top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
هيمنة التكنولوجيا على المعنى تصبح أمرا واقعا
الحديث عن المستقبل أو الحاضر المتشكل أخيرا أو الغائب عن الإدراك مغامرة في ظل تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية والتقنية، وما تشكله من تحديات للإنسان سواء فيما يتعلق بالصناعات الإلكترونية أو نظم الذكاء الاصطناعي أو إنترنت الأشياء أو الروبوتات الإدراكية. وهذا الكتاب "من الهرميّة إلى الشبكيّة وجهة الدول والمجتمعات في عصر اقتصاد المعرفة" للباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية د.إبراهيم ...
معرض غير مسبوق حول علاقة بيكاسو بالموسيقى
رغم إعلان بيكاسو في تصريح منسوب له أنه لم يكن يحب الموسيقى، يكشف معرض غير مسبوق في باريس شغفا كبيرا بالأنغام الشعبية لدى الرسام الإسباني الشهير وميلا لاستكشاف الآلات بدقة، كما يضيء خصوصا على موهبة حقيقية في ابتداع موسيقى صورية. لم يكن بيكاسو "شغوفا بالموسيقى ولم يكن في وسعه قراءة توليفة موسيقية وهو لم يكن بحاجة إلى الموسيقى للعمل، كما الحال مع شاغال" أو ماتيس، بحسب ما تقول سيسيل غودفروا القيّمة على معرض ...
الغريب الذي نسي ظله .. غياب يجدد حضوره
مجموعةُ الشَّاعرِ أوس حسن "الغريبُ الذي نَسِي ظلَهُ" واحدةٌ من المجموعات التي اشتغلتْ على بنيةِ الحضور والغياب، فقد تكونتْ من ثمانِي عشرة قصيدة، استهلت بقصيدةِ "أسئلة من رماد"، وهي قصيدةُ أسئلةٍ منذ مستهلها حتى خاتمتِها. وقوامُ هذه الاسئلةِ يقومُ على الحضورِ والغيابِ، بوصفهما فعلا حياتيًّا، قد يحدث فيها، ولكنَّهما ليسا متضادين، كما يتجلَّى ذلك في المعنى الذي تحيلُ عليه المُعجماتُ العربيّةُ، وهو ...
التأثير المدهش للقراءة بصوت عال
يؤثر معظم البالغين الانزواء في عالمهم الهادئ والخاص داخل رؤوسهم أثناء القراءة، ولكننا بذلك قد نكون ضيعنا على أنفسنا بعض الفوائد بالغة الأهمية. كانت القراءة في معظم العصور الخالية تعد من الأنشطة الصاخبة نسبيا. وكان يشار عادة للقراءة في الألواح الطينية التي كتبت في بلاد ما بين النهرين وسوريا قبل نحو 4000 سنة، بمفردتين تعنيان حرفيا "يصيح" أو "ينصت". وقد ورد في أحد الخطابات التي تعود إلى تلك الحقبة: "أرسل لك هذه ...
حكاية العالم الجاسوس الذي نقل أسرار القنبلة الذرية من الغرب إلى الشرق
في مثل هذا الوقت من سبتمبر/أيلول عام 1949 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان في بيان مقتضب للشعب الأمريكي أن السوفييت فجروا قنبلتهم النووية الأولى، مشيرا إلى أن واشنطن لديها الدليل على إقدام السوفييت على ذلك قبل أسابيع. ففي 3 سبتمبر/أيلول عام 1949 رصد العلماء الأمريكيون نشاطا إشعاعيا من داخل الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يكون ناجما إلا عن تجربة نووية، ولدى إبلاغ ترومان بالأمر لم يصدق وطلب من مستشاريه العلميين ...
4 روايات هي الأولى لمؤلفيها بين الست المتنافسة على جائزة بوكر
أعلن منظّمو جائزة "بوكر" الأدبية المهمة أن من بين الكتب الستة التي اختيرت للمرحلة النهائية من المنافسة أربع روايات هي باكورة نتاج مؤلفيها، تتناول مواضيع عدّة كالتغيّر المناخي والعنصرية والعلاقات العائلية. وتضمّ اللائحة النهائية كتاب "ذيس مورنبل بادي" ("هذا الجسد المحزن") للكاتب تسيتسي دانغاريمبغا من زيمبابوي، وهو الجزء الثالث من ثلاثية تتناول قصة شابة من زيمبابوي تعاني الفقر. أما الكتّأب الأربعة ...





محمد الماغوط (سلمية، حماه 1934 - دمشق 2006) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو ليس كغيره من الشعراء الذين تخرجوا من أرقى المعاهد والكليات ولا من الذين أوصى بهم الأمراء والوجهاء إنه شاعر شحذته المواقف وتعهده الجوع وأوصى به الفقر فكان رجل مواقف وشاعر إباء خاض تجربة قصيدة النثر في وقت اشمخرت فيه صروح شعر التفعيلة برغم اعتراضات النقاد الكبار عليه ونخص بالذكر الراحل الكبير عباس العقاد الذي كان يسمه بالشعر السائب، ويحيل قصائد الشعراء الشباب في ذلك الوقت من أمثال أحمد عبدالمعطي حجازي ونزار قباني وصلاح عبدالصبور على لجنة النثر للاختصاص إمعانا في السخرية وفي عدم الاعتراف بهذا اللون من الشعر.

أرض جديدة إذا قطعها الماغوط، أرض بكر لم يقتحم مجاهلها رائد من قبل بمعية يوسف الخال وأدونيس في مجلة "شعر" وفي مدينة التجريب والمغامرة بيروت التي دخلها سرا في الخمسينيات، ولكن الماغوط مهر قصائده بنضاله وإبائه ورفضه، وهكذا لم تعد المنابر هي الأماكن التي يتلو فيها قصائده ولا صالونات الكتاب التي يوقع فيها البيع بالإهداء بل المقاهي والأرصفة، هو إذا شاعر المقاهي كما هو شاعر الرصيف، الرصيف الذي صار له ديوان فخم في الشعر الحديث ومن الرصيف استمد لغته الشعرية، فحبك بين ألفاظها بعرق الأجير وكدح الفلاح وأنات المسجون وأحلام الشباب العربي المجهضة، قاموس شعري بسيط بساطة الإنسان المدافع عن عرضه ووطنه

والحالم كغيره من خلق الله بعالم أكثر عدالة ورحمة، المتشبث بأرضه، وبقدر بساطة ذلك القاموس حد المباشرة يمتلك كل صفات الشعر ومعاني الرفض والتمرد والإباء والسخط، وما شئت من ألفاظ الإباء وحقله الدلالي، لون كابي ونغم حزين تطالعك به دواوين الماغوط الكثيرة كـ "شرق عدن غرب الله" و"سياف الزهور" وغيرهما، فهو الشاعر الذي عزف مواويل الحزن والتمرد بين جنبات السجون (وقد دخل السجن أكثر من مرة)، وشبع في هذه الدنيا تسكعا على الأرصفة فهو بحق ملك الأرصفة وإمبراطور الصعاليك، ومن عرف سر صعلكته أحبها وشغف بها عشقا؛ إنها صعلكة نبيلة فيها كبرياء وعزة ونبل وطهارة وصدق مع النفس ومع العالم.

لم يتعلم الماغوط تعليما منتظما عاليا يبرر به ذلك الإبداع العظيم الذي خلفه، فقد ترك المدرسة صغيرا بسبب فقر والده، ولكنه بموهبته الشعرية وحسه الجمالي الكبير استمع إلى صوته الداخلي صوت الفطرة الذي فتح بصيرته على الحق والعدل والخير والجمال، فعزف أروع النوتات بين جنبات السجون وعلى أرصفة المقاهي، إنه تروبادور حزين متجول يحمل كنانته ويرمي بسهام من قارص اللفظ فتصيب المقاتل منا، إنه لاجئ في هذه الدنيا يبحث عن الحرية والخبز والنار والنور. هو ديوجين العربي الذي سكن برميلا وحمل شمعته في وضح النهار ورائعة الشمس يجول عبر الطرقات ويجوس خلال الديار سائلا أين الإنسان؟ أين العربي؟

المقهى كان منبر الشاعر والرصيف معلمه، وللمقاهي حكاية لا تنتهي فقد قال الكاتب الإيرلندي جورج مور قبله:

"إنني لم ألتحق بجامعة أكسفورد ولا بجامعة كمبردج ولكنني التحقت بمقهى أثينا الجديدة، فمن أراد أن يعرف شيئا عن حياتي ينبغي أن يعرف شيئا عن أكاديمية الفنون الرفيعة هذه لا تلك الأكاديمية الرسمية الغبية التي يقرأ عنها في الصحف".

وفي المقاهي العربية الحديثة كـ "الفيشاوي" في القاهرة و"الرصافي" في بغداد ومقهى "تحت السور" في تونس و"ستار باكس" في بيروت و"الهافانا" في دمشق تاريخ لا ينتهي من الإبداع والحميمية والتمرد كذلك، فقد كانت منابر مفضلة لكثير من المهمشين والرافضين على السواء مثلما كانت مقاهي الغرب كـ "فلور" و"لي دو ماجو" و"ليب" منبرا سياسيا وفنيا وثقافيا كما هي فضاء تقتسم فيه الحميمية والدفء والفرجة. لكن الماغوط جعل المقهي ديوانا فخما في الشعر العربي الحديث وفي نصوصه لا تنقطع حقوله الدلالية.

هل كان المقهى والرصيف إيذانا بأزمة الجامعة وفشل النخبة وتحول المثقف إلى لاهث وراء المغنم والشكليات كالألقاب والمناصب ونهاية مجتمع المعرفة وطلبة الموقف والإبداع إلى طلبة الشهادة والخبز والاجترار والأمية الثقافية – وهي غير الأمية الألفبائية؟ وفي تقديرنا إن ذلك يصح كثيرا فقد انتهى دور المثقف الصانع وحل محله المثقف المتفرج، انتهى دور المثقف المتن وتم طرده بقوة الطرد المركزي إلى الهامش وحل محله السياسي البهلوان ورجل الأعمال ولاعب كرة القدم ونجمة الإغراء ومغنية الملاهي والواعظ خمس نجوم مثل قصاص المساجد زمن عبدالملك بن مروان أو أبي جعفر المنصور!

واقع عربي محبط في كل ظواهره بدءا بالسياسة التي عرفت نكبة فلسطين والخذلان العربي وانتهاء بتقسيم السودان والحرب على العراق وبين نكبة ونكبة قمم عربية للخطابة وقمع سياسي ضد الشعوب العربية جعلت أوطانها أشبه بالمحتشدات في غياب الكرامة والحريات بله ولقمة الخبز في حين تملك تلك الأوطان كل مقومات الحياة الكريمة وتكالب غربي على تلك الشعوب وعلى أوطانها تحت مسميات قمع الإرهاب تارة والإصلاحات الاقتصادية تارة أخرى وجحافل من الشباب العربي الهارب إلى الضفة الأخرى أو الساكت على الضيم إيثارا للسلامة الفردية.

واقع ثقافي متسم بالشكلانية المفرطة تارة، والجري وراء المكاسب والمناصب في الحكومات وقصور الثقافة تارة أخرى، انتهت فيه الثقافة إلى سلم يرتقي به الموصوف بالمثقف إلى متزلف ناشد كرسي أو طالب غنيمة أو جائزة أو ميدالية أو تكريم أو ترقية جامعية أو مؤتمرا مدفوع الرسوم والتكاليف في هذه الأرض العربية اليباب وفي كل هذا التخلف وهذا الخراب كل هذه الظروف شحنت قريحة الشاعر بالشعر وملأت نفسه الرافضة الأبية إباء وشموخا على حساب صحته النفسية والبدنية وحريته الشخصية فمن السجن إلى الرصيف والمقهى، ومن هذه الأمكنة التي جعلها ديوانا فخما حديثا في الشعر العربي وصل شعر الماغوط إلى كل زاوية عربية يلقى آيات القبول والرضا من لدن كل القراء، لأنه شاعر الموقف، شاعر الصراحة.

اقرأ وهو يقول عن نفسه وعن الوطن، هذا مطارد من قبل البوليس وذاك من قبل الطامعين من الغزاة:

ولن أنام بعد الآن
في مكان واحد مرتين متتاليتين
وكالطغاة أو الأنبياء المستهدفين
سأضع شبيها لي
في أماكن متعددة في وقت واحد
لا لتضليل الوشاة والمخبرين فلقد صاروا آخر اهتماماتنا
ولكن لتضليل القدر
وإني بهذه المناسبة
أنصح هذا الوطن الخرف العجوز
أن يقوم بنفس الشيء
ولا ينام في خارطته مرتين متواليتين.

