top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
أزمة الإنسان في قصيدة الظل والصليب
ستظل قصيدة الشاعر المصري الكبير صلاح عبدالصبور (1931-1981) "الظل والصليب" فاصلا بين عهدين من الشعر عهد النبرة الخطابية واستظهار القدرات البلاغية وإثارة الانفعال، وعهد التأمل العميق يلفه شعور إنساني هادئ، وآية ذلك كله أن هذه القصيدة تتمرد على الذاكرة، وعهدنا بالشعر القديم يسعى إليها فتحتضنه، أما هذه القصيدة وكثير من أمثالها في شعرنا الحديث فتغريك بالوحدة لتخلو إلى نفسك أو تراودك هي على الخلوة، مغرية إياك ...
كتاب جديد يفرج عن وثائق القضية المغربية في الخارج
صدر أخيرا ضمن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، كتاب جديد موسوم بـ "القضية المغربية في الخارج 1937-1949- ملف وثائقي-" قام بتخريج وثائقه وتنسيقه الباحث الدكتور أنس الفيلالي. أبرز المؤلف في تقديمه للكتاب والوثائق التي احتواها بأنها "تعطي للباحثين والمهتمين صورة جامعة وواضحة عن أنشطة ودور وطنيينا المغاربة في سبيل التعريف بالقضية المغربية في مختلف الأوساط الخارجية، وربما تصحح ...
نشيد سيّد السبت نشيد ابن الإنسان
صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر التونسي أشرف القرقني، بعنوان "نشيدُ سيِّد السّبت". الكتاب الذي يهديه، صاحبه، دون شكٍّ، إلى لا أحد، وهو إهداءٌ مفتاحٌ، ستسنُدهُ القصائدُ الموزّعة على شكلِ نشيدٍ مُقطَّعٍ، يُتبع بهوامشَ عن الأسماء في السّبت، عن توقيع بريءٍ، هناكَ أو هنا، وتُختتمُ بفصل في جحيمٍ آخر. يكتبُ الشاعر في آخر قصيدةٍ: "أشرف القرقني. هذا ليس اسمي. إنّه شخصٌ ...
نزعة جمالية تمجد الأنوثة وتناصرها
الفنانة التشكيلية المغربية سارة ظفر الله، تخطو خطواتها بشجاعة لتصبح تجربتها أكثر نضوجا بجماليات تمجد الأنوثة والجمال الأنثوي، وهي بدأت الرسم قبل عدة سنوات بعد تعرضها لتجربة حياتية خاصة، كان الرسم وسيلة لمدواة جروحها الخاصة، ولم تفكر يومها بالمال أو الشهرة، ولم تعتمد على أسس أكاديمية ولا دراسة فنية فقد كان مجال دراستها وعملها بعيدا عن المجال الفني. رغبة طفولية أنثوية انطلقت من رغبة طفولية وسرعان ...
إيقاظ مريضة أثناء جراحة في الدماغ لتعزف على الكمان
ساعدت عازفة «كمان» الجراحين على عدم إلحاق تلف بمنطقة مهمة في دماغها عبر العزف على آلتها خلال عملية جراحية تهدف إلى إزالة ورم مصابة به، على ما أعلن مستشفى «كينغز كوليدج» في لندن. ووضع الجراحون تقنية تسمح بالتحقق في الوقت الحقيقي من أن مناطق الدماغ المسؤولة عن حركة اليدين لا تتأثر خلال هذه العملية الدقيقة جدا على ما أوضح المستشفى عبر موقعه الإلكتروني. وقد شخصت إصابة داغمار تورنر (53 عاما) العازفة في ...
فيروس كورونا... لماذا ينجو الأطفال من الإصابة؟
انتقل بسرعة حول العالم خبر إصابة مولود في الصين بفيروس كورونا، في الخامس من شهر فبراير/شباط الحالي، بعد 30 ساعة فقط من ولادته. كانت تلك أصغر حالة سُجلت، حتى الآن، منذ انتشار الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 900 مريض وأصاب أكثر من 40 ألف شخص، معظمهم في الصين (رغم أن حالات الإصابة سُجلت في أكثر من 30 دولة أخرى). ولكن قلة قليلة من هذه الإصابات كانت بين صفوف الأطفال. أحدث دراسة لانتشار الوباء نشرتها مجلة الجمعية ...




