض لمدة 10 أيام من 9 الى 19 كانون الأول وتم استخدام خمس صالات كبيرة لعرض الكتب؛ كل صالة حملت اسم البلد المشارك في المعرض مثل الجناح السوري اللبناني، والجناح المصري، والجناح العراقي، وجناح المغرب، والخليج العربي.
وخصص الشارع الذي يفصل بين الصالات للكتبين وباعة نوادر الكتب في شارع المتنبي مجاناً بدون رسوم شرط عدم عرض الكتب المستنسخة.
أما بالنسبة لأسعار الكتب فقد عمدت بعض دور النشر مثل "دار المدى" و"دار سطور" وغيرهما إلى تخفيض أسعار الكتب من 25 الى 50 ٪؜ لتسهيل اقتنائها من قبل جمهور القراء.

هذا ولم تقتصر فعالياتُ المعرض على الكتب فقط، إنما رافقت عرض الكتب أمسيات للرقص الشعبي والغناء والشعر ناهيك عن جلسات حوارية وندوات في مختلف المجالات بمشاركة شخصيات فنية وأكاديمية وكذلك عرض للأفلام العالمية.
يشار إلى أنَّ اليوم الأخير للمعرض شهد نسبة كبيرة من الحضور إذ توافد القراء والمثقفون إلى هذا المحفل الثقافي، وتضمن حفل الختام حضورا شعبيا واسعا وفقرات غنائية وموسيقية بمشاركة الفرقة المركزية لوزارة الثقافة والدار العراقية للأزياء مع تكريم لعدد من الشخصيات الثقافية والأجتماعية الرائدة.

ولم تمضِ أيام على افتتاح معرض العراق الدولي للكتاب، وبعد أن حقق المعرض نجاحاً لافتاً تم الإعلان عن معرض البصرة الدولي للكتاب الذي تنظمه مؤسسة المدى في شهر فبراير/شباط من العام 2021، بعد مطالب كثير من جمهور القراء في البصرة لتعود "المدى" إلى دورها في تنظيم المعارض، وتؤكد صدق نواياها وأهدافها التي تمتد إلى عقود عديدة في داخل البلاد وفي دول المنفى، باعتبارها أحد المرجعيات الثقافية الرائدة.







أصدرت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ضمن سلسلة منشوراتها العلمية المتميزة موسوعة علمية تعد الأولى من نوعها باللغة العربية بعنوان (مدن التاريخ القديم الضائعة) لتسليط الضوء على أعظم المدن العالمية التي دمرت وهجرها أهلها لأسباب مختلفة.
وقالت المؤسسة، إن الموسوعة الصادرة عن شركة التقدم العلمي للنشر التابعة للمؤسسة تأتي تزامنا مع معرض الكويت الافتراضي للكتاب الذي تشارك في تنظيمه حاليا لبيان أهمية تلك المدن التاريخية ومعالمها الحضارية وأسباب فقدانها وكيفية اكتشافها.
ويستعرض الاصدار الجديد بحسب البيان معلومات عن فكرة المدن الضائعة التي تتسم بالغموض والمغامرة والرومانسية وقصص البحث عن الذهب والكنوز وعدم اليقين الذي يحيط بإختفاء حضارات كانت مزدهرة في يوم ما لكن لأسباب عديدة اختفت من خارطة التاريخ.
وتتضمن الموسوعة قصص هذه المدن ومبانيها ومعابدها والظروف التي سببت دمارها أو هجرة أهلها والكوارث الطبيعية والحروب التي شهدتها والقصص المذهلة لاكتشافها سواء كان ذلك مصادفة أم تحريا في علم الآثار.
وتستعرض الموسوعة مدن (طروادة) و(قرطاج) و(بابل) المتوارية تحت رمال النسيان في العراق والتي كانت أضخم وأروع مدينة في العالم بالإضافة إلى مدن (بومبي) الإيطالية التي طمرتها البراكين و(البتراء) التاريخية في الأردن.
وتتناول الموسوعة أيضا مدن (أنغكور) الأسطورية التي تقع في كمبوديا و(ماتشو بيتشو) التاريخية التي اكتشفت بعض أطلالها في البيرو و(سيوداد برديدا) المدينة المفقودة في سييرا نيفادا دي سانتا مارتا بكولومبيا.
وتتضمن الموسوعة صورا متميزة عن تلك المدن ومعالمها ورسوماتها ونمط السكان ومشغولاتهم والسجلات المكتوبة والخرائط المفصلة للأماكن المهمة والمعتقدات والأساطير المتوارثة وعنها وأهميتها التاريخية والحضارية.
وتشارك شركة التقدم العلمي للنشر في معرض الكويت الافتراضي للكتاب المقام خلال الفترة من 29 نوفمبر إلى 28 ديسمبر الحالي كشريك استراتيجي مع منظم المعرض المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب حرصا منها على تحقيق أهدافها في تعزيز الثقافة العلمية لدى الجمهور وترسيخ المعرفة العلمية السليمة لديهم.






بعد وفاته بساعات، نشرت وسائل إعلام مصرية مذكرات شمس بدران، وزير الحربية المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والتي يكشف فيها عن الكثير من الأمور الشائكة.

وتوفي بدران مساء الإثنين في العاصمة البريطانية لندن عن عمر يناهز الـ91 عاما، وكان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في صفوف الجيش عقب ثورة يوليو عام 1952، وكان مشرفا على السجون الحربية ويتهمه الكثير من المعارضين للحقبة الناصرية بالتورط في جرائم قتل معتقلين وتعذيب عديدة.

وفي مذكراته التي صدرت عن دار النخبة تحت عنوان “مذكرات شمس بدران” للكاتب الصحافي حمدي الحسيني، قال بدران إن “المشير كان يتمتع بشعبية جارفة في مختلف المواقع بالجيش، بسبب بساطته وإنسانيته الطاغية في إدارة هذا الملف الشائك، لكن الرئيس عبد الناصر بدأ يشعر بأنه معزول عن جيشه”.

وأضاف: “كانت مشكلة قواتنا في اليمن تتأزم أكثر فأكثر، وبعد أن وصلت الخسائر البشرية والعسكرية إلى حدود لم تكن متوقعة، وتناثر الحديث حول الرشاوى والهدايا والمحسوبية لقادة وضباط مقربين من المشير”.

وتابع: “من هنا بدأت الفجوة تتسع بين الصديقين عامر وناصر يوما بعد يوم، حتى قرر عبدالناصر إبعاد المشير تماما عن القوات المسلحة، وقد جرى نقاش واسع بينهما حول تلك النقطة، فكان رد المشير أنه يرغب في التقاعد والعودة إلى حياته الأولى في قريته في المنيا، ثم سافر غاضبا إلى مرسى مطروح، ثم تعود مرة أخرى العلاقة بعد أن يرسل له عبدالناصر من يقنعه بالعودة والتعاون معه من جديد”.

واستطرد بدران: “كنا مقبلين على حرب كبيرة وظروف خطيرة، وهناك فتور بين ربانيْ السفينة، لكن كل هذا لا يظهر على السطح، ويحاول كل طرف إظهار عكس ما يدور في داخله، المهم أنا كوزير للحربية ركزت على ضرورة توفير الميزانية المطلوبة لبناء دشم للطائرات، لأنها كانت شكوى عامة من جميع قادة الطيران، مفادها أن ترك الطائرات مكشوفة في العراء على أرض المطارات بهذه الطريقة سوف يعرضها للتدمير، وتصبح هدفا سهلا لقصف طائرات العدو في أي لحظة”.

وأكمل: “لكن للأسف الحكومة لم تستجب لطلباتنا، وظلت ميزانية عام 1966 هي نفسها ميزانية عام 1967، وجاء بند الإنشاءات في الترتيب الرابع في الميزانية، فتم حذف هذا البند بمعرفة الفريق محمد فوزي باعتباره رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وبحكم التنظيم هو الذي يستمع إلى قادة الجيوش، ورصد مطالبهم، ويبلغها بدوره إلى الوزارة ومن ثم الحكومة”.

ولم يسأل أحد الفريق فوزي عن سبب حذف بند الإنشاءات الذي يعلم تماما أن حذفه يعني عدم بناء الدشم، ومن ثم يكرر سيناريو حرب العام 1956 التي جرى خلالها تدمير طائراتنا وهي على الأرض أيضا، كانت المبالغ المطلوبة محدودة، لكن ميزانية الدولة في ذلك الوقت كانت تعاني من العجز المالي الشديد، لدرجة أن الدولة كانت على وشك الإفلاس بسبب فشل السياسة الخارجية في رفع الحصار الدولي، وإقناع مؤسسات التمويل بتوفير الاعتمادات التي تنعش الاقتصاد القومي.

واعتبر بدران أن ما حدث في الأشهر والأيام التي سبقت حرب يونيو 1967 فكانت النتيجة تلك الصدمة والهزيمة المدوية التي لم يكن جيشنا ولا بلادنا تستحقها.

يذكر أن شمس بدران أحيل للمحاكمة مع مجموعة من قادة الجيش، بعد نكسة يونيو 1967، وتم الحكم بسجنه، وظل في السجن حتى 23 مايو 1974، حيث أفرج عنه الرئيس أنور السادات، وسافر إلى العاصمة البريطانية لندن، واستقر هناك حتى وافته المنية مساء الاثنين.









قالت الوكالة الوطنية للعلوم في أستراليا، إن تلسكوبا جديدا قويا أقيم في المناطق النائية من أستراليا رسم خرائط لمناطق شاسعة من الكون في وقت قياسي، وكشف عن مليون مجرة جديدة وفتح الطريق أمام اكتشافات جديدة.
وتمكن التلسكوب اللاسلكي من تحديد مواقع نحو ثلاثة ملايين مجرة في 300 ساعة فحسب. واستغرقت عمليات مسح مماثلة للسماء فترات وصلت إلى عشر سنوات.


قال عالم الفلك ديفيد ماكونيل، الذي قاد دراسة منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية للسماء الجنوبية في مرصد مورشيسون بغرب أستراليا «سيحدث فارقا كبيرا فعلا».

وما يجعل هذا التلسكوب فريدا هو مجال رؤيته الواسع، باستخدام أجهزة استقبال صممتها المنظمة، والتي تسمح له بالتقاط صور بانورامية للسماء بتفاصيل أكثر وضوحا من ذي قبل.
واحتاج التلسكوب فقط إلى دمج 903 صور لرسم خريطة للسماء، مقارنة بعمليات المسح اللاسلكي الأخرى التي تغطي السماء بالكامل والتي تتطلب عشرات الآلاف من الصور.
وقال مكونيل لرويترز «إنها أكثر حساسية من عمليات المسح السابقة التي غطت السماء بأكملها بهذا الشكل لذا نرى أشياء أكثر مما رأينا في الماضي».









عام 1897 نشر مالارميه «أبدا لن تلغي الصدفةَ رميةُ نرد»، أي قبل رحيله بعامين. وهو قصيد غريب، لا شبيه له من حيث الكتابة والشكل. ومداره على «معلم» أو «ربان» تغرق سفينته، ولكنه قبل أن تبتلعه الأمواج، ويقضى الأمر؛ يتأهب لرمي زهر النرد، في تحد أخير لسماء لا تستجيب. لكأنها العزلة أو العدم، أو هي صرخة في واد، وكلام يذهب سدى؛ أو الذات الموكولة إلى قدرها، وهي تعاني من وطأة عالم ثقيل أعمى؛ لا طاقة لها على تحمله.
وربما كان هذا القصيد «منحوتة رمزية» لانهيار نظام قديم، و«بشارة» بزمن الريبة والشك؛ أو «هذيان في غمرات الموت» بعبارة الشاعر. وقد استأثر هذا النص بعناية فلاسفة وكتاب مرموقين من أمثال سارتر وبلانشو ودولوز ورنسيار، والشاعر محمد بنيس عند العرب؛ وكنت كتبت عنه وعن «لاعب النرد» لمحمود درويش.

