top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
خريدة القصر وجريدة العصر.. كتاب وحد المثقفين !
"خريدة القصر وجريدة العصر" كتاب أدبي يقع في 21 مجلدًا، ترجم فيه مؤلفه عماد الدين الأصفهاني لشعراء عدة في القرنين الخامس والسادس الهجريين. ذيّل عماد الدين الأصفهاني كتابه، كما يقول ابن خلكان على كتاب زينة الدهر لأبي المعالي الحظيري، الذي وضع كتابه ذيلا على "دمية القصر" للباخرزي، والتي هي ذيل "يتيمة الدهر" للثعالبي. واليتيمة ذيل على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم. جمع العماد في الخريدة كما يقول، ...
رقصة الحياة في زيارة ابن حزم الأخيرة
يقدم د. محمد السيد إسماعيل، في نصه المسرحي "رقصة الحياة وزيارة ابن حزم الأخيرة" تجربة أدبية، يستلهم فيها الماضي ليدمجه بالحاضر في رؤية استشرافية تُلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه. وفي زيارة ابن حزم الأخيرة، الزمن هو زمن ملوك الطوائف، حيث يدور حوار بين ثلاثة من كبار علماء المسلمين في الأندلس، ويكون الانهيار الوشيك للحكم الإسلامي في الأندلس، ويدور حوار بين كل من ابن حزم صاحب "طوق الحمامة"، وابن شهيد صاحب ...
الديكتاتورية تدَّعي الحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه
يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟ الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، ...
استيليو .. الخواجة اليوناني السكندري
شرد الخواجه استيليو في ماضي حياته، عندما نشأ في شارع الرحمة – قريبا من مدافن عمود السواري – كان يلعب مع أطفال الشارع، ينتظرون الميت، يدخلون خلف المعزيين، ويمد استيليو يده مثل باقي أطفال المسلمين لتلقي الهبات من المعزيين الذين يعطون قروشا قليلة، يسعد بها . أهله اليونانيون لا يعرفون ما كان يفعله مع أطفال المسلمين، انتقلوا بعد ذلك لمنطقة أبي الدرداء، أراض كثيرة وممتدة امتلكها اليونانيون هناك – حول ...
الحفرة ... رواية الرعب والتشويق
صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون النسخة العربية من رواية «The Taking of Annie Thorne» وجاءت الرواية تحت عنوان «الحفرة» وهي من تأليف س. تيدور مؤلفة «رجل الطبشور» وترجمة بسام شيحا ومراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة. وفي الرواية: ذات ليلة، تختفي آني من سريرها، تجري عمليات بحث واسعة يشترك فيها رجال الشرطة ومتطوعون محليون. وحين يظن الجميع بحدوث الأسوأ، تعود آني مجدداً – بعد ثمان وأربعين ساعة – بيد أن شقيقها، جو، ...
طبيب الأناضول رواية تاريخية اجتماعية حول المجتمع التركي
يعد الروائي أحمد حمدي تانبينار (1901 ـ 1960) أحد أهم الروائيين في تاريخ الأدب التركي المعاصر، كانت روايته التي ترجمت إلى العربية باسم "طمأنينة" واحدة من علامات التحديث في أدب بلاده، كتب تانبينار كذلك القصة والشعر والمقال، ويقام حاليا في إسطنبول مهرجان أدبي سنوي يحمل اسمه، كما يحمل متحف الأدب التركي المعاصر في إسطنبول اسمه أيضا. وهذه الرواية له "طبيب الأناضول" التي ترجمتها أماني محمد صبحي وصدرت عن دار ...







استقبل الهرم المنحني للملك سنفرو بمنطقة آثار دهشور وهرم الكا العقائدي، أمس السبت، الزائرين لأول مرة منذ عام 1965 بعد خضوعهما لأعمال ترميم وتطوير أجرتها وزارة الآثار المصرية.

ويعود الهرم المنحني إلى الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في مصر القديمة والتي حكمت قبل 2600 عام قبل الميلاد. ويبلغ ارتفاعه نحو 100 متر وله زاويتان للميل إحداهما 54 درجة حتى ارتفاع 49 مترا والثانية 43 درجة حتى ارتفاع 52 مترا.

وشهد الهرم العديد من أعمال الحفائر كان أولها في 1839 واستمرت حتى عام 1945 حين تم الكشف عن اسم الملك سنفرو مكتوبا أكثر من مرة على الكتل الحجرية للهرم.

يقع هرم الكا العقائدي على بعد نحو 55 مترا من منتصف الضلع الجنوبي للهرم المنحني، واكتشفه العالم المصري أحمد فخري في 1956. وقد تم غلق الهرم منذ اكتشافه حتى افتتح أمس أمام الزائرين.

وشملت أعمال ترميم وتطوير كل من الهرم المنحني وهرم الكا تركيب سلالم داخلية وخارجية وشبكة إضاءة داخل وخارج الهرمين إضافة إلى تقوية وتدعيم بعض أحجار الممرات وترميم غرفة الدفن بالهرم المنحني.

وعقب افتتاح الهرمين للزيارة أعلنت وزارة الآثار عن كشف جديد في المنطقة الواقعة على بعد نحو 300 متر جنوب شرقي هرم أمنمحات الثاني حيث عثرت بعثة تنقيب مصرية على جدار أثري متعرج يمتد بطول 60 مترا إلى الناحية الشرقية.

كما عثرت البعثة على عدد من التوابيت الحجرية والفخارية والخشبية التي يوجد بداخل بعضها مومياوات في حالة جيدة من الحفظ بالإضافة إلى عدد من الأقنعة الخشبية بعضها غير مكتمل، ومجموعات من الأدوات التي كانت تستخدم في تقطيع وصقل الحجارة.











يكاد يكون من المُتَّفَقِ عليه أن محمد حسنين هيكل هو الصحفي الأكثر تأثيرًا في العمل الصحفي في مصر والعالم العربي خلال الستين عامًا الأخيرة، كما أنه الكاتب السياسي الأكثر تأثيرًا في الفكر والحياة السياسية في الفترة ذاتها، وذلك ليس فقط لإنتاجه الصحفي خلال تلك الفترة، وليس فقط للدور الذي لَعِبَهُ في تحويل مؤسسة الأهرام من مؤسسة خاسرة مُعَرَّضَةٍ للإغلاق إلى صَرْحٍ من أكبر صروح الصحافة؛ وإنما وفقا للباحث يحيي حسن عمر في كتابه "كتابات هيكل بين المصداقية والموضوعية" للمَكَانَةِ المرموقة التي حظي بها إلى جوار الرئيس جمال عبدالناصر - الشخصية الأكثر تأثيرًا في العالم العربي في القرن العشرين حسب رأي عدد كبير من الأكاديميين والعامة - وأَهَّلَتْ تلك المكانةُ هيكل للَعِبِ أدوار سياسية في عهده وعهد خَلَفِهِ الرئيس السادات، كما كفلت له شهرة عالمية باعتباره (موضع الثقة) و(الناطق الرسمي) بلسان عبدالناصر، وهي الشهرة التي دعمها باتصالاته الواسعة مع نجوم الصحافة ووسائل الإعلام العالمية، وهو أيضًا الكاتب الأكثر إثارة للجدل في تلك السنوات وحتى الآن.

كتاب يحيي عمر هو رسالة ماجستير نوقشت وأُجيزت من كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وعنوانها "تاريخ مصر في كتابات محمد حسنين هيكل 1942- 2003"، وقد اختار منها عددًا من فصولها المهمة لتكون عماد هذا الكتاب الصادر عن دار العربي للنشر. حيث رأى أن لهيكل باعا كبيرا في مجال الكتابة التاريخية؛ حيث تتعدد كتاباته ذات الصِّبْغَةِ التأريخية، ومنها رصده للمراحل المختلفة لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، وكذلك تعرض لتاريخ الأقطار العربية، ودول الجوار مثل إيران وتركيا، وهو ما ظهر في كتب كثيرة له مثل: إيران فوق بركان، ملفات السويس، سنوات الغليان، الانفجار، أكتوبر 73 السلاح والسياسة، خريف الغضب، إلى غير ذلك من كتبه.


وفي ضوء ذلك اتبع الباحث مَنْهَجَ البحث التاريخي، الذي يقوم على أساس التحليل والمقارنة والاستنباط، من خلال عَرْضِ الوقائع التاريخية، والرَّبْطِ بين النصوص الوثائقية والروايات المختلفة والشهادات الشفاهية، ومحاولة استنباط الحقائق والاستنتاجات من بينها، من خلال مدخلٍ نقديٍّ يعتمد التحليل والمقارنة والتفسير، ويستهدف الكشفَ عن الأسباب الكامنة وراء النص التاريخي، ويضعُه في سياقاته الزَّمَنية والمجتمعية، مع التركيز على تحليل الخطاب في جوانبه التاريخية والسياسية مع التطرق إلى الأساليب اللغوية.

تناول الباحث الموضوعية والمصداقية في كتابات هيكل، حيث أجاب عن التساؤل المتعلق بمدى الالتزام بالدِّقَّةِ وشمول العَرْضِ وغير ذلك من أَوْجُهِ الموضوعية، وذلك من خلال دراسة محدِّداتٍ وضعتها الدراسة للوقوف على مدى ارتباط كتابات هيكل بمعايير الموضوعية، ومن تلك المحددات الإحاطة بمعظم دقائق ووقائع الموضوع التاريخي، وتشمل الإحاطة بالأطراف المتداخلة فيه، والعوامل الفاعلة فيه

ومن تلك المحددات الدِّقَّةُ في إيراد الوقائع التاريخية، والتحقق من المصادر ذات الصلة والمصداقية، ومنها عدم ظهور (الأنا) الصارخة للمؤرخ، الذي يظهر في إبراز دور الذات ومدح المقرَّبين وتشويه الخصوم، ومنها التوزيع المتوازن للكتابة طبقًا للأهمية، فلا يُسَلِّطُ المؤرخُ الأضواء على أحداث بعينها ويُلْقِي الظلال على أحداثٍ أخرى ليقود القارئ لنتيجة يريدها، ومنها استخدام معايير مُوَحَّدَةٍ – أو على الأقل متوازنة – لسرد وتقييم الأحداث التاريخية، أو بعبارة أخرى مشهورة: الكيل بمكيال واحد، لا بمكيالين أو مكاييل متعددة، تختلف باختلاف الأشخاص أو باختلاف العلاقة مع الشخص الواحد وتغيرها، ومنها الاهتمام بالسياق التاريخي للأحداث؛ فلا يُجَرِّدُ المؤرخُ الأحداثَ التاريخية من سياقها التاريخي مما يقود القارئ لنتائج مغايرة، ومنها عدم الانسياق وراء ميول دينية أو عرقية أو طبقية أو سياسية، أو الانصياع لضغوطات سُلْطَوِيَّةٍ انصياعًا يُوجِدُ فرزًا يُغَيِّرُ وقائع الحدث التاريخي.

درس الباحث تلك المحددات عبر استعراض الكثير من نماذج كتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة، وخلص إلى أنه "ثبتَ وجودُ نقائص موضوعية حقيقية متعلِّقة بعدم شمول تلك الكتابات للمواضيع التي تبحثها، مما يُغَيِّبُ الصورةَ الكلية للقارئ إذا اكتفى بها، وافتقارها للتوزيع المتوازن للكتابة عبر الأحداث المختلفة، واستخدام الكاتب للأضواء والظلال على نطاق واسع، فيُسَلِّطُ الضوءَ على جانبٍ رفيع من المشهد، ويتجاهل حقائق أخرى ويضعها في الظلال، كما يستخدم الكاتب معايير غير مُوَحَّدَةٍ للتقييم التاريخي، ويُسْرِفُ في مَدْحِ المقربين كما يُسْرِفُ في تشويه الخصوم على أسس شخصية".

كما أجاب الباحث عن التساؤل البحثي المتعلق بالتوثيق وطُرُقِهِ في كتاباته التاريخية، وذلك من خلال مناقشة مُوَسَّعَةٍ لمدى توثيق كتابات هيكل، ومناقشة طرق الحصول على الوثيقة، والتعامل مع مصدر الوثيقة، ثم في التعامل مع لغتها، ثم تعامله اللغوي معها في التعليق عليها واستخدامها في توجيه القارئ، ومناقشة عدم التوثيق في بعض كتابات هيكل وأنواعه وأسبابه، ثم دراسة إحصائية تحليلية لمدى توثيق بعض الكتب التَّأْرِيخِيَّة الرئيسية لهيكل، مع تحليل ملاحقها الوثائقية.