ستظل قصيدة الشاعر المصري الكبير صلاح عبدالصبور (1931-1981) "الظل والصليب" فاصلا بين عهدين من الشعر عهد النبرة الخطابية واستظهار القدرات البلاغية وإثارة الانفعال، وعهد التأمل العميق يلفه شعور إنساني هادئ، وآية ذلك كله أن هذه القصيدة تتمرد على الذاكرة، وعهدنا بالشعر القديم يسعى إليها فتحتضنه، أما هذه القصيدة وكثير من أمثالها في شعرنا الحديث فتغريك بالوحدة لتخلو إلى نفسك أو تراودك هي على الخلوة، مغرية إياك بقراءتها وإعادة قراءتها لتغذي وجدانك وعقلك بمضمون إنساني رفيع يقصر عنه الشعر القديم، ذلك أن هذه القصيدة قد سلمت من عيوب الشعر القديم متنزهة عن النظمية والتكلف اللغوي والشطط البلاغي محتفية بالتجربة الإنسانية والمضمون الوجودي مشكلة لوحدها ساقية تصب في محيط الشعر الإنساني العالمي.

ولكن أترى سأم عبدالصبور سأما وجوديا عاما يتماهى مع سأم كيركغارد وسأم الروائي ألبرتو مورافيا صاحب رواية "السأم"، أم هو سأم خاص رهين الواقع العربي المتردي في دياجير الجهالة والعماء والاستبداد السياسي وتأسن الوضع الثقافي الذي استسلم للشعارات اليمينية واليسارية الجوفاء، وإلى التقليد وانسحاب عفونة الماضي على طراوة الحاضر؟ وفي القصيدة ما يؤكد هذا المنحى بدليل قوله:

هذا زمن السأم
نفخ الأراجيل سأم
دبيب فخذ امرأة ما بين أليتي رجل
سأم
وفي السطر الثاني ما يؤكد خصوصية هذا السأم فنفخ الأراجيل عادة شرقية لولا أن الشاعر يعود فيقول:
لا عمق للألم
لأنه كالزيت فوق صفحة السأم
لا طعم للندم
لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظة
ويهبط السأم
وفي السطر الأخير ينجلي هذا السأم، إنه سأم وجودي إنساني عام ينسحب حتى على حميميات الإنسان كممارسة الحب بدليل قوله:
إنسان هذا العصر والأوان.

فهذا السأم إذن حالة وجودية تتضمن القرف من الوجود والإحساس بعماء الكون وتبلد الموجودات تنسحب على الشرق، كما تنسحب على الغرب، وتتماهى مع سأم كيركغارد ومورافيا، والجلي أن عبدالصبور قد درس الوجودية السارترية وتمثلها أحسن تمثيل، ألم يقل ساتر على لسان أورست في الذباب "إن أجبن القتلة من شعر بالندم"، فهذا المقطع ينفذ إلى لباب الوجودية ويلخصها في التركيز على الشعور بالندم الذي يشظي ويسفه الفعل الإنساني ويرجعه حرثا في الماء أو إلقاء بذرة على الصخرة، ولأن الندم سليل الخوف الشرعي ترى الإنسان يلوذ به فارا من عذاب الخوف على حساب الحرية الإنسانية العميقة الشاملة، وحتى لا يضبط الإنسان متلبسا بجريمة الوزر، وأي وزر؟ لعله الوزر الذي ارتكبه آدم أول مرة حين أكل من الشجرة محاولا إثبات وجوده بتمرده، لكن آدم قد ندم وسنّها شريعة في عقبه، فكل تفكير حر، وكل خروج عن السياج الدوغمائي، وكل تمرد على الأعراف والرتابة في القوانين والأطر الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية، هو "وزر" يحمله صاحبه لحظة ثم يهن عظمه وتثقل خطاه ويعيش رهابا نفسيا ذريعا ينتهي به إلى التطهر من هذا الدرن بالندم.
إنه زمن يرفضه عبدالصبور ويرفض الاندغام فيه بل يتأمله كموضوع مفضلا دور الراصد على الهامش مستخدما دلالة فنية أو ربما حيلة لاشعورية باستخدام اسم الإشارة "هذا" والتي تعني حالة الانفصال أو الطلاق بين الذات والموضوع (الزمن).