أذكى هذا النص منذ نشره نوعا من التصور التخيلي الباطني، لكن إلى أي مدى يصح القول إن ملارميه دس فيه «شيفرة» أو «دُلسة» بعبارة حازم القرطاجني؟ صحيح أن مالارميه كان مأخوذا بـ»العدادة» من حيث هي طريقة في اكتناه الشخصية واستشراف مستقبلها، بواسطة التحليل العددي لخصائصها. والسؤال قد يلوح غريبا، وإن كان له وجه من الصواب؛ فهذه القصيدة تنويع على أعداد مثل:5 و7 و12..

وعلى أس من هذا، يزعم الفيلسوف كانتين مايسو أنه توصل أخيرا إلى فك لغز قصيدة مالارميه الشهيرة «رمية النرد». ومقاله برهنة بارعة تكاد تكون هندسية، واستنباط رياضي في آن، أساسه فكرة الريب أو الشك؛ وعلى أساس من لعبة أعداد تلوح لي، كما فهمت من مقاله، مركبة حينا، وغير مسماة حينا؛ أو هي على صلة بالإيقاع أو العروض الفرنسي؛ وطريقة مالارميه في نحت الألفاظ. نحن في عام 1897، كان لصرخة زراشت «مات الإله» (أفضل أن أترجمها هكذا بدل: الله مات) صدى يتردد في جنبات القرن التاسع عشر، حيث روائيون وشعراء وفلاسفة احتشدوا وعملوا بلا توانٍ من أجل ديانة جديدة متحررة من «الدغمائية المسيحية». وقد انبنت رؤيتهم على تمجيد الإنسان وإحلاله محل الإله، وعلى الجميل أو أيضا العقل، لكن بلا جدوى. وفي هذا السياق تفوق العلم، واستقرت الصدفة قانونا نافذا. ومنذ تك اللحظة الفارقة، صار كل شيء عبثا وبلا معنى.

لكن ماذا عن مالارميه؟ كان هذا الشاعر من طراز نادر، زاهدا في الشهرة أو غير معروف إلا عند قلة، ولم تعرف له مشاركة في هذا السجال. كان مستغرقا في عالمه الخاص وما يمكن أن نسميه، على قلق العبارة «نسخ تحفه».

إن موضوع هذه القصيدة قد يكتنه في ضوء سيميائيات الصورة وفي إيقاعها الذي يجري مجرى دوامات الماء . ومن نافل القول التذكير بأن لـ»البعد اللغوي» في القصيدة الصدر دون سائر المكونات، إذ يُعرف الشعر، خاصة عند هذا الشاعر؛ باستخدامه الخاص للغة؛ وليس بمعنى «الفرق» عن اللغة المتداولة فحسب، وإنما بتطعيمها ونحتها؛ وتخليصها من الإسراف في التنغيم، بدون أن يمنعها ذلك من أن تكون نصاً شعريا له إيقاعه الخاص، وهو الذي يعيد تركيبها في الميديوم/الوسيط الشعري؛ وذلك كلما تخففت (الشعرية) من شعريتها، أو مِما زاد منها على الحاجة أو من فضل القول. كما يعرف الشعر باحتفائه بتماثلات الصوت والإيقاع والصورة، وهي من مظاهر كثافة اللغة الشعرية أو سُمكها. وهذا النظام هو الذي حاول الفيلسوف الفرنسي أن يستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما يعقده بعضها ببعض، من علائق شد وجذب. وهذا ما أتاح له الانتقال من مكونات الشعر الأساسية إلى فروض التشكيل الخيالية وتجريداته البعيدة كما تمثلها «رمية النرد».
»
.
والمكونات الأساسية ليست بالأمر الذي يستعصي رصده، إذ يمكن إخضاع كل من المعجم والتركيب لأساليب البحث العلمي الخالصة، والتقدم بها في أرض موطأة واضحة المعالم، خاصة أن مسائلها عند الشاعر محكومة، بنية، وإيقاعا بعقلية رياضية صارمة. أما عالم الصورة، وهو ما هو في هذا النص إذ هو مدار المعنى، وما إليه من أساليب إدارة الكلام، وتوزيع الألوان والأضواء والظلال؛ فيظل لونا من الحقائق اللطيفة ومن دخائل الذات، إذ تتعلق الصورة وتحديدا الاستعارة الشعرية أو التشكيلية، بمعنى المتكلم أكثر منها بمعنى الجملة، وقد تفيدنا أكثر بنبرة الشاعر أو الرسام الخاصة، أكثر مما تفيدنا عن اللغة أو عن بناها الدلالية، والتلفظ أو القول إنما يكون استعاريا لأن صاحبه أراد كذلك.

لقد صرف هذا الباحث الفيلسوف عنايته إلى «الخطاب الواصف» أو»الشعر على الشعر»؛ وإن لم يستخدم هذا المصطلح؛ فهو يحلل القصيدة ويفككها، ويستكشف ما تنطوي عليه من تفكير الذات المتكلمة في خطابها ورؤيتها له وطريقتها في أدائه، ويبين كيف أن القراءة نفسها استئناف لإنشائية الأثر، وأن الأثر الشعري هو في صميمه ذو طبيعة «قرائية»؛ أي هو لا ينشأ كتابةً أو تشكيلا أو تنغيما؛ ثم يُقرأ. وإنما هو ينشأ منذ البداية «قرائيا» أو قابلا للقراءة، بحسب ما تمليه عليه طبيعة جنسه، وبحسب ما يستعيره من عناصر من الأجناس الأخرى. ومادامت الصورة تتسع لهذه الظواهر، سواء تعلقت بشعرية الدال أو بشعرية المدلول، فلا ضير، في تقديرنا أن نصل بعضها ببعض، وأن نتنبه إلى أن منبتها الأصلي هو الشعر نفسه.

كان مالارميه قارئا كبيرا ككل الشعراء الكبار، لكنه كان يعاني من خيبة الأمل في العالم الذي حوله.

كان يرى أنه لا مكان بدون احتفالات جماعية، والإيقاع نفسه طقس جماعي حميم؛ ومهمة الشاعر في تقديره هي أن يقدم نوعا من «التعبد» أو «شعيرة ج. شعائر» من شأنها أن تشبع الفكر الحديث» بعبارة مايسو. ربما كان مالارميه يغذي رؤية أو خيالا أو حلما في غاية الجنون، إن لم يكن أملا كاذبا؛ وهو أن يكتب كتابا تنتظم كل مكوناته داخليا بحبل سري معرفي يصل بين مختلف صوره، على نحو لا تهتدي إليه قراءة تكتفي باعتماد «الحساسية». وإنما ذاك أمر موكول إلى قراءة تعتمد بالإضافة إلى الحساسية العقل (الحسابي)؛ لأن الأمر لا يتعلق بمجرد انطباع وإنما بــ»تقدير» كمي للصورة وللمعنى في القصيدة. على أن ما يجدر الانتباه إليه في «رمية النرد» إنما هو الشكل «اللولبي» أو «الحلزوني»، ذلك أن القصيدة تتعهد موضوعها من كلمة إلى كلمة، بما يعني أنها تفتح ولا تغلق كما هو الشأن في الدائرة. واللولب حتى وهو يدور كالدائرة، فإنه يفتح على اللانهائي، وهو في قصيدة مالارميه عالم الصدفة والريبة والشك. وفي هذا ما يجعل الشكل اللولبي يعود أدراجه وقد أضاف إليها، خاصة كلما تناولنا ذلك من زاوية «جمالية التلقي».

وقد يكون هذا الشكل أشبه بدائرة ، غير أنها دائرة تستيقظ أو تنتشر؛ كلما تعلق الأمر بهذا النوع من الشعر «المشكل» كما ذكرت في مقال سابق. ربما كان حلم مالارميه أن يكتب كتابا يتحول فيه وبه شكل لغوي إلى شكل من أشكال الحياة التعبدية، وشكل حياتي إلى شكل من أشكال اللغة، أو ننتقل من شعر الآلهة إلى آلهة الشعر. ربما هو كتاب «الطقوس الشعرية» كما أحب أن أسميه، المحكوم بدقةِ شاعر ممسوس أو ضبطِ مهووس؛ من شأنه أن يؤطر القراءة العامة، وينظم ملاكها. ذلك أن الشعر نفسه كان قد طاله «التبديل» وكأنه صورة من تبديل الفِراش لدود القز. وينبغي أن نتذكر ما تعلق الأمر بالشعر الفرنسي، أن البحر الشعري «الإسكندري» المتكون من اثني عشر مقطعا صوتيا؛ وهو قسم العقيدة الشعرية أو الوزن الشعري الفرنســــي، شأنه شــــأن بحور الشعر الخمسة عند العرب (الطويل والبسيط والكامل والخفيف والوافر)؛ كان يترك مكانه لـ»الشعر الحر». والسؤال هو كيف للشعر أن يكون طقسا اجتماعيا جماعيا فيما «شعائره» أو إيقاعاته تتحلل وتكاد تندثر؟

الحق لا أحب أن أقطع بجواب، كما يفعل مايسو الذي يحصر مرموز القصيدة في عبارة نيتشه» مات الإله»؛ إذ بهذا «الموت» يغدو كل شيء «صُدفويا» أو محل ريبة، بما في ذلك المطلق الديني أو الميتافيزيقي. وهذا يحتاج إلى قدر من التأني، لأسباب منها أن هناك لاعبي نرد من الشعراء سبقوا مالارميه وإن لم يشتهروا شهرته؛ وأن مالارميه ليس بالشاعر المبهم؛ وإنما هو مؤلف «نص عويص» بعبارة رونسيار. وهو من هذا المنظور شبيه بأبي تمام عند العرب. وربما كان من مقاصد مالارميه وضع ميزان جديد للشعر يعادل «البحر الاسكندري» من حيث الضبط والقياس، والانسياح الإيقاعي الذي لا منطق له في توزيع زهر النرد؛ كما هو الشأن في الشعر الحر، حيث تتوزع الأسطر على البياض، بإرادة من الشاعر وحالاته ومواقيت كتابته.


منصف الوهايبي








منذ سنوات قليلة، كان المؤرخ الكوسوفي/السوري محمد. م الأرناؤوط (أو محمد موفاكو كما يقال بالألبانية) قد أنهى رحلته في التدريس الجامعي داخل عدد من الجامعات الأردنية، ولذلك ظن كثيرون أنه سيخلدُ للراحة بعد سنوات طويلة من التدريس والأبحاث وتأليف الكتب. بيد أنه، وخلافا لذلك، شكلت مرحلة التقاعد الأكاديمي فرصة له، لكي يزيد من نشاطه ومن إعادة تقميشه لعدد من المراحل والأحداث التاريخية.

اعتاد الأرناؤوط، في السنوات الأولى من حياة التقاعد، على شد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي طريق العودة غالبا ما يعرج على بريشتينا وإسطنبول وبعض المدن العربية، وهو محمل بمعارف ووثائق وأفكار جديدة عن التاريخ، وفي الوقت ذاته، شيء من الشجون حيال ما وصلت إليه الكتابات التاريخية في عالمنا العربي، مقارنة بالإصدارات والكتب الجديدة حول المنطقة في الجامعات الأمريكية، وهذا ما سيعبر عنه مؤخرا في مقال كتبه في إحدى الصحف العربية، حول مئوية معركة ميسلون، وما لحقها من نقاشات وأفكار، إذ يكشف لنا الارناؤط فيها عن قراءات أخرى حول سوريا العشرينيات وعن حفريات هنا وهناك، في الوقت الذي ما نزال نكرر فيه المقولات والأفكار ذاتها.