وهنا خلص الباحث إلى "أن الملاحق الوثائقية لكتب هيكل تتضخم بلا مبرر توثيقي حقيقي لكثرة ما فيها من وثائق منخفضة الأهمية، في الوقت الذي يعاني فيه مَتْنُ تلك الكتب من وجود الكثير من المعلومات غير الموثقة، ولم تَزِدْ نسبةُ توثيق المعلومات الرئيسية في أيٍّ من كتب هيكل عن 60%، في الوقت الذي لم تَزِدْ فيه نسبةُ الوثائق ذات الأهمية الحقيقية في أي من الملاحق الوثائقية للكتب عن الثلث.

ولعل أوضح ما رَصَده الباحث في دراسته من خَوَارِمِ الموضوعيةِ "يدور حول علاقة هيكل بالسُّلْطَةِ، فحتى في تلك العهود التي عارض فيها كانت لغةُ معارضته وحِدَّتُهَا واتساعها وشمولها تختلف في أثناء العهد وبعد انقضائه؛ ففي أثناء تلك العهود تكون المعارضةُ ذاتَ شكل موضوعي ومحدَّد وتُحَافِظُ على ما أسماه هيكل (مقام الرئاسة)، بينما بعد انقضاء العهد يَزُولُ التحرزُ أو الاعتبار لمقام الرئاسة، وتغدو المعارضة أكثر شراسةً وسُفُورًا شكلًا وموضوعًا، وتصل إلى أوصاف مسيئة للحاكم. كما يؤثِّر الانحيازُ السياسي والأيديولوجي للتجربة الناصرية على قراءة هيكل لتواريخ الحقب التي عاصرها وبعض ما قبلها، فتخرج قراءةً أيديولوجية يَشُوبُهَا التَّحَيُّزُ، تَنْتَقِي وتَحْذِفُ تبعًا لتلك التحيزات.

وتناول الباحث مرحلةَ نقد التجربة التي مَارَسَهَا هيكل عقب النكسة، وأوضح أنها "تَمَّتْ تحت رعاية عبدالناصر وحمايته، لكنها تظل تجربة مهمة ولافتة للنظر وجديرة بالمزيد من الدراسة، وأوضحت الدراسة - عبر أمثلة كثيرة - أن تَرَدُّدَ هيكل بين رغبته في المُضِيِّ قُدُمًا في نقد التجربة الناصرية - من باب سَدِّ ثغرة موضوعية في كتاباته - وبين خَشْيَتِهِ وضِيقِهِ من استخدامها أيديولوجيًّا - ضد الفكرة الناصرية وضده شخصيًّا - هو الذي قاده أحيانًا نحو التخبط في مسيرته النقدية تلك، فما يثبته في موضع ينفيه في آخر، وما ينتقده في موضع يدافع عنه في آخَر".

وأجاب الباحث عن التساؤل البحثي حول مدى المصداقية في كتابات هيكل التاريخية، وذلك عبر نَقْدِ العشرات من مرويات هيكل، ومقارنة مروياته بعضها ببعض، ومقارنتها بروايات الآخرين لها، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في حياة هيكل، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في علاقته بعبدالناصر، ومنها ما يتعلق بمسيرته السياسية والمواقف التي جمعته بالشخصيات السياسية الكبيرة.

وهنا أثبت الباحث عبر استعراض تلك الأمثلة الكثيرة ومضاهاتها إلى "أن كثيرًا من روايات هيكل لا تستقيم، فبعض تلك الروايات ينفي بعضها الآخر بصفة كُلِّيَّةٍ، وفي مواضع كثيرة تُنَاقِضُ بعضها البعض بطريقة يتعذر معها الجمع بينها، ورصدت الدراسة أسباب الحَيْدِ عن المصداقية؛ إذ أُرْجِعَ بعض تلك النماذج إلى الرغبة الجامحة لصحفي ذي حِسٍّ تاريخي في أن يقول إنه كان في موقع الحدث التاريخي، وأُرْجِعَتْ نماذجُ أخرى إلى الرغبة في إعادة تكوين ماضٍ مجيد يكافئ الحاضر المجيد الذي أَحْرَزَهُ من خلال موقعه إلى جوار عبدالناصر وإنجازاته السياسية والصحفية، وبعضها كان للرغبة في التخلص من بعض مشاهد الماضي التي لا يراها مُنَاسِبَةً لما حَصَّلَهُ بعد ذلك من المجد، وتم عزو نماذج أخرى إلى الرغبة في تشويه خصوم سياسيين والحَطِّ من قَدْرِهِم، مثل النحاس باشا، ومحمد نجيب، والسادات، ومبارك، وسامي شرف، ومصطفى أمين، وغيرهم،

وأُرْجِعَتْ وقائع منها إلى الرغبة في التغطية على بعض وقائع الفشل للنظام الذي ينتمي إليه، وبعض تلك النماذج غلب عليها الطابع الروائي، وكان غرضها تكوين جو من الإثارة الصحفية لإيصال الرسالة السياسية، كذلك تَمَّ رَصْدُ الكثير من اختلافات الترجمة بين الطبعات الإنجليزية والعربية لكتب هيكل، التي كانت في جُمَلٍ أو فقرات مُحَدَّدَةٍ، مما ينفي أن حَذْفَهَا في تلك المواضع كان خَشْيَةَ التطويل، وكان لهذا التلاعب في الترجمة أغراض مختلفة.. إلى آخر ما تَمَّ استعراضُه في ذلك الفصل وأجاب عن التساؤل البحثي إجابة تفصيلية".

كما ركز الباحث في كتابه أيضا على أساليبَ التلطيف اللفظي عند هيكل، وعقد المقارنات، والاستشهادات الأدبية والشعرية، والتضفير الديني والاستعارات الدينية، واستخدام الأمثال الشعبية وضرب الأمثلة، واستخدام لغة الغموض، واستخدام الخطاب العاطفي، وعبارات التوكيد، ووضع الحوار على ألسنة الآخرين لتوكيده، والأسلوب القصصي بأنماطه السردية والوصفية والحوارية، واستخدام الأسلوب الإنشائي والمبالغات، واستخدام أساليب التشويق والإثارة الصحفية، واستخدام الاستدلال التاريخي العقلي، والإثبات بنفي الضد، وسَكّ المصطلحات واستخدامها.

وكشف الباحث في ضوء ذلك عن الخصائص التي ظهرت مبكرًا في معظمها في أساليب هيكل الكتابية، واستمرت معه وزادها الزمن ثقلًا وصقلًا، بينما توارت بعض الظواهر عبر الزمن مُفْسِحَةً المكان لغيرها، مثل الأسلوب المباشر والصريح في الهجاء الذي تَرَاجَعَ بعد النكسة مُفْسِحًا المجال لأساليب أخرى غير مباشرة تعتمد على التعريض والإيحاء كما ذُكر آنفًا، كما أوضح أن الاستعارات والتشبيهات هي أكثر الوسائل البلاغية التي استخدمها هيكل لنَيْلِ استحسانِ القارئ من جهة، والتأثير عليه فكريًّا من جهة أخرى، فمعظم استعاراته لها هدف إقناعي، وأن استخدام الاستعارات يؤدي بالضرورة إلى التركيز على حقائق وإلى إخفاء حقائق أخرى؛ إذ ستؤدي الاستعارة إلى التوجيه نحو لوازمها وصرف الانتباه عما عداها.

وألحق الباحث بكتابه أربعة ملاحق، اشتمل الملحق الأول على رصد لمقالات هيكل في مرحلة ما قبل الأهرام، وهو أول رصد من نوعه لتلك المقالات، واشتمل الملحق الثاني على لائحة بكتب هيكل، واشتمل الملحق الثالث على الدراسة التحليلية لتوثيق معلومات كتاب "بين الصحافة والسياسة"، مع تقييم للملحق الوثائقي لذلك الكتاب، كما اشتمل الملحق الرابع على صورة أول مقالة نُشِرَتْ لهيكل بتوقيعه، وكانت بعنوان "كنت أتمنى أن أكون معهم"، حيث نُشِرَتْ في روز اليوسف في 19/8/1943، ولم يُشِرْ أيٌّ من المراجع إلى تلك المقالة قبل هذه الدراسة، واشتمل كذلك على صور عدة وثائق أخرى.

وقد خلص الباحث إلى نتيجةٍ مُؤَدَّاهَا أن "كتابات هيكل لا تُعَدُّ تأريخًا منهجيًّا؛ لافتقارها إلى الأدوات المنهجية حتى في مجال توثيق المعلومات التاريخية التي تَحُوزُ فيها تلك الكتابات شُهْرَةً شَعْبَوِيَّةً بخصوصها، كما لا تُعَدُّ تلك الكتابات شهادةً تاريخيةً يُعْتَدُّ بها؛ بسبب افتقارها إلى الموضوعية في مُحَدِّدَاتِهَا المختلفة التي تم سردها في الفصل الثاني، ولضَعْفٍ في خاصية المصداقية كما ورد تفصيلًا في الفصل الثالث، على أنها تظل ذات أهمية كبيرة باعتبارها المرجعَ الأشهر للقراءة السياسية الناصرية للتاريخ، وهي مهمة للتعرف على الفَهْمِ والتصور الناصري لتلك المراحل والوقائع، فكتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة - حتى في تناولها للعصور القديمة والوسطى - تُعَدُّ قراءةً سياسية أيديولوجية في المقام الأول، تُرَكِّزُ على ما يَدْعَمُ تلك القراءة، وتَنْفِي ما يخالفها وتُبْقِيهِ في الظلام".

محمد الحمامصي













يعتبر هذا الكتاب "المختطفات.. شهادات من فتيات بوكوحرام" وثيقة مهمّة ومناشدة حقيقية من أجل سياسات لجوء أكثر إنسانية. ففيه يعرض لنا المؤلف فولفجانج باور حوارات أجريت في يوليو/تموز عام 2015، ومرة أخرى في يناير/كانون الثاني 2016 مع أكثر من ستين فتاة وسيدة ممن نجحن في الفرار من معسكر رقيق جماعة "بوكو حرام" الإرهابية.. كما يوثق بصورهن التي أخذها المصور الفوتوغرافي أندي سبيرا.


يقول فولفجانج "كان كثير من النساء اللاتي تحدثنا إليهن قد فررن لتوهن قبل أيام قليلة من الغابة غابة سامبيسا، وتوثق شهاداتهن تلك الجرائم التي لا يصدقها عقل، وتمنحنا نظرة على الحياة الداخلية لهذا التنظيم؛ فالأمر هنا يتعلق بجماعة إرهابية قتلت في السنوات الأخيرة أكبر عدد من البشر، ربما أكثر ممن قتلهم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ورغم أنها جماعة قاتلة إلى هذه الدرجة، فإننا لا نعرف عنها سوى القليل؛ فكيفية إدارتها ليست واضحة، وكذلك ماهية أهدافها طويلة المدى

وليس واضحا كذلك من الذي يمولها، ولماذا يتخذ تلك القرارات، كما لا تقدم شهادات النساء المختطفات أجوبة عن هذه الأسئلة، لكنها تساعد على الاقتراب من الإجابة؛ فأقوالهن ليست فقط مصادر معلومات عن بوكو حرام بل هي أكثر من ذلك: إنها شهادات لذواتهن؛ لأنها تصحبنا إلى حياتهن التي ظلت غريبة علينا رغم الإنترنت والعولمة، كما تقودنا أقوالهن إلى حواري القرى التي يقطنها والتي لا نستطيع أن ننطق أسماءها بطريقة صحيحة، والتي لا تظهر إلا على قليل من الخرائط، وكم هي مؤلمة أقوال هؤلاء النساء؛ لأنها من بين أسباب أخرى توضح لنا إلى أي مدى نظرتنا ما زالت محدودة، وإلى أي مدى يعد نموذج إدراكنا ضيقا، كم هو ضئيل فهمنا لهذا العالم، وهذا الزمن الذي نعتبره زمننا".