وماذا يتبقى من الأوطان بعد أن بيع كل شيء تحت مسمى الخصخصة والشراكة مع الأجانب وفلول الإقطاع والفساد وأمجاد التاريخ الغابر:
كل ما حولنا يتصدع ويتداعى
أين الأنقاض
هل باعوها سلفا؟

ربما كان التمرد العربي ومقاومة الاستعمار والبغي هو الصفحة الناصعة في تاريخنا العربي المملوء بالانكسارات والخيبات والخيانات كذلك ولكن حتى الشهداء لم يسلموا من الضيم ومن الخذلان ومن التحريف ومن انتحال مجهودهم والتلاعب بدمائهم الزكية:
الشهداء يتساقطون على جانبي الطرق
لأن الطغاة يسيرون وسطها

وللحرية حضور الأسد في دواوين الماغوط فهو شاعر الحرية كما هو شاعر الرفض والسخط والكابية والحزن ومن خطب الحسناء لم يغله المهر كما قال شاعرنا القديم. الحرية التي مارسها في الإبداع فتمرد على عمود الشعر ثم على شعر التفعيلة وتمرد على فخامة اللفظ ونصاعة الصور الشعرية واختار جمهورا من الناس هم العامة أولا، فقد عهدنا الشعراء يتوجهون إلى خاصتهم تارة بالمدائح وتارة أخرى بالغزل الذي أوجعوا به رؤوسنا، أما هو فيوميات العربي وألفاظه: السجن، الخبز، التحقيق، البوليس، الحب، الله، الرصيف، القهوة، الكرسي، الخريطة، الخوف، الجوع، العري، الاستغلال........:

كلما أمطرت الحرية في العالم
سارع كل نظام عربي إلى رفع المظلة فوق شعبه خوفا عليه من الزكام.

لقد فك الماغوط شيفرة العلاقة بين الشاعر والحاكم – وقد فعل كثيرا ذلك ابن بلده نزار خير مثال - فلم تعد العلاقة دلالا وغنجا في حضرة الحاكم لقد عهدنا الشاعر القديم يقوم بالتدليك بأشعاره لجلدة الحاكم، ولعل هذا ما جعل نقاد التاريخ العربي من مستشرقين يقولون بتفاهة كثير من الشعر العربي لأنه لا يخرج عن مدائح لم يفعلها ديوان شعر أمة من الأمم فاسمع جريرا يقول لآل مروان:

يا آل مروان إن الله فضلكم فضلا ** عظيما على من دينه البدع
وانتهاء بابن هانئ (متنبي الغرب) الذي بذهم جميعا في السفاهة والتفاهة فقال مخاطبا المعز لدين الله الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار** فاحكم فأنت الواحد القهار
فكأنما أنت النبي محمد ** وكأنما أنصارك الأنصار

علاقة أساسها التدليك والنفاق من قبل الشاعر والتكبر من قبل الحاكم والطغيان وبذل أموال بيت مال المسلمين لهؤلاء المرائين ولهذا تغيب الجماهير في الشعر العربي، يغيب الكادحون والفقراء ويحضر الملوك واللصوص والأغنياء والجواري والراقصات، وهي ظاهرة تصم كثير ا من الأشعار العربية وإن عجبت فاعجب لمن يتشدق بحفظها والإشادة بفخامة ألفاظها وروعة صورها بل ويؤلف فيها الكتب والرسائل الجامعية، وهي بذاءات وهراء ساهم في تخلفنا الحضاري ولعله مرض الشعر وقد حلل الراحل علي الوردي هذا المرض في كتابه البديع "أسطورة الأدب الرفيع" كما تناول أمراض الشعر الكاتب والناقد عبدالله الغذامي في تحليله الرائع للأنساق الثقافية وبعض المنجز الشعري أو النثري العربي يصدق عليهما قول الشاعر القديم:

تلك المكارم لا قعبان من لبن** شيبا بماء فعاد بعد أبـوالا
وقد روي أن الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز كان يحب أن يتمثل بهذا البيت فهل كانت ذائقته الشعرية استثناء كما كان حكمه كذلك استثناء بعد الخلفاء الراشدين؟ ولم يسمح للشعراء المتملقين بالدخول عليه.

فالعلاقة بين الماغوط الشاعر والحاكم العربي أيا كان علاقة يحكمها التوتر والتمرد والسخط، ولو على حساب اللقمة والحرية مضحيا بكل الامتيازات التي يجلبها الولاء، ها هو يخاطب ابنتيه شام وسلافة:

معظم المبدعين والثوار العظام
يحملون أطفالهم مسؤولية التنازلات المتوالية
أمام الرغيف
والحذاء وقسط المدرسة
والدروس الخصوصية
وثياب العيد
وحبكما علمني تحمل الجوع والعطش والألم
تحت الشمس والمطر والثلج والمشانق
والصمود أمام المقابر الجماعية ودبابات الطغاة

نكهة السخرية مع اللون الكابي ونيران السخط وألفاظ التمرد هي ما يعطي لشعر الماغوط السياسي سحره وألقه وجاذبيته واندغام القارئ في ثنايا نصوصه إنه يجد نفسه الموؤدة وروحه المغتصبة وحقوقه المهضومة وحريته المغيبة. اقرأ سخريته من الأداء الحكومي العربي:
وشكلت حكومة ظل وطوارئ ورشحت لها
كل أنواع الورود في العالم لوزارة الشباب
والقمر لوزارة الكهرباء
والمطر لوزارة الري
والسنونو لوزارة المواصلات
ونسرا لوزارة الخارجية
وببغاء لوزارة الإعلام
والرياح لوزارة التخطيط
وسكيرا لوزارة التربية والتعليم
وغجريا لوزارة الإسكان
وأبو النواس لوزارة الأديان
وأبو السياف للسياحة
والحجاج لوزارة العدل
وطفلا لوزارة الأعياد والأراجيح والحلوى
وأبو هريرة أمينا عاما للحزب الحاكم ولمجلس الوزراء

ولاتحاد الكتاب والمعلمين والمهندسين والعمال والفلاحين ولأي اتحاد أو نقابة أو مؤسسة فيها سر من الأسرار.

لكن الماغوط الرافض الذي لا يساوم على موقفه اضطرته الأقدار إلى العمل الصحفي في دولة نفطية وهو الشاعر الذي قال مرة: "قبر مفتوح على البحر ولا قصر في الصحراء" إمعانا في نقد ثقافة النفط والسطحية اضطر إلى قبول العرض فلما روجع في ذلك كيف يقبل هذا المنصب قال ساخرا: "الفم يساري والمعدة يمينية" وعاد لانتقاد جائزة نفطية سخية القيمة كان قد نالها. إن هذا لا يشي بسلوك الشاعر ولا مواقفه التي لا يساوم عليها ولكن يكشف فاجعة الملتزم والنزيه والمسئول عن شعره ومواقفه كيف يغدو مسمارا تطرقه مطارق الحاجة والعوز في وطننا العربي.

وتعد فاجعة رحيل زوجته سنية صالح 1935-1985 فاجعة إنسانية وشعرية بامتياز، فالشاعر المحب لزوجته أم بنتيه شام وسلافة والمقدر لعاطفة الحب والوفاء الزوجي سيظل جريحا كالصقر فقد سقط جدار كان يِلوذ به في صحراء الحياة وترك في وجدانه لهيبا
وسيظل يندبه لآخر رمق، هل اتفق القدر على الشاعر؟:

آه يا حبيبتي
الآن يكتمل جنوني كالبدر
كل أسلحتي عفا عليها الزمن
كل صحبي تفرقت
وحججي فندت
وطرقي استنفذت
ومقاهي تهدمت
وأحلامي تحطمت

وقصيدته في رثاء زوجته الشاعرة سنية صالح "سياف الزهور" من أجود المراثي في الشعر الحديث لا نحس فيها إلا بلهيب الحب وزفرة الأسى وأشواك الطريق، كما تتشمم بحاستك الشعرية والإنسانية مشاعر الوفاء والاعتراف والولاء للزوجة الحبيبة.
وفي علاقة الشاعر بالمرأة علاقة أساسها الاحترام والمحبة والوفاء والموقف والروحانيات الأكثر جاذبية وإغراء في المرأة والتي تعين بصبرها وإخلاصها وفكرها ومواقفها على السير بصمود في صحراء الحياة على العكس تماما من نزار الذي كرس مرضا ثقافيا في غزله لا يفتن إلا المرضى والمقموعين جنسيا ومن يعانون من داء الغلمة "إنه نسق الفحولة" كما يسميه الناقد السعودي عبدالله الغذامي شاعر دون جوان يتباهى بفتوحاته في أجساد النساء وقد أنتج هذا الركام من القصائد فشكل صالونا نسويا في شعره قراؤه نساء وطقوسه الغنج، والتفاهة، والسطحية والشبق والميوعة وفحيح الشهوة
اقرا إحدى إنجازاته الشعرية:
لم يبق نهد أسـود أو أبيض
إلا زرعت بأرضه رايــاتي
فصلت من جلد النساء عباءة
وبنيت أهراما من الحلمـات
يا سلام على إنجازات الشاعر وفتوحه ماذا نفعل نحن - العرب المقموعين والجوعى - بهذه الحلمات وفيم تفيد أمتنا؟ ومع احترامي لقامة نزار الشعرية ومواقفه الشامخة فهذا الكلام ابتذال وسخف وسطحية ورداءة.

وهذا ماجعل الشاعر السعودي غازي القصيبي يقول إن نزار انتهى منذ زمن، وظل يكرر نفسه على طريقة رامبو 1 ورامبو 2 ورامبو3 وليس في هذا غض من قيمة الشاعر، فنزار قامة شعرية وقصيدته في رثاء زوجته بلقيس من عيون شعر المراثي في الأدب الحديث وقصائده السياسية ومواقفه إكليل غار على جبينه ولكن لا داعي للتعمية والمبالغات لأهداف تجارية أو مشبوهة من قبل بعض الجمعيات النسوية أو الحركات الثقافية أو الاجتماعية التي لا تعرف الكوع من البوع.

إبراهيم مشارة








كارلوس زافون، التربادور الإسباني الذي روض ثيران توحش الإنسان وشروره بإحياء مجد الكتب في عصر الهواتف الذكية وسطوة التكنولوجيا برائعته الخالدة "مقبرة الكتب المنسية". هو من مواليد برشلونة سنة 1964، درس تكنولوجيا المعلومات غير أن شغفه الكبير كان السينما وقد كتب الكثير من سيناريوهات الأفلام، غير أنه اشتهر كروائي وبدايته الفعلية كانت مع أدب الناشئة وروايته الأولي "أمير الضباب" سنة 1993 والتي مكنته من الفوز بجائزة : Edébe المخصصة لأدب الناشئة، تلتها "قصر منتصف الليل" سنة 1994،

"أضواء من سبتمبر" سنة 1995 "مارينا" سنة 1999 وفي بداية الألفية الثانية وبالضبط سنة 2001 صدر "ظل الريح" وهي أول الأجزاء من سلسلة "مقبرة الكتب المنسية" والتي ترجمت إلى أكثر من أربعين لغة، وبيعت منها ملايين النسخ في أنحاء العالم، ففي المملكة المتحدة وحدها بيعت مليون نسخة ثم تلتها الأجزاء الأخري "لعبة الملاك، سجين السماء، ومتاهة الأرواح". توفي في التاسع عشر من يونيو/حزيران الماضي بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وتركت وفاته المفاجئة معالم الأسي والذهول عند كثير من محيبه في العالم وقرائه. الموت كان سابقاً ولم يمنحه الوقت الكافي ليتحف عشاقه بروائع تفوق هذه الرباعية.
السر الدفين

"ظل الريح" روايةْ ثقيلة من حيث عدد الصفحات التي تتجاوز الخمسة مئة وأيضا من حيث الحمولة المعرفية، ذات بنية ملغزة أو كما وصفها مقال لوفيڤارو الفرنسية "بأنها مُغوية كما دمية الماتريوشكا الروسية التي كلما فتحت وجد المزيد من الدمي المتشابهة، توقد لهيب الشغف بدواخل كل من تقع بين يديه وتجعله يدمنها ويسارع في قراءتها.

من الصفحات الأولي يلقي زافون ببراعة متناهية صنارة وهذا بزيارة الفتي "دانيال" ووالده السيد "سيمبيري" وهو صاحب مكتبة في إحدى الأحياء البرشلونية لمكان يسمي "مقبرة الكتب المنسية" والتي تقع في أقاصي مدينة برشلونة. استقبلهم حارسها "إسحاق" وهي مساحة شاسعة تحوي عدداٌ هائلاُ من الكتب التي انتهت طبعاتها أو تلك المهملة والناجية من الحروب والحوادث، قد يبدو المكان خالياً من أي اثر بشري لكن مع التوغل فيها يظهر عدد من باعة الكتب والمكتبيين وهم القيمون أو الأمناء علي الكتب كما يشرح السيد "سيمبيري" لابنه.