لكن الأرناؤوط لن يقف عند هذه الرحلات، وإنما سيكمل ما بدأه منذ سنوات طويلة، على صعيد مدّ الجسور بين العالمين العربي والبلقاني؛ فعلى امتداد سنوات، كان الارناؤوط، الذي درس في دمشق، قد ألف عدداً من الكتب حول تاريخ البوسنة وألبانيا وكوسوفو، لنكتشف من خلالها تاريخا آخر للعلاقات بين العرب والألبان، وهو تاريخ بقي منسياً بالنسبة لنا. واستكمالاً لهذا لمشروعِ، أخذ على عاتقه في عام 2016 تأسيس معهد الدراسات الشرقية في بريشتينا، الذي ستكون من أولى مهامه، القيام بترجمة الأعمال الأدبية من الألبانية للعربية وبالعكس، ولعلنا نشير هنا إلى عمل الروائي الكوسوفي إبراهيم قدريو (خارج السكة/ترجمها عن الألبانية إبراهيم فضل الله) الذي نشره المعهد قبل عدة أيام بالتعاون مع مؤسسة ناشرون في الأردن. يعد قدريو أغزر كاتب في المجال الأدبي داخل العالم الألباني (قرابة 34 رواية عدا القصة والشعر). تخرج من كلية الآداب في بريشتينا عام 1968، ثم عمل مسؤولا عن القسم الثقافي، حوالي أربعين عاما، في أهم جريدتين كوسوفيتين «ريلينيا» و»زيري» حتى تقاعد سنة 2010. في روايته المترجمة، يحاول قدريو أن يقترب من عالم الجهاديين الكوسوفيين، فخلال سنوات 2012/2016، تناولت كثير من الصحف الكوسوفية والبلقانية قصص انتقال 314 مواطناً كوسوفيا (بينهم 44 امرأة) للقتال في سوريا والعراق، ما فجر نقاشات واسعة داخل المجتمع البلقاني والصحف الغربية، حول أسباب انتشار هذه الظاهرة في هذا المجتمع، الذي لطالما عرف بكونه أقرب للإسلام التقليدي الصوفي.

تبدأ الرواية بقصة بائع كتب دينية، كان قد اعتاد على زيارة دمشق في سنوات ما قبل 2011، والسير في حي المزة وشوارع دمشق القديمة، مروراً بحي الأرناؤوط، الواقع في منطقة القدم في دمشق، وهو الحي الذي تأسس مع النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ كان الألبان الفارون من الحرب العالمية الأولى قد استقروا في حارة الديوانية في دمشق في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل قسم منهم لاحقاً إلى حي القدم جنوب المدينة.

بعد تحرير كوسوفو في عام 1999، نشط عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية (الخليجية ) في هذا البلد بعد سنوات طويلة من الحكم الشيوعي. في هذه الأثناء كانت البلاد تفتقر لمقومات عديدة، إضافة إلى غياب الإمكانيات الكافية لتوفير الاحتياجات الهائلة للمناطق الريفية المدمرة على يد قوات الصرب، ما خلق أرضية مثالية لهذه الجمعيات للقيام بنشاطات لا تقتصر فقط على تقديم المساعدات، بل تمتد إلى نشر الرؤية السلفية أو الرؤية الإسلامية التركية، من خلال منظمات كولن؛ وقد تمكنت هذه الجمعيات من إعادة بناء 200 جامع تقريباً، كما وفرت عددا كبيراً من المنح لأئمة الجوامع وطلاب المدارس الشرعية، لإكمال دراساتهم في السعودية.

ويبدو أنّ بائع الكتب الدينية، ضمن هذه التطور، قد بدأ يتأثر بالنشاط الديني لإحدى هذه الجمعيات، التي كان يديرها شخص من أصول عربية، كما تذكر الرواية. وسيظهر هذا الهوى السلفي الذي سيطبع حياة الرجل، أول شيء في العائلة من خلال إجبار ابنته على ارتداء الحجاب، الذي لا يعد ارتداؤه واسع الانتشار في المجتمع الكوسوفي، كما أن الحكومة الكوسوفية لطالما أبدت قلقها من انتشاره، كما ظهر في عام 2010، من خلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية والثانوية الحكومية، انطلاقاً من كونه يتعارض مع الهوية الأوروبية الحديثة، التي يطمح إليها قادة هذا البلد. لم توافق الفتاة على طلب والدها، وفي أحد الأيام وبينما يسير بالقرب من إحدى الكافيهات، شاهد ابنته برفقة شاب، فاقتحم الكافيه ليتطور الأمر إلى عراك وإطلاق نار بينه وبين الشاب.

ومن خلال مشهد العراك هذا، سيبدأ قديرو في رسم خيوط الشبكات غير الحكومية الدينية، ودورها في صناعة إسلام سلفي/جهادي في كوسوفو، في فترة ما بعد 1999؛ إذ ستقرر الشرطة بعد هذه العراك العنيف الانتقال إلى منزل الأب لتفتيشه، وهناك ستعثر على صندوق الباندورا الجهادي، الذي احتوى على أوراق وجوازات سفر مزورة، ورسائل شباب ذهبوا وقاتلوا في سوريا، وأيضا على أسلحة غير مرخصة. وهنا يبدو الروائي، في سرده للتحقيقات، ميالاً لفكرة أن تجنيد الشباب الكوسوفيين في القتال الدائر في الشرق الأوسط تولد بالأساس عن دور الوهابية، والمنظمات الإسلامية السلفية، وأن الإسلام في كوسوفو لم يكن بهذا الشكل قبل قدومهم. وعلى الرغم من أنه لا يبين لنا شكل الإسلام في هذا البلد قبل استقلالها، فإن ترجيحه للسردية السلفية الوهابية قد تبدو للقارئ العربي اليوم غير كافية ربما لتفسير ذلك، خاصة أن هذا القارئ كان قريباً في السنوات الأخيرة من مشاهد جهادية عديدة لم تكن جذورها ناجمة عن هوى وهابي، بقدر ما كانت تحتكم لعوامل محلية؛ مع ذلك، يمكن القول إن رؤية قدريو قد تبدو أكثر وجاهة، إذا ما وضعناها في سياق تاريخ الإسلام الألباني في القرن العشرين، وبالأخص في كوسوفو، والذي لم يشهد حالة من التسلف الديني لأسباب مختلفة، مقارنة بالعديد من المدن والضواحي العربية في دمشق والقاهرة وتونس، خلال السنوات والعقود الأخيرة.


وكما ذكرنا فإن الرواية لا تعود بنا إلى ما قبل 1999 (لحظة تحرير كوسوفو) لفهم واقع الإسلام هناك خلال القرن العشرين، لكن هذه الزاوية كانت محل اهتمام عدد من الباحثين في تاريخ البلقان، من بينهم غيزيم كراسنكي (جامعة أدنبره)، الذي ألف في السنوات الأخيرة عدداً من الكتب حول دول ما بعد يوغسلافيا في كوسوفو ومقدونيا، كما أعد دراسة بعنوان «الفاكهة المحرمة.. الإسلام وسياسة الهوية في كوسوفو ومقدونيا»، التي بيّن فيها أنه خلال القرن العشرين، وفي فترة وجود كوسوفو ضمن يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية، حاول الألبان تجنب تسييس الدين، لتجنب خلق أي انقسامات في مشروعهم القومي الألباني، في المقابل، وباسم العلمنة، قامت يوغسلافيا بحظر الصوفية في البوسنة، وهذا ما جرى في كوسوفو أيضا، فحولت بعض التكايا إلى آثار ثقافية. وبعد الحرب العالمية الثانية، حاولت السلطات الصربية في جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية استخدام الدين لتقويض القضية الوطنية الألبانية، كما عملت على تدابير لتشجيع المسلمين الألبان في كوسوفو على إعلان أنهم أتراك، وبالتالي حثهم لاحقا على الهجرة. وبعد تفكك جمهورية يوغسلافيا، وبقاء كوسوفو ضمن جمهورية يوغسلافيا الاتحادية، التي تألفت من الجبل الأسود وصربيا أيضاً، حاول الصرب وهم على وشك الحرب مع البوسنة، تنشيط فكرة الصرب كمدافعين عن «الحضارة الغربية» ضد التهديد الإسلامي، لكن هذه الخطوة لم تؤسس لتعصب إسلامي كوسوفي بالمقابل، والسبب كما يؤكد الباحث هو أن القضية الدينية بقيت تابعة للقضية القومية، سواء لدى المسلمين أو الكاثوليك الكوسوفيين. كما أنه خلال اندلاع المواجهات الصربية الألبانية، لم يفضل جيش تحرير كوسوفو خلال معاركه (1997 / 1999) تجنيد مقاتلين إسلاميين من خارج الحدود. ويبين كراسنكي أن خلق هذه المسافة والإصرار على التوجه القومي، بقي هو السائد لدى غالبية المنظمات والأحزاب الألبانية، التي بقيت تصر على توجهها الغربي.

مع عام 1999 عرفت كوسوفو مرحلة جديدة، يدعوها كراسنكي بتأثيرات «الإسلام المعولم»، إذ أجبرت الظروف الجديدة والدمار الواسع للبلاد الحكومة على الترحيب بأي جهة تساعدها، وهذا ما ترك الإسلام الكوسوفي المحلي أحيانا تحت رحمة المنظمات غير الحكومية الدينية، وظهر ذلك مثلا في شكل المساجد المبنية، التي جاء شكلها المعماري مغايرا للهندسة المعمارية العثمانية لمساجد كوسوفو القديمة، كما افتتحت عدد من المدارس القرآنية التي تقدم تفسيراً سلفياً مختلفاً عن التفسير المحلي للإسلام ذي النزعة الصوفية، كما شهدت البلاد أحيانا حروبا كلامية للسيطرة على المساجد بين الممارسين التقليديين والسلفيين، وربما هذا ما أتاح، بحسب رواية إبراهيم قديرو، المناخ المناسب لتجنيد مئات الشباب الكوسوفيين، لدرجة بدت فيها كوسوفو البلد الأكثر تصديرا للجهاديين مقارنة بباقي بلدان البلقان المسلمة.
وهنا وجب التنويه إلى نقطة، وهي أن غياب جذور رؤية سلفية في كوسوفو، باستثناء مرحلة ما بعد 1999، لا يعني أن المنظمات الحكومية العابرة للحدود، هي التي وقفت فحسب وراء هذا التجنيد، وإن بقيت بحسب بعض الباحثين الكوسوفيين والغربيين صاحبة التأثير الأوسع، ففي دراسة أخرى نشرها باحثان (آن سبيكهارد/ جامعة جوروج تاون، أرديان شاكوفيتش/المركز الدولي لدراسة التطرف) عن الجهاد في البلقان، يشير عدد من المقاتلين ممن استجوبهم الباحثان بعد عودتهم من سوريا، إلى أن الصراعات العرقية التي عرفتها البلقان في فترة التسعينيات، كانت ماثلة في ذهن عدد منهم، وهم يتابعون على الشاشات الجرائم في سوريا، وأن هذه الذاكرة لعبت دورا في انضمام قسم منهم للقتال.
في آخر مشهد من الرواية، تصل ابنة بائع الكتب (أحد وكلاء تجنيد الجهاديين) إلى منزل حبيبها الذي تعرض لإطلاق نار، ليسافرا معا إلى فيينا لدراسة الفن (في إشارة ربما للتوجه الأوروبي لدى مسلمي كوسوفو) بينما تتعرف الشرطة على المكان الذي هرب إليه والدها وصاحبه العربي، في حين يظهر صاحب التاكسي الذي أوصل الفتاة لمنزل المحبوب مندهشا بعد حصوله على مكافأة مقدارها 100 يورو (في إشارة أيضاً للأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد) وهنا لا نعرف ما الذي قصده المؤلف من هذه الخاتمة، هل كان يرغب بالقول إن الإسلام المحلي البلقاني، سيبقى إسلاماً أقرب للهوية الأوروبية، وإن القصة قد انتهت باعتقال هؤلاء الجهاديين؟ أم فضل ترك الأمر معلقاً؛ إذ لعل السائق ذاته ينقل في المستقبل ركابا آخرين إلى محطات أخرى وجهتها غير فيينا، حيث تبين ذات الدراسة الأخيرة أن قسما آخر من المقاتلين كان قد ذهب للعراق وسوريا بسبب الفشل المؤسساتي للدولة الكوسوفية الجديدة، وانتشار الفساد وعدم احترام القانون، وغياب اقتصاد كاف، مما ولد لديهم رغبة بالهروب والخلاص في يوتوبيا الجهاد والجنة والبطولة في الشرق، الذي يبدو أن موجة العنف فيه لن تتوقف في القريب العاجل.