ويشير فولفجانج إلى أن بوكوحرام تتخذ مقرها الرئيسي في مستنقعات غابة "سامبيسا" لتختفي بها، ويصف الغابة بأنها "الغابة - التي باتت تُسبِّب الذُّعر لدولةٍ حديثةٍ - مُعتمة ويكاد يكون التَّغوُّل فيها غيرَ ممكن، يظن كثير من أهل نيجيريا أن من يطأها لن يجد طريقه للخروج منها أبدًا؛ فهم يقولون إن هناك لعنة من العصور القديمة قد حلَّت عليها؛ فالغابة إذًا قديمة، لدرجة أن أحدًا لا يستطيع أن يؤكد معنى اسمها الأصلي؛ فغابة سامبيسا هي الأخيرة من نوعها؛ إذ لم يتبقَّ سواها من بين كل الغابات الكُبرى في شمال شرقي نيجيريا، وأشجار هذه الغابة ليس بها أي شيء مرتفع؛ فلا يتجاوز ارتفاعها بضعة أمتار قليلة، وهي أشجار معوجَّة ومُتداخلة في بعضها البعض، أدغالها مليئة بالأشواك الحادَّة مثل المخالب، وتيجان أشجارها تعوق التطلُّع للسماء، ونادرًا ما تنجح الشمس في النفاذ إلى داخلها، وصولًا للأرض، كما أن تُربتها ليست ثابتة، والأنهار الضخمة التي تنبع من جبال ماندرا لا تجري لتصبَّ في البحر، بل تنتهي في مستنقعاتها، ويوجد في هذه الغابة كثير من الحيوانات المتوحشة، إلا أن الإنسان هو أخطر قاطنيها، وتحديدًا الرجل".

شهادات النساء التي وثقها فولفجانج تبدأ بسرد حياتهن قبل اختطافهن من قبل الجماعة الارهابية، ثم تتشعب إلى شهادات بناتهن القاصرات وأطفالهن وأزواجهن، وهنا نأخذ جانبا من شهادة بتولا وقد اختصرنا منها الكثير:

لدى "بتولا" البالغة من العمر واحدا وأربعين عاما ثمانية أبناء، إنها سيدة مفعمة بالقوة، تتحدث بسرعة، أتت بصحبة ابنتها "رابي" البالغة من العمر ثلاثة عشر عاما، ترضع "بتولا" رضيعها البالغ من العمر أسبوعين، لقد كانت حبلى به عندما اختطفتها "بوكو حرام"، التقينا بها في مدينة "يولا"، كان زوج "بتولا" يعمل بالزراعة ويشغل لديه عديدا من العمال الزراعيين، حتى وقع هجوم "بوكو حرام"، وما زال مفقودا حتى اليوم، شأنه في ذلك تماما شأن ابنتها الكبرى، في حين لقي سبعة عشر فردا من أفراد أسرتها حتفهم مقتولين، عاشت "بتولا" تسعة أشهر في معسكر "البوابة 1"؛ لا تفصلها عن شقيقتها "سعدية" سوى أشجار قليلة، كما ظلت ابنتها "رابي" قيد الاعتقال في معسكر "البوابة 2" حيث كانت ترى "تالاتو" في مدرسة تحفيظ القرآن، لكنها لم يكن مسموحا لها أن تتحدث معها.

تقول "بتولا":

في صباح اليوم الذي جاءت فيه عناصر مقاتلي "بوكو حرام"، كنا في الطريق إلى حقلنا، سمعنا من خلفنا صوت إطلاق رصاص بندقية، جاءنا صوت طلقات من القرية، قلت لأبنائي إن عليهم أن يختبئوا في الأحراش، قررت العودة إلى القرية لكي أحضر باقي أفراد العائلة، شعرت بخوف شديد، لكنني لم أستطع ان أترك أبنائي وأمضي! رأيت المقاتلين بالفعل في الطريق إلى القرية، كانوا يرتدون زيا عسكريا مموها ويضعون عمامات على رؤوسهم، أطلقوا النيران على جميع الرجال، وحتى العزل منهم، لقد رأيت هذا، رأيت، كيف أطلقوا النيران على الرجال، الذين حاولوا أن يهربوا بالدراجات البخارية، فانقلبت الدراجات البخارية ومات الرجال، رأيت في الطريق 11 قتيلا عندما كنت أحضر الأبناء من المنزل وأسرع معهم إلى الأحراش.

انطلقت طائرة مقاتلة مسرعة من فوقنا، أطلقت الطائرة نيران مدافعها في القرية، ببساطة هكذا، دون أن تستهدف هدفا معينا، لقي تسعة أشخاص مصرعهم في منزل ابنتي الكبرى، أثر قصفهم بالطائرة النفاثة. كانوا ثلاثة من أبناء الزوجة الأولى لزوجها ووالدة زوجها، بالإضافة إلى خمسة أقارب آخرين، كانوا قد نجوا بأنفسهم لتوهم من قرية أخرى متجهين إلى "جوبلا"، كانوا امرأتين وثلاثة أطفال.

عندما تمكنت من الوصول إلى الجبال بصحبة أبنائي، قالت لي سيدة من "جوبلا" إن ابنتي لقيت مصرعها إثر غارة الطائرة المقاتلة، تركت جميع أبنائي لدى هذه السيدة وأسرعت مرة أخرى إلى القرية بالأسفل، انتظرت لحظة لا يقع فيها إطلاقا للنيران، كان المقاتلون قد ذهبوا إلى البلدة التالية على متن دراجاتهم البخارية!، كانت خائرة القوى للغاية، لكنها حية، بكينا واحتضنا بعضنا، كنا نقف أمام منزلها المدمر، رأيت ساقا مقطوعة، كائنة وسط الأنقاض، كان هناك كثير جدا من الموتى في الشوارع، لقد سقط أغلبهم ضحايا لـ "بوكو حرام"، رأيت بعيني ثلاثة وأربعين جثة.

وتضيف بتولا:

بدأنا بعد ذلك في دفن جثامين موتانا، كانت الكلاب تنهش بالفعل فيهم، وكان علينا أن نواري جثامينهم الثرى، لم يكن بإمكاننا أن نسمح للكلاب أن تفترس جثامينهم عن آخرها! كنا خمس نساء جرؤن على العودة إلى القرية، رجوت خالتي أن تترقب ظهور المقاتلين لكي تحذرنا في الوقت المناسب، حفرنا، نحن النساء، خفرة لكل جثمان، آلمتني ذراعاي جدا من كثرة الحفر، كان من بين الجثامين التي دفناها أيضا جثمان جندي، كنا قد وارينا جثامين ستة عشر شخصا، حين باغتنا المقاتلون هنا مرة أخرى، جاءوا على متن دراجات بخارية وسيرا على الأقدام هددونا بالقتل، لم تكن خالتي قد رأتهم، فقد كانت طاعنة في السن.

صرخ فينا رجال "بوكو حرام" قائلين: "من الذي سمح لكن كي تحفرن قبورا؟ "دفعونا وضربونا، قيدوا أيدينا خلف ظهورنا بأحبال بلاستيكية وجاءوا بنا إلى منزل تاجر الخمر، وبالداخل، أخذوا يضربوننا بالسياط، تلقيت ثلاثين جلدة بالسوط، لن أنسى هذا الرقم أبدا، لقد تفتق ظهري بأكمله من الجراح وبلل الدم ملابسي بالكامل، إن ظهري يؤلمني حتى اليوم بسبب هذه الضربات، وبعد ذلك بوقت قليل، توفيت الخالة، التي كان من المفترض أن تحذرنا من قدوم "بوكو حرام"، عقدوا غمامة حول رؤوسنا، كي لا نرى شيئا، ظللنا طوال الليل نجلس القرفصاء في هذا المنزل والغمامات حول أعيننا، توفيت الخالة العجوز؛ لأن رأسها كان مفلوفا بغمامة سميكة أكثر ما ينبغي؛ فلن تستطع التنفس على الوجه الصحيح، كان اسمها "تشام"، سمعنا طيلة الليل صوت تنفسها، ينبعث على نحو متحشرج، حيث قالت لنا بصوت لاهث "فكوا غمامتي"، وكررتها "فكوا العصابة" غير أن أيدينا كانت مقيدة، وافتها المنية نحو الرابعة صباحا.

عندما دخل إلينا المقاتلون مرة أخرى في الصباح التالي، لاحظوا أن الخالة ماتت، ألقوا بجثمانها في بئر تقع أمام المنزل مباشرة، سمعت صوت الجلبة الناتج عن إلقاء جثمانها في الماء، لم أستطيع في هذه اللحظة أن أبكي، لم أستطع أن أفكر، تواصلت المعارك، وبشكل مفاجئ، قرابة الظهيرة، اقتحم الجيش مرة أخرى القرية، لاذ القائمون على حراستنا بالفرار، رتل من الدبابات، كنا قد سمعنا صوتها بالفعل من مسافة بعيدة، صوت طقطقة جنازيرها المخيف، صوت الطلقات، نجحت إحدانا في التحرر من قيودها، ومن ثم نزعت قيودنا جميعا، ركضنا في القرية نحو الجبال، رأينا الجنود قادمين على متن خمس دبابات، كان لدى مقاتلي "بوكو حرام" كذلك دبابات، أطلقت إحدى دبابات مقاتلي "بوكو حرام" النيران؛ فسقطت إثر ذلك إحدى دبابات الجيش في الماء، أطبق المقاتلون الحصار على الجنود، انضم كثير من الجنود عندئذ لنا نحن النساء، وفروا معنا إلى الجبال، طلبوا منا أن نعطيهم ثيابا، كانوا يشعرون بخوف بالغ لدرجة أنهم تنكروا في زي نساء.

هكذا نجونا بأنفسنا ثانية حين فررنا إلى الجبال، التي تبعد عن "جوبلا" بمسافة عشرين كيلو مترا. توجهنا إلى مملكة "سوكور" القديمة، لكننا لم ننعم بالأمن هناك طويلا، فقد كانت "بوكو حرام" تبغض أهل قرية "سوكور"، كانوا وراءنا.

تواصل "بتولا"

اقتادنا المقاتلون، نحن النساء والأطفال إلى الأسفل، نحو "جوبلا"، لم يقولوا لنا ما الذي سوف يفعلونه بنا، كنا قرابة أربعين امرأة، وفي "جوبلا" رأيت بعد ذلك جارنا الذي يدعى "بابالابا"، في محطة الباصات الكبيرة الكائنة في شارع "ناشيونال"، كانت أمي ترتبط بعلاقة صداقة حميمة للغاية مع أمه، لقد أصبح الآن زعيم مقاتلي "بوكو حرام" في المنطقة، لقد رآني، لكنه تظاهر بأنه لا يعرفني، كان هناك 16 رجلا من قريتنا يركعون إلى جانبه في الشارع، كانوا راكعين على هيئة صف طويل، تحدث "بابالابا" إلينا قائلا "لقد جئنا بكم إلى هنا، لكي تروا، كيف نقيم حدود الله".

كان "بابالابا" يعمل في السابق في تجارة جلود البقر والماعز، يبلغ عمره نحو ثلاثين عاما، ويسكن على بعد منزلين منا، أعرف أنه لم يسبق له قط أن ألقى بالا لأسرته، هو متزوج، ولديه ثلاثة أبناء، كان سقف منزله غير محكم، فكان المطر يدخل دائما إلى المنزل، كانت أسرته فقيرة قبل انضمامه لـ "بوكو حرام"، كان نكرة، عندما استولت "بوكو حرام" على القرية، اتخذ لنفسه ثلاث فتيات من البلدة، لقد اختطفهن وتزوج بهن، وأخذهن مع أسرته إلى الغابة.

ضرب مقاتلو "بوكو حرام" أعناق الرجال بسيوف طويلة، كانوا يضغطون عليهم لأسفل، ويمسك أحد المقاتلين بهم ويقطع الثاني رؤوسهم، استمر الأمر وقتا طويلا جدا، لا أعرف، كم استمر، كانوا بعد ذلك يرفعون رؤوس المقتولين إلى أعلى بحيث نستطيع أن نراها جميعا، ويلقون بها في الشارع، ثم يقربون منهم الرجل التالي، الذي حان دوره، كان هؤلاء الرجال قد ظلوا مختبئين في المنازل، وحاولوا أن يلوذوا بالفرار من القرية، هذا ما حكوه لنا، أخذ الدم يتدفق من جذوع الرجال، كانت الأجساد ترتجف، عندما يخرج الدم بأكمله من الجسد، يتوقف الجسد عن الارتجاف، قبل أن يقطع مقاتلو "بوكو حرام" رؤوس الرجال، عصبوا أعينهم، كنت أعرفهم جميعا، كان زوج ابنتي الكبرى واحدا منهم، اسمه "موسى" كان يركع أمامنا أيضا "هارونا" و"عبدالله" و"بابا" و"ماي" و"جورو"، يمكنني أن أخبرك أيضا بأسماء الآخرين.