وفي تفكير عبدالصبور مرونة وحرص على الحرية في الفكر والتعبير فتراه يوظف مضامين إنجيلية وهي خصيصة يشاركه فيها معظم رواد الشعر الحديث. فهو يستلهم قصة يسوع حين حمل صليبه ومشى إلى ذروة "الجلجلة" مؤثرا الحرن على أفكاره والدفاع عنها إلى آخر لحظة في حياته ولو اقتضى الأمر الموت في سبيل الموقف الحر.

فعبدالصبور بهذه الرؤية المستلهمة قصة المسيح يؤكد بُعدا مهما في الإنسان هو الحياة لأجل قضية أو موقف، ولعل المثقف في طليعة المعنيين بذلك خاصة إذا تعفنت الحياة وأصابها الجدب والخصاء واستبد الإنسان بالإنسان وهو ما يدعوه سارتر بالالتزام، وما يعبر عنه عبدالصبور تعبيرا فنيا جميلا بالمجد والأمد.

وأما "الظل" فدلالته رمزية إيحائية ومضامينه الإنسانية والشعورية والفكرية لا تنتهي، فالإنسان ليس كيس لحم كما يقول سارتر، بل هو صاحب قضية وموقف من الوجود والإنسان، وإذا تنازل عن هذا الموقف فقد شرفه وإنسانيته وتحول إلى كيس لحم والموقف الفريد في الفكر والشعور والنضال من أجله هو ما يعبر عنه الشاعر تعبيرا فنيا ورمزيا بالظل،، وإذا تنازل عنه الإنسان لحساب الرفاه المادي أو الفرار من الخوف تنازل عن كرامته الإنسانية، وإذا أصرّ عليه لقي حتفه حقيقة أو رمزا يقول الشاعر:
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد
أنا الذي أحيا بلا ظل... بلا صليب
الظل لص يسرق السعادة ومن يعش بظله يمش إلى الصليب في نهاية الطريق.
غير أن الشاعر يتميز بالصدق مع نفسه ومع القارئ مفضلا أن يعمم هذا الموقف المتخاذل على جيله غير مستثني ولو نفسه اقرأ قوله:
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكــــر
قابلني الفكر ولكني رجعت دون فكــــر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته
وعدت دون موت

وفي خاتمة المقطع الأول تأتي لفظة "الصفصاف" في محلها من القصيدة، دلالاتها الفكرية والفنية لا تنتهي ولعبدالصبور قدرة كبيرة في اقتناص هذا النوع من الألفاظ وتوظيفها في شعره وفي عنق الحسناء يستحسن العقد كما يقول المتنبي.
فالصفصاف شجرة تتميز بالضخامة وكثرة الأغصان والتدافع إلى عنان السماء لتبدو أطول من غيرها على سبيل المباهاة، لكنها غير مثمرة، فهي رمز للجدب والخصاء وللشاعر القدرة على استنبات ألف غصن من غصونها الكثيفة في الصحراء وتأمل هذه اللفظة وما توحي به من عقم، فإذا كان في مقدور الشاعر أن يعيش كشجرة الصفصاف سامقة مشمخرة عن خواء، وكذلك كان له لو قبل بنمط الحياة والفكر واندمج فيهما إيثارا للسلامة غير أنه يأبى. ذلك يقول الشاعر:

يا شجر الصفصاف إن ألف غصن من غصونك الكثيفة
تنبت في الصحراء لو سكبت دمعتين
تصلبني يا شجر الصفصاف لو فكرت
تصلبني يا شجر الصفصاف لو ذكرت
تصلبني يا شجر الصفصاف لو حملت ظلي فوق كتفي
وانطلقت.