محمد تركي الربيعو







في السنوات الأخيرة، كانت كتابات فرانسوا بورغا وغيره من الباحثين الفرنسيين من أمثال أوليفيه روا قد غدت مرجعا رئيسيا لفهم تجربة الإسلاميين والجهاديين المعولمين. وقد ترجمت معظم كتب هذين الباحثين للعربية، ما أتاح تفاعلاً واسعاً معها، لفهم كثير من الأحداث والتحولات الدينية والسياسية، وبالأخص مع تحول المنطقة إلى ملاذ للبداوة الجديدة، وفق تعبير روا، التي أخذت تضرب وتؤسس لولايات هنا وهناك، وتتبنى أحيانا عمليات في العواصم الأوروبية. وقد دفع هذا الاهتمام دار الساقي اللندنية، التي كان لها فضل كبير في تعريفنا بالعديد من الباحثين الفرنسيين في عالم الإسلاميين، في السنتين الأخيرتين إلى ترجمة السير البحثية أو الميدانية، لكل من فرانسوا بورغا وأوليفيه روا، ما وفر لنا معرفة أدق بالأجواء والظروف وخلفيات بعض الكتب التي كتباها عن العالم الإسلامي.

في سيرة روا، التي عرضناها في وقت سابق، كنا أمام مشهد سندباد آسيا الوسطى وهو يروي لنا يومياته في أفغانستان وطهران وتركيا وطاجيكستان قبل أن تتنتهي به الدروب مؤقتاً في دير مسيحي سابق، في إحدى المدن الإيطالية، ليبقى قريبا من رياح الشرق. أما مع فرنسوا بورغا، فإننا سنتعرف هذه المرة على سندباد آخر، ولكن ليس في آسيا الوسطى، بل في العالم العربي. ففي كتابه الأخير «فهم الإسلام السياسي» يعود بنا بورغا إلى ذاكرته قليلا، خلافا للعنوان الذي لا يوحي بذلك، ليروي لنا جزءاً من سيرته الميدانية، إذ يؤكد أن هذا الكتاب لا يضم قصصا شخصية عنه، بل عن تجربته البحثية في العالم العربي.
تشكلت عائلته، كما يذكر، وفق طبقات تراكمية ذات طبيعة متنوعة، ففرع من عائلة أبيه كان قد هاجر إلى الجزائر في القرن التاسع عشر، وهناك جمع قسم منهم ثروة كبيرة، وكان أحدهم مسؤولا عن هندسة مدينة الجزائر.. كانت العائلة قد انقسمت بين من يؤيد قمع الجزائريين، وجيل آخر وجد من الضرورة التكفير عن أخطاء أجدادهم، وهنا يقول: «أما أنا فانتميت إلى هذا الفرع الأخير في صباح خريفي 1973».

كان لقاؤه الأول بالعالم العربي في السادسة عشرة من عمره، عندما زار القدس برفقة عمته. ولم يفهم في هذه الزيارة، وكما يذكر، الكثير عن هذا المشرق العربي. سيقال له يومها إنّ الإسرائيليين نجحوا في زرع الورود وسط الصحراء.. بعد ذلك بسنوات، سيعاود هذا الشاب التجوال في أوروبا، قبل أن يقرر السفر مرة أخرى إلى الشرق: بغداد هي وجهته الجديدة. لا يذكر أسباب اختياره لهذا البلد، وربما كانت الأحلام الشرقية التي دفعت أوليفيه روا، كما يذكر في سيرته، للبحث عن الشرق المفقود الرومنطيقي هي ذاتها التي دفعت بورغا للسير في هذا الدرب. في طريقه، أخذ يعبر عشرات البوابات والمخافر الحدودية الجديدة، التي تشكلت قبل قدومه بعدة عقود، كان حراس الحدود يفتحون علب المربى والفول لفحصها، وفي طريقه سيزور حي الحريقة في مدينة دمشق، وهو الحي التي تعرض لقصف فرنسي خلال العشرينيات من القرن الماضي، وفي إعادة تذكره، سيعيدنا إلى مقولة للمؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي، في إحدى مقابلاته الأخيرة عندما عرّف الذاكرة والسير بوصفها عملية اختيارية وحمالة وجوه عديدة؛ ولذلك سيتناسى بورغا باقي الأحياء الدمشقية التي زارها، وبدلاً من ذلك، ركز على قصة الحريقة، وظلم الاستعمار ليدعم سرديته التي بناها لاحقا في كتبه حول صعود الإسلام السياسي، فهؤلاء لم يأتوا من فراغ، بل جاؤوا كردة فعل على الاستعمار، والدول الوطنية اللاحقة لهم. وصل إلى أمام بوابات العراق، لكنه لن يتمكن من الدخول بسبب انتشار الكوليرا، ومن المفارقات أنّ الكاتب سيعود لهذا البلد بعد 44 عاماً على مقعد خلفي من سيارة مصفحة برفقة عناصر مسلحين من السفارة الفرنسية.. بعد أن خاب ظنه، أخذته قدماه إلى حلب، وهناك سيتنبه إلى أنّ قسما كبيرا من أهالي حلب، بشقارهم وعيونهم الزرقاء، لا يختلفون كثيراً عن أهالي فرنسا، ولو أنّ أحدهم سار في مدينته بعد تغيير ثيابه لما جرى تمييزه..

في السبعينيات، سيجول هذا الباحث في بلدان عديدة في الشرق والغرب، قبل أن يعمل نادلاً في أحد المطاعم في أمريكا.. كان من الضروري اكتشاف هذا العالم الجديد، كما يقول، أو ربما كانت الأقدار تقوده إلى الرحلة ذاتها التي قام بها سيد قطب، أحد أبطال كتاباته، في فترة الخمسينيات إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. هناك سيرى بورغا أنّ الأمريكيين لا يعرفون شيئا عن أوروبا العجوزة، كانوا يسألونه إن كانت هناك تمديدات مياه للشرب في مدينته. ما لاحظه في هذه الزيارة هو النظرة العنصرية الأمريكية تجاه العالم الآخر بمن فيهم الأوروبيون.. قرر الشاب دراسة الحقوق، وبعدها بسنوات وجد نفسه أستاذا في جامعة القسنطينة في الجزائر، وإلى هنا، لم يكن الإسلام السياسي قد لفت نظره.
.
إذ يذكر أنّ قدومه هذه المرة لم يكن شغفا بالشرق، بل هربا من الخدمة العسكرية.. في تلك السنوات، ستقوده الدروب إلى بوابة أفكار مالك بن نبي، لتنضج معه أفكاره حول الهيمنة الثقافية والعنف الرمزي الذي يقوده الغرب تجاه هذا العالم، كان مالك بن نبي يرى أنّ المجتمع المسلم في زمنه قد غدا مبتذلاً في الأعلى، وفقيراً في الأسفل، حتى لباس الرجال كان يتأثر ويتراجع أمام الألبسة الأوروبية من مخازن اللباس المستعملة في مرسيليا.. بعد سنوات، ستساعده هذه الملاحظات حول البعد الهوياتي للهيمنة في تشكيل منطلق تأويله لظاهرة الإسلام السياسي، وربما إلى يومنا هذا.. سيقرر، بعد سنوات، السفر إلى ليبيا بعد قدوم القذافي.. وفي أحد الأيام، سيلتقي بهذا القائد، صاحب الكتاب الأخضر، الذي سيطلب منه دراسة المجتمع الليبي، وأن يكون طبيب المجتمع الليبي، الذي يدرسه ويكتب علاجاً لمشاكله، لكن بورغا بدا أحيانا وكأنه يخشى مصير موسى الصدر، الذي غاب نتيجة جدال مع القذافي، ولم يخرج ليومنا هذا. كما سيتمكن بورغا في هذه الفترة من زيارة تونس، وهناك سيلتقي براشد الغنوشي. كان رؤيته عنه في البداية، كما صورته الصحف الفرنسية، رجلا متشدداً، لكن بعد ساعات من اللقاء، سيعيد النظر في فكرة التشدّد والأصولية، لتغدو لاحقا منعرجاً في رؤيته هو وبعض الباحثين الفرنسيين، الذين ما عادوا مقتنعين بمصطلح «الأصولية» وفضلوا عليه مصطلح «الإسلام السياسي».

القاهرة.. كلام الأفلام

مع نهاية الثمانينيات، حطت طائرة في القاهرة وعلى متنها هذا الباحث، كانت الصدمة هي أول شعور اختبره في هذا البلد، فالكثافة السكانية كبيرة، والناس يتحدثون كما الأفلام، لكن الأثر الاستعماري في هذا البلد لم يكن واضحاً، وفي هذا البلد، سيتأثر أيضا ببعض مفكريها من أمثال اليساري عادل حسين وطارق البشري، الذي كان يبوح له أحيانا بهواجسه، (وهي هواجس بقي بورغا مولعاً ومشتاقاً لسماعها) حيال أسباب عدم فهم الغرب للآخر.. لكن بورغا لن يقف عند حدود الأهرامات، بل ستدفعه هواياته في الأسفار إلى زيارة السودان، واللقاء بمؤسس الإسلام السياسي هناك، الراحل حسن الترابي، الذي سيخبره أنّ «الناس في القرية يسألوننا: هل يمكننا الصلاة بالبنطلون؟ يرفض الصوفيون ذلك، أما نحن، فكنا نقول إنها مجرد شكليات»، ويبدو بورغا، في هذا الاستشهاد، وكأنه يود أن يقول بأنّ ما جعل هذه الحركات ذات نشاط وفعالية، أنها بدت في الثمانينيات والتسعينيات أكثر مؤامة لقيم الحداثة ، مقارنة بالحركات الدينية التقليدية.

أبواب اليمن

بعد ذلك بسنوات، ستقلع طائرة أخرى، وعلى متنها هذا المولع بعوالم السياسيين وبوابات العالم العربي، وهذه المرة إلى اليمن الذي بدا له مهمشا على صعيد البحث والاهتمام. في هذه السنوات، سيلعب دورا في تنشيط البحث الفرنسي حول هذا البلد، من خلال إدارته للمعهد الفرنسي للدراسات اليمنية، لكن بورغا، وربما هذا ما يميزه، لن ينسب جميع الجهود له في تعريف الفرنسيين بهذا البلد وتاريخه، بل يذكر اسماء فرنسية أخرى في هذا الشأن، وربما أهمهم، كما يذكر، الأنثروبولوجي الفرنسي فرانك ميرمييه مؤلف كتاب «شيخ الليل وأسواق صنعاء»؛ كان اليمن يقدم مثله مثل السعودية، كما يقول، سمة خاصة تتمثل في غزارة المصادر والمخطوطات غير المقروئة، ورغم أن البلد لم يخضع للاستعمار، كما يذكر إلا في فترة قصيرة، لكن هذه التجربة ستساعده بلا شك على الخوض أكثر في تاريخ هذا البلد، وأيضا في فهم تنامي ظاهرة القاعدة في الجنوب اليمني، غير أن بورغا في هذا الجانب، سيبقى يصر على زاويته «ما بعد الاستعمارية» إن صح التعبير، رغم أنه لا يحبذ عالم المابعديات، إذ وجد أنّ سبب هذا الظهور ناجم عن وجود استعماري بريطاني قصير في جنوب اليمن، وأنّ هذا الوجود هو الذي شكل لاحقاً أو أسس لتراتبيات سياسية، أدت لظهور الجهاديين اليمنيين، ولعله لم يتوقع يومها وهو يقدم هذا التحليل، أنّه بعد قدومه بسنوات، سيأتي باحث بريطاني يدعى جيمس سبنسر ليدرس هذه الظاهرة مرة أخرى، من خلال الاستفادة من الوثائق العديدة التي تحدث عنها بورغا، ولكن هذه المرة، ليس عبر ربطها بالاستعمار، بل بسلسلة من المقاتلين والسيوف اليمنية العابرة للحدود منذ القرن الثامن عشر.