قتلوهم جميعا، ماعدا رجلا واحد، اسمه "إيجاكرايو"، الذي كان يريد في بادئ الأمر أيضا أن يلوذ بالفرار مع الرجال، لكنه انقلب عليهم بعد ذلك وتعاون مع "بوكو حرام" وأطلع المقاتلين على الدرب المؤدي لقرية نائية صغيرة، كانت القرية تدعى "واكارا"، ولا يسكنها سوى المسيحيين.
في ذلك المساء نقل "بابالابا" ورجاله الفتيات اليافعات أولا بعيدا على متن سيارات نقل، وقد جاءت سيارات النقل ذاتها مجددا في الصباح التالي، ثم أرغمونا نحن الأكبر سنا على البقاء في مكان الشحن في السيارات، نقلونى بصحبة أبى، عرفنا في غضون ذلك، إلى أين سينتهي بنا المطاف، إلى غابة "سامبيسا".

محمد الحمامصي













يضم كتاب "الرواية في زمن مضطرب" بين دفتيه مجموعة من الدراسات النقدية، حيث يقول مؤلفه د. فهمي عبدالسلام: "إنها ليست دراسات بالمعنى الأكاديمي للكلمة، لكنها قراءات في عدد من الروايات التي فُتنت بها، وقرأتها العديد من المرات، ووجدتها في كل مرة تزداد روعة وألقاً، وكتبها روائيون عظام ينتمون إلى جيل عمالقة الأدب، وهم نجيب محفوظ وفتحي غانم ولويس عوض ويوسف إدريس، والساخر العظيم محمود السعدني".

وكان من الطبيعي أن ينال الأديب الكبير نجيب محفوظ اهتماماً فائقاً، حيث يعتبره المؤلف قامة لا تقل عن أساطين الأدب في العالم عبر التاريخ، فهو لا يقل عن شكسبير وديستوفسكي وتشيكوف، فيضم الكتاب أربع دراسات في أدب محفوظ، دراستان عن “المرايا” ودراسة عن “اللص والكلاب”، والرابعة عن رواية “ميرامار” حيث يقول عنها: ”المرايا تحفة أدبية عظيمة، وأحببتها بشكل خاص؛ لأنها سيرة ذاتية لصاحب نوبل، وهي بانوراما وجدارية هائلة تتكون من بورتريهات بديعة لأربع وخمسين شخصية، ونشرها الراحل الكبير في مجلة الإذاعة والتليفزيون في حلقات، ورسم الفنان الكبير سيف وانلي لوحات رائعة لشخصيات المرايا، وتوقف يحيى حقي عند المرايا، وأثنى عليها لنصاعة الفكرة، والتناول الباطني للشخصيات، والقدرة العظيمة للتنقل من السرد إلى الحوار، ووجدت نفسي لا أرتوي من قراءة المرايا.


وقال أحد محبي صاحب نوبل عن المرايا: إن محفوظ قال له عن المرايا: “كنت أنتوي أن أكتب سيرة ذاتية، وكنت أفكر أن عندي مادة كبيرة لشخصيات في ذهني، وعند الكتابة لم أجد سوى سطور قليلة، والعكس صحيح. شخصيات لا أكاد أتذكرها، وعند الكتابة وجدتها تضج بالحياة؛ لهذا ضحيت بالحقيقة وبالسيرة الذاتية لصالح الفن”.

يقول المؤلف: قررت أن أكتب عنها خمسة مقالات بعنوان: “مرايا نجيب محفوظ مرايا صادقة لأحزان الوطن”. وبدأتها بواحدة عن دنيا الوظيفة وعالم الموظفين، واهتمام محفوظ بالموظفين يتجلى في تحفته "حضرة المحترم"، وفي المرايا أعاد محفوظ اهتمامه بالموظفين عندما كتب عن وظيفته والنماذج التي قابلها وزاملها عندما كان يعمل في وزارة الأوقاف.

أما الدراسة الثانية فهي تخص الأدباء والكتاب والمثقفين، فلم يكن من المعقول أن يكتب محفوظ – وهو المنخرط في الوسط الأدبي والثقافي منذ الثلاثينيات – عمّن عرف من الشخصيات ولا يكتب عن المثقفين والكتاب الذي عرفهم، ومن خلال بورتريهات المرايا، قدم لنا الانتهازيين والنبلاء واليساريين ولم ينس أن يقدم صورة قلمية لسيد قطب، اختار لها اسماً مستعاراً (إسماعيل الحلواني)؛ لذا كتب الناقد الدراسة الثانية عن أهم الشخصيات في الوسط الثقافي والأدبي الذي عرفهم عن قرب، والثالثة – لم يكتبها – عن زملاء محفوظ في المدرسة والجمالية والعباسية وقد تجاوروا منذ طفولتهم حتى الوفاة والمعاش، ورابعة عن عشيقات أديبنا الكبير كما كتب عنهم، والخامسة بعنوان شخصيات متفرقة.

المقال الثاني الذي كتبه لمجلة ”الهلال” كان عن رواية “اللص والكلاب”، فهي الرواية الأولى التي كتبها محفوظ بعد توقفه عن الكتابة لمدة خمس سنوات، وكان قد انتهى من نشر الثلاثية، فقامت الثورة وتوقف محفوظ عن كتابة الروايات وانشغل بكتابة السيناريو، وكان توقفه لأنه وجد أن الثورة بتطبيق وبتحقيق المطالب الاجتماعية قد حققت – تقريباً – ما كان يأمل في تحقيقه من العدالة المنشودة، وعاد بعد خمس سنوات ليكتب بعد التوقف الطويل “أولاد حارتنا” ثم “اللص والكلاب”.

ويطالع القارئ عدة دراسات وقراءات في أعمال قامة عظيمة من القمم الروائية من جيل العمالقة، سنجد الأديب الكبير فتحي غانم العديد من الدراسات في أعماله الخالدة، وحيث كتب الناقد عن رواية “الجبل”، التي كانت أول أعماله الروائية، التي نشرتها روزا اليوسف على حلقات، وكانت بداية رائعة تنبئ عن كاتب موهوب قدير، حيث يجد القارئ عمق الرؤية والهم الوطني والالتزام الاجتماعي والصدق الفني، وهي تتناول سكان قرية القرنة (الجرنة) في الصعيد، ويعيشون في الجبل، وتبنى لهم الدولة قرية نموذجية ولكن السكان يفضلون جحورهم في كهوف الجبل، ويقاومون السلطة في عناد، فيذهب المحقق فتحي غانم – الذي كان يعمل بالفعل في إدارة التحقيقات بوزارة من الوزارات – ليحقق في القضية، فيعود لنا برواية فذة لفتت إليه الأنظار.

أما رواية "العنقاء" فهي الرواية الوحيدة التي كتبها المفكر الكبير لويس عوض، وكتبها عام 1954، لكنها لم تصدر إلا في السبعينيات، وتضاربت الآراء بصددها، واعتبرها توفيق الحكيم رواية عبقرية – في المقدمة البديعة التي قدم بها الرواية – لو صدرت العنقاء والكلام مازال لتوفيق الحكيم، بعد كتابتها مباشرة (عام 1954) لكانت غيرت مسار الرواية المصرية، ولغيرت معها توجهات لويس عوض.

وفي الكتاب قراءة في رواية يوسف إدريس الوحيدة الصادرة عام 1958، والتي نشرت في الثمانينيات، وهاجم اليساريون الرواية بضراوة، وهاجموا انتهازية يوسف إدريس، واتهموه بأنه يتنصل من يساريته وانتمائه للتنظيمات اليسارية كيلا يزج به في المعتقل، وأنه باعهم لينجو، وقد يكون كل هذا به شيء من الحقيقة، لكن – كما سيرى القارئ – شخص يوسف إدريس الأمراض الشائعة في ممارسات التنظيمات اليسارية السرية في ذلك الزمان.

أما آخر الأعمال فهي للكاتب محمود السعدني وهي مذكراته عن فترة اعتقاله مع الشيوعيين في ليلة رأس السنة إياها! ويقدم السعدني صورة فكاهية للمفارقات العجيبة في تلك الحبسة، واسمها يدل عليها "الطريق إلى زمش" وكانت المنظمات اليسارية تطلق أسماء التنظيمات بكلمات تتكون من الحرف الأول من كل كلمة فمثلاً "حدتو" هي اسم حركة ديمقراطية للتحرر الوطني، ووحدة الشيوعيين هي "وش"، وطليعة الشيوعيين هي "ط ش". إلى آخره، وكون السعدني تنظيماً أطلق عليه "زمش" وهي اختصار لـ "زي ما انتا شايف"، والسعدني يضحكنا على الشيوعيين وعلى المعتقل، لكنه ضحك كالبكاء.
ويقول المؤلف: "كل مقالات الكتاب نشرت في مجلة الهلال وكلها عن أعمال كتبها عملاق من عمالقة جيل العمالقة، وصدرت كلها منذ ربع قرن – وربما أكثر – من الزمان، ولم يلتفت معظم الأجيال الشابة لها بحكم الزمن، ولعل في القراءات التي قدمتها لتلك الأعمال، ما يدفع الشباب لقراءة تلك القطع الأدبية الفريدة، ومعرفة تاريخ بلادهم السياسي في ذلك الزمن المضطرب، من كبار كتابنا، وليتعلموا – كما تعلمت منهم ومن أعمالهم – أسرار صناعة الكتابة الروائية".

يذكر أن كتاب "الرواية في زمن مضطرب" للدكتور فهمي عبدالسلام، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة
حازم خالد














صدر حدثياً للكاتب المصري ممدوح الشيخ سيرة روائية للفيلسوف اليهودي موسى ابن ميمون (1135 – 1204). وابن ميمون أشهر فلاسفة اليهود في العصور الوسطى وعاش في الأندلس والمغرب وفلسطين ومصر، وترك بعضاً من أهم المؤلفات في التراث اليهودي كله، أشهرها "دلالة الحائرين".

وبلسان "الراوي العليم" يقول ابن ميمون: "قِصَّتي تَبدُو غَريبَةً، وكَذلِكَ كَانَ حَالُ اليَهودِ في مَشَارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبِها، وكَما قَال إِبراهام بن عزرا "التَفَاسِيرُ كَالمَلبُوسَاتِ تَلتَصِقُ بِالجَسَدِ، فَمِنهَا رَقِيقٌ كَالحَريرِ ومِنهَا غَليظٌ كَالوَبَرِ"، وبَينَ الوَقَائَعِ والتَفسيرَاتِ كَانَ اليَهودُ في أَزمِنَةٍ كَثيرَةٍ ضَائِعين". "وفِي عَالَـم الأَندَلُس سَفَكَ الَخوفُ دِمَاءَ مَشهُورينَ ومَغمُورينَ، دِمَاءٌ دَفَعَ أَصحَابُهَا – أَو كَثيرٌ مِنهُم – ثَمَنَ خَوفِ صَاحِبِ تَاجٍ عَلَى عَرشِهِ، فَلمَّا مَلَأَ الَخوفُ ردهَاتِ القُصورِ، وسَدِّ الدَّمُ أَبَوابَ الأَمنِ، صَارَ مَأَلُوفًا استِئصَالُ جَمَاعَةٍ أَو تَحطِيمَ نُفُوذِهَا بِلَا رَحمَةٍ، وشَرِبَ العَرَبُ والبَربَرُ مِنَ الكَأسِ نَفسِهِ".

والرواية تتبنى رؤية لا تعيد إنتاج "الصورة النمطية للشخصية اليهودية" الشائعة في ثقافات عديدة في الشرق والغرب، تعيد الاعتبار – ربما للمرة الأولى – لمعاناة اليهود في دول عديدة خلال الحقبة الزمنية التي تدور فيها أحداثها، وبينها أحداث تاريخية شديدة الأهمية كصعود الموحدين والحروب الصليبية، وعلى لسان ابن ميمون يقول ممدوح الشيخ: "وَهَذِهِ الرِّسَالةُ الَّتي شُغِلتُ بِكِتَابَتها مُنذ أَشهُرٍ، رِوايتي لِـمَا رَأَيتُ وَمَن عَايَشتُ، فِي بِلَادٍ اختَرتُهَا وأُخرَى اختَارَتنِي. "ولا يَخلُو اختيَارٌ من قَسرٍ!"

ويقول ابن ميمون أيضاً: "من يهوديتي يبدأ كل شيء: الفخر، والخوف، والكره، والخطر، والرفعة، والمعاناة، والغربة، والألم؟

كيهودي – بل كمنتمٍ إلى بيت يهودي كبير – كان عليَّ أن أدرك ما لا يدركه كثير من عامة اليهود، وربما كان متوقعاً مني أن أحلَّ ألغازه، أو أن أدرك أسباب تعقيده، أو أن أبني جسراً لليهود الآخرين ليفهموا كيف يجتمع الاختيار الإلهي مع المعاناة وأحياناً المذلة والضعة، وكيف يمكن أن يتحمل اليهودي عبء الشريعة بأحكامها المعقدة والواقع بقيوده المرهقة؟ وكيف يستطيع إنسان أن يبتلع صورة شائعة عنه تنزعه من سياقه الإنساني، بينما هو يرى نفسه عضواً في الشعب المختار؟ وكيف يمكن أن يتعايش اليهودي مع حب جارف لأرض الأجداد، وفي الوقت نفسه مع غربة لا تكاد تتوقف من الشرق إلى الغرب، ومن منفى إلى منفى؟!!"