وبعد جولة تأملية لطفل في رحاب المكان طلب منه والده ان يختار كتابا يقرؤه بحب مع الاعتناء به والمحافظة عليه شرط أن لا يفشي السر لأي كان: "هذا المكان سرْ يا دانيال، إنه معبد، حرم خفي. كل كتاب، كل مجلد، تعيش فيه روحْ. روح من ألفه وأرواح من قرؤوه، وأرواح من عاشوا وحلموا بفضله، وفي كل مرة يغيرُ الكتاب صاحبه او تستحوذ نظرات جديدة صفحاته، تستحوذ الروح على قوة إضافية. (الصفحة 16).

إثر عودته من المقبرة سهر "دانيال" مع صديقه الجديد الذي اختاره أن يكون رفيق دربه، وكان عنوانه "ظل الريح" لكاتب يدعي خوليان كاركاس. لم يكتف الفتي بقراءة الكتاب بنهم وإنما راح يسأل عن صاحبه وحيثيات تواجد الكتاب بالمقبرة، رغم أن الكاتب يبدو في ريعان الشباب، وكانت البداية من السيد "غوستابو برسلو" أكبر مكتبي في برشلونة والذي عرض عليه أن يبيعه الكتاب

لكن دانيال رفض رفضا قاطعا، وليضيء له عوالم خوليان كاركاس عرفه بقريبته "كلارا" التي تعتبر من قراء كاركاس الأوفياء، والذي صادفتها روايته حين كانت تلميذة في فرنسا بفضل أستاذها الذي كان السبب في اكتشافها لهذا الكاتب الإسباني المغمور ابن بائع القبعات السيد "فورتوني نتور" والسيدة صوفي معلمة البيانو."خوليان الذي كانت بداياته من باريس كعازف بيانو في مبغى ليلاُ، وكاتب في النهار، اختفي ليلة زفافه بعد منازلة بالسيوف مع غريم له وعاد إلى برشلونة حيث قتل

وشاع أن أغلب كتبه اختفت من المكتبات ودور النشر لأسباب مجهولة، لكن معلومات "كلارا برسلو" لم تروِ شغفه بصاحب هذه الرواية الاستثناء إللا حين ظهور السيد "فرمين" في هيئة متسول بسبب مطاردات البوليس له والذي استقبلته عائلة "سيمبيري" وصار فردًا منها وصديق "دانيال" الحميم الذي سوف يشق معه طريق البحث عن كل تفصيل يخص "خوليان كاركاس".

يتحولان إلى مخبرين، فيدخلان متاهات متشابكة ويقتحمان حيوات أشخاص غادروا الحياة باستدعاء آخرين كانوا شهودا عليهم مع مطاردات رجل الأمن "فوميرو خافيير" الذي لم يدعهم بسلام فأراهم الويلات والأهوال. "فوميرو" الذي تبين في النهاية أنه كان زميل "كاركاس" في طفولته والمددج عليه بالأحقاد لأنه سرق منه الفتاة التي أحبها "بينولب" فعمل المستحيل لكي يدمر "خوليان كاكاس" ويمحوه من الوجود: "شعرت أنني مطوق بملايين الصفحات وآلاف الأرواح، والأكوان الهائمة تتساقط في لجة هاوية سحيقة لا قرار لها، بينما يسهو الجنس البشري في الخارج مغرورا بحكمته وهو يتأرجح علي شفا حفرة بين النسيان والعدم". (الصفحة90).


لا أدري لماذا شدتني هذه الرواية الطويلة جداٌ في عصر تعودنا علي السريع والنذر القليل من الصفحات، ربما لأنني منذ الصفحة الأولي وقعت أسيرة الدهشة حيال المكان الساحر والذي أعادني إلى كتب التراث القديم وقصص "ألف ليلة وليلة" أو ربما لأن الشخصيات جميعها بدت لي حقيقية ورسخت في ذاكرتي دون اللجوء إلى رؤوس أقلام على دفتري كما أفعل مع جميع الكتب التي تقع بين يدي.

"ظل الريح" تجعل من قارئها فارسا مقداماُ متسلحا بشغفه وبلهيب الرغبة في معرفة المزيد وأدق التفاصيل. ومقبرة الكتب سر كل الحكايات، المستأمنة على تاريخ مدينة والحامية لوجودها من الاندثار والنسيان في هذه الحقبة المتوحشة التي تُمحي فيها كل معالم الأصالة والفكر والمعرفة، لذا لا أستغرب عندما سمعت عن تلك الطوابير الطويلة في إيطاليا ذات عام وهي تنتظر دورها لاقتناء هذه الرواية التي أسقطت ادعاء الأصوات النشاز أن عصر الرواية انتهي وما يكتب الآن ليس إلا صنوفا من التفاهة والعبث.


أعتقد أن الخسارة الكبيرة ليست برحيلنا نحن البشر العاديين عن هذه الحياة البائسة والتي تزداد بؤسا وإنما الخسارات الفادحة أن يغادرنا من يعملون علي زرع بذور الجمال والشغف بداخلنا ككارلوس زافون الذي رحل باكراُ وأخمد جذوة انتظارنا لروائع تفوق جمال "مقبرة الكتب" التي أحيت مجد برشلونة وخلدته بجميع أمكنتها (مكتبات، قصوراُ وكنائس، شوارع) إنها مسح طوبوغرافي فني لمعمار برشلونة المدينة الضاربة جذورها في التاريخ والتي يتعامي العالم عن سحرها وقيمتها وحصره في مجرد فريق كرة قدم.

اسماء جزار









على الرغم من أن الغسالة موجودة منذ أكثر من قرنين، إذ يرجع تاريخ اختراعها إلى عام1767 على يد العالم الألماني يعقوب كريستيان شافر، إلا أنه لا يزال هناك نحو خمسة مليارات شخص في العالم حتى الآن، يسخنون مياهًا من أجل غسل ملابسهم يدويًا.

ورغم أن كثيرين قد يرون الغسالة مجرد آلة لغسل الملابس، إلا أن هانز روزلينج أستاذ الصحة العالمية في معهد كارولينسكا السويدي يرى أن الغسالة تعزز التعليم.

وحتى يثبت وجهة نظره قسم روزلينج سكان العالم إلى فئتين؛ إذ يعيش مليارا شخص في العالم تحت خط الفقر، وينفقون أقل من دولارين يوميًا، بينما يعيش أغنى مليار شخص في العالم فوق ما يسميه روزلينج "الخط الجوي"، وأطلق روزلينج هذا الاسم عليهم لأن هؤلاء الأشخاص يكسبون ما يكفي للسفر بالطائرة، وتنفق هذه المجموعة أكثر من 80 دولارًا في اليوم.

وفي حين يبلغ عدد سكان العالم سبعة مليارات شخص، فهناك أربعة مليارات شخص يعيشون في مكان ما بين أكثر الناس فقرًا وأكثرهم ثراءً، ومن بين سكان العالم كله هناك مليارا شخص فقط يستخدمون الغسالات في غسل ملابسهم، بينما يغسل الخمسة مليارات شخص المتبقون ملابسهم يدويًا.

ويعد غسل الملابس يدويًا أمرًا شاقًا للغاية، وهو أمر يتطلب القيام به ساعات من العمل أسبوعيًا، مما يعني أن الفقراء يستهلكون أوقاتًا طويلة في غسل الثياب مقارنةً بالأثرياء.

الفروق الاقتصادية واستهلاك الطاقة



- قسّم روزلينج استهلاك الطاقة في العالم وفقًا للفروقات الاقتصادية، وأشار إلى أنه لو أن العالم كله يستهلك 12 وحدة طاقة من الوقود الإحفوري مثل النفط والغاز والفحم، فإن أغنى مليار شخص في العالم يستخدمون ست وحدات من الـ 12 وحدة، يعني ذلك أن سبع سكان العالم يستهلكون نصف طاقة العالم، بينما يستهلك أكثر ملياري شخص فقرًا في العالم وحدتين فقط.

- يعتقد روزلينج ويأمل أن يستمر التصنيع في تغيير العالم، ويتمنى أن يمتلك الأشخاص الذين لديهم كهرباء الآن غسالات في المستقبل، ومع النمو السكاني سوف يتضاعف حجم المجموعة الأشد فقرًا.

- يأمل روزلينج أن تنتقل هذه المجموعة إلى الفئة التي تمتلك كهرباء، وألا يبقى أحد يعيش بأقل من دولارين في اليوم بحلول عام 2050، كما يتمنى أيضًا أن يصاحب هذه التغييرات زيادة في استهلاك الطاقة بمقدار 10 وحدات طاقة من الوقود الإحفوري، ليصل إجمالي الطاقة المستهلكة إلى 22 وحدة طاقة في 2050.

- يرى روزلينج أن النموذج الجديد الذي يأمل أن يتحقق في 2050 سيقلل من حصة الأثرياء في الطاقة، إذ يتوقع أن يستهلك أغنى ملياري شخص في العالم أكثر من نصف الطاقة العالمية.

- يدلل روزلينج على رأيه بأن الغسالات تعزز التعليم، قائلاً إن والدته منذ أن أصبحت تمتلك غسالة، ولم تعد تغسل ملابس العائلة يدويًا، أصبح لديها وقت للذهاب إلى المكتبة، ولقراءة الكتب لروزلينج، ولاستعارة كتب لنفسها، كما تمكنت من تعلم اللغة الإنجليزية.







ألق التواريخ وفسحة الزمان والمكان. المكان مكانة وللذاكرة تجوال آخر في ضروب من الحنين وحميمية العناصر والتفاصيل المكان هنا شرفة للقلب على المدينة. تصعد إلى الأعلى في الطابق الأخير فتطل على الأكوان. هي المدينة العتيقة لتونس. تقف عند هذا الهيجان الجمالي المحتشد في هذا الحيز من النظر. ما بناه الأسلاف وما أبدعوه وفق معمار الروح حيث الجمال سيد اللحظة. المدينة بكامل بهائها النادر.
مقهى السوق "قهوة الخطاب على الباب". نهج سوق اللفة المدينة العتيقة لتونس مكان بديكور تونسي قديم فيه تزويق وتخريجات فنية لتعلو الموسيقى بعزف لفنانين على إيقاع الأصيل الكامن فينا من الأغاني والألحان التونسية والتراثية.
"الخطاب على الباب" مسلسل تونسي عرض لأول مرة في رمضان عام 1996 في موسمه الأول، وتواصل الموسم الثاني في رمضان عام 1997 على قناة تونس 7 وهو من إخراج صلاح الدين الصيد، وإنتاج التلفزة التونسية .يتألف المسلسل من 30 حلقة، أي 15 حلقة في كل جزء، وهو يروي أجواء الأحياء العتيقة بالعاصمة (الحومة العربي) خاصة في شهر رمضان المعظم، مما يدخل الفكاهة سوى من الشيخ تحيفة وسطيش، أو من عبودة وتصرفاته المضحكة عند صليح النجار أو في المقهى مع أولاد الحي عندما يحين موعد الإفطار ليحلو السهر في "قهوة السوق". كما يروي المسلسل قصة حب بين فاطمة بنت الشاذلي التمار، والطالب أحمد المقيم بتونس، وهذا مع طرح عدة قضايا أخرى.
أتذكر الآن هذا وأنا أعود لجولة صباحية صحبة الشعراء الأصدقاء بالمدينة العتيقة السورية بدمشق. فجأة باغتنا جمال "مقهى ع البال الثقافي". دخلنا المكان وكان صوت فيروز منبعثا وفق أغنية شهيرة لها هي "ع البال" التي صارت عنوانا واسما وشعارا للفضاء. أقف أمام نصوص ومقالات في الجدار هي لفنانين وشعراء مروا منه لاحتساء قهوة أو لفسحة مع "الأرقيلة (النارجيلة)". نصوص عن المكان للشاعرين أدونيس وشوقي بغدادي وغيرهما. أتذكر كل هذا المناخ الشرقي الناعم وأنا أتأمل شيئا من حكايات الفضاء الأنيق "مقهى السوق... قهوة الخطاب ع الباب". جمال الديكور والأثاث وانسيابية الحكاية مع أنفاس الرجل الفنان الإنسان المثقف صاحب الفضاء عادل المنوشي وهو يأخذنا إلى سنوات عديدة مرت ليتحول الإنجاز إلى مشروع لا ينتهي الحلم الثقافي فيه بعد أن كان فكرة وكلاما.
السيد عادل المنوشي ابن جربة الأصيل يبعث هذا المعلم الذي أخذ اسم المسلسل الشهير "الخطاب ع الباب" الذي ظل في عمق ذاكرة الدراما التلفزية التونسية لأسباب جمالية فنية وصدق عميق في الحكاية بين الراحل المخرج الباذخ صلاح الدين الصيد والشاعر الأمهر علي اللواتي الرجل الموهوب متعدد الألوان الثقافية بين الشعر والنقد والفن التشكيلي والتاريخ وأحوال تونس قديما وحديثا.