يخصص بورغا فصلا واسعا لبوابات بلاد الشام، وبالأخص تجربته في سوريا عندما أدار المركز الفرنسي للشرق الأدنى الواقع في بدايات شارع أبو رمانة الدمشقي الشهير، الذي شكل في السنوات السابقة للثورة منطقة يحج إليها الدمشقيون الباحثون عن سلع وأجواء حداثوية، وبالأخص في شارع الشعلان القريب من هذا المركز.. في هذا البلد، كان الأمن يحكم سيطرته بشكل كبير لدرجة أنهم كانوا يستجوبون خادمة منزله، مع ذلك أتيحت له فرصة اللقاء بسوريين كثر، والذهاب أيضا إلى بعض شوارعها وأبوابها القديمة مثل باب الصغير، وتذوق الشاورما السورية في مطعم الصديق، الذي لم يكن مطعما للجميع، بل كانت تزوره فئات محددة، كما تمكن من زيارة مخيم اليرموك. ومما سجله بورغا في جولاته، أنه «ثمة تصدعات اقتصادية واجتماعية في هذا البلد»، وهنا يرى أنّ التصدعات الطائفية كانت موجودة، وأنّ المسيحيين السوريين كانوا يعبرون عن تخوفاتهم من قدوم السنة للسلطة، وربما هذا ما أدى برأيه لاحقاً إلى وقوفهم بجانب النظام؛ وعلى الرغم من وجود هذه الصور التي ذكرها، إلا أننا نرى أن بورغا قد بالغ قليلاً في هذا التصور للمجتمع السوري، بوصفه مجتمعا منقسما طائفياً، وهذا ما وقع به كثيرون ممن سبقوه ومن بينهم ميشيل سورا، التي بقي صائغ النسخة الخلدونية الجديدة/ارنست غلنر مرشده في رسم صورة المدينة العربية، الأمر الذي لم يتح لهم أحيانا قراءة العلاقات البينية واليومية بين هذه الجماعات، وبالأخص في السنوات العشر الأخيرة ما قبل الثورة، إذ كنا نعثر على ولادة رؤى وتصورات مختلفة حول العلاقة بين الطوائف، وأيضا حيال علاقة الدين بالحياة اليومية، ولذلك نرى أنّ الإنقسامية الطائفية التي حكمت رؤية بورغا للمجتمع السوري تبقى رؤية غير مكتملة، أو لم تكن بتلك الحدية، أو ربما عززت الأحداث اللاحقة من هذا التصور. وبغض النظر عن هذه القراءة، ومدى حديتها، تبدو دمشق بالنسبة لبورغا بمثابة غصة وحرقة كبيرة في القلب، صحيح أنه لا يذكر ذلك بشكل مباشر، لكن مشاعره ومشاهداته وألمه حول ما حدث، كلها تقول إنه قد أصيب بهوى دمشقي، كما أصاب كثيرين من قبله.

الغريمان التقليديان

في باقي فصول الكتاب (تقريبا الثلث الأخير) يخصص بورغا الحديث عن المسلمين في فرنسا وأحداث «شارلي إيبدو»، وما قيل حولهما، وبالأخص ما قاله غريماه التقليديان أوليفييه روا، وجيل كيبل.. كان روا في كتابه «الجهاد والموت» قد لمح حول قصور تحليلات بورغا حول الجهاديين وربطها بالاستعمار وأزمة الشرق الأوسط، بينما وجد أنّ «الهجمات التي شهدتها فرنسا لا علاقة تذكر لها بنزاعات الشرق الأوسط». وفي هذه الفصول يبدي بورغا تقديراً كبيرا لروا، بعكس كيبل، لكنه يرى أنّ تحليل روا وقع أيضا في التعميم للإسلاميين أحياناً، من خلال إسقاط نتائج دراسته حول الإسلاميين في بلدان آسيا الوسطى على باقي التجارب الإسلامية، بينما لم تتشكل لديه معرفة ميدانية موازية في العالم العربي، ليتفحص مثلاً مدى صحة استنتاجاته السابقة، ولعل ما يدعم رأي بورغا هنا هي مذكرات روا نفسها، إذ نكتشف في هذه المذكرات أنّ معرفته بالعالم الإسلامي قد تركزت على آسيا الوسطى، بينما لم يزر العالم العربي إلا في مرات نادرة وقليلة، مع ذلك بقي يعمم نتائجه، ولذلك يبدو بورغا هنا على حق فعلا، وصاحب خبرة أو شرعية أوسع في تحليل العالم العربي بحكم تجربته الميدانية الطويلة. مع ذلك، لا يرى تناقضا كبيرا مع روا، خلافا لجيل كيبل، والذي برأيه يجيد العلاقات العامة والقدرة على تأليف الكتب، لكن رؤيته بقيت تنطلق من فكرة تحليل النصوص الإسلامية ونتائجها العنيفة، بدءاً بسيد قطب ومقتل أنور السادات، مروراً بكتابات أبو مصعب السوري والجهاديين الفرنسيين، وهو تحليل يراه بورغا غير صائب، فالإسلاميون لا ينطلقون فحسب من النصوص، بل تحركهم أيضا الوقائع والأحداث الاجتماعية والاقتصادية، كما يشكك في مكان آخر بنزاهة كيبل الميدانية، فهو في زيارته للعراق مثلاً، كان يركب سيارات دبلوماسية، ولم تستغرق جولاته الميدانية سوى ثلاثة أيام فحسب، خلافاً لما يتوهمه القارئ وهو يقرأ عن رحلاته. وإن كانت هناك من فضيلة لكيبل، كما يؤكد بورغا، فهي تمكنه من تأهيل عدد من الباحثين الشبان من أمثال توماس بيريه وستيفان لاكروا ولولوة الرشيد.
يختتم بورغــــا كتابه بسؤال ذو نكهة شامية «وهلأ لوين/إلى أين الآن» في إشــارة لكيفية التعامل مع الإسلاميين، وضرورة الانفتاح عليهم بدلاً من القطيعة، وفسح المجال لمزيد من الرعب في فرنسا والمنطقة عموما

محمد تركي الربيعو








في العاشر من شهر نوفمبر الجاري مرّت 129 عاماً على رحيل الشاعر الذائع الصّيت جان نيكولاس أرثُر رَامبُو (1854 ــ 1891) الذي يعتبر من شعراء فرنسا الكبار على الرّغم من أنّ يد المنون اختطفته في سنٍّ مبكّرة بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره بقليل، إنه يذكّرنا ببعض شعرائنا الذين رحلوا في شرخ العُمر، وريعان الشباب أمثال طرفة بن العبد، وأبو القاسم الشابيّ، وأمل دنقل وسواهم. كما يعتبر هذا الشاعر وأعماله الشّعرية على وجه الخصوص في نظر النقاد والدارسين من المغامرات النادرة والمُحيّرة التي تميّز إبداعات الأدب العالمي خلال القرنين الفارطيْن.

كثيراً ما يتساءل قرّاء أرثر رامبُو ومعجبوه أنْ كيف يمكن أن يصدر شعر في هذا المستوى من الرقّة، والصّخب، والبلاغة، والسّحر، والجمال، عن شاب لم يكن قد بلغ العشرين من عمره؟! كيف يمكن أن يشكّل من حياته وأعماله أسطورة في ظرف سنوات معدودات من حياته القصيرة؟ إنّ مثل هذه الأسئلة تتبادر إلى الذهن عندما نتصفّح ما كتبه وخلّفه لنا هذا الشاعر المُحيّر، أو ما كُتِب عنه من دراسات، وكُتُبٍ، وتآليف، وأطروحات، ذلك أننا نجد أنفسنا أمام حالة إبداعية خاصّة وخارقة، ونوعية متميّزة وفريدة فى بابها فى الخلق الأدبي الخالص الذي لا تشوبه شائبة، بل إنّه يعتبر المادّة الأساسية ذاتها للشّعر كصوتٍ مُدوٍّ في الآفاق، أو كرجع يُسمعُ صداه في عمق الصّحراء وفيافيها .

إبداعاته المُبكّرة

الأصول والمصادر والمظانّ التي استقى منها رامبو كمراجع لشعره وإبداعاته متعدّدة ومتنوّعة، بدءاً بمحيطه الدّراسي المبكّر في المدينة التي كانت مسقط رأسه «شارلفيل» الواقعة بين باريس وبروكسيل، حيث كان لمُعلمه «جورج ايزامبارد» الذي أقام معه صداقة مبكرة عام (1870) بعدما لمس أمارات النبوغ، ولاحظ علامات الابداع المبكّر في الصّغير رامبو خلال تدريسه إيّاه لمادّة البلاغة، أو لموادّ أدبية ولغوية أخرى. كان أستاذه يُعيره كتباً كثيرة، وكان رامبو يلتهمها بشراهة، كِتاباً تلو الآخر، مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو، حيث قرأ هذا الكتاب خفية عن أمّه.

قال عنه مدير مدرسته بعدما تقدّم رامبو لمسابقة أكاديمية أدبية عام (1869) وحصل على الجائزة الأولى في هذه المسابقة: «عجباً إنه حقّاً لأمر غير عادي يتولّد في عقل هذا الفتى الصّغير … عمّا قريب سيتفتّق هذا العقل النابض عن عبقريّ الشرّ أو عن عبقري الخير»!

تأثيرات طبعت شعرَه

كذلك تأثّر رامبو تأثيراً بليغاً بالشّاعر الفرنسي الكبير «شارل بودلير» صاحب «أزهار الشرّ»، حيث كان يطلق عليه لفرط إعجابه الكبير به لقب «ملك الشّعراء». أمّا «فيكتور هوغو» فقد كان يطلق على رامبو الصغير بعد أن تعرّف عليه وأعجب به بـ «شكسبير الطفل». وأمّا صديقه الشاعر «بول فيرلين» فقد كان أوّل من أطلق عليه إسم «الشاعر الملعون»، والذي كان يرى في شعر رامبو «سيرة ذاتية تتّسم بحالة نفسية تثير الدهشة»، ويرى في نثره «كتلاً من الماس البسيط كغابةٍ عذراء، أو كنمر جميل»، كان يرى فيه أيضاً أسطورة الرجل الذي «ينتعل الرّيح»، وقال عنه الشاعر الفرنسي الكبير «ستيفان مالارميه» إنه «ومضة متّقدة، شهاب مُشعّ ينبعث وينطفئ من تلقاء نفسه».

هذا ومن مصادر تأثيراته كذلك المبكّرة بشكل خاص العلوم الغيبيّة التي علقت به، والتي كانت تشكّل بضاعة رائجة لنشاطه الفكري في مقتبل عمره. فضلاً عن الحياة المتقلّبة والغامضة التي عاشها، وقد غرف وتغدّى شعرُه بمختلف هذه التأثيرات التي ضمّنها مختلف قصائده، ورسائله، ووثائقه، وكتاباته، وإبداعاته على وجه العموم .