ومن القضايا المثيرة في الرواية الدور السياسي لـ "الخصيان الصقالبة" الذين يصفهم الروائي بالقول: "وهُم كَانُوا القَويّ الضَعِيف"!

وعن الطبيب ابن ميمون نقرأ في الرواية: "كَانَ أَبِي طَبِيبًا، وفِي صِبَاي كُنتُ أَرَى فِيهِ، وفِي الوَزيرِ حَسداي، أُمنِيةً أَتـَمنَّى أَن أُحَقِّقَ بَعضًا مِنهَا عِندَمَا أَكبر، وسَأَلتُهُ ذَاتَ يَومٍ عَن طَبِيبِ المَلِكِ وكَيفَ يـُمكِنُ أَن أُصبِحَ يَومَاً طَبِيبًا فِي قَصرِ مِن قُصُورِ الـمُلُوكِ. وصَمَتَ أبِي بُرهَةً ثـُم رَبَتَ عَلَى كَتِفِي وقَالَ: "اسمَع يَا مُوسَى .. كُن طَموحًا ولا تَكُن خَامِلاً، وامشِ مُبتَعِدًا عَن كُلِّ قَصرٍ، فَقَدِيمًا قَالَ الحَكِيمُ: "ثَلاثَةٌ لا يَأَمَنُهُن إِلّا غِرٌّ: مُصَاحَبَةُ المُلُوكِ، وائتِمَان النِّسَاءِ عَلَىَ الأَسرارِ، وشُربُ السُّمِ لِلتَجربَةِ". وقَالَت الحِكمَةُ: "السُّلطَانُ مَن لا يَعرِفُ بَابَهُ السُّلطَانُ".

وطَبِيبُ المَلِكِ يَكُونُ قَريبًا مِن المَلِكِ، وتِلكَ مُخَاطَرَةٌ، والأَسوَأُ أَنَّهُ يَرَى المَلِكَ عَارِيًا".

واستَغرَبتُ العِبَارَةَ فَسأَلتُ مُتَرَدِّدًا، تَرَدُّدَ الـخَجُولِ الـمُندَهِشِ: "عَارِيًا؟" فَرَدَّ أبِي: "نَعَم .. .. .. يَرَاهُ ضَعِيفًا ومُتَأَلِمًا، بَل رُبَّمَا عَاجِزَاً ومُشرِفًا عَلَىَ المَوتِ، والمُلُوكُ .. كُلُّ المُلُوكِ يُحِبُّونَ أَن يَرَاهُمُ النَّاسُ بِالتَّاجِ والصَولجَانِ، مُحَاطينَ بِالحَرَسِ تَتَلَألَأ مَهَابَتُهُم بِزِينَةِ المُلكِ". "فَإِن صِرتَ طَبِيبَ المَلِكِ فَاحذَر أَن تُخبِرَ أَحَدًا بِأَنَّكَ تَرَى المَلِكَ عَارِيًا".









كشف قيادة شرطة محافظة بابل جنوبي العراق، عن تحقيق أحد شروط منظمة اليونسكو المتمثل بتأمين مدينة بابل الأثرية وإبعادها عن العسكرة، بالتنسيق مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار.

وقال قائد شرطة محافظة بابل علي الزغيبي في مداخلة تلفزيونية، إن "قيادة الشرطة أخذت على عاتقها بالتنسيق مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار تحقيق شرط منظمة اليونسكو المتعلق بتأمين مدينة بابل الأثرية وإبعادها عن العسكرة".
وأضاف أنه "تم تحقيق الشرط من قبل الأجهزة المتخصصة، واعتماده ضمن المتطلبات المتحققة لإدراج مدينة بابل الأثرية على لائحة التراث العالمي".

وفي فبراير/شباط الماضي دعا الرئيس العراقي برهم صالح، منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) إلى وضع مدينة بابل الأثرية على قائمة التراث العالمي.

وتسعى وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية منذ عام 2010 لضم مدينة بابل الأثرية الى لائحة التراث العالمي، وإزالة كافة العقبات أمام هذه الخطوة.

وتمثل آثار بابل، الحضارة البابلية التي مرت بالعديد من السلالات الحاكمة التي استمرت منذ عام 1880ق.م إلى عام 500 ق.م، وكان أبرز من حكمها القائد حمورابي، والملك نبوخذ نصر.

وأهم آثارها الحدائق المعلقة التي بُنيت عام 600ق.م بأمر من الملك نبوخذ نصر تكريما لزوجته، وسميت بالمعّقة لأنها تنمو وتتدلى من شرفات القصور، وتعد من عجائب الدنيا السبعة حيث بُنيت على عقود الحجر النفيس، وكانت النباتات تزرع على طبقات مختلفة تناسب الأشجار والنباتات.

ومن كنوزها التراثية أيضا مسلة حمورابي وهي حجر الديوريت الأسود الذي دوّنت عليه شرائع الملك حمورابي، والذي يبلغ طوله ثمانية أقدام، وتظهر على هذه المسلّة التي تكسرت إلى ثلاث قطع قوانينه في القضاء والبيع والشراء والسرقة والزواج، والجيش، وأجور الحيوانات وغيرها فهي تشتمل على 300 مادة غطت العديد من أمور الحياة.

كما يعد برج بابل أحد أشهر معالم المدينة الأثرية، ويتكوّن من سبع طبقات دائرية لولبيّة الشكل حتى يصل في قمته إلى المعبد العالي، وكان البرج يحتوي على القصور، والمباني السكنية، والمعابد التي تناسب كافة طبقات البابليين.

وتضم المدينة أيضا أسد بابل وهو تمثال حجري يجسّد أسدا يفترس رجلا من العدو، ويعتبر الأسد رمزا لآلهة عشتار وتتميّز هذه البوابة ببراعة تصميمها فعلى سطوح جدرانها رسمت أشكال مختلفة من الحيوانات الأسطورية من السيراميك، والخزف الملون، وأبرز هذه الرسومات الأسود والعجول والتنين ومردوخ الخرافي والذي يجمع شكله بين جسم كلب والأقدام الأمامية لأسد والخلفية لطير وله وذيل طويل ينتهي برأس أفعى.










"مراجيح الناثر بدر شاكر السياب"، كتابُ ناقد ثائر ومدافع عن إرث بدر شاكر السياب هو الكاتب العراقي جاسم المطير الذي يُسائل بنبرة نقدية من استثمر في منجز السياب الشعري الضخم دون وجل من كتّاب صحافيين انتهازيين وشعراء وبعض دور النشر التي تتغاضى عن حقوق المبدعين العراقيين، ما يؤكد القناعة التي تجعل من النقد مواجهة مستمرة مع نوازع الإخضاع في المجتمع الاستهلاكي المفتقر إلى معيار متوازن للقيم.

يرتكز الكاتب جاسم المطير في كتابه على معلومات شخصية ساعدته كما يقول على الكشف عما فعلهُ بالمراجيح وخيزرانها المشتق من معاناة الشاعر بدر شاكر السياب، المنتمي، رائداً، إلى شمس الشعر الحر، حاملاً أثقال تجربة مريرة ومرض مقطر بالآلام، وجد ضرورة الكتابة عنها وعن فضلها وظلمها، اللذين سهّلا الأمر برأيه على أغلبية الشعراء العرب أن يزينوا قصائدهم برونق أحلام تطورية جديدة.

كما يشير الكاتب إلى أن مقالات هذا الكتاب، لا علاقة لها بدراسة شعر السياب أو شاعريته، وإنما الدافع الأساسي، الذي حفزه على جمع مقالاته في كتابه الوجيز هذا: "هو محاولة كشف (البيئة المحيطة) بالشاعر بدر شاكر السياب وتشخيص بعض عناصرها وتوضيحها، بجلاء، أمام القراء، أعني (البيئة السياسية) التي أحاطت ببعض جوانب حياة الشاعر السياب جاعلة منها مراجيح غير متوازنة، ألحقت الأذى بوضعه الشخصي وأساءت كثيراً إلى وضعه السياسي.

كان لتلك المراجيح وآلياتها أثرٌ كبيرٌ على تاريخه. رأيتُ أن من الضروري الاطلاع والتعرّف عليها، إلى جانب الإشادة بمكانته الشعرية السامية في الأدب العربي الحديث، التي يعجز عنها أولئك الشعراء المنتفعون من وراء إلصاق أنفسهم باسم السياب ومقارنة أو مقاربة أشعارهم بمآثره الشعرية، الزاخرة بسيول الصور الشعرية ومدّها. تلك هي مراجيحه، حرّكته بين خير الشعر وشر السياسة. سأتدرج بمقالات هذا الكتاب، محاولاً تركيز النظر إلى الظواهر الاجتماعية، التي خضعت لمراجيح السياب، المسببة لسُبّة المنافسة والتحاسد والمماحكة والصراع مع أصحابه من الشيوعيين وغيرهم".
يضم الكتاب – الذي جاء في 224 - أربعة عشر مقالاً جاءت تحت العناوين الآتية: "عن الانقسام الشعري وبداياته"، "بعض الحقائق الغائبة أو المعلقة"، "السياب بين الوعي الشعري والضياع الواقعي"، "السياب والثورية اليسارية"، بدر شاكر ظ"، (...) ومقالات أخرى.













"فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال" رواية عربية تغاير كل ما سبقها من روايات تقليدية، رواية لا تقوم على بداية وعقدة ونهاية، بل هي رواية الإمتاع والمؤانسة، والنقد السياسي والحمولة الفكرية الراقية، والجديد فيها أنها تتألف من كشكول يجمع كل لطيف وظريف وطريف ومدهش وجميل وساحر وغريب وضائع ومنسي في حياتنا المعاصرة وفي تراثنا أيضا.

إنها رواية واقعية بامتياز، ولكنها تطلق العنان للخيال المحلق، ليستحضر الروائي من خلالها الجن، وليدخل في باب المستحيلات والممنوعات والأساطير والخرافات، بل ويتوقف لدى فتح البخت وتفسير الأحلام، وحتى دعوات الأمهات يوردها، وقد جاء فيها: "روح إلهي العين ترقعك، وعلى الأرض تلطعك، وتفتتفك وما تجمعك، وتنادي وما حدا يسمعك، روح، إلهي توكل جنابك الفرشات، ويحاكموك عشر خوجات، ما يفهموا شو ما لك، وما يعرفوا جوابك من سؤالك، وما يلقوا إلك دوا، وتظلك تتوجع وما يسمع صوتك غير الهوا! إلهي يخطفك عزرائيل، ويكبسك في البرميل، ويحطوك في جورة أولها شبر وآخرها شبر، وتظلك بعد يوم القيامة في القبر، مع حية بسبع روس، ونار زرقا أحمى من نار المجوس".

ورغم أن ثلاثة أرباع ما في الرواية من أحداث ترتبط بشخصية وسيرة مبدعها الدكتور محمد حسين السماعنة، إلا أن ثقافته الموسوعية، ومطالعته لأجمل ما في تراثنا، جعلته ينسى نفسه، ويتقمّص شخصية بديع الزمان الهمذاني في مقاماته، ويقول ما لم يقله، ومن ذلك قوله: "الباص الذي حملني من الزرقاء إلى عمان، ومشى على صوت: اقصد، قضى يوما أو نصف يوم في الطريق، حتى إنني دفعت للكنترول الأجرة مرتين؛ فقد غفوت وصحوت، ثم غفوت ثم صحوت على صوته وهو يلم الأجرة في ماركا، فدفعت مرة أخرى".

د.السماعنة، الذي مزج في روايته بين اللعب والجد، وبين أدب الكبار وأدب الأطفال، وبين اللغة العربية الفصيحة واللهجة العامية، بين الأدب الساخر والرواية السيكولوجية، بين النص الأدبي والتراث الشعبي بكل ما فيه من أغان وزغاريد وأمثال وحكم وحكايات، الدكتور السماعنة نفسه، ألف روايته من عناصر متنوعة متغايرة، ومنها قصة داخل قصة، وحكاية داخل حكاية، الأمر الذي يذكرنا بروايات ومسرحيات إميل حبيبي، وألف ليلة وليلة، مع التأكيد على أن السماعنة لم يقتبس منهما أو يتأثر فيهما، ولكنه شاركهما في محاولات التغيير والتجديد عبر إدخال مواد تراثية قد تبدو غريبة على السرد الروائي التقليدي، وجعلها عناصر أساسية، ولكنها ممزوجة بتعليقات جانبية، تفصيلات ثانوية، واستخلاصات للعبر والتجارب، قدمها للقراء على طبق من أدب ملتزم بأرق الجماهير، وأفراح وأتراح القاعدة الشعبية.