الفضاء في قلب المدينة العتيقة وشهد أنشطة متعددة بين الثقافة والفنون ويسعى لدعمها بالفضاء العلوي المعد للمحاضرات واللقاءات الشعرية والأدبية والفنية. "قهوة الخطاب ع الباب" مجال للإمتاع والمؤانسة بعطور البن وجلال الشاي وعشبة النعناع وبهاء الجلوس والمياه العذبة. ومرة أخرى تحتفي المدينة العتيقة في بهائها النادر بالضيف والزائر للمكان وهو في هيئة من الجمال المفعم بحميمية العناصر والاشياء.
"عشبة النعناع
فاجأها المساء في فنجان شاي...
ودعتني إلى
عرشها...
وردة..."
كانت المدينة بأزقتها وحوانيتها وصخب أطفالها وأقواسها وأبوابها المزركشة في حالة من الوجد. عروض شتى، فنون وإبداع ...الراحة، ضيوف من جهات مختلفة جاءوا فرادى وجماعات يبحثون والملاذ هنا. بعيدا عن صخب العواصم والحياة اليومية في سياق اختلاط الأنماط والأنواع والأعمال للعروض والمسارح والأمكنة التي تعودها الناس للفعل الثقافي والفني هناك فضاءات أخرى. مجاورة منها دار لصرم. الطاهر الحداد. السليمانية. العاشورية. قصر خيرالدين وحدائقه. وبيت الشعر ونعني دار الجزيري قديما تحديدا.
هناك مجال ثقافي للاطلاع على التجارب الثقافية والتاريخية والإبداعية وفق برنامج قادم يحرص عليه عادل المنوشي ومنه إطلالات على تاريخ المدينة الفني والثقافي وبعنوان "العلييان.. اللواتي والزنايدي.. وحكايات أخرى عن المدينة" وذلك إلى جانب الفنون والآداب. أنشطة سابقة انتظمت منها ليلة العيد في "سهرة العيد وختام ليالي رمضان مع الفنان والعزف صلاح سلطان ونخبة من الفنانين.
فضاء "الخطاب ع الباب" جولة تونسية بنبرة صوت الطفل الحالم عادل المنوشي الذي يحرص على تحويل المكان إلى مركز ثقافي فيه تجوال حارق بين الفنون بإيقاع جمالي وبرائحة البن لتشهد "المدينة العربي" بتونس امتدادها الآخر عند الشباب المتطلع للاعتزاز بحيز من تراثه وأصالته وجمال الذاكرة التونسية العريقة.

شمس الدين العوني







لسنا في حاجة لكبير العناء لنعي حاجتنا للسياسة ليس فقط لكونها اضطرارا لحياة المجتمعات الحديثة بل لأننا عاجزون على حل مشاكلنا خارجها، أي نحن مشروطون بها شاء من شاء وأبى من أبى، لا يبدو غريبا بالمرة إجراء الحوارات السياسية في كل فضاء من فضاءات العامة بل وحتى الخاصة منها، سواء كان البيت، المقهى، الطكسي، المدرسة، الجامعة، السجن ....إلخ.

بما أن الجميع شاهد على ما يجري في المسارح السياسي، فلا عجب أن الكل بلغة الكل يحاول لملمة شتات السياسة، ذلك الحل الذي لم تجهر به قيادة ما. أمل رمزي يحيل على إرث سياسي مشترك، يحيل ذلك بالكاد على الوصفة السحرية التي تسمح بممارسة السياسة بشكل صحي، بعيدا عن براتين القمع أو الترفيه في سؤال عريض يطرح بشكل ظاهرتي في كل مرة: "إلى أي محدد حقا يعزى وجود السياسة؟"، وهل ما يبدو سياسة هو سياسة بالفعل أم يكتفي باغتصاب الشبهة معها؟

تتخذ السياسة أكثر من شكل، تخلفت فيه عند كل لبوس عن سابقيه، فتارة تكون فنا للحكم تيمنا بالتقليد الأرسطي أي حكم المدينة polic ، وتارة أخرى تنزوي تحت لواء الأنشطة الجمعية المنفصلة عن الإهتمامات الفردية، كما عزز ذلك الطرح الأفلاطوني حين أقصى النساء والعبيد والأطفال من السياسة مكتفيا بالحكيم فقط، بينما في كثير من الأحيان تختص بفك النزاعات وفق التراضي الذي يحكم به القانون "نمودج الدولة الوضعية".


في الآونة الأخيرة انتقل مفهوم السياسة نحو الإقتصاد "نمودج الدولة الإنمائية"، بين هذا وذاك توضح بجلي العبارات معظم الإرتباطأت التي تصك السياسة كطابع إنساني محض، أليس الإنسان حيوانا سياسيا! بالتالي ليس غريبا أن يمتزج مع أكثر من انشغال مجتمعي،

غير أن السياسة لدى حنة آرندت اتخدت منحى مغايرا للمألوف إذ تبرر وجود السياسة بالحرية، فنحن نبحث عن الحرية / الذات لذلك نحن سياسيون، طموح يشد أوزار الإنسانية نحو التعدد والإختلاف لا التطابق أو التماثل "نمودج الدولة الشمولية"، لكن هذا الطرح غاب لوقت طويل لسببين جوهريين كان أولهما هو لحظة اختفاء السياسة من الفلسفة بعد موت سقراط من خلال التقليد الأفلاطوني الذي كاد أن يقصي السياسة من الفلسفة من خلال إدراجها في علاقة جادة مع الموت: "أن نتفلسف يعني أن نتعلم كيف نموت"، فصار الخلود هو الشغل الشاغل في حقل التفكير، سؤال ما البعديات وتأملات الميتافيزيقا حلما بالمدينة الفاضلة أو مدينة الله مع طوما الأكويني جعل ممارسة السياسة ضربا من الأحكام القيمية الفضفاضة سياسيا "نمودج الدولة المثال".

أما اللحظة الثانية فكانت في العصر الحديث حين تركت الأحداث والحراكات السياسية مكانها شاغرا للتاريخ دونما سواه، حين صارت الأحداث والإحتجاجات السياسة يبتلعها الزمن في اختزالها كمجرد ذكرى جمعية، أو محاولة فاشلة لقلب النظام العام يختتم بنصر عادل، تؤوول على إثر ذلك ردات الفعل السياسية من فعل ذي ختم إنساني إلى مجرد حدث عادي جدا يصلح للإحتفال أو الرثاء، بغض النظر عن الحطب الفكري الذي أشعل فتيله في لحظة صمت. وفقا لهذا التصور تقودنا حنة آرندت نحو التشوه الذي أصاب السياسة، فتقول: "إن معنى السياسة هو الحرية ".

الحرية لا تتقيد بمعطى واحد فقط، بقدر ما تنفتح على جملة من الحتميات التي أفرزتها المجتمعات المعاصرة، فبعد أن كانت الحرية رهينة بجدلية الحرب والسلم، أي خاصة بالملك وبحظوته، صارت فيما بعد القدرة المطلقة للسيطرة على الذات تحت لواء التشريعات والقوانين المعمول بها في كل بلد على حدة، فما هو مشرعن في الغرب في كثير من الأحيان لا يجد أي تبرير له في الشرق وهكذا دواليك، مما يجعل المكان الطبيعي للحرية هو السياسة في إمكانية لقوننة المختلف عنه بالأمس، لجعله مبررا وصالحا للنهج اليوم، غير أن التشوه الذي أثر على الحرية كان هو التخلص من حرية الإختيار السياسي لصالح تكديس رؤوس الأموال من جرد حكومات قادرة على حراسة الملكية الخاصة فقط، فغدت السياسة بالنسبة للبرجوازيين مشاركة مجتمعية ليس بغاية المنفعة أو العدالة بل تحديا للخصوم المتوسمين بملكية أكبر، وحتى بالنسبة للثوار / اللامتسرولين (لقب أطلق على الثوار الفرنسيين)، سرعان ما تجاوزو منجزات الثورة بعدما مارسوا السياسة بدافع تحسين الأوضاع الإجتماعية لا غير، متخلين بذلك عن الحرية تحت ضغط الحاجة، ما جعل منها كنزا مفقودا داخل صفوف الثوار.

يقول روربيرس بيير: "سوف نعلك لأنا لم نجد في تاريخ البشرية، الفترة التي نؤسس فيها للحرية" فالحرية هي محرك الثورات، العنف المؤسس في حد ذاته ما هو إلا نتاج لحرب أو لحركة ثورية حتى القانون أو الإكراه المشروع حسب ماكس فييبر ما هو إلا وليد إسقاط عمودي لقيم ضابطة بعد الفوضى أو اللانظام؛ إن العلاقة بين الحرية والسياسة علاقة تأثير وتأثر / فعل وتفعيل / تفكير ثم إحداث حدث، إنتاجية لا تنقطع على تكوين فاعل / مسؤول ومفعول به تحت رحمة المحدث الأول تم مفعول لأجله تصب في مصلحته كل الثمار المجنية، فالحرية هي التي توجد السياسة بالتالي كلاهما مرآة للآخر، فالفعل السياسي نتاج تحرر من قيد ما بهذا الشكل تكون السياسة مجال تجريب حي للحرية وليس مجرد تشابك علائقي وصفي فقط، ذلك لما يقتضيه الآداء / الفعل السياسي من شجاعة وبراعة في الميدان العام الممظهر للحرية دونما سواه .

فالشجاعة تحتاج لفكر متحرر من الذات يعنى بالجماعة، وبالتفكير بدلا عن الجميع: العاطل، الجامعي، المهمش، الغني، الفقير ...إلخ، تحت تسمية المصلحة العامة التي يعنى بها الفاعل السياسي، أما بالنسبة للبراعة فهي حنكة تستوجب فصل حرية الإرادة عن الحرية السياسية، فإن كان كانت الأولى منطوقة النحن بصورة قبلية كما هو الحال بالنسبة للإجماع عن مسار ديمقراطي ما أو أسلوب اقتراع ما بمعنى أوضح إرث الجد السياسي، فالثانية نتاج بعدي للحظة التفكير في شكل فعل action أي ما ينتج بعد التفاوض كما هو حال للتشريع والإتفاقيات،

فمن دون شك فإن استبعاد الحرية عن الإرادة الجمعية هو خروج من التقليد الفلسفي اليوناني القديم الذي يعيق حركتها في كل دوران لعجلة الجسد السياسي، لحدود اعتبار حرية الإرادة مفهوما لا سياسيا يتكئ على ما كان في السابق واقعا مستبعدين في ذلك المقومات المجتمعية الجديد التي يفرضها الحاضر، بل حتى مسألة الحكم والتحكم هي ليست بذرة للإرادة الجمعية بقدر ما هي كفاءة تقف عن القوة أو الضعف؛ تلك الحرفة التي تبلورها المدرسة ويحييها القانون ويحترمها الجمع المواطن تقديسا لمفهوم الوطن الذي يحتوي تعدد التعدد. إن الصراع بين الحرية والإرادة هو بالكاد ذلك الصراع الداخلي بين ما أريد وما أفعل بحيث لا ينفك إلا أن يختفي ذلك الخصام لحظة الحرية أي الفعل .

من بين أولى ثمار سوء فهم الحرية كان التنازل عنها لصالح السيادة من دون هذا أو ذاك، تلك الإستجابة لضغط الجماعة أوردت الإرادة العامة كقرص يذوب كل أنا في حدق الشعب المتفق على اختيار وحيد لا يقبل الإختلاف حوله، لدرجة صارت فيها المجتمعات السياسية تجميع ذرات atomes des حسب تعبير كارل روزنكراتس، إن الضغط الذي تقوم به آلة النحن / إننا هو تعبير على شلة سياسة اكتسحت المسرح السياسي ليس إلا، في سبيل تجديد تاريخ التوارث حفاظا على الوضع السائد، لعل العلاقة المقامة بين الشعب والسيادة تحت عنوان "السيادة الشعبية" تعبير عن محاولة ملء الفراغ الذي تركته السيادة المطلقة للملوك في القرون الوسطى ليس إلا، حيث صار الحزب الوحيد عوض الملك الوحيد، فالشعب تعدد عرقي وجنسي بل وسياسي، وليس ذاتا متماثلة ذلك ما يبرر ضياع أكثر من مجمتع بعد تجربة الثورة، تلك الردة الفعلية التي أقصتها محاولة النسخ الجمعية لنمودج جديد