ويغفل غير قليل من النقاد في معرض الحديث عن التأثيرات التي كوّنت قريحة رامبو، وصقلت موهبته الشعرية تأثير دانتي أليجيري، صاحب «الكوميديا الإلهية»، فضلاً عن أقطاب الشّعر الرومانسي والإنجليزي مثل كولريدج وبليك، وسواهما من الشّعراء الفرنسييّن.



حياة قاسية

لم تكن حياة «رامبو» في طفولته وشبابه حياة عادية، بل إنّه عاش هذه المراحل من عمره بمرارة وقسوة وجفاء على مضض نظراً للصّراع العائلي الحادّ الذي ميّز حياته، حيث كان كثير الفرار من منزله، وكانت أمّه لا تتوانى ولا تنقطع عن ضربه وإهانته، وتعنيفه، إذ كانت امرأة غير عادية، لدرجة أن رامبو نفسه كان يصفها بـ «فم الظلام». والتي كانت تعاقبه مُرغِمةً إيّاه على استظهار قصائد مُطوّلة من اللّاتينية والفرنسية. أضف إلى ذلك هجران والده لأمّه، وعدم الإكتراث بها، يضاف إلى ذلك مرحلة خروجه إلى باريس وتعرّفه على الشاعر النّزِق «بول فيرلين»، ثمّ أخيراً هروبه من العالم المتحضّر!
.

كان رامبو يتميّز بطبع فوضوي، قلق، ثائر، وناقم ، وكانت به طاقات معرفية هائلة، وإمكانات كبرى لتقبّل العالم. ففى خريف (1871) وصل «رامبو» إلى باريس بدعوة من «فيرلين» الذى فوجئ عندما وجد نفسه وجهاً لوجه أمام شّاعر غضّ الإهاب، طريّ العود، لم يكن يتجاوز سنّه 17 ربيعاً، وهو يرتدي رثّ الثياب وبالي الأسمال، ولا يبعث منظرُه على الرضى والإطمئنان. لقد تنكّرت الأوساط الإبداعية، والأجواء الأدبية في باريس لرامبو ولأشعاره وأعماله. بل لقد تنكّر له فيما بعد حتى «فيرلين» نفسه، ولم يجد رامبو بدّاً ولا ملاذاً لإنقاذ نفسه وشعره وعبقريته سوى الفرار.

هروبه إلى المشرق العربيّ

المرحلة الأخيرة من حياة رامبو قضاها وهو يجوب جبال الألب مشياً على الأقدام عدّة مرّات، مسافراً ومتنقلاً بين ربوع أوربا وأصقاعها، منضمّاً تارةً إلى الجيش الإسباني الكارلى، وطوراً إلى الجيش الهولاندي، وفارّاً مرّةً أخرى منهما. وتأتى بعد ذلك مرحلة انتقاله إلى المشرق العربي (القاهرة، الإسكندرية، حيفا، اليمن ) بل إنّه وصل حتىّ الى بلاد الحبشة .
كان رامبو يتمتّع بقابلية غريبة فى تعلّم اللغات حيث تعلّم عدداً منها، من بينها اللغة العربية، وظلّ متنقلاً بين البلدان، وقد زاول عدّة أعمال منها تهريب الأسلحة، وبيع البنّ، فضلاً عن مزاولته لأنشطة تجارية ولأعمالٍ أخرى.
حاولت الكاتبة «انيد ستاركي» إعادة هيكلة، أو بناء حياة هذا الشاعر المُعنّى خاصّة منذ اللحظة الأولى التى يغادر فيها أسرته، ومنزله ووسطه. حيث تلجأ إلى تحليل دقيق، وتمحيص عميق لبعض الظواهر الحياتية، والملابسات التاريخية، والظروف البيئية التى عاشها رامبو، إلاّ أنّها تقع في أخطاء فادحة وتجاوزات لا تغتفر فى حقّ الشعوب، حيث تتحدّث مثلاً عمّا تسمّيه بـ (الفترة البطولية للإحتلال الفرنسي للجزائر)!، وبالمقابل تسمح لنفسها بالإشارة إلى مصادر الأخلاق الكاثوليكية التى تترى في الكتاب، فضلاً عن تعرّضها لحياة المُجون والمروق التي عاشها كلّ من فيرلين ورامبو بشكل فاضح، حيث تصف الأوّل بـ «الفاسق»، والثاني بـ « المتوحّش» !
عندما بلغ صاحب رواية «الغريب» الكاتب الفرنسي «ألبير كامو» العشرين من عمره، علم وفهم لماذا قرّر رامبو يوماً مّا التوقّف عن الكتابة، لقد فعل ذلك لسببٍ بسيط حسب رأيه، وهو أنّه كان قد قال كلَّ شئ، لذا كثيراً ما قورنت معاناته بحالة رامبو في مكابدته، وتعاسته، وشقائه.

«الأيّام الهشّة» وأعمال أخرى

الشاعر رفعت سلام، مترجم الأعمال الكاملة لرامبو ــ الهيئة العامة للكتاب 2012 ــ يقول عنه: «رغم أنه كان معاصراً لبودلير وكان قد قرأه بشكل جيّد، فإنه لم يرتدِ مِعطفَه بل قدّم تجربته المختلفة، وصوته المنفرد». لقد تعرّف قرّاء الضّاد على سيرة رامبو قبل أن يتعرّفوا على شعره عن طريق الناقد السوري صدقي إسماعيل في كتابه «قصة شاعر متشرّد» (1952). كما ترجم الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا قصائد من شعره في مجلة «شعر»، وفي صيف 1959 صدرت الترجمة التي وضعها مؤسّس السيريالية فى مصر الفنان رمسيس يونان لديوان رامبو «فصل من الجحيم»، وبعد مرور عام نشر المترجم السّوري خليل الخوري كتاباً بعنوان «رامبو، حياته وشعره». وفي عام 2000 أصدر المخرج المسرحي عصام محفوظ كتاباً يحمل عنوان «رامبو بالأحمر دراسة ومختارات». ويشير الكاتب والمترجم العراقي كامل عويد العامري «أنّ الرّوائي الفرنسي فيليب بيسون يروي لنا في روايته (الأيام الهشّة) على لسان إيزابيل رامبو، شقيقة الشاعر آرثر رامبو الذي عاد إلى وطنه من إفريقيا، والذي كان يعاني في مارسيليا من مرضٍ خطير جعله يخضع لبتر ساقه. فيأتي إلى بلدته الأصل آردين، البلدة التي لم يحبها أبداً ويرفضها دائماً، مثلما يرفض أصوله، كما يأبىَ أن يكون إبناً «لصغار الناس» ويتّخذ من مزرعة الأسرة التي لا تزال والدته تعيش فيها مكاناً للنقاهة، في صمتٍ مصحوب بالاستنكار والنفور، بينما كانت شقيقته إيزابيل، هي الوحيدة المتعاطفة معه التي كانت محبطة وموزّعة بين حبّها لأخيها وغضبها من بعده». ويضيف العامري .. «إنّ أخته إيزابيل تتهم أخاها بإحراق حياته، وتقف في مواجهة مأساته ومعاناته الحالية، ومع ذلك، فإنَّ آرثر حريصٌ على العودة إلى إفريقيا، بحثاً عن حبّ عظيم وآخر ضائع، ليستسلم إلى شياطينه ويعترف باعترافات صادمة لشقيقته.

باختصار، فإنّ هذه الرّواية عبارة عن تفريغ غريب للمشاعر الجيدة والسيئة في آنٍ بين أخٍ وأختٍ فضلاً عن الأم … آرثر، ذلك الوجه الخفيّ للشاعر الباحث عن الشمس، الذي تعرفه إيزابيل مبتور الأطراف، تاجر أسلحة، عاد من عدن، وأُجبِر على التعفن في مكانٍ كان يفرّ منه دائماً. وهو الذي كتب في «فصل من الجحيم»، كنبوءة قاتمة: «تعالج النساء هؤلاء المُعاقين الشرسين العائدين من البلدان السّاخنة»، عندما يعود آرثر تصريحاً أو تلميحاً إلى وقائع معيّنة من حياته، تظلّ إيزابيل مذهولة. إمّا أنَّ الكلمات غير مفهومة بالنسبة لها، أو أنَّ الاكتشافات مروّعة للغاية عندها. هكذا تسعى من دون تعليق إلى تدوين كلماته التي يظلّ الربّ فيها مُستبعَداً، على الرّغم من عدم قدرته على الاعتراف بنهايته الوشيكة».
وتجدر الإشارة أنّ حياة رامبو تلقفها الفنّ السابع، فنقلت لنا عام 1995 المخرجة البولندية «أنيسكا هولند» الى الشّاشة الكبيرة فيلمها «كسُوف كليّ» عن نصٍّ مسرحيٍّ للكاتب البريطاني «كريستوفر هامبتون»، حيث قام بدور رامبُو الممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريُو، وقام ديفيد ثيوليس بدور بول فيرلين.


محمد الخطابي









في عام 1992 وكان الاتحاد السوفييتي قدانهار لتوه، رأى فرانسيس فوكوياما، وهو فيلسوف ومنظر سياسي أمريكي، أن كل ما يمكن أن يقع من نزاعات مقبلة يجد حله ضمن النموذج الديمقراطي الليبرالي السائد في المعسكر المنتصر، وأنه ليس هناك ما بعد لهذا النموذج. لقد انتهى التاريخ. لم يكد يعتنق أحد هذه الدعوى التي بدت انعكاسا لمزاج التيه والطرب، الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة بانتصار التحالف الرأسمالي الغربي. فوكوياما نفسه غير رأيه بعد سنوات، محيلا إلى تطورات تكنولوجية بصورة خاصة.
لكن رغم ما يبدو من إجماع كلامي على لانهاية التاريخ، يبدو أن التاريخ انتهى فعلا في الممارسة، وأنه لم يعد ثمة مستقبل متصور يُلمح خارج الديمقراطية الليبرالية في الغرب. الاعتراضات اليسارية في الغرب لم تنجح في تصور مستقبل مختلف بعد سقوط الشيوعية السوفييتية وأشباهها، وانتقاداتها تنصب على إفراط الليبرالية الجديدة و«أصولية السوق» وتراجع وظائف الدولة الاجتماعية، وليس على رؤية أو مشروع مغايرين. يبدو اليسار الغربي هو المدافع الأوفى عن الديمقراطية الليبرالية، وإن مع مسؤولية اجتماعية أكبر.
لكن بدل أن تكون نهاية التاريخ إقامة سعيدة في الحرية، تبدو في الواقع دخولا بعينين مفتوحتين إلى سجن مؤبد، سجن اللابديل. مبدأ اللابديل الذي كانت صاغته مارغريت ثاتشر في ثمانينيات القرن العشرين، يبدو ساري المفعول، وإن لم يحظ بقبول أكثر مما كان نصيب نهاية التاريخ من القبول. نحن هنا حيال رفض أيديولوجي جامع لفكرة اللابديل ولانتهاء التاريخ، لكن مع تسليم فعلي جامع بالقدر نفسه. الديمقراطية نفسها تتآكل مع ضمور أبعادها المعيارية المتصلة بالعدالة من جهة، والتعمم العالمي من جهة أخرى. كان كولن كراوتش، وهو أكاديمي بريطاني، قد تكلم منذ عام 2004 على ما بعد الديمقراطية في مجتمعات الغرب، حيث تبقى الآليات والإجراءات الديمقراطية، لكن مع أزمة في الأحزاب والنقابات، وتراجع مستوى التعبئة السياسية، واغتراب متصاعد لقطاعات من الجمهور عن النظام السياسي. صدر الكتاب بين هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية والأزمة الاقتصادية في عام 2008، وكان لكليهما مفعول من الخوف وفقدان الأمان لدى قطاعات متسعة من الجمهور الأمريكي والأوروبي. وإذ صب الخوف لمصلحة تيارات اليمين الشعبوي في هذا البلدان، فإنه قاد كذلك إلى ما قد تصح تسميته بالمنعطف الجينوقراطي، أعني الحكم الأهلي، أو حكم الأكثريات الثقافية، الإثنية أو الدينية أو القومية أو العرقية (ما يؤهل الجينوقراطية لأن تكون بنية تحتية للجينوسايد، تجمعهما مركزية الجينوس، العرق أو السلالة…). ظواهر مثل التفوقية البيضاء، وسنوات ترامب في أمريكا والبركسيت وصعود بوريس جونسون في بريطانيا والهندوتفا والقومية الهندوسية في الهند، في ظل ناريندرا مودي والقانون الأساسي في إسرائيل، كدولة للشعب اليهودي، ومزيج القومية الروسية والمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وحكومة فكتور أوربان القومية المسيحية المعادية للمهاجرين في هنغاريا، والتركيب القومي الإسلامي لرجب طيب أردوغان، والإسلامية في عمومها، كلها تندرج ضمن مناخ من ثقفنة السياسة والتحول من الأكثريات السياسية إلى الأكثريات الثقافية.
يبدو مضمون ما بعد الديمقراطية هو الجينوقراطية، ضرب من القومية الجديدة تؤكد على الجذور الثقافية والعرقية والدينية. ولعل ما جعل ذلك ممكنا هو أن الانتصار المزعوم للديمقراطية الليبرالية، لم يكن انتصارا لها على اللاديمقراطية واللاليبرالية، على الديكتاتورية أو الشمولية أو الاستبداد، بل هــــو أساسا انتصار للغرب على غيره، أي أن هناك عنصر جينوقراطي سلفا في هذا الانتصار. لذلك، ورغم ما يبدو من تعارض بين أطروحة فوكوياما الخاصة بنهاية التاريخ وأطروحة صاموئيل هنتنغتون الخاصة بصراع الحضارات، فإن ما يجمعهما من تمركز حصري حول الغرب، وضع الأولى، الفلسفية والعامة، في خدمة الثانية عمليا، الثقافية والخاصة.
.