أما المقطع الثاني فقد تضمن أربعة أسطر تعمق فيها الشاعر مسألة الخصوصية الفردية ومسألة الالتزام وعلاقة الفرد بالمجتمع وهو صاحب ديوان "الناس في بلادي" ذلك أن الإنسان يعيش في بيئة اجتماعية وهو كائن اجتماعي بطبعه يعنيه تقدم المجتمع ورفاهه كما يعنيه تخلفه وعطالته، له ما له وعليه ما عليه، غير أن الأوامر والنواهي من لدن المؤسسات الرسمية (السياسية والدينية والثقافية) تشجب مبدأ التدخل في حياة الجماعة حفاظا على طابعها التدجيني مقهورة ومستعبدة بأفكارها كما يقول فوكو، وهي إذ تشجب ذلك تعمد إلى انتهاك خصوصية الفرد بمحاولة تجريده حتى من وسائل الإدراك أي حواسه لكي يتم تدجينه وإدخاله إلى داخل السياج الدوغمائي رافضة تميزه وتمرده ولو بمقاييسه الذاتية وهو ما عبر عنه الشاعر بقوله "مرآتي".

يقول عبدالصبور:
قلتم لي لا تدسس أنفك فيما يعني جارك
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف؟
ويأتي المقطع الثالث في محله من القصيدة إنه مقطع يتعمق الذات العربية باحثا في سراديبها مكتشفا تضاريسها وهو ليس من قبيل السادية التي تستلذ جلد الآخرين بالتعالي عليهم وتتفيه حياتهم، بل هو ربما من قبيل المازوشية حيث تستمريء النفس المرارة، وتستلذ الألم يأسا وخيبة، والشاعر يبادر بإعلان الهزيمة وخواء الروح وغياب الطموح، وأول لفظة يجدر بنا الوقوف على دلالاتها الفنية والحضارية هي لفظة "الملاح" ذلك القائد الطليعي الذي يخوض بسفينته عباب البحار مصارعا موجها قاهرا رعبها سالكا مسالك النجاة بركابها، إنه السندباد الذي يكتشف العوالم مستحليا حلاوة الكشف مبتهجا بنشوة المعرفة ملبيا نداء إنسانيا عميقا فيه هو نداء المغامرة حتى لا تتأسن الذات وتركد الروح، وأما الملاح فهو كما أسلفنا القائد الطليعي لعله المثقف أو رجل الدولة أو الزعيم الذي في يده مفاتيح النصر وفي عقله مشروع الأمة ودستور الرقي والتمدن، وأما البحر فهو الحياة الصاخبة أي الدنيا التي نعيش فيها مذللين صعابها بثمرات عقولنا وكدح سواعدنا غير أن ملاحنا وجد الراحة في اليأس وعاف دور السندباد، وخاف من أن يكون بروميثيوس العربي الذي يسرق نار المعرفة وينير بها دنيانا حتى تنجلي الغاشية عن أمتنا ويجنح بنا إلى شاطئ الحضارة والرقي.

فملاحنا مازال كائنا ميتافيزيقيا من العصر الوسيط يرفض تبني فلسفة العصر والدخول إلى ساحة أنواره وهو في نظرته إلى السماء يعاني ازدواجية فهي تارة في صفه إن توسم فيها الخير، وتارة ضده إن ظن منها العسر، إنه موقف ميتافيزيقي ضبابي غير حاسم، على العكس من المجتمعات الراقية التي جعلت الحضارة ذات بعد أفقي ومضمون إنساني خالص، أما ملاحنا فيكتفي بالبعد الرأسي متخليا عن دوره في الكشف والإبداع والجهد والمغامرة، مستسلما إلى أحلامه الميتافيزيقية، إنه مسكون بالخوف بل الرعب، هاجسه الأساسي وهو الذي يمنعه من ارتكاب الوزر، مؤثرا السلامة، لائذا بالإحسان في صيغته الساذجة دفعا للإحساس بالذنب، مطلقا الزمان الذي يأبى في صلف أن يندغم فيه لحساب الماضي وما أشد إيحاء كلمة "الزوال" في هذا المقطع التي توحي بالتلاشي رويدا رويدا:

ملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون
يدعو إله النقمة المجنون أن يلين قلبه، ولا يلين
يدعو إله النعمة الأمين أن يرعاه حتى يؤدي الصلاة
حتى يِؤتي الزكاة، حتى ينحر القربان، حتى يبتني
بحرِّ ماله كنيسة ومسجدا وخان للفقراء التاعسين
من صعاليك الزمان.