والسماعنة الذي يدرك أن أمتنا بحاجة إلى منقذ، يستعرض قدراته اللغوية والبلاغية والسياسية في هذا النص الذي أقتطعه من روايته وقد حمل عنوان (المنقذ): "صحوت قبل عامين ونصف، على عبارات التمجيد والثناء والمدح والدعاء، وصارت طريقي، في قريتي الجبلية، المنسية فوق قمة جبل نابلس، مزنرة بالخضرة والمواويل، بين وجوه باسمة، وأيد ملوِّحة، وتسهيل وترحيب، وعبارات مزينة موزونة كثيرة، انتشرت على أعمدة الهاتف وأعمدة الكهرباء، وعلى جدران البيوت

وعلى بكس البندورة وبكس التين، وعلى ضمم البقدونس والملوخية، فظننت أن القوم جـُنّوا فسايرتهم وماشيتهم ووافقتهم، فصرت أرد الابتسامة بمثلها، والتلويحة بأحسن منها، حتى أعجبني هذا الواقع الجديد فركبته، ومن أذنيه شددته، ومن فمه أمسكته، وعلى صدري علقته، وكنت أقلّبه وأقوده إلى جهة أرغبها وجهة أرغب عنها، وأزيد من الابتسام، حتى استوت على التهليل لي الأقلام، ومضت الليالي والأيام، وأنا على فرش منضودة،وزرابي مبثوثة، وثيرة من التقديس والترصيص والتخليل والتخميس، تحملني وتطير بي العشيرة، وأيد مصفقة كثيرة صغيرة وكبيرة، حتى صدّقت نفسي، ورفعت بالأحلام رأسي، فصاروا ينادونني يا أيها المنقذ الملهم الهمام، ويا أيها الفارس المقدام، ويا أيها الحكيم الإمام صاحب الرأي السليم المنجي من الجحيم،فكانوا إن مرضت دجاجاتهم أتوني سائلين، وإن نشزت خيلهم أتوني مستفسرين، وإن ضجت قلوبهم أتوني مسرعين، وإن عوت كلابهم أتوني خائفين، فقد أعطوني الولاية عليهم في أمور حياتهم كلها، واستأذنوني في أمور معاشهم كلها في حلهم وترحالهم، وموتهم وحياتهم، ومأكلهم ومشربهم.

فانقلبت حياتي من نعيم ليلكي باذخ، إلى جحيم صارخ، فوضعت بيني وبينهم حجابا وبابا، ودفاتر ومواعيد، واصطفوا والتفوا، وداروا وحاموا وتحاموا، فعينت لي نائبين؛ نائبا للدفاع ونائبا للهجوم، ونمت في قصر من الفالوذج والمناسف والزبيب والقطايف، يحفني البطيخ والشمام، والدجاج المشوي والحمام، والبط والإوز وأصحاب الأقلام، سدنة الأعلام والإعلام والخرفان والصبيان، وتنقلت بين لياليّ مستسهلا السير مرتاحا هانئا بين راحة وراحة، حتى جاء يوم ظهر في قريتي وحش مفترس أكل دجاجهم وأغنامهم، وكسر أحلامهم فنادوني .. فجمعت مخاتير القرى كلهم، ومعهم السدنة والكهنة والفلاسفة والبلاشفة، وناشدتهم بكل ما يحبون أن ينقذوني أنا البطل..وأن يشيروا علي كيف أفعل، وما أفعل بحالي وحالهم فقد حرت، وأخاف إن أنا كشفت واعترفت أن تموت قريتي ".
رواية "فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال"


السماعنة، بطل الرواية منذ طفولته، وحتى دخوله الجامعة الأردنية من تحت قبابها البيضاء، وتأمله شبابها وصباياها في الكفتيريا وفي المدرجات والقاعات، لم يكن يتوانى عن إشعار قارئه أنه السوبرمان، وصاحب القوى الخارقة التي تمكنه من الانتصار على سكان قرية بأكملها، بل وعلى جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين لم يُشعرهم يوما بضعفه أو خوفه، السماعنة نفسه، كان يعود إلى جذوره البشرية العادية في معظم الأحيان، ولا يتوانى رغم شجاعته وبسالته وما يتمتع به من حيل وفنون، عن إلحاق الأذى بنفسه وبأدوات منزله، وبكل ما على أرض قريته بيت إيبا، والجبل الأبيض في الزرقاء فيما بعد، من أجل إضحاك قارئه وإسعاده، فكم من مرة طرق أبواب القرية في منتصف الليل وهرب، وكم من مرة لدغته خلايا النحل والدباير، وصعقته الكهرباء، ودخلت إلى عبه الأفعى، وتدحرجت به العجلات والسكوترات، السماعنة الذي تحدى المخاتير والوجهاء، والرجال والنساء، كان يقوم بما يشعر القارئ أنه شخصية سلبية وإن كانت محور الوقائع والأحداث، باعثة الضجة في المكان، والقلق في الزمان، كان السماعنة يسعى من خلال توسيع دائرة الحكايات التي يجمع بينها ما يسمى بالسرد العنقودي، وإيراد تعليقاته عليها، وإغراقها بفيض من الحكايات الموازية والأغاني والزغاريد والأمثال، إلى إعادة المتلقي إلى أصل الحكاية، المتمثل في التراجيديا الفلسطينية، وصراع البقاء الذي يخوضه الفلسطينيون على أرضهم بخاصة، وتحقيق أمل العودة إليها لمن غادروها، بجرأة لم يمتلكها ربما المؤرخون الذين يكتبون فقط عن الأزمنة التي تسبق أزمنتهم، أما السماعنة فيقول في روايته عن حاضرنا: "لعل أم شديد لم تنم منذ أخبرها أبوشديد عن عزم ترامب إلغاء حقها بالعودة لقريتها الطنطورة، وأنه أعطى القدس لليهود".

السماعنة ابن واقعه، حلّق ودخل في الأوهام كثيرا، ولكنه ظل ابن بيئته، التي لم تكن تخلو من الغرائب التي تمرّ على كثيرين دون أن تلفت انتباههم، ولكنها كانت تستوقفه باعتباره الروائي والشاعر المبدع، الحسّاس، فحفظها ودوّنها في موقعها الملائم داخل الرواية، ومنها قولهم السلبي:

يلعن أبو المدارس.. غلّن مهر العرايس
يلعن ابو الجامعات.. غلن مهر الطالبات
ويا ثعلب ويا مكار.. وايش دلّك ع باب الدار
ومنها تلك الأغاني المسجوعة، التي تشنف آذان الصغار والكبار، وإن كانت تخلو من المضامين الجادة، فقد كان للسماعنة الفضل في تخليدها في روايته التي تشغل الحكايات الشعبية حيزا كبيرا فيها، على غرار: "بيبوح يا بيبوح، قلب العرب مجروح، أمو وراه بتنوح، بتقول يا ولدي، يا صاحب الزندي، جبلي معك بقرة، بقرة حلابه، تحلب وتسقيني، والرب يعطيني، يعطيني طير اخضر، يمشي ويتمختر.."؟.
ومن مدرسة البنات، أحضر لنا السماعنة قول الطالبات: "أجا البابور البابور، أجا خالي من اسطنبول، حاكاني حكي تركي خلى عويناتي تبكي، أكْل الحصرم يا عيوني، شو ما أكلتو طعموني؟ أكلنا كنافة مئلوبة انشالله تطلع محروأة".
ومن الأمثال أورد السماعنة في روايته: "المره لوطلعت للمريخ.. آخرتها للطبيخ"، "إمش في جنازة ولا تمش في جوازة"،"إرضينا في الهم والهم مش راضي فينا".
تخللت رواية السماعنة العديد من العناوين الفرعية، التي كان الواحد منها يفضي إلى لآخر، بشكل يضفي بنية مقطعية عليها، دون أن تنفصل المقاطع عن بعضها، بل تتسلسل وتتواءم مع الحكايات، ومع شخصية بطلها في طفولته العجائبية وغريبة الأطوار، لتخفي لعبة التهجين التي كان يمارسها بين حكاياته، ومن تلك العناوين: المتسائل، المستذنب، المستحمر، المتقاعد، المتخبط، المغني، المتسحسل، المتنمّر، المدخن، المتفلسف، المتسلق، المجاكر.

أماطت شخصية بطل رواية السماعنة، وهو نفسه، وفي أثناء انتقاله من الخاص إلى العام، اللثام عن تجربة شعبه وأمته، وكوّنت شبكة سردية واضحة عكست الكوميديا السوداء التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.

قلت لمن سألني عن رأيي في هذه الرواية، إنها رواية عظيمة، لم آخذ عليها إلا إيراد الروائي مقطعا من أغنية شعبية جاء فيها: حط امك في الطنجرة.. واطبخ عليها إمجدرة
فقال لي، بل عليك أن تأخذ عليه عدم إكماله الأغنية التي جاء فيها: حط امك في الصينية.. واطبخ عليها ملوخية.


محمد المشايخ









"لا أركض وراء شهادة ورقية
أنا الشهادة، أنا الهوية، أنا الأجمل
فهل تبحث لي عن عمل
أم أحمل وطني وأرحل..؟ "
(عصمت شاهين دوسكي)
ومضة شعرية تحمل بين طياتها رسالة إنسانية عن مدى وجود التناقضات الواضحة في مجتمع تغلب عليه الزبونية والمحسوبية والجهل والفساد والتنكر للكفاءات العلمية والفكرية، مجتمع يسيره الجهل والأميون، مجتمع يطغى عليه الفكر المستبد والتعنت، والركود والموت وهم أحياء، مجتمع من أولوياته طمس العقول الواعية، وتزكية كل سفيه دنيء لتسيير دواليب الفساد والظلم والطغيان.
هنا الشاعر عصمت شاهين دوسكي شاعر الإنسانية السمحاء بدون منازع شاعر يتكلم بلسان المقهورين والمعوزين والفقراء والبسطاء، شاعر يحمل لواء السلم والعلم والفكر منفي غير مقبول! يجول بين دهاليز وترهات مجتمع فاسد ليوصل رسالة العلماء المنسيين والعمال المضطهدين والأدباء المنفيين والفقراء الحائرين لأناس يحكمون بالسيوف والسياط والمناصب والكراسي الملمعة بالجاه والزينة والخمر والجاريات، لا يعرفون للحق طريقا وللواجب مسارا، الشاعر أبى أن يركض وراء شهادة ورقية لا تصلح ولا تفيد ولا تغني من جوع، لأية مصلحة رغم أن الشهادات متعددة ولكن رفضها من طرف الشاعر جعلها دون قيمة ومصيرها سلة المهملات وقمامة نفايات التاريخ، فالشاعر عصمت شاهين دوسكي رفض كل أنواع الشهادات العلمية وشهادة الزور والبهتان ضد إخوانه البسطاء من طينة الوطن المكلوم .
الشاعر الشامخ والحامل هم الوطن بين جدران قلبه الطاهر النبيل يعلن للجميع أنه هو الشهادة بنفسها هنا تتجلى عبقرية الشاعر الذي اختزل شخصيته في الشهادة حيث هي البداية والنهاية للإنسانية هو رقم في سجل الوطن مكتوب ومحفور في سجلات التاريخ. إنه باختصار شهادة الميلاد وشهادة الوطن وشهادة الإبداع وشهادة الحب والجمال فالشاعر ذو قوة ووعي شديد في حب الوطن، صارت الشهادة عنده سيان مثل الحياة والوفاة كما قال الشاعر سميح القاسم، غناء مارسيل خليفة: "منتصبَ القامةِ أمشي .. مرفوع الهامة أمشي. في كفي قصفة زيتونٍ. وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي وأنا أمشي.... "
يتساءل الشاعر عموم الناس عن إيجاد فرصة العمل وهو الذي يتميز بالخلق الحسن وجمال الروح وطهارة الوجدان لا يهب الموت ولا تحمل قواميسه كلمات الحقد والخوف ولا الكراهية والخيانة، فهو جميل وقوي ومحب للوطن فقط يبحث عن شرف الشغل والعمل ليتم مكارم الأخلاق، فالوطن بلا عمل، وطن بلا تطور بلا تقدم بلا عطاء بلا إنتاج بلا إبداع، وهو يكسر حاجز البطالة ويمنح روحه للوطن.
الشاعر يملك وطنا مثاليا في وجدانه رسمه بأحاسيسه وشعوره بحب الوطن، يفوق هذا الإحساس لأي شاعر عصري، خاصة حينما يتناغم مع أحداث مجتمعه ويجسد الهموم والأزمات والمعاناة والحاجات وينقل رسالة إنسانية للعالم بعيدا عن ميليشيا الثقافة المنافقة التي أكبر همها التشبث بالكرسي والمنصب والأنانية المفرطة البعيدة عن الأصالة والفكر القويم وبناء الإنسان في مجتمع يزهو بالعدالة والارتقاء الروحي والفكري، لوحة رسمها بريشة كيانه من دموع ودماء من كفاح ونضال. لوحة أينعت باخضرار الأخلاق بزهور الشرف وورود الإخلاص والوفاء.
الشاعر عصمت شاهين دوسكي اختصر المسافة بين العمل والوطن في لحظة الرحيل أي سيرحل بعيدا عن الفاسدين والمستبدين الجاهلين المنافقين يتركهم عرضة لمزبلة التاريخ وفي جريدة النسيان مصيرهم، بينما هو يحمل الوطن على كتفيه شرفا لكل إنسان وفي مخلص لحب العدالة والجمال والعطاء للإنسانية وللوطن .