ثقفنة الديمقراطية تجردها من قواها وروحها القتالية، بتسهيل مطابقتها مع الغرب على ما يقول البوتينيون صراحة، أو مع هذا البلد أو ذاك، بدون حضور فاعل للديموس (الشعب) أو لصراع من أجل حقوق أكبر ومساواة أكبر. ما كان يمكن أن ينقذ الديمقراطية هو تقوية بعدها المعياري، ما يتصل بمزيد من العدالة الاجتماعية ومن الحرية، وهو تعممها العالمي، وهو كذلك الدفاع عن حريات أكبر وحقوق أكثر ومزيد من العدالة للمحرومين منها في كل مكان.
هناك اليوم مناخ من الأزمة العالمية، متصل بمشكلات عالمية في تكوينها مثل التدهور البيئي والأوبئة، وكذلك المنعطف الجينوقراطي والمسألة الإسلامية، فضلا عما يبدو من أزمة اقتصادية اجتماعية مستمرة، والاحتمالات الدستوبية لتطور كل من تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا البيولوجية، وقد أقام يوفال نوح هراري شهرته على قراءة احتمالات تطورهما. ومن غير المحتمل أن تجد الأزمة العالمية حلولا لها في غير نطاق عالمي. يمكن التفكير في مجتمع عالمي كوجهة أو وعد، يخرجنا من أزمة اللابديل والدوران حول الذات، ومن العودة إلى الماضي مثلما يريد الإسلاميون واليمين الشعبوي في الغرب وغيره. الكلام على مجتمع عالمي مكون من فوق سبع مليارات من البشر يمكن أن يبدو هروبا إلى الأمام، نحو طوبى يائسة، بينما نحن نلاحظ صعوبة تماسك مجتمعات محلية، لا يتجاوز سكانها ملايين أو عشرات قليلة منها. لكن عدا أن تداعي المجتمعات وتماسكها اليوم هو «وظيفة» للوضعية العالمية بقدر كبير، وليس لمجرد ديناميكيات داخلية تجري فيها (وإن بنسبة قوى كل منها: الأضعف أكثر انكشافا وعالمية) عدا ذلك هناك سلفا مجتمع عالمي، تشهد على ذلك وقائع لا تحصى، من أحدثها أزمة كورونا و«حالة الاستثناء» العالمية المتصلة بها، ومؤخرا المتابعة الدولية الواسعة للانتخابات الأمريكية، وقبلها بقليل الجرائم الإرهابية في باريس وفيينا، التي وثقت ربط عالمي المسلمين والغرب للمرة الألف. وهناك فضاءات عامة حديثة نسبيا، متصلة وعالمية، تتمثل في «وسائل التواصل الاجتماعي» تغير طبيعة الفضاءات العامة المحلية في كل مكان. المجتمع العالمي آخذ بتشكل متسارع، لكن لا يزال نظام العالم يتراوح بين نظام دول سيدة، على ما هو متمثل في الأمم المتحدة، واحتكار للسيادة من قبل أوليغارشية متجسدة في مجلس الأمن، بل يمكن فهم المنعطف الجينوقراطي كتراجع أمام ظهور المجتمع العالمي وكالتصاق بالقومية والماضي.
يميز زغمونت باومان بين القوة – السلطة التي يراها عالمية أكثر وأكثر والسياسة التي لا تزال محلية، ولذلك تفشل أكثر وأكثر في مواجهة ما هو عالمي. وهذا وضع متجه لأن تكف الدول عن كونها مقرات السياسة في المجتمعات، وهي كفت من قبل عن كونها مقرات السيادة. ما نتبينه من تدهور في مستوى النخب السياسة في كل مكان قد يكون منشأه هنا: الخيال السياسي المشدود إلى الإطار الوطني لا يؤهل لظهور نخب سياسية أرفع وقيادات سياسية كبيرة. بالعكس، يبدو هذا الإطار الوطني هو الحاضنة الأبرز لنخب جينوقراطية، ولميل الحكومات إلى الاقتراب منها، على ما يظهر بتسارع في فرنسا مؤخرا. هناك رفض في بلدان أوروبا والغرب لأخذ العلم بواقعها كمجتمعات ما بعد هجرية (أستعير المفهوم من ورقة لماريا روكا ليزارازو:
Postmigrant renegotiations of Identity and
Belonging in Contemporary Germany)


والميل إلى الاستجابة لضغوط اليمين الشعبوي في تعريف الاندماج، وليس للانفتاح على هذا التعدد الجديد، وإعــــادة تعريـــف النفس والعالم بدلالته. تظهر الجينوقراطية هنا ليس كحــــركات يمينية شعبوية فقط، وإنما كمكون لسياسة الدولة القومية التي تعرف نفسها بهوية مكنونة في اسمها: ألمانيا، فرنسا، تركيا إلخ.
نهاية التاريخ بالديمقراطية الليبرالية ولدت من داخلها بالذات الجينوقراطيات الشعبية التي لا تبدو حدثا عارضا، رغم سقوط ترامب في الانتخابات الأمريكية. ما يمكن أن يكون إنقاذا للديمقراطية، هو الاضطلاع بتحدي ظهور مجتمع عالمي والعمل على إعادة بناء النظام الدولي حول ذلك، أي التحول إلى ما بعد الدولة الأمة والسيادة، والأرجح أن دون ذلك عواصف وأهوالا

ياسين الحاج صالح







«نائب القنصل» الذي تحمل الرواية اسمه، أو صفته، ليس إلا واحدا من شخصياتها. ربما كانت آن ماري ستريتر زوجة السفير الفرنسي أولى منه بحمل العنوان، أو حتى مايكل ريتشارد، عشيقها السابق – الباقي يشاطرها زمن ما بعد الخبز، أو ربما يستحق ذلك كل من أولئك الآخرين الذين تتشكل منهم حلقة العيش والسهر. هؤلاء محكومون بأن يكونوا ملازمين بعضهم بعضا، فهم بِيض كالكوتا، موظفو السفارة الفرنسية وقنصلياتها، ومن يمتّون إليهم بصلة.
كل منهم إذن يستحقّ أن تسمى الرواية باسمه، طالما أنهم حاضرون فيها بالتساوي. أما فتاة الرابعة عشرة، الكمبودية الهاربة أو المطرودة من بيتها، فتبدو كما لو أنها استُبعدت بعد أن كانت احتمالا أول للتسمية. لقد بدأت الرواية بها وحدها، مرافقة إياها في الرحلة التي كانت المسافات فيها تقاس بحدود البلدان واتساع جغرافياتها. من كمبوديا إلى سيام (تايلند) إلى بورما إلى كلكوتا في الهند، مشت سائرة على قدميها. وحدها، بلا معرفة بالطرقات، ولا ماذا يؤكل منها، وأي الأماكن لا يشكل النوم فيها خطرا. كانت تسعى إلى الوصول إلى أبعد ما تستطيع، إلى حيث تنتهي الأرض كما تقول وهي تخاطب نفسها. وقد تابعت مارغريت دوراس هذه الرحلة، ليس بوصف مراحلها، بل باتساع قدرتها الكتابية ورهافتها الأسلوبية.
حملت الفتاة من دون زوج، ولذلك تركتها أمها تتحمل عارها وحدها. كان شكلها يتغير كلما طالت الرحلة، تساقط شعرها واحترق وجهها وشقّت الصخور قدميها. لم تستطع إرضاع وليدتها إذ بعد قطرات قليلة فقط جفّ ضرعها. كان عليها أن تنجّيها بالتخلّص منها. المرأة البيضاء نقدتها قطعة مال معدنية، مفهمة إياها أن هذا أكثر ما تستطيعه. لكن الكمبودية، التي لم تُعطَ اسما في الرواية، ردّت القرش الذي أخذته لأنها، هذه المرة، تريد أن تعطي لا أن تأخذ. في واحد من أكثر مشاهد الرواية دراماتيكية وكتابية، تُقنع ابنة تلك المرأة أمها أن تأخذ الرضيعة، فحملتها هذه الأخيرة إلى داخل الفيلا التي تقيمان فيها. مثل دمية، وإن بشعة، كانت الأم البيضاء وابنتها يبدآن إزالة ما علق على جسم الوليدة. أما والدتها فكانت تراقب ذلك من مسافة. ولم يطل بها الوقت حتى علمت أن ذلك الاتفاق قد تم، وها هم أصحاب البيت يرسلون لها وجبة طعام، عربون الموافقة، سرعان ما أتت عليه كله.