وهذه القصيدة تعد "بورتريه" له. ويأتي العنصر الجنسي، وللعربي حنين إليه وعذاب لأجله وفيه حد الشبقية تلك الأجواء التي رسمتها "ألف ليلة وليلة" و"الروض العاطر" وأشار إليه لفيف من الشعراء العرب، ثم إن الملاح مات رمزيا قبل الموت البيولوجي حين اكتفى من الدنيا بالاستسلام لواقعها والإيمان بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، حين رفض تميزه الإنساني بالوثبة الحضارية والفعل الخلاق بل نظر إلى ثمرات المعرفة وأطايب المدنية نظرة الثعلب إلى العنب فلما استعصى عليه ادعى أنه حصرم، وهي حيلة نفسية تجنح بصاحبها إلى إيثار السلامة تعبيرا عن العجز بل وخداع النفس بتتفيه الأشياء، وهو ما عبر عنه الشاعر بالملح والقصدير:

أشار بالأصابع الملوية الأعناق نحو المشرق البعيد
ثم قال:
هذي جبال الملح والقصدير
فكل مركب تجيِئها تدور
تحطمها الصخور
ملاحنا أسلم سؤر الروح قبل أن نلامس الجبل
وطار قلبه من الوجل
كان سليم الجسم دون جرح دون خدش، دون دم
حين هوت حبالنا بجسمه الضئيل نحو القاع
ولم يعش لينتصر
ولم يعش لينهزم!

فهو ملاح زائف إذن، لأن جسمه ضئيل والعادة في الملاح أن يكون قوي البنيان هرقلي القامة مفتول العضلات ومقابلاتها الحضارية الوعي الحضاري والالتزام والإخلاص للقضية والرغبة الملحة في خلاص الناس، مع الاستعداد للمغامرة، أما المشرق البعيد، فالموصوف هو النهضة والصفة هي الاستحالة أو الاستعصاء في أحسن الأحوال.

إذن مات الملاح حتف الأنف، من غير شهادة بمقارعة الخطوب وفضل خلاصه الفردي بالجنوح إلى السكينة والرتابة. ولقد تحول الخوف إلى مارد خرج من قمقمه وأدخل فيه ملاحنا ورماه إلى هاوية العدم حيث العماء والظلام.

إبراهيم مشارة








صدر أخيرا ضمن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، كتاب جديد موسوم بـ "القضية المغربية في الخارج 1937-1949- ملف وثائقي-" قام بتخريج وثائقه وتنسيقه الباحث الدكتور أنس الفيلالي.

أبرز المؤلف في تقديمه للكتاب والوثائق التي احتواها بأنها "تعطي للباحثين والمهتمين صورة جامعة وواضحة عن أنشطة ودور وطنيينا المغاربة في سبيل التعريف بالقضية المغربية في مختلف الأوساط الخارجية، وربما تصحح معطيات وحقائق سابقة، أو ملأ فراغات تاريخية لأحداث ومواقف ومسلمات سابقة."

وأضاف المتحدث نفسه أن العمل الجديد يعطي "نماذج من التواصل السياسي والثقافي بين الوطنيين المغاربة المتواجدين في المغرب ونظرائهم في مختلف مناطق العالم، وبخاصة في المشرق العربي وبعض البلدان في أوروبا، مثل انجلترا وإسبانيا، وفي القارة الأميركية كأميركا، أو مراسلات شخصية ورسمية أخرى مع شخصيات غير مغربية وخاصة منهم المسؤولون في بعض المؤسسات الكبرى في المشرق العربي أو أوروبا".