الصديق الأيسري











جاءت رواية "الإسكندرية 2050" على هيئة تقرير مخابراتي، يتضمن تصريحات الشخصية الأساسية "مشهور بن شاهر الشهري"، لحظة احتضاره بـِعَكًا يوم 25/ 9 /2051، بعدما عاش ما ينيف عن مئة سنة. مشهور شخصية ساردة تقدم سيرتها المليئة بالتجارب، المثقلة بالهموم، والكاشفة عن معرفة عميقة بالحياة بكل تشعباتها وطموحاتها ونجاحاتها وانكساراتها.

يهيمن في الرواية السرد التناوبي، إذ تتـنقل بين الماضي والمستقبل. فمن خلال الذاكرة يستعيد مشهور الحياة التي عاشها في المخيم والإسكندرية ودبي. وباستشرافه المستقبل يقدم نبوءاته ويعبر عن أحلامه. يسافر السارد عبر الزمان والمكان مستخدما تقنيتي الاسترجاع والاستشراف.

وتبدأ حياة مشهور مع مجيئ الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وهو يتذكر فصول مطاردة الفلسطينيين وتعذيبهم التي استهدفت كسر نفوسهم وسلبَهم أرضهم. عاش طفولته في مخيم يفتقد لأدنى شروط الحياة الكريمة. عاش الحرمان كباقي أطفال المخيمات. تلقى تربية قديمة صارمة. وكثيرا ما حذرته جدته "أنيسة" من معاشرة البنات، ف: "درب البنات شوك". مما يفسر خجله الشديد، وعدم قدرته على كسب ود فتاة تشاركه مقاعد المدرسة في طولكرم، وعدم انسياقه مع الإغراءات الغرامية والجنسية أيام الجامعة، إغراءات نادية وعفاف والصبية الفلاحة، إلى أن تأتي "تيتي" فتأخذه من نفسه ردحا من الزمن. "الجسد المكبل بقيود جدتك الحديدية أنيسة وتعليمات أبيك الصارمة". [ص 132].

يستعيد مشهور مرحلة الدراسة الجامعية في الإسكندرية، بصداقاتها ومعاناتها واهتماماتها، كاشفا عن شخصية مقاومة في المجالين الدراسي والأخلاقي في زمن متغير. بل إنه من خلال ذاته يبرز ملامح الشخصية الفلسطينية عامة:

"نحن الفلسطينيين الذين كنا محرومين من الوطن. نحاول تفسير عقدنا الوطنية بالعمل الدؤوب. والإبداع يعوضنا وطنا جزئيا عن مرارة التهجير". [ ص121].


حصل مشهور على شهادة الهندسة المدنية، ثم هاجر إلى دبي حيث أصبح مقاولا مشاركا في مشروع "واجهة دبي البحرية". وقد تزامنت هجرته مع وفاة الرئيس جمال عبدالناصر. ولكونه شخصية أصيلة لا تنكر الجميل، استدعى جرجس الذي تخرج بدوره من نفس الشعبة ليشتغل معه في المشروع نفسه، وليكون ساعده الأيمن.

يتذكر زواجه من أميمة وإنجابهما لبرهان وسمر. كما يتذكر وفاتها بعد معاناة مع السرطان الذي أصابها بسبب الهاتف، وحزنه الشديد إثر هذا الحدث الأليم. كما يتألم لاستشهاد صديقه محمد محمد محمد ـ الوفي له ولوطنه في ساحة الشرف.

يعرض مشهور في تصريحاته جوانب من حياة ابنه برهان وحفيده كنعان. تخصص ابنه في الهندسة الوراثية. واشتغل في مختبر استنساخ ألماني. لكنه ظل متشبثا بالمواقف الإنسانية والأخلاقية، ويدخل تحت تأثيرها في صراع مع دعاة التسليع والاستعباد.

يمثل برهان جيلا مؤسسا للزمن الأخضر الجديد، متشبعا بالأخلاق والروح العلمية، متشبثا بالثوابت الوطنية. جاء على لسان برهان: "الإنسان يولد حرا، ولا يحق لأي جهة أن تصادر حياته، أو حتى سعادته ليعيش بالطريقة التي يراها مناسبة، على ألا يؤذي الآخرين". [ص 202]

ويمثل كنعان الجيل الأخضر الذي يحافظ على البيئة ويحب الحياة. يتزامن الجيل الأخضر مع تطور الثورة التكنولوجية. ومن أجل مد الجسور بين الماضي والمستقبل يلجأ السارد إلى غرائبية ألف ليلة وليلة، مؤكدا على أن الأحلام قد تصير حقائق، بل إن الخيال والحلم يفوقان التطور التكنولوجي المذهل. "فتسألها مازحا: هل هذه هي إحدى طائرات ألف ليلة وليلة المدهشة؟ فتضحك المرأة الكمبيوترية قائلة: مهما طورنا، فلن نستطيع تنفيذ خيالات ألف ليلة وليلة الرائعة".
وتنتهي الرواية بنعي وفاة مشهور عن عمر يناهز المئة وسنتين، بتاريخ 25/ 9/ 2051، بعد أن أتم روايته. وبعد أن عبر عن رغبته في السفر إلى عكا الجديدة ليكمل ما تبقى من حياته في بيت ابنته سمر، وبمعية احفاده.


يمثل مشهور الذاكرة والشخصية الفلسطينية الأصيلة، وهو الذي "قضى خمس سنوات في الجامعة ولم يدخل بارا أو ملهى". أما برهان فيمثل الجيل العربي الرائد علميا وهو صانع الجيل القادم. ويمثل كنعان الجيل الأخضر، جيل الأمل.
ترسم رواية فحماوي معالم مستقبل مشرق. والأدب الحق هو أدب المستقبل المؤسس على الماضي والحاضر، كي لا يكون بناء على الرمل أو مُشرعا على الفراغ.

وهنا نجد أن السارد مشهور وصًاف ماهر، إذ يبرع في وصف الأحداث والأحاسيس. والوصف في الرواية تصويري ذاتي مؤثر. يصور في المشهد التالي، المثخن بالألم، بشاعة المجازر الصهيونية في حق الفلسطينيين، بلغة تجمع بين التشبيه والمجاز.

"تلك الطائرات التي كانت عائدة متهالكة من انتصارات الحرب العالمية الثانية، والتي لم يبق لديها من شغل، فأهدوها لمن لا يخاف الله، فكانت تتسلى بقصف قوافل الفلسطينيين المهجرين عام 1948، الحاملين أطفالهم بأسنانهم، وهم هاربون من حمم براكين الاحتلال الغاشم، مثل القطط التي تنقل صغارها بأسنانها من مكان الخطر. وبين روائح القتلى المجندلين أم لطفل رضيع أطفأتها طلقة قناص، فأردتها قتيلة على قارعة الطريق، والدم ينزف متخثرا من جيوبها المخردقة، والذباب يدوي على جثتها النازفة. بينما بقي رضيعها ملتصقا بها، ويداه متشبثتان بثديها الذي برد، وهو يرضع رضعته الأخيرة التي لم يكملها بعد!" [ص 22/ 23].

الوصف في الرواية ليس ترفا فنيا، وإنما من خلاله يبني السارد صورا سردية مشحونة بالدلالة القومية والإنسانية:
"تصور أن عكا والإسكندرية يرضعهما بحر واحد ويفطمهما بحر واحد. مصر وفلسطين أخوة من الرضاعة من البحر. وأخوة في اللغة والدين والعادات والتقاليد والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والوطن والحب". [ص 72].

وللمرأة حضور لافت في الرواية. تتنوع أوضاعها ومكانتها. فالجدة "أنيسة" صارمة مؤثرة في شخصية مشهور. ويكتفي هذا الأخير بالتحسر على زوجته أميمة بعد وفاتها، فهي حاضرة غائبة في الرواية. ويمثل بيت ابنته "سمر" مأواه الأخير بعدما تقدم به العمر. وصور علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع العربي، وآفة الدعارة في الإسكندرية.

يصف مشهور في المقطع التالي جمال الفتيات المراهقات وهو يعض على يديه من الفشل، بشكل مؤثر يجعل القارئ يشارك السارد شعوره:

"إنهن بنات جميلات دلوعات يلبسن تنورات قصيرات، تنحسر عن ركبهن الجميلات بشبر أو شبرين. فتظهر إغراء امتلاء أفخاذهن الطافحة بأنوثة مراهقات شهيات. وأنت لا ترفع رأسك، ليس مناكفة لصوت العرب، بل لأنك لست مؤهلا لمشاهدة جماليات النهود الطافحة بالعطاء والدفء والمحبة، الملهبة لمشاعر الصغار والكبار". [ص44].

وحيث إن "النص تناص" كما قال رولان بارت، فمن هذا المنطلق، لاحظنا أن رواية "الإسكندرية 2050" قد أدمجت وأشارت إلى عدد كبير من النصوص الدينية من القرآن والحديث وأقوال الصحابة، ومن التوراة. والنصوص الأدبية: شعر إبراهيم طوقان "غريب الدار"، و قصة زكرياء تامر "النمور في اليوم العاشر"، وأدب جبران" هل تحممت بعطر وتنشفت بنور" [ص 187]. وتشير مرات عديدة إلى كتابه "النبي"، واستحضرت حكاية جلنار البحرية [189], وتلقي ألف ليلة وليلة بظلالها على الرواية. ويوظف السارد التراث الشعبي الفلسطيني، فهو جزء من ذاكرة الشعب، من قبيل الحزورة التالية:

"طاسة طرن طاسة.. في البحر غطاسة ... من جوة لولو... من برة نحاسة!.. شو هي!"

ليكون الجواب هو الشمس. [ص289/ 290]

وتحضر كذلك بعض الأهازيج الشعبية. "على دلعونا وعلى دلعونا، ريح الشمالي غير اللونا." [ص51]. كما
تضمنت الرواية أغاني ملتزمة: "جيفارا مات" للشيخ إمام، وأغاني سيد درويش (مغني الشعب)، وقصائد شعرية كقصيدة أحمد فؤاد نجم عن الإسكندرية المحروسة. وتستحضر الرواية كذلك مجموعة من الشخصيات التاريخية والفنية القديمة: كيلوباطرة والملكة بلقيس وشكسبير.

باختصار، تدخل هذه الرواية في تفاعل عارم مع لغات التواصل الاجتماعي الأخرى كالدين والتاريخ والسياسة والخيال العلمي والأدب والفن عموما، مما يميزها بالغنى المعرفي والثقافي والانفتاح. للرواية قدرة هائلة على تمثل مختلف الخطابات الثقافية دون السقوط في شرك التلفيقية. بمعنى أن الرواية قد مارست سلطتها في "الأسلبة"، كما يسميها ميخائيل باختين. لقد كان انفتاحه على تلك العوالم وبحثه عن أدوات جديدة محاولة لتجاوز الرتابة والذبول. والفن بما هو فن فهو يضاد هاتين السمتين المعيبتين.