إيمان بلعسري









اكتشف باحثون كنديون أول حالة إصابة بالسرطان لدى ديناصور، وفق ما كشفت دراسة نشرتها مجلة «لانسيت أونكولوجي» العلمية في عددها لشهر أغسطس.
وكان علماء حفريات عثروا عام 1989 في مقاطعة ألبرتا الكندية على عظمة من ساق ديناصور من فصيلة «سنتروصور»، وهي ديناصورات ذات قرون.
وكان الخبراء يعتقدون بدايةً أن العظمة التي بدا شكلها مشوها، تعرّضت لكسر تماثل للشفاء.
لكنّ تحاليل أجريت أخيراً بواسطة المجهر وتقنيات متطورة بينها الأشعة المقطعية العالية الدقة، أظهرت أن كتلة بحجم تفاحة على العظمة تعود في الواقع إلى ورم سرطاني.
وأوضح مارك كراوذر، أحد معدّي الدراسة، أن «حياة الديناصورات لم تكن سهلة، والكثير منها كان يصاب بكسور تُشفى لاحقاً، أو بالتهابات في العظم».
وأضاف في تصريح لوكالة فرانس برس أن «من الصعب إيجاد أدلّة على السرطان» على عظام قديمة إلى هذا الحدّ، شارحاً أن معظم الأورام تنمو على الأنسجة الرخوة التي لا تتيح عملية التحجّر حفظها جيداً.
لكنّ مفاجأة ظهرت عند التحليل الدقيق لعظمة هذا الحيوان الآكل الأعشاب الذي عاش 76 أو 77 مليون سنة، إذ بدت هذه الكتلة تحت المجهر «شديدة الشبه بالساركوما العظمية لدى الإنسان»، وهي ورم خبيث في العظم، على ما قال كراوذر.
وأضاف الباحث الذي يدير كلية الطب بجامعة ماكماستر في أونتاريو «من المذهل أن نكتشف أن هذا النوع من السرطان كان موجوداً قبل عشرات ملايين الأعوام، وأنه لا يزال موجوداً».
وتوقع معدّو الدراسة أن يكون الورم تسبّب بانبثاث الخلايا السرطانية، مما جعل هذا الديناصور يعرج.
لكنّ الباحثين يعتقدون أن سبب نفوق الـ«سنتروصور» لم يكن السرطان، بل على الأرجح كارثة مفاجئة، قد تكون فيضاناً، قضت على كامل قطيع كان من ضمنه، بدليل أن عظمة رجله وجدت ضمن مئات العظام العائدة إلى الديناصورات الأخرى.
وختم الباحث قائلاً «هذا الاكتشاف يبيّن لنا أن (السرطان) جزء من الحياة. فهذا حيوان لم يكن طبعاً يدخّن، وهذا يثبت أن السرطان ليس اختراعاً حديثاً، وأنه ليس مرتبطاً حصراً ببيئتنا الحالية».









دشنت اليونان أول متحف تحت الماء، وهو كنز أثري مكون من حطام سفينة غرقت في القرن الخامس قبل الميلاد وتحوي آلاف الأمفورات (جرار خزفية تاريخية)، وذلك قبالة سواحل جزيرة ألونيسوس في غرب بحر إيجه.

وحضرت وزيرة الثقافة لينا ميندوني ومسؤولون آخرون حفل التدشين الذي أقيم على متن سفينة وتحت الماء بمشاركة غواصين.وستتاح زيارة موقع الحطام لهواة الغوص المرخصين بين الثالث من أغسطس والثاني من أكتوبر، فيما سيتمكن الأشخاص غير القادرين على الغطس من القيام بجولة افتراضية في المتحف داخل مركز في مدينة ألونيسوس.

وقالت رئيسة المجلس البلدي في ألونيسوس ماريا أغالو لقناة «سكاي تي في» إن «الحطام موجود على عمق يراوح بين 21 و28 مترا قرب سواحل جزيرة بيريستيرا ويحوي على ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جرة»

.وقد غرقت هذه السفينة التجارية الضخمة التي كانت تنقل آلاف الجرار، سنة 425 قبل الميلاد بسبب عواصف خلال عبورها بين شبه جزيرة خالكيذيكي في شمال اليونان وجزيرة سكوبيلوس، على ما أفادت مديرة قسم الآثار تحت الماء باري كالامارا لقناة «إي آر تي» اليونانية.وأوضحت كالامارا أن الجرار «تكشف الحجم الضخم للسفينة القديمة».ولا تزال أكثرية الجرار في حالتها الأصلية بعدما اكتشفها صياد في العام 1985.








شكلت تحولات السياسة الأميركية في المنطقة العربية خاصة علاقتها مع حركات الاسلام السياسي، المحور الرئيسي في هذه الدراسة "أمريكا وحركات الإسلام السياسي منذ سبتمبر 2011" الصادرة عن دار العربي للنشر، لأستاذ العلوم السياسية د. أيمن محمود السيسي الذي أكد أن هناك العديد من تصريحات النخب السياسية والوثائق الرسمية تؤشر إلى أن هناك مراجعة جذرية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه العالم العربي والإسلامي، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وأن ثمة إدراكاً متنامياً في صفوف النخب السياسية في الولايات المتحدة يتمحور حول أن إصلاح المنطقة العربية مسألة حيوية للاستقرار والأمن الإقليمي بعيد المدى على اعتبار أن استمرار الوضع القائم يغذي السخط الشعبي ويقدم أرضية خصبة لنمو التطرف في هذا الإطار يرى بريجنسكي أن الحكومات الفاشلة هي التربة الرئيسية التي تولد التطرف الإسلامي، والسياسات الخاطئة لهذه الحكومات هي التهديد الرئيسي لمصالحنا الاستراتيجية، وقد فشلت الحكومات والأحزاب العلمانية في توفير أنماط مستقرة للتنمية الاقتصادية والبنية الأساسية اللازمة لإجراء تغير اجتماعي ضخم.

وأضاف أن الخطاب الرسمي للولايات المتحدة أيضا تضمن الدعوة إلى إصلاحات بنيوية تطالب بضرورة التغيير الشامل في المنطقة العربية؛ فمبادرة الشرق الأوسط الكبير تستند على ثلاث ركائز أساسية: تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمع المعرفة؛ وتوسيع الفرص الاقتصادية، وفقاً لهذا المنظور أضحى الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي للشرق الأوسط حجر الزاوية في الحرب على الإرهاب، وقد أعدت وزارة الخارجية برنامج "دعم الإصلاح" لسد نقص الديمقراطية في الشرق الأوسط.

إن التغيير في الخطاب الرسمي للولايات المتحدة باتجاه مزيد من الإصلاح السياسي وتعزيز الديمقراطية يفتح الباب لإمكانية تفاعل الولايات المتحدة مع الحركات الإسلامية المعتدلة التي تنبذ العنف وتتبنى الوسائل السلمية لتحقيق أهدافها، بما يمثل معكوس خبرة الماضي القائمة على إهمال وتهميش هذه الحركات، أثراً لذلك تباينت الآراء داخل المؤسسات الرسمية، وتمحورت حول تياران: الأول؛ تيار "التراضيون" الذي يميز بين حركات إسلامية معتدلة وأُخرى متطرفة، وأن الوقت قد حان لتبني سياسة قبول الحركات الإسلامية المعتدلة كفاعلين وشركاء محتملين في الشرق الأوسط على أساس أن هذه السياسة هي البديل الذي يمكن من خلاله مواجهة رؤى الحركات الإسلامية المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة.
الثاني؛ التيار المتشدد الذي يضع جميع الحركات الإسلامية في سله واحدة دون التمييز بين الحركات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة؛ ويتخذ هذا التيار موقفاً متشدداً تجاه الحركات الإسلامية، ويرى أن جميع الإسلاميين وإن اختلفوا في التكتيكات فإنهم يتفقون في الغايات، ديمقراطية لمرة واحدة وقيام دولة أصولية، ويدعو هذا التيار للتحالف مع الليبراليين والعلمانيين ضد الإسلاميين.

ولفت إلى أنه في هذا السياق تمت صياغة مواصفات وشروط رئيسة تميز الحركات الإسلامية المتطرفة عن الحركات الإسلامية المعتدلة التي يمكن أن تشارك في العملية السياسية، تمحورت هذه الشروط حول القبول بالديمقراطية والتعددية، ونبذ العنف لتحقيق أهداف سياسية، احترام وحقوق الإنسان والحريات الدينية وحقوق المرأة وحقها في التعليم.
ورأى السيسي أن الخطاب الرسمي للولايات المتحدة أشر إلى أنها تبنت مقاربة جديدة باتجاه تبني سياسة قبول الحركات الإسلامية كفاعلين وشركاء محتملين في الشرق الأوسط، مع إمكانية إدماجهم في الحياة السياسية، ففي العام 2001 أكد ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية "أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم ومساندة العملية الديمقراطية حتى لو كانت النتائج غير مرضية"، مضيفاً "ونحن ندرك أن الانتخابات الحرة في البلدان العربية يمكن أن تقود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة، فالولايات المتحدة لا تعارض الأحزاب الإسلامية" بوصفها كذلك".

وفي العام 2005 جاء حديث "كونداليزا رايس" وزير خارجية الولايات المتحدة أكثر وضوحاً باتجاه قبول الحركات الإسلامية في السلطة بقولها "الولايات المتحدة لا تخشى وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة عبر انتخابات حرة في العالم العربي". وأكد الرئيس باراك أوباما في خطابه عام 2009 في جامعة القاهرة على ذات السياسة قائلاً: "إن أميركا تحترم حق جميع من يرفعون أصواتهم حول العالم للتعبيرعن آرائهم بأسلوب سلمي يُراعي القانون، حتى لو كانت آراؤهم مخالفة لآرائنا، وسوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة، شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم".

وأكد أن خطاب أوباما بالقاهرة أشر إلى أن هناك انفتاحًا أميركيًّا على الحركات الإسلامية، ويحمل الخطاب في طياته طمأنة للحركات الإسلامية بأن "الولايات المتحدة سترحب بكل الحكومات التي تنتخب ديمقراطيًّا وبطريقة سلمية"، بما يمثل تغيراً في السياسة التي تبنتها إدارة "بوش" الابن مع الحركات الإسلامية التي فازت في انتخابات ديمقراطية كحركة حماس والإخوان المسلمين في مصر وقلصت دعم برامج الديمقراطية بعد فوزهم في الانتخابات البرلمانية، فكلمات أوباما تُشير إلى اعتراف الولايات المتحدة بنتائج الانتخابات الديمقراطية التي فازت فيها الحركات الإسلامية، غير أن ذلك مقروناً بإعلانها التخلي عن العنف كأحد أدواتها السياسية، والالتزام بمبادئ العملية الديمقراطية.

من ناحية أخرى فان المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية والحركات الاسلامية المسلحة، أدت لبروز التمايز بين هذه الحركات وحركات الإسلام السياسي التي تطالب بالإصلاح السياسي وتقبل العمل ضمن الأطر السياسية القائمة، مثل الأخوان المسلمين التي قبلت الممارسة الديمقراطية وفكرة حرية تشكيل الأحزاب السياسية ودخول معترك الانتخابات والتنافس السياسي السلمي في مصر والمغرب.

وأشار السيسي إلى أن الاستراتيجية الأميركية قد اعتمدت في تعاملها مع الثورات العربية على التكتيك المرحلي والتغير في المواقف بحسب الظرف الذي تواجهه، بما يعني استمرار حالة عدم الاتساق والتباين في رؤية وممارسة الولايات المتحدة الأميركية لكيفية تنفيذ الخطوط الإرشادية العامة للولايات المتحدة الأميركية تجاه الحركات الإسلامية في منطقة الشمال الأفريقي، بما ينعكس سلباً على آليات تكوين علاقات استراتيجية وكذلك على فاعليه المنظومة المؤسساتية للولايات المتحدة الأميركية؛ إضافة إلى ذلك وعلى الرغم مما تتيحه الثورات العربية من فرصة للولايات المتحدة الأميركية للتصالح مع الشعوب العربية عن طريق تحالف جديد يستبدل تحالفاتها السابقة من أنظمة الحكم العربية، ترى بعض المؤسسات الأميركية أن الثورات العربية عرضت المصالح الأميركية في المنطقة العربية والشمال الأفريقي للخطر، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأميركية باتت تخشى أن تكون أمام أنظمة جديدة مع منطقة الشمال الأفريقي تصعب إعادتها إلى التبعية أو تطويعها في خدمة المصالح الأميركية الاستراتيجية.