وفي تقديمه للكتاب، أبرز الدكتور مصطفى الكتيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بأن الكتاب يقدم فيه الباحث وثائق مهمة عن تفاصيل تحرير محمد بن عبدالكريم الخطابي والدور الذي لعبه الوطنيون المغاربة في عملية التحرير، ثم حياة الخطابي بعد تحريره وعائلته. وأضاف المتحدث نفسه بأن "وثائق الكتاب تورد هذه العملية بتفصيل شديد، بالإضافة لأولى مواقفه والخطوات التي قام بها من خلال مراسلات عبدالخالق الطريس الذي كان يتكلف بالأمير ويخدمه عن قرب".

وينفرد هذا الكتاب بإيراده مجموعة من الوثائق حول عملية تحرير محمد بن عبدالكريم الخطابي في مصر التي خطط لها ونفذها الوطنيون المغاربة، بالإضافة إلى نصوص خطية حول ما صدر في بعض الصحف الدولية عن نزول محمد بن عبدالكريم الخطابي في مصر، حيث يورد الباحث ما ورد في جريدة "المانشستر جارديان" الإنكليزية في عددها الصادر يوم 2 يونيو/حزيران لسنة 1947 قائلة "إن الزعيم الريفي الشهير هو بالتحقيق ذو أثر في السياسة العربية، فحياته الحافلة التي ألهبت المشاعر في العالم منذ أوائل سنة 1920 حتى عام 1926 قد كونت له سمعة عظيمة. وأن عودته من المنفى بعد 21 سنة لهي بمثابة إلقاء حجر في لُجّة ماء طال ركودها".

ومن محتويات الكتاب أبرز المندوب السامي لقدماء المقاومين مصطفى الكتيري "في المجموعة الأولى، يقترح علينا الدكتور أنس الفيلالي وثائق مرتبطة بالقضية المغربية وجامعة الدول العربية والمشرق العربي عموما، وما ارتبط بها من تصريحات وتقارير للوفد المغربي الممثل في الجامعة أو مواقف الجامعة من القضية المغربية والقضايا والمستجدات التي وقعت بالبلاد آنذاك".

ويضيف الكتيري أيضا "كما يقترح علينا الباحث في مجموعة وثائقه، مجموعة من الوثائق التي تبين الدور الذي قام به الوطنيون المغاربة، وبخاصة الشهيد امحمد بن أحمد بن عبود رئيس الوفد المغربي في الجامعة، من خلال رسائله إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية وذلك "لاستغلال حاجة إسبانيا لأصوات الدول العربية لمطالبتها للاستجابة للمطالب المغربية في المنطقة الخيليفة"، ومطالب مغربية أخرى للجامعة تخص قضيتنا الوطنية. بالإضافة إلى أن المراسلات المغربية التي حملت تقارير حول الوضع المتأزم بالمنطقة الخليفية إلى الأمين العام للجامعة العربية السيد عبدالرحمن عزام، وهي التقارير التي يمكن الاستعانة بها لإنجاز أبحاث عن الوضعية العامة بالمنطقة الخليفية التي كان يحتلها الإسبان، كما يمكن أن تفيد الباحثين والمهتمين بالعلاقات المغربية المشرقية والعلاقات الدولية بشكل عام."

أما في المجموعة الثانية، فيضيف الكتيري بأن الباحث "يقترح علينا عددا من الوثائق عن الحركة المغربية وارتباطاتها بمكتب المغربي العربي في القاهرة ولجنة تحرير المغرب العربي؛ حيث حملت لنا وثائق عن الهيئتين وطبيعتهما وأهدافهما في المغرب العربي الكبير، بالإضافة إلى سياق الانخراط المغربي في هاتين المؤسستين المهمتين التي كان المغرب داعما ومساهما ماديا ومعنويا لهما، فالكتاب يقترح علينا وثيقة في غاية الأهمية هي عبارة عن رسالة من محمد بن عبدالكريم الخطابي لأعضاء حزب الإصلاح الوطني حول مساهمة الحزب في ميزانية لجنة تحرير المغرب العربي جاء فيها: "ولا تزال اللجنة تنتظر تسديد ما على حزبكم من واجباته المالية الشهرية لتتفرغ لما هو أهم وأجدى وتسير في طريقها. ولذلك تدعوكم إلى إمدادنا بالمساعدات المالية عن طريق الاكتتاب السري وتزويده بأكبر قسط في مستطاع