د. مصطفى بحبح











من المتداول أن يعبر عنوان الرواية أو القصة بشكل من الأشكال عن مضمونها، وذلك عبر إدراج المكان الذي تدور فيه أحداث القصة أو عن طريق ذكر بطل الحكاية، مثالا عن ذلك عنوان بعض قصص ستيفان زفايغ كلاعب الشطرنج أو مانديل باع الكتب القديمة، هنا يدرج الكاتب بطله منذ التواصل الأول بينه وبين القارئ.

أما في قصته "أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة" فقد أشار إلى عنصرين مهمين وهما أن البطل في القصة ستكون امرأة، وأن أربعا وعشرين ساعة هو الزمن الذي ستدور فيه أحداث الرواية.

أما أن يأتي العنوان في شكل سؤال فهذا بعيد كل البعد عن المتداول والمتعارف عليه، فالصيغة الإنشائية التي يفتتح بها الكاتب روايته يكون وقعها مختلفا عن العناوين الإخبارية. بهذه الصيغة أراد ستيفان زفايغ أن يعنون قصته فاختار لها سؤالا يحيل به القارئ منذ البداية إلى المزيد من طرح الأسئلة على غرار من الذي فعلها؟ وماذا فعل؟ وكيف فعل؟ كل هذه الأسلة من شأنها أن تدفع القارئ نحو القصة التي لا تتعدى 46 صفحة حتى يبحث عن إجابة "هل فعلها؟" وعن الأسئلة التي توالدت في ذهنه.

لم يشكل العنوان فقط السبب الرئيسي للاستغراب لدى القارئ، فالصورة التي كانت على الغلاف عززت الاندهاش فمن النادر أن تجد صورة حيوان على غلاف رواية أو قصة، أما في هذا العمل فتصدر وجه الكلب الغلاف.

تنطلق أحداث القصة بشكل روتيني، يتمطط أحيانا أمام دقة الوصف التي يغدقنا بها ستيفان زفايغ، تدور أحداث القصة في الريف الإنجليزي أين قرر عجوزان قضاء ما تبقى لهما من السنين في مكان ناء بعيدا عن ضوضاء المدينة. لم تدم عزلة الزوجين كثيرا فخلال فترة ليست بالطويلة انتقل للعيش بجوارهما زوجان شابان. كانت الأحداث في الجزء الاول من القصة تسير بشكل طبيعي، لا شيء يمكنه أن يساعد القارئ على إيجاد إجابات للأسئلة التى خالجته عند قراءة عنوان القصة، لكن حدثا ما سيغير مجرى القصة عندما يقرر الجيران والزوجة مساعدة الزوج الشاب ولفت اهتمامه بجلب حيوان إليف يرعاه ويهتم به.
قلب دخول بونتو الكلب الصغير سير أحداث القصة فبات هو المهيمن، البارز ومحور اهتمام الزوج، فالدلال المفرط الذي أغدقه عليه جعله مع مرور الأشهر كلبا عنيدا، متغطرسا ولا مباليا يستبيح كل ما يصادفه متأكدا أنه لن يتم عقابه. لكن أمرا ما حدث جعل صاحبه يتغير من ناحيته فتم تهميشه بل وإلغاؤه بشكل مفاجئ ساعتها انقلبت تلك الغطرسة والكبرياء إلى حيرة أولا واستعطافا طلبا لتفسير ما يحدث "أرجوكِ أخبريني ما سبب تغير سيدي والآخرين تجاهي؟" ثم طغيان واستبداد عندما عجز عن فهم السبب.
ركز ستيفان زفايغ عند وصفه للكلب بونتو على الجانب العاطفي والتغيير الذي انتابه بمجرد أن أحس أن خطرا يهدد وجوده ومكانته في البيت، فأصبحت المشاعر هي التي تتحكم في ردة فعله، مشاعر تنسب عادة للإنسان لكن زفايغ تمكن من نسبها لحيوان حيث جعلنا نتعاطف معه أحيانا ونكرهه عندما نقترب من إيجاد إجابة لعنوان القصة. فمشاعر الغضب والدهشة المغلفة بالغيرة المؤدية في الأخير إلى التخطيط والانتقام عبر ارتكاب جريمة ذهبت ضحيتها تلك الطفلة التي سقطت في النهر بشكل غامض.
ستيفان زيفايغ
زفايغ البس الحيوان ثوبا إنسانيا

ألبس زفايغ ذلك الحيوان ثوبا إنسانيا عندما نسب له هذه المشاعر وهذا السلوك فأبدع في إيصال ما يجول في ذهنه من أفكار ومشاعر من خلال نظراته وحركة جسمه فقط. انطلاقا من هذه القصة كشف لنا الكاتب عن الرابط الذي يمكن أن يجمع الحيواني بالإنساني وكيف يمكن لحيوان أن يكتسب صفات إنسانية بحتة.
تلت هذه القصة قصة ثانية قصيرة جاءت تحت عنوان ليبوريلا لم تتعد 38 صفحة تدور أحداثها حول خادمة في العقد الرابع من عمرها انتقلت من أحد أرياف النمسا إلى بيت في المدينة لتعمل كطاهية هناك. كانت شديدة القبح ذات تقاسيم قاسية تفتقر لأي ملامح أنثوية لم تتلق في حياتها أي اهتمام من أي شخص كان، إلى أن انقلبت حياتها عندما عشقت سيدها فلم تعد خادمته فحسب بل أصبحت تسعى على راحته وخدمته مثل ما يخدم الكلب الوفي سيده فتخلت تدريجيا عن إنسانيتها تاركة المكان للحيوان الذي يسكنها ليطفو على السطح.

عنصران جمعا هاتين القصتين أولهما عملية القتل غير المعلنة عنها والتي تفهم غالبا من خلال سياق الأحداث، ففي كلتا القصتين لا يصرح زفايغ بشكل علني عن مرتكب الجريمة بل يترك المجال لإحدى الشخصيات لتقوم بعملية التحليل والاستنتاج.

ثانيهما؛ الرابط الجامع بين ماهو إنساني وحيواني في كلا العملين، رغم أنهما عكس بعضهما البعض، ففي الأولى علاقة الكلب الذي اكتسب صفات إنسانية بسيده الذي يسعى لإرضائه بشتى الطرق والثانية علاقة المرأة التي ترضخ لسيدها وكأنها كلب تريد رضاه، هذه العلاقة ما هي إلا مواجهة بين الإنسان وحقيقته الباطنة.

ليلى عبدالله











لم تعد قوارب الموت تغريهم للوصول إلى ضفة الفردوس المفقود. ولا الاختباء في أحشاء الشاحنات العابرة للقارات لتنقلهم سرا إلى طرقات وموانئ إسبانيا. لم تعد تجديهم كل حيل الهجرة هذه بأخطارها وأفكارها الانتحارية للهروب من رحى البطالة القاسية والفراغ اليومي.

لقد شرعوا منذ سنوات قليلة يوجهون بوصلاتهم نحو أميركا اللاتينية بعد أن سئموا من طرق أبواب القارة العجوز التي باتت الهجرة إليها حلما بلا عنوان منذ اندلاع ثورات الخريف العربي وفوضاها الهدامة، وتصاعد تهديدات التنظيمات الإسلامية المتطرفة وتفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية.

عشرات الشباب المغاربة الذين حزموا حقائبهم الظهرية وهم لا يملكون من معدات لرحلاتهم المجهولة غير جوازات السفر وهواتفهم النقالة وحفنة من النقود تكفيهم بالكاد لحجز تذكرة طائرة للتحليق غربا عبر المحيط الأطلسي إلى دول أميركا اللاتينية وخصوصا البرازيل البلد المنفتح على جميع الجنسيات والأعراق والديانات .. بلد التسامح والليبرالية الاقتصادية والمبادرة الحرة .

لقد تعددت اتجاهات الرحالة المغاربة منذ القرون الوسطى إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والشرق العربي والشرق الأقصى إما بحثا عن قبس نور في مزارات الأنبياء أو نفحة من كرامات الأولياء أو طلبا لعلوم الفقه والشريعة أو بحثا عن كنوز الثروة والتجارة.

غير أن قليلا من هؤلاء الرحالة القدماء من دونوا يوميات رحلاتهم بعجائبها وغرائبها بعد أن استقروا في بلاد المهجر أو بعد عودتهم إلى أرض الوطن مثل ابن بطوطة ومحمد الصفار التطواني وابن جبير والشريف الإدريسي وابن سعيد المغربي وابن رشيد السبتي والحسن الوزاني وصولا إلى المؤرخ الكبير ابن خلدون.

لكن هؤلاء الشباب المغاربة الرحالة الجدد تختلف مقاصد مغامراتهم في جغرافية وأدغال الأمازون. مسافرون ليس لهم من زاد كما أسلافهم غير حلم واحد ووحيد هو الانفلات من آفة البطالة وطاحونة الفراغ اليومي مهما كانت تكلفة المغامرة.

لقد أصبحت هذه الهجرة تشكل ظاهرة جديدة في أدب وثقافة الأسفار وتدوين حياة الاغتراب، بما يميزها عن تجارب الهجرات السابقة باستثمارها للوسائط التكنولوجية الحديثة ومنصات النشر الرقمية وخصوصا يوتيوب، ولذلك يسمى هذا المهاجر الجديد (يوتوبير) Youtubeur وتسمى فيديوهاته المنشورة (فلوغات) Vlogs أو (فلوغات) Flogs حيث يجعل عديد من هؤلاء الشباب هواتفهم النقالة وتطبيقاتها الذكية والفنية دفاتر إلكترونية لتسجيل وبث يوميات رحلاتهم ومغامراتهم على منصة يوتيوب يوما بيوم بل لحظة بلحظة.
مغامرات تقطع الأنفاس أحيانا وهم يعبرون من حدود إلى أخرى مشيا على الأقدام أو ممتطين عربات مكشوفة غير عابئين بما قد يهدد حياتهم من أخطار الطبيعة كتقلبات الطقس المفاجئة ولسعات الحشرات السامة في غابات الأمازون ومافيا المخدرات وقطاع الطرق وصعوبات اجتياز جمارك الحدود.

بعض هؤلاء الشباب استقروا وتزوجوا في هذه البلدان التي تختلف تماما تقاليد وعادات وثقافات مجتمعاتها عن المجتمع المغربي مثل بوليفيا والبيرو والأرجنتين وغواتيمالا ونيكاراغوا بالرغم من أن هذه البلدان قد عرفت هجرات عربية من لبنان وسوريا وفلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر وقد تمكنت هذه الجاليات الشرقية من تشكيل لوبي عربي استطاع أن يضفر بالكراسي الرئاسية والوزارية خصوصا في البرازيل والأرجنتين والبيرو.

إنه لأمر مدهش حقا ومثير للاستغراب والشفقة أيضا وأنت ترى شابا مغربيا يقطع آلاف الكيلومترات في متاهات وقرى غابات الأمازون أعزل ليس له من سلاح غير تشبثه بالأمل وهاتفه النقال وجواز سفر مغربي وحفنة من النقود يستخلصها أساسا من مساعدات الأصدقاء ومن فيديوهاته التي يبثها عبر قناته الخاصة على موقع يوتيوب.

فهذا شاب مغربي يضطر للجوء إلى عائلة من الهنود الحمر في قرية بدائية بالبيرو في استراحة محارب في انتظار استئناف رحلته، وشاب آخر في ذروة مجازفته يقف مستكشفا قبر أكبر أباطرة المخدرات في العالم بابلوإسكوبار في مدينة ميدلين بكولومبيا، وشاب آخر ينشئ عربة لمطعم متنقل للشوارما في شوارع البيرو وشاب آخر يقيم مع اللاجئين في مخيم بجزيرة باناما متحينا الفرصة للعبور إلى الولايات المتحدة الأميركية.

أمثلة عديدة لا حصر لها لموجة هجرة جديدة أكثر تراجيدية من ظاهرة الحريك. ليست غايتها اكتشاف أسرار قارة أميركا اللاتينية بل دافعها الأساسي تجريب الهروب غربا عبر المحيط الأطلسي بعد أن أغلقت في وجوههم كل الآفاق للعبور شمالا عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

ولعل ما يجمع كل هؤلاء الشباب على جناح الاغتراب هو الحصول ما أمكنهم ذلك على جنسية بلد من هذه البلدان الأميركية الجنوبية إما عن طريق الزواج أو الاستقرار الطويل الأمد الذي يخول الحصول على الجنسية وبالتالي الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي من أبوابها الواسعة بكل سهولة بصفتهم مواطنين من أميركا اللاتينية وليس بصفتهم مواطنين مغاربة مع كامل الأسف.

عبده حقي




arrow_red_small 2 3 4 5 6 7 8 arrow_red_smallright