وقال إن تجربة جماعة الأخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس تؤشر إلى أنه بمجرد وصول هاتين الحركتين الإسلاميتين للحكم عملتا على إعادة تشكيل نظام الحكم لضمان سيطرتهم وبقائهما باستخدام وسائل وآليات مختلفة، بما يؤشر على الغموض في الرؤية لدى الحركات الإسلامية لقضاء الديمقراطية والتعددية السلمية، الأمر الذي يتناقض مع رؤية أميركا القائمة على تحقيق الأمن والاستقرار، من خلال إدماج الحركات الاسلامية في العملية السياسية والعمل ضمن قواعد اللعبة السياسية وليس دفعها بديلاً للنظم الحاكمة.
وأكد أن الواقع في فشل حكم الحركات الإسلامية هو أن هذه الحركات الإسلامية لم يستوعبوا طبيعة اللحظة التي انتقلوا فيها من المعارضة إلى الحكم، وظلت هذه الحركات الإسلامية تنظر إلى نفسها على أنها ضحية مؤامرات الدولة العميقة والإعلام والقوى الخارجية، ولم تنظر الحركات الإسلامية إلى أدائها في السلطة وصورتها لدى قطاع واسع من الشعب.
وأوضح السيسي أن من أهم التحديات التي يمكن أن تواجه أميركا سياسات القوى الإقليمية المحاورة وما لها من تأثيرات على المنطقة العربية، وقال: "هنا يبرز دور إيران لارتباطها بعلاقات وثيقة مع بعض الحركات الإسلامية، بالإضافة إلى دور "إسرائيل" القائم على رفض مشاركة الحركات الاسلامية أثرًا لما تحمله من رؤية عدائية تجاه هذه الحركات".
وتناول الدور الإيراني مشيرا إلى أن إيران تسعى إلي التمدد الإقليمي من خلال التمدد السياسي الخارجي، حيث تشير خريطة التحركات الإيرانية إلي أن الدول التي تم التوجه إليها تشترك معها أيديولوجيا، فقد طورت إيران علاقات وثيقة مع فاعليين من غير الدول مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس في فلسطين، فضلًا عن دعم الأحزاب الشيعية في العراق، ودعم عناصر حكومية مثل العلويين في سوريا.
ولفت السيسي إلى إن ارتباط ودعم إيران للحركات الإسلامية في ظل جاذبية نموذج الثورة الإيرانية في التغيير لهذه الحركات بدفع هذه الحركات لتبني منهج التغيير الثوري العنيف، ويزود إيران بوسائل ضغط على الأنظمة العربية، بما يهدد استقرارها ويضع قيداً على رغبتها في إدماج الحركات الإسلامية في النظام السياسي، حتى بالنسبة للحركات الإسلامية المعتدلة التي تسعى للعمل في حدود القواعد التي يعمل بها النظام السياسي القائم. ولم يقتصر تأثير النظام الإيراني على الأقليات الشيعية وحسب، بل امتد للعديد من الحركات الإسلامية السنية "غير الشيعية" من خلال إسهامه في تشكيل المناخ الأيديولوجي في المنطقة باتجاه استعادة فكر المواجهة مع الغرب، معتمداً على الخطاب السياسي الذي تروج له أدوات الدعاية وتوظيف الأداة الدبلوماسية لكسب التأييد في العالم الإسلامي والعربي، ومن ثم حشده في مواجهة الغرب وحليفته "إسرائيل" فقد عمل النظام على تصوير أميركا بأنها العدو الأكبر للمسلمين واصفاً إياها "بالشيطان الأكبر" معتبراً العداوة لها جذور فكرية عميقة لا يمكن التغلب عليها وهي أعمق بكثير من كونها اختلافات في وجهات النظر السياسية.
وأكد أنه في ضوء هذا فإن إيران تقدم نموذجاً جذاباً للحركات الإسلامية من منظور اعتبارها حليفاً استراتيجياً تجاه ملفات حيوية تشكل أساس التقارب السياسي بينهما، خاصة ملف الصراع العربي الإسرائيلي، ومواجهة الهيمنة الخارجية، أما على صعيد الممارسة الإيرانية الداخلية، فقد تأثرت العديد من الحركات الإسلامية في الوطن العربي بالتجربة الإيرانية في الحكم، فإيران جمهورية إسلامية قائمة بشكل أساسي على دور الدين والمؤسسات الدينية في الحياة السياسية، مما انعكس على فكر الحركات الإسلامية العربية، من حيث رؤيتها لموقع الدين ودور المؤسسات الدينية في تشكيل الحياة السياسية، فقد تضمن برنامج الإخوان المسلمين في مصر تشكيل مجلس علماء الدين مهمته ضمان أن التشريع الذي يصدر عن الرئيس أو البرلمان يتوافق مع الشريعة الإسلامية بما يجعله شبيهاً بمجلس صيانة الدستور.
وفيما يتعلق بـإسرائيل، فقد أوضح السيسي أن الخطاب الإسرائيلي وقف موقف الرفض لإدماج الحركات الإسلامية في النظم السياسية العربية، وعبر عن رؤية تشكك في منطق المشاركة والمكاسب المتوقفة منه، ومحذراً من النتائج المترتبة على هذه السياسة، وأسهم هذا الخطاب في محاولة التأثير سلباً على رؤية الولايات المتحدة الأميركية لإدماج الحركات الإسلامية، فمن ناحية يشكك الخطاب "الإسرائيلي" في طبيعة التحولات التي شهدتها الحركات الإسلامية باتجاه تبني العمل السلمي والاعتدال، فعكفت المؤسسة الحاكمة في "إسرائيل" والنخب المرتبطة بها على التشكيك في طابع ثورات التحول الديموقراطي في الوطن العربي وتحذير العالم من مآلتاها، عبر الزعم بانها ستفضي حتماً إلى هيمنة الحركات الإسلامية على مقاليد الأمور في الدول العربية. ومن ناحية أخرى يرى الخطاب الإسرائيلي ان الحركات الإسلامية لا تزال تتبنى رؤية مناهضة للغرب ويصعب تغييرها ولا يمكن الثقة بتغييرها نحو الحوار والتعاون.








تيار الواقعية القمعية أنتج الكثير من الروايات لما في القمع من تنوع غريب، فقد ذكر الناقد جابر عصفور أنواعا مختلفة من القمع يعاني منها الإنسان، فهناك "روايات القمع الديني" مثل رواية "الزلزال" للروائي الطاهر وطار، و"روايات القمع السياسي" و"روايات القمع الاجتماعي" مثل رواية "أصوات" للروائي سليمان فياض، ورواية "الحب في المنفى" للروائي بهاء طاهر، ورواية "أنا حرة" للروائي أحسان عبدالقدوس، ورواية "الحرام" ورواية "العيب" ليوسف إدريس، ورواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود الستعوسي، وهناك رواية مهمة للروائية الإيرانية مريم مجيدي بعنوان "ماركس والدمية" تدخل في هذا التوصيف.
*القمع في الظلال الطويلة

لعل اختيار الروائي أمجد توفيق لكلمة الظلال ويصفها بالطويلة ليست بلا هدف أو وظيفة بالسرد، وقد استخدمت هذه الكلمة في أكثر من رواية، وغالبا ما ترمز للخوف، فرواية "ظلال الآخرين"" للروائي مناف زيتون، ورواية "أسطورة الظلال" للروائي المصري أحمد خالد توفيق، ورواية "الظل الأحمر" للروائية ليلى حسن، كلها تعبر عن تيار "أدب الرعب" ولا أدري لماذا استحضرت في ذهني رواية "الرجل الذي فقد ظله" للروائي المصري فتحي غانم، وانا اقرأ رواية "الظلال الطويلة" للروائي أمجدد توفيق.

شخصيات أتعبها الظل

يقدم السارد – الروائي - شخصيات تظهر بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وتأخذ فرصة أكبر من حجمها ومن غير استحقاق، شخصيات كانت في السجون تنتظر تنفيذ حكم الإعدام، العفو يشملها لتخرج للنور بعد أن أتعبها (ظل) الاحتجاز وظلمة السجون، لذلك هم أقسموا أن يحتفلوا في عيد ميلاد الرئيس! عباس حربه – عزيز الأرمني- أسمر ياقو - جبار الأسود – وجاسم الريس، هؤلاء الخمسة المجرمون المحترفون يشكلون عصابة تديرها بذكاء أنتصار خاتون "اتفقوا على مناداتها بالخاتون، وهو يعرفون جيدا أن الخاتون واسمها انتصار ليست أكثر من بغي في حي شعبي" (ص36)، في وقت سقوط بغداد، وبدأت عمليات السرقة والنهب، وانتصار وشقيقها المدمن كانوا يسكنون في أحد البيوت المتهالكة بشارع الرشيد، الصدفة والحظ وفرت فرصة لتستولي على أكياس من رزم الدولارات من البنك المركزي، وبنفس الوقت تعرض شقيقها للقتل لتتخلص من "الفقر والبغي وظل شقيقها الثقيل،

ربما كان مقتل الشقيق ثمنا لفسحة من الزمن استطاعت انتصار أن تخفي أموالها، وتفكر في أساليب لاستثمار المال، وتغيير حياتها" (ص45) وتكون النقلة النوعية للسكن من زقاق في شارع الرشيد إلى قصر بالمنصور "دهش – عباس - حين عرف أن المرأة الجميلة الأنيقة الثرية ليست سوى انتصار.. وذكر ملاحظة ضحكت لها انتصار كثيرا، قال إنه وزملاؤه يجدون أنهم يعيشون العصر الذهبي الذي يحلم به أي رجل يكره الدولة والقانون ورجال الشرطة" (ص 46 ).

شريان السرد

تعد الأمكنة هي الدم الذي يسري في شريان السرد، ومنها تتكون الشخصيات، وفي الرواية مكانان، بغداد في فترة الانفلات والفوضى والاحتلال، وشخصيات انتصار والعصابة وحتى رجال الأحزاب، شخصيات على طبيعتها (تفعل وتقول ما تريد)، والمكان الثاني باريس حيث تعيش الشخصية المحورية الثانية في الرواية (بشار البصير) ومعه زوجته (نسرين وابنته امل) وصديقه (خالد) وعشيقته الفرنسية الرسامة الفاتنة (ايزابيل). وإذا كان بشار يعاني من الرعب والخوف من السلطة كذلك هو خالد الذي يهرب من العراق إلى فرنسا، فلا يعرف هذا الرعب والخوف طريقه إلى قلب زوجته نسرين التي تلح على زوجها للعودة إلى العراق بعد سقوط النظام.

"إنك تعتبر بغداد غابة - لا ..انا أعتبر أن النظام السياسي السابق لم يسقط فحسب بل سقطت الدولة، والدولة يا سيدتي تعني كل شيء من مركز الشرطة إلى المركز البلدي إلى نظام المرور إلى دوائر الخدمات" (ص70)، بشار كان حزبيا (بعثيا) لكنه كان (معارضا من الداخل) لكنه كان من الصعب استهدافه أو التشكيك في مواقفه وآرائه، لكن بمرور الزمن أحس بشار بأنه "بانتظار رصاصة طائشة أو حادث دهس أو الوقوع ضحية مؤامرة حسنة التنظيم والإعداد". كان صديقه خالد – وهو أيضا حزبيا - حينما رزق بشار بابنته عام 1990، سأله بمكر "هل ستسميها نداء انسجاما مع دخول القوات إلى الكويت؟ - لا ياصديقي، فبرغم كل الظلمة والحمق والحقد سأسميها – أمل- - أحسنت .. إننا نحتاج إلى أمل" (ص75)، ومن أجل إبعاد بشار عن العراق جعلوه (يتولى مسؤولية التنظيم الحزبي في فرنسا) ويزداد نفوره من تصرفات السلطة والقيادة من بغداد، وحتى من موظفي السفارة العراقية، وكذلك كل من يبعث إيفاد من العراق إلى باريس (حتى من يوفد إلى الكويت يسلك طريق بغداد – باريس- كويت).

معنى الرعب

المكان مثلما هو قيد على التصرفات الناس في العراق في ظل نظام بوليسي قمعي، فالمكان في باريس عليه أن يزيل القيد على الأفكار ويتم الكلام والسلوك من خلاله! لكن يذكر لنا السارد بإن تغيير المكان لا يعطي مثل هذا الفضاء، في الوقت الذي تتصل المخابرات الأميركية ببشار لتحذيره بأنه سوف يتم استهدافه من قبل النظام، ويطلبون منه بعد سقوط النظام بالعودة إلى بغداد لأنهم يحتاجونه، يتعرف على الرسامة الفاتنة ايزابيل، وتقترح عليه أن ترسم صورته في شقتها "ارتدت إيزابيل بنطلونا قصيرا يكشف مساحة عريضة من فخذيها فضلا عن قميص يكشف منطقة البطن" (ص105).

الخاتون والمسؤول

يتنقل السرد من باريس إلى بغداد، ولا نعلم كيف سوف تتقاطع الخيوط الدرامية والمحاور بين الخاتون انتصار وعصابتها مع بشار البصير وأسرته! لكن السارد يسلط الضوء على تصرفات انتصار وما تتمتع به من كرم وحب مساعدة الناس والفقراء، مقارنة ببخل شخصية رئيس الحزب (أبوصهيب) وكراهية الناس له "بدأ الحراس ينقلون إليها أخبار أبي صهيب رئيس الحزب وأسراره، ويتندرون على طريقة تصرفه بالأموال التي يأخذها من الأميركيين، ويأخذها من المواطنين رشاوي لإنجاز طلباته" يمنع أبوصهيب حراسه من زيارة بيت الخاتون، فتأمر عصابتها بسرقته وإهانته. الخاتون لم تفكر في الزواج بسبب ما كان عليها الماضي من قسوة الرجال ولا مبالاة شقيقتها تجاه اعتداء أصدقائه عليها مقابل الخمرة والطعام، لذلك هي تحدث نفسها ومثل هذه التداعيات كثيرة في الرواية مرة تستخدمها انتصار ومرة يستخدمه بشار البصير "إنها تدرك الآن قدرتها على اختيار أي شاب للزواج منها، لكنها لا ترغب في ذلك، فقد استطاعت حياتها السابقة إطفاء رغبات الأنثى داخلها.. كانت تبتسم .. وهي تحدث نفسها، وتقول إنها أخذت استحقاقات عشر نساء من الجنس" (ص125). يقرر بشار البصير أن يزور العراق مع زوجته وابنته وصديقه خالد، خاصة بعد أن انتهت علاقته بإيزابيل، وسرقة اللوحة التي رسمت صورته والتي تعتقد أن من سرقها هم المخابرات الأميركية (جون ورونالد)، وعند ما قرر العودة للعراق زوده الأميركان بأرقام هواتف، وطلبوا منه الاتصال في بغداد بشخص يدعى "ديك كاستنر" لأنه يملك تعليمات" (ص171). الرواية قبل أن يلتقي بشار بالخاتون انتصار في بغداد كانت تجمع بين العمق والقدرة على الإقناع في المحورين .