تقسم مارغريت دوراس روايتها إلى قسمين عريضين. وهما قسمان مختلفان حتى في اللغة المستخدمة لكتابة كل منهما. فإزاء رحلة الفتاة الهاربة ترتفع أدبية الوصف وتتمهل الصياغة، كما في حالات الاقتراب من الشعر. أما في القسم الثاني فننتقل إلى الجمل القصيرة، المتقطعة، وإلى المزج بين الحوار وتأويل ما حكي في الحوار.
إذن، في القسم الأول تختفي الفتاة الكمبودية الهاربة، ويحل محلها أولئك الرجال الأربعة أو الخمسة، الدائرون جميعهم في فلك أن ماري ستريتر، زوجة السفير، ذاك الذي لم يحضر في الرواية إلا مرة سريعة واحدة. وما عدا نائب القنصل، كلهم في مرحلة ما بعد الشباب. آن ماري المعشوقة الجاذبة أنظار الجميع، والتي يدور كل شيء في السهرات حولها، اقترابا أو ابتعادا، تعرضا أو تلطفا، هي في العمر الذي من المفترض أن تكون الفتنة قد أضحت شيئا من ماضيها. لكن هنا لا مجال للتسليم بأن الحصص التي تتيحها الحياة كافية، فينبغي أن يؤخذ منها، عنوة أو سرقة، ما لم تعد تتساهل قوانينها بإعطائه. هي حياة رتيبة، مطفأة المشاعر التي تدعو أعضاء الشلة هؤلاء إلى أن يلتقوا كل ليلة، حيث لا يحدث إلا القليل، حيث لا مفاجأة منتظرة، ولا شيء سيستجد عن مجريات الأمس. انفلات أعصاب نائب القنصل، جراء السكر واليأس، سيثير كلاما كثيرا في السهرات التي تلت وسيبدو كأنه الحادثة التي كشفت مدى البؤس الذي يغرق فيه الجميع. ذلك الانفلات الذي يمكن أن يتكرر حدوثه في أي مكان، ليس كذلك هنا، فأن يتمادى نائب القنصل برفع صوته، وبكائه من ثمّ، ومحاولته الاقتراب من ماري آن، فيما هي تراقص رجلا سواه، فذلك قد يعني إدانة شاملة للحياة، ما يمكن للرواية أن تنتهي به.
كانت الفتاة الهاربة قد قطعت كل هذه المسافات لتكون هنا في مكان قريب من المكان الذي يلتقي هؤلاء فيه. يلاحظونها، بل في مرات يذكرونها في أحاديثهم، لكن من دون أن يلقي أحدهم كلمة لها. مع أن ما تعيش منه هو تلك البقايا التي ترمى في الخارج كل صباح. لكنها لا تعرف شيئا مما يجري في الداخل، كما أنها لا تختلط بمن تعيش بينهم، أولئك المجذومون الذين يزدحمون صفوفا على ضفة نهر الغانج. لا هؤلاء ولا أولئك. تؤثر ألا تكلمهم، وهي لن تستطيع أن تفعل على كل حال، طالما أنها لا تحسن الكلام بلغتهم. هنا، معهم، هي مبتعدة قليلا، لا لخوفها من الجذام، فهي لا ترى نفسها أكثر تشوها مما يحدثه.
رواية مارغريت دوراس «نائب االقنصل» نقلها إلى العربية مبارك مرابط في 206 صفحات وصدرت عن دار الجمل لعام 2021.

٭ روائي لبناني

حسن داوود






مع استمرار ازدواجية معايير الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، تتسع موجة معاداة الإسلام وكراهية المسلمين، حتى وصلت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” إلى مستويات خطيرة في الفترة الأخيرة.

فمنذ عقود، يتنبى الغرب خطابا يُجرم معاداة السامية وكراهية اليهود بعد “الهولوكوست” خلال الحرب العالمية الثانية.

والآن، فإن أجواء العداء السائدة بحق المسلمين، تستدعي إجراءً مماثلا، عبر سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

لكن ازدواجية معايير الغرب تطرح تساؤلات حول الموقف من حرية التعبير في الإعلام عند الإساءة للإسلام، مقابل تجريم من يعادي السامية.

فلماذا لا يتم أيضا تجريم من يعادي الإسلام، خاصة وأن الإسلام واليهودية ديانتان سماويتان، وعدد المسلمين يفوق مليار ونصف المليار في أنحاء العالم.

تساؤلات ودعوات عديدة أُطلقت مؤخرا للتمييز بين حرية التعبير والإساءة للأديان، وبينها الإسلام، وهو ما دفع خبراء إلى الدعوة إلى سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

كما أن السامية مصدرها واحد بالنسبة لشعوب المنطقة، إذ سُمِّي الساميّون بهذا الاسم نسبةً إلى سام، الذي ورد اسمه في كتاب التوراة في الإصحاح العاشر من سفر التّكوين؛ للدلالة على مجموعة من الأنساب المنحدرة من سام بن نوح.

وتضمّ المجموعة الأراميّين، والآشوريّين، والعبريّين، الذين كانوا يقيمون في شبه الجزيرة العربيّة، وبلاد الرّافدين، وسوريا، وفلسطين. ويتفق الباحثون على أن الساميّين أقاموا في البداية بالجزيرة العربيّة، ثمّ بدأوا بالهجرة منها بسبب الجدب.

وقُسِّمت اللغات السامية، حسب التوزيع الجغرافي، إلى شمالية شرقية تضم اللغة الأكاديّة وهي البابليّة والآشوريّة، وأخرى شمالية غربيّة وهي الأوغاريتية، والكنعانيّة التي تضم العبريّة، والفينيقيّة، والمؤابيّة، بينما قُسِّمت الجنوبية إلى عربية جنوبيّة وهي لغة أهل اليمن، وعربيّة شمالية هي اللغة العربية الفُصحى.

مكافحة معاداة الإسلام

خلال قمة حول الإبادة الجماعية التي وقعت في مدينة “سربرنيتسا” البوسنية عام 1995، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في رسالة مرئية الأحد: “يجب مكافحة معاداة الإسلام اليوم على غرار مكافحة معاداة السامية في أعقاب كارثة الهولوكوست، فالمسلمون الأوروبيون يتعرضون لتمييز ممنهج، ويتم انتزاع حقوقهم وحرياتهم”.

وتابع: “يجب أن يتوقف هذا المسار الخاطئ؛ نظرا لتهديده مستقبل البشرية وثقافة التعايش بين المعتقدات”.

“اللا إسلامية” وجهة نظر!”

فيما قال عمرو موسى، الأمين السابق لجامعة الدول العربية، عبر تدوينة على حسابه بـ”فيسبوك” الأحد: لا أفهم أن تكون “اللا سامية” جريمة، بينما “اللا إسلامية” وجهة نظر!”.

وأضاف: “ازدواجية المعايير آفة كبرى، والسياسات المنبثقة عنها وردود الفعل المترتبة عليها تدفع إلى أجواء من الصدام المتصاعد”.

وشدد على أنه “إذا استمر الموقف إزاء الإسلام شرقا وغربا، نكون في مواجهة تفسير أوسع، بل تأصيل وتأكيد لصراع الحضارات؛ ينتقل من طرح يتعلق بصراع بين الإسلام والغرب، إلى صراع مع مختلف الحضارات الأخرى”.

ودعا موسى إلى تجاوز الصراع عبر “إعادة تأهيل الفكر وتمكين صياغة محدثة للخطاب الإسلامي تتوجه إلى كافة الحضارات الأخرى وتتفاعل مع منطقها”.

وزاد بقوله: “طلب عاجل من الأجهزة الدستورية والقانونية في مختلف البلاد التي يعاني فيها المسلمون من التفرقة وسوء المعاملة، من السياسات مزدوجة المعايير، لرفع الظلم عنهم، وكذا تجريم إهانة الرمز الأعظم للدين الإسلامي ورموزه الكبرى”.

ذريعة حرية التعبير
أعرب علي باكير، كاتب وباحث لبناني، عن اعتقاده بأن “المشكل الأساسي في تعامل الغرب، وفرنسا تحديدا مع الإسلام كدين والمسلمين، هو المعايير المزدوجة، التي يتم تطبيقها من قبلهم تحت ذرائع مختلفة”.

وأضف باكير: “لا نرى مثل هذا الشيء مثلا عندما يتعلق الأمر بالديانات الأخرى أو إسرائيل”.

وأردف: “فأي انتقاد لإسرائيل (رسم، كاريكاتور، شعر، فن، كتابة، تاريخ، سياسة…إلخ) يتم تصنيفه تلقائيا على أنه معاداة للسامية ويتم مهاجمة صاحبه ومحاكمته، ولا يتم طبعا إدراج هذا النقد ضمن حرية التعبير أو حرية المعتقد أو حرية القيم”.

وتابع: “إذا كانوا صادقين في دعواهم، فعليهم أن يكونوا متسقين مع أنفسهم وأن يسنوا قوانين تحترم جميع الأديان والمعتقدات، وتجرّم التعدي عليها، بدلا من النيل من المسلمين تحت ذريعة حرية التعبير، لاسيما مع صعود التيارات النازية والفاشية واليمين المتطرف في أوروبا من جديد، بعد أن تسبب هذا الفكر بمقتل عشرات الملايين من البشر في حربين عالميتين”.

وزاد بقوله: “سن مثل هذه القوانين سيحد من تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب، ويمنع استغلال السياسيين لمعاداة الإسلام والمسلمين كورقة انتخابية، لكسب المزيد من أصوات المتطرفين، وتحريض الناس على بعضهم البعض، وزعزعة أمن المجتمع والدولة”.

إهانة المقدسات
أما نظير الكندوري، كاتب وباحث عراقي، فقال إن “العالم الغربي تعامل بإيجابية مع مطالبات اليهود بسن قانون يجرم معاداة السامية بعد الحرب العالمية الثانية، حينها شعر القادة الغربيون بأن سن مثل هذا القانون سيقلل من مشاعر الكراهية في المجتمع، ويحد من مشاكل اجتماعية عديدة”.

وأردف: “نجحت تلك التجربة في إعادة الاعتبار للأقلية اليهودية في الغرب، وساهمت في انخفاض مشاعر الكراهية التي كانت تكنها الشعوب الغربية لليهود، وقللت من المشاكل الاجتماعية”.

وأكد أن “المسلمين يتعرضون لشتى أنواع المضايقات في الدول الغربية، ما أدى إلى نشوء مشاكل اجتماعية كبيرة، بالإضافة إلى أن الاعتداء على المسلمين وعلى مقدساتهم لم يؤذ مشاعر المسلمين في الدول الغربية فحسب، وإنما جرح مشاعر المسلمين في العديد من البلدان الإسلامية، والتي يقدر عدد أفرادها بأكثر من مليار ونصف المليار”.

وحذر من أن “الاستمرار في تلك المضايقات وتعمد إهانة مقدسات المسلمين سينعكس سلبا على العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الغرب، سواء سياسيا أو اقتصاديا”.

واستطرد: “يجب على قادة الغرب أن يعيدوا التفكير ويعملوا جديا على سن قانون يجرم الإساءة للإسلام، كما هو الحال مع تجريم الإساءة للسامية ومعاداتها”.

تحريض متعمد
تطرق الكندوري إلى الحديث عن حرية التعبير في الغرب بقوله: “هذا ادعاء أكثر مما هو حقيقة، والدليل هو أنهم يدافعون عن الإساءات المتواصلة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم)، ويدافعون عمّن يتعمد هذا الفعل، وفي الوقت نفسه يغضبون حين يتعرض الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) للسخرية”.

واستطرد: “هذا ما رأيناه حينما سخر الرئيس أردوغان من الرئيس الفرنسي بسبب تصريحاته المسيئة للإسلام والمسلمين، وقال إنه يحتاج لمعالجة عقلية.. هذا يعني أن السخرية من نبي الإسلام كانت متعمدة ولا علاقة لها بحرية التعبير، فهم لم يتحملوا ما اعتبروه إساءة لرئيسهم”.

ويدافع ماكرون عن رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم) نُشرت في فرنسا مؤخرا، معتبرا أنها تندرج ضمن حرية التعبير. وهو ما أثار موجة غضب بين المسلمين في أنحاء العالم وأطلق حملات لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

وتابع الكندوري: “نعتقد أن حرية التعبير والحرية الشخصية يجب أن تنتهي حينما تصل إلى حد الإساءة لمقدسات الآخرين، حينها لا تعتبر حرية، إنما تحريض متعمد على أمة كبيرة، مثل الأمة الإسلامية”.

واختتم حديثه بأن “هذا التحريض سيكون سببا لزيادة الخلافات الطائفية والعرقية والعنصرية في بلدان الغرب نفسها، وبالتالي فإن إقرار قانون يجرم معاداة الإسلام أو السخرية من مقدساته، يصب تماما في موضوع حق حرية التعبير واحترام المقدسات لجميع أفراد المجتمع”.(وكالة الأناضول)




arrow_red_small 3 4 5 6 7 8 9 arrow_red_smallright