في الظروف الطبيعية قد لا تحتاج شخصية مثل بشار البصير إلى خدمات شخصية مثل انتصار خاتون، حتى لو جعل – السارد - البيت الذي يملكه (بشار) قريبا من قصر (انتصار خاتون)، بشار يعيش في فرنسا وهو في زيارة إلى بغداد وجاء ليرى بيته المتروك والذي يسكنه الحارس (أبوستار) وعائلته للمحافظة على ما تبقى منه، لا يلفت نظره اسم انتصار خاتون إلا من خلال فخامة وهيبة البيت الذي تسكنه (كان بشار ينظر إلى دارة كبيرة تحظى بالعناية والاهتمام، يتجلى ذلك من زهور الحديقة ونباتاتها، ونظافة المدخل والجدران.. قال محمد - شقيق بشار- - إنها دارة الخاتون انتصار.. - من تكون؟- واحدة من حديثات النعمة في هذا الزمن.. - وكيف جنت أموالها؟ - لا أعرف.. يقال بأنها تساعد الآخرين وتحل مشاكلهم ولها تأثير كبير في الدهاليز السرية".

وصف دار بشار الذي أصلا تمت مصادرته من النظام السابق لموقفه المعارض للنظام فهو "منظره مؤلما.. أبواب وشبابيك مسروقة.. بلاطات مقلوعة.. حديقة تعاني من الجفاف والأدغال" (ص202). وإذا كان موقف بشار من كل شيء شاهده في بغداد منذ وصوله إليها من باريس لا يشجعه على العودة والاستقرار فيها "أدرك بشار أن الآخرين فقدوا الكثير من صبرهم وقدرتهم على تحمل الرأي الآخر حتى وإن كان في الاتجاه نفسه". وفي حديثه مع (أبي نصير) المسؤول السابق في قيادة الحزب وأحيل إلى التقاعد بناء على طلبه، يقول له أبو نصير "ها هي الأيام تثبت صحة اعتراضاته" سأله بشار عن تقويمه للأحداث "بأنه عمل ناقص يكتنفه الغموض" سأله بشار: هل تميل إلى نظرية الأخطاء - لم أسمع بها- كيف .. الكل يتحدثون عن الأخطاء الأميركية بعد إسقاط النظام.. عدم امتلاك تصور شامل عن الوضع حل الجيش العراقي إلغاء وزارة الأعلام الوضع الأمني ...هل أستمر في التعداد؟- - ألا تلاحظ يا أبا نصير أن الأميركيين لم يتحدثوا عن أخطائهم؟ - نعم .. الآخرون يفعلون ذلك.. ماذا يعني - إنه يعني أنهم لا يشعرون بالأخطاء لأنها جزء من مخطط - كيف- إنهم لم يسقطوا النظام بل أسقطوا الدولة ".

في هذا الوقت، كان نجم الخاتون انتصار يحلق عاليا، وتستمر في الانتقام من الماضي، وكانت تنتقم بطريقتها الخاصة "تذلهم بالمساعدة.. تذلهم بقضاء حوائجهم.. تذلهم بالانتقام لهم.. تذلهم بالانتقام منهم عن طريق عصابتها". وتأتي إلى حيث بيتها فرصة لتذل الأميركان، حينما تحدث اضطرابات في شارع الرشيد بين المقاومة والأميركان، وتخرج العصابة من وكرها للذهاب إلى بيت آخر في ساحة السباع، ويصف هروب مجندة أميركية من الدخان "كان جبار الأسود الرجل الأخير الذي اجتاز الشارع، وعند لحظة دخلوه الفتحة، اصطدم بجسم.. كانت مجندة أميركية خنقها الدخان والظلام، فهامت على وجهها لتصطدم بجبار الأسود الذي لم يستطع إطلاقا الاجابة عن سبب اقتيادها" (ص184).

وتقرر العصابة أخذها فيما بعد إلى قصر الخاتون "أنت زعيمة حقيقية.. فقد كنا نخشى إزعاجك بهذه المجندة.. - أبدا.. أشعر بالراحة وأنا أخيلهم ذليلين لا يعرفون طريقا إليها، سأل أسمر ياقو – هل أصبحت تتعاطفين مع المقاومة يا خاتون؟ - لا ..ألا يثيرك أن ترى امرأة أجنبية تحمل السلاح وتذل رجال بلدك؟".

تعرض الخاتون على جبار الأسود مضاجعتها، فيقول إنه يفضلها على المجندة الأميركية "غادرا السرداب، واتجها مباشرة إلى غرفة النوم.. أغلقت الباب، وبدأت بنزع ملابسها، وهي تقول: حدثني أيها الأسود ..لماذا تفضلني مائة مرة على الأميركية؟ - أنني أشعر بأنك لست امرأة تثيرين شهوتي...أنت جميلة وذكية.. والنوم معك له معنى كبير.. أنا لا أجيد الحديث.. جسدي يتحدث أفضل من لساني... إنها الآن تحتفل بأنوثتها.. إنها تريد أن تستمتع وترتوي.. أما جبار فإنه يعتبرها جائزة صعبة المنال حصل عليها في لحظة لن تتكرر، وعليه أن يقوم بالفعل وكأنه المرة الأخيرة.. جسدان لم يهدءا، وإردتان اجتمعتا على المتعة." (ص196).

اختطاف أمل!

حينما تتقاطع الأحداث تلتقي الشخصيات المتناقضة والمتباعدة، تتعرض (أمل) إلى الاختطاف، وهي تزور مع أمها نسرين بيت بشار في المنصور للتخطيط على إعادة إعماره، وتفقد العائلة وبالذات بشار توازنها، ولم تبق جهة مؤثرة لم يذهبوا إليها لمساعدتهم في إعادة ابنته سالمة إلى عائلتها، ولكن من دون جدوى، فيأخذ محمد شقيقه بشار إلى قصر انتصار خاتون "اسمها أمل وهي ابنة جيراني، واختطفت قرب بيتي.. هذا لا يصح، ولن يكون.. ما هي مكافآتي بعد عودتها.. - أي شيء، وكل شيء.. إنني اتنازل عن بيتي لك" (ص 219)، وتعطي انتصار وعدا بإرجاع أمل خلال يومين وتطلب من بشار أن يزورها غدا الساعة الحادية عشر ليلا لوحده بعد أن عرفت بأنه يجيد اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفعلا بشار يساعد الخاتون بما تريد بترجمة الحوار بينها وبين المجندة.

وفي اليوم الثاني وهو ينتظر ابنته في بيت الخاتون وبينما ابنته قد تم تحريرها من قبل عصابة الخاتون لكن الأميركان يحاصرون بيت الخاتون وتعتقلها وتعتقل أيضا بشار البصير ويضربه أحد الجنود الأميركان بأخمص بندقيته ليكسر ضلوعه! وتبدأ الرواية تفضح أساليب المحتل الأميركي وطريقة تعامله مع المعتقلين، أما أمل فعند وجود الأميركان بالقرب من بيت الخاتون ترمي نفسها من السيارة لعصابة الخاتون وتكسر يدها بينما رصاص الأميركان يكسر قدمها أمام بيت بشار! تخطف العصابة من الكرادة جنديا ومترجما وتقوم باستبدالهما مقابل إطلاق سراح انتصار خاتون، وتتوطد علاقة الخاتون بقوات الاحتلال، كثيرا وتساعدهم في معرفة مواقع المقاومة وتقدم لها المساعدة المادية وما تريد من قبل ضباط الاحتلال.

"قادت انتصار عصابتها لتقديم معلومات وكشف حوداث وتحديد بؤر المقاومة وطريقة عملها، وقدمت النتائج والخلاصات إلى أصدقائها الجدد الذين يستقبلون منجزها بأعين لامعة وضحكات تشجيع ووعود لا نهاية لها. أصبح سلاح أفراد العصابة شرعيا، ويحملون هويات أصدرها القائد العسكري الأميركي" (ص283)، تتوسط انتصار بإقناع ضابط أميركي كبير ببراءة بشار وتطلب منه إطلاق سراحه، وفعلا تنجح في ذلك، وتلتقي بأسرة بشار وتشتري بيته، ليسافر بشار وعائلته إلى باريس، ويعود إلى إيزابيل في مشهد رومانسي يقفل فيها السارد روايته "أطبقت عينيها.. أطبق عينيه. وكأن الحلم ينتظر".
الخاتمة
عبر الروائي أمجد توفيق في هذه الرواية عن هموم الشعب العراقي وهم الوطن في مرحلة الاحتلال الاميركي للعراق، ذلك الاحتلال الذي تبقى آثاره السلبية إلى ما بعد رحيله! حبكة روائية مدهشة أثارت الكثير من القضايا، جعل التقاء عالمين مختلفين (عالم بشار مع عالم انتصار) رغم تنوع سبلهما وتشعب ظلالهما، لأنها "الظلال الطويلة".


حمدي العطار






إذا حدث وتنبهت لضربات عقارب الساعة، لسوف تشعر وكأنها قلب نابض، لكنه بدلاً من أن يضخ دماً، يصير مؤشراً للعد التنازلي لتواجدك على وجه الأرض. والعاقل هو من يعلم قيمة كل ثانية تضيع منه. لكن هناك أيضاً من يعمدون إلى إضاعة الوقت فيما يضر ولا ينفع، وهذا وارد. أما عندما يتم استخدام وسائل إهدار الوقت في الإساءة إلى الإنسان والوطن، فهذا أمر يستحق التفكر.

فمستقبل الكوكب بعد وباء كورونا ينبئ بالرقمنة الكاملة. وبالتأكيد، لسوف تكون شبكات الجيل الخامس من الإنترنت حتمية الوجود، بالرغم من المعارضة المبدئية على إقامتها على أيدٍ صينية؛ لأن الصين هي من طوّر تلك الشبكات بطريقة سبقت العالم الغربي بأكمله، في طور استعدادها لتصير القوة المهيمنة على العالم. وفيما يبدو أن الصين كما سبقت كبرى دول العالم في تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس، فإنها أيضاً قد سبقته في الترتيب لتنصيبها دولة عظمى مهيمنة معرفياً، متبعة المقولة الشهيرة "المعرفة قوة" التي أطلقها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

وتلك المعرفة مصدرها القدرة على الولوج لأي مؤسسة، أو أي فرد في العالم من خلال توصيل شبكات الجيل الخامس لجميع المصالح، والهيئات، والأفراد. وإلى أن يحين ذاك الوقت، وجدت الصين أن التمهيد لغزو العالم، يتطلب أولاً غزو عقول شعوب العالم من خلال جمع معلومات كافية للتعرف عن حالتهم النفسية والمزاجية. ولهذا السبب، تنتشر مؤخراً تطبيقات تصدرها الصين للعالم. والمراد من تلك التطبيقات ليس التسلية أو التسوق، كما هو يبدو ظاهرياً، لكن الولوج إلى وامتلاك بيانات المستخدمين التي توضح الدول التي ينتمون إليها، وفئاتهم العمرية.

وكانت أخطر تلك التطبيقات جميعا "تيك توك" Tik Tok الذي صارت له شعبية عالمية في وقت قصير فور ظهوره. ومؤخراً، انتشر كالنار في الهشيم بعد تفشي وباء كورونا، بعد ما وجد سكان كوكب الأرض أنفسهم في حالة من القلق والشعور بالملل، لا نهاية لها. ولقد انتشر استخدام "تيك توك" بين جميع الفئات العمرية، والطبقات الاجتماعية والثقافية على حدٍ سواء.

وكما يعلم الكثيرون، مقاطع "تيك توك" ذات غنائي، أو موسيقي، أو كوميدي، يعتمد على تزامن تحريك الشفاه مع المحتوى، ويستغرق المقطع 3-15 ثانية فقط،، أو قد يكون المقطع تسجيلاً لمحتوى يبتكره مقدم المقطع، فتمتد مدته حينئذٍ 3-60 ثانية. وهذا التطبيق الذي نشأ في الصين، تم إطلاقه في الأسواق على شكل نسختين. فهناك نسخة تم إطلاقها في الصين منذ سبتمبر/أيلول 2016 تحت اسم "دوي إن" Douyin، وأطلق في الولايات المتحدة وباقي دول العالم منذ 2 أغسطس/آب 2018 تحت اسم "تيك توك" Tik Tok، مع العلم بأن التطبيقين متطابقان تماماً. لكن تم فصلهما – كما تروي الصين - لاختلاف نوع الخادم Server، نظراً للتشديدات الأمنية والقيود التي تفرضها الصين على مستخدمي الإنترنت.

وبحلول عام 2019 قفز تيك توك لمركز سابع أكثر تطبيق تحميلاً في العالم. وأما بعد تفشي وباء كورونا، فقد إزدادت شعبيته أكثر، لدرجة أن أدمنته جميع الفئات العمرية وجميع الطبقات، دون خجل، لكونه طريقة تسلية مبتكرة تعتمد على كيفية إخراج المشاهد والأغاني، من وجهة نظر مقدم المقطع.

وتطبيق التيك توك الذي صدرته الصين لجميع دول العالم بخمس وسبعين لغة دفعة واحدة – حتى تتأكد من وصوله لجميع بقاع الأرض – ليس مجرد وسيلة تسلية بريئة طفولية النوايا، لكنه تطبيق استخباراتي يعمل على تحليل بيانات المستخدمين تحليلاً وافياً؛ من حيث النوع، والفئة العمرية، والاهتمامات، والاتجاهات السلوكية. وكذلك يمنح نفسه الحق لاختراق بيانات الأجهزة الذكية التي تم تحميله عليها.

هو بمثابة جهاز تتبع ومحلل نفسي للمستخدم؛ فالتطبيق قائم على الذكاء الاصطناعي. ويجب التشديد، أن فضيحة فيسبوك أثناء الانتخابات الرئاسية الأميركية كانت بسبب بيع بيانات المستخدمين لشركة أنالاتيكا Analatica. لكن في حالة تطبيق "تيك توك"، فإنه يتم إهداء هذه المعلومات لدولة الصين؛ تلك الدولة التي تفرض قيوداً صارمة على أبناء الوطن من مستخدمي الإنترنت، لدرجة أنها قامت بتطوير نسخة مماثلة من كل تطبيق مستخدم عالمياً، ليستخدم خصيصاً داخل الصين.

ولقد سبق الإشارة آنفاً أنه تم تصدير تطبيق "دوي إن" Douyin في الصين، وهو النسخة التوأم لـ "تيك توك" المستخدم عالمياً. وبالتفكر قليلاً، نجد أن اختلاف الخادم Server بين الصين والعالم ليس بذريعة؛ لأن بمقدور الدولة العالية الخبرة في المجال الرقمي، والتي طورت شبكات الجيل الخامس من الإنترنت قبل كبرى دول العالم الأول أن تقدم نسخاً متوافقة من التطبيقات التي تطرحها. لكن الصين آثرت العكس؛ لضمان عدم إتاحة أي بيانات عن مستخدميها للعالم. فالصين تفضل ألا يتوقع الآخرون أخبارها ونواياها إلى أن تعلن بنفسها عنها. وبهذا الغموض، تستطيع الصين أن تحكم العالم وتتسلل إلى أرجائه بسهولة، دون أن يعلم أحد مجرد كيف تتمكن الصين من فعل ذلك.

وفي يناير/كانون الثاني 2019، تنبه "معهد بيترسون للاقتصاد الدولي Peterson Institute for International Economics - وهي أكبر مؤسسة بحثية أميركية، وواحدة من رواد الفكر في العالم – لخطورة "تيك توك" الذي تسارعت وتيرة استخدامه في العالم لدرجة أنه ينتشر بين أفراد القوات المسلحة في الولايات المتحدة. ومن ثم، ينقل التطبيق موقع وصورة المستخدم، وجميع المعلومات السلوكية والمادية عنه، مما قد يفسد تحركات الجيش، إذا استخدمه أحدهم في مواقع الاشتباك، أو حتى عندما يتم توصيل الهاتف الذكي بشبكة الإنترنت. وما جعل الأمر يزداد ريبة، إعلان مصمم التطبيق زيادة التعاون مع الحزب الشيوعي الصيني.

ولم تكن الولايات المتحدة هي فقط من ارتابت في أمر التطبيق، فلقد منعته إندونيسيا لأنه يحرض على وينشر محتوى فاضحا في بعض الأحيان. وأما بنجلاديش فلقد حظرته. وبعيداً عن كل ذلك، فإن استخدام الأطفال لهذا التطبيق دون رقابة، يعد كارثة؛ لإمكانية ميل العقل الطفولي نشر محتوى قد يتسبب في وصم مستقبله بعار لا ينمحي.

التسلية، والمتعة، والتخلص من الملل حق للجميع. بالرغم من ذلك، يجب أن يتنبه الأفراد في العالم أن الرقمنة طريق محفوف بالمخاطر؛ فإذا كانت تسهل سبل الحياة، لكنها تقتل الخصوصية، وتسرق الأفكار، وتجعل محتوى العقل والتوجهات الأخلاقية والسلوكية متاحة لجهات قد تتلاعب بالفرد في أي وقت شاءت. فيتحول الفرد حينئذ إلى قنبلة موقوتة، من المتوقع انفجارها في أية لحظة لتتسبب في دمار أفراد أو دول بأكملها من قبل جهة غامضة قامت بوضع ستار حديدي يفصلها عن دول العالم.

الدكتورة نعيمة عبدالجواد








يعيد المتحف الفلسطيني في بيرزيت في معرضه الجديد (طبع في القدس.. مُستَملون جدد) الذي انطلق إلكترونيا وعن بعد للجمهور بسبب تفشي فيروس كورونا التذكير بمهنة (المستملي) التي لم تعد موجودة بفعل التطور التكنولوجي.

وقالت عادلة العايدي مدير عام المتحف في تقديمها للمعرض بتسجيل مصور على موقع يوتيوب "سعداء بافتتاح هذا المعرض والتغلب على الوباء والحجر الصحي (بسبب كورونا)".
وأضافت " نحن نستقبلكم اليوم بالفيديو ونأمل أن نراكم قريبا داخل المتحف".

وأوضحت عادلة أن المعرض "بني على الهبة الثمينة التي قدمتها مطبعة لورنس لمتحف التراث الفلسطيني دار الطفل (في القدس)".

وقالت "نحن عندما استضفنا المعرض قمنا بتوسيع عدة جوانب، منها تاريخ الصحافة في القدس والمطبوعات الثقافية والفكرية والسياسية وحتى الحياة التجارية والسياحية في المدينة وكذلك الحياة المجتمعية والثقافية في القدس ".

تأسست مطبعة لورنس في مدينة القدس في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي واستمرت بالعمل حتى الثمانينات.

وقال بيان للمتحف إن المعرض "يبحث العلاقة بين المطبوعات وأهل المدينة، سواء كان محتواها سياسيا، أم تعليميا، أم ثقافيا، أم سياحيا، أم اقتصاديا، ذلك من خلال تحري مهنة المُستملي".

وأضاف "المُستَملي قديما هو القارئ لمخطوطة الكتاب الأصلية ومُمليها على النساخين، وكان بالتالي وسيطا بين المؤلف وجمهور قرائه".

وأوضح المتحف أنه "تاريخيا، لم تستقر وظيفة المُستَملي كناقلٍ للمحتوى، بل تجاوزت ذلك لتتخذ بُعدا رقابيا، وهي وظيفة قديمة اختفت كغيرها من الوظائف نتيجة للحداثة".

يستعرض المعرض من خلال حوالي 200 من الكليشيهات والمطابع والمطبوعات التاريخية "دور المدينة السياسي والسياحي والثقافي، ويشير إلى موقعها المركزي في مجال طباعة وتطوير المواد التعليمية ونشرها، كما ويُلقي الضوء على حياتها الثقافية، وحياة أهلها الاجتماعية، بالإضافة إلى استعراض نشاطها الاقتصادي والتجاري".

وقال المتحف الفلسطيني في بيانه إنه سينظم سلسلة من الجولات التوضيحية عبر الإنترنت من داخل قاعة المعرض لتكون متاحة أمام الجمهور في كل مكان كما ستكون هناك سلسلة من الأنشطة والفعاليات الرقمية التي بدأت منذ منتصف هذا الشهر وتتضمن محاضرات ونقاشات فكرية وورشا تعليمية تفاعلية وعروضا أدائية.

ويستمر المعرض الذي ينظم بالشراكة مع متحف التراث الفلسطيني في مؤسسة دار الطفل العربي في القدس وبدعم من مؤسسات محلية وأجنبية حتى ديسمبر كانون الأول المقبل.
ويسلط المتحف الفلسطيني الضوء على تاريخ وتراث فلسطين ويعتبر محاولة لجمع شمل الفلسطينيين عبر الفن والثقافة.









حين تولى الملك سعود بن عبد العزيز مقاليد الحكم السعودي عام (1373هـ / 1954م)، كانت كسوة الكعبة ترد من "مصر" كالمعتاد، وكان يُكتب نص الإهداء كالتالي: "تم صُنع هذه الكسوة بالجمهورية المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر".

وفي عام (1379هـ 1959م) تغير نص إهداء كسوة الكعبة إلى: "تم صنع هذه الكسوة بالجمهورية العربية المتحدة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر"، وجاء تغيير المسمى من اسم الجمهورية المصرية إلى الجمهورية العربية المتحدة، منذ تلك السنة بعد الوحدة التي تمت ما بين مصر وسوريا، مع تغير تاريخ صناعة الكسوة كل سنة، وقد استمر ورود كسوة الكعبة المشرفة كل سنة على هذا الحال.

وفي شهر ذي القعدة من سنة (1381هـ / إبريل 1962م)، وصلت الكسوة إلى ميناء جدة على إحدى البواخر، ونظير بعض الإجراءات، عادت الباخرة إلى مصر ولم يتم استلام الكسوة، ونظراً لضيق الوقت فقد كُلفّ وزير الحج والأوقاف حسين عرب بإعداد كسوة من القطع المحفوظة بمستودع الحرم، حيث صُبغت وكُسيت بها الكعبة في موعدها في العاشر من ذي الحجة سنة (1381هـ /1962م)، وسط احتفاء كبير حضره كبار المسؤولين ورؤساء البعثات وأعضاء السلك السياسي وكبار الحجاج، وشاركت الإذاعة السعودية بنقل هذا الاحتفاء مباشرة على الهواء، إلا أن لون الكسوة بدأ يتغير فاضطرت وزارة الحج والأوقاف إلى تغييرها بكسوة جديدة تم صنعها في مصنع الكسوة الجديد.

وسرد حساب مؤسسة الملك سعود على "تويتر"، قصة إنشاء مصنع كسوة الكعبة المشرفة بجرول في مكة المكرمة بعهد الملك سعود، وأوضح الحساب أنه في عام 1962 م أمر الملك سعود بن عبد العزيز بتجهيز مصنع الكسوة المشرفة، وأسند هذه المهمة حينها إلى أخيه الملك فيصل، الذي كلف وزير الحج والأوقاف حسين عرب فقام باختيار مبنى تابع لوزارة المالية في جرول.

ونُقلت إلى الموقع الذي جرى اختيارة للمعدات والأدوات اللازمة لصناعة الكسوة، حيث أسند أمر إدارته إلى الشيخ "محمد صالح سجيني"، وبعد وفاته عُهد بالإدارة إلى محمد سالم غلام، فيما عهد بإدارته الفنية إلى عبد الرحيم أمين، أبرز الفنيين السعوديين خبرة في هذا المجال.

وتم الانتهاء من أول كسوة تصنع بالمصنع الجديد، بعد ثلاثة أشهر، وتحديداً في أغسطس 1962م، وكُتب عليها نص الإهداء التالي: "صُنعت هذه الكسوة في مكة المكرمة وأهداها إلى الكعبة المشرفة خادم الحرمين الشريفين سعود بن عبد العزيز آل سعود تقبل الله منه سنة 1381هـ".

وأشار الحساب إلى أنه في سنة (1382هـ/ 1963م)، تمت صناعة كسوة ثانية في المصنع أهداها الملك سعود إلى الكعبة، فكانت في غاية الجمال والإتقان، وكُتب عليها نص الإهداء التالي: "صُنعت هذه الستارة بمكة المكرمة وأهداها إلى الكعبة المشرفة خادم الحرمين الشريفين سعود بن عبد العزيز آل سعود تقبل الله منه".

وبتغيير كسوة الكعبة المشرفة تكون الكعبة قد كُسيت مرتين في الفترة من العاشر إلى ربيع الأول سنة1382هـ/أغسطس 1962م.




arrow_red_small 2 3 4 5 6 7 8 arrow_red_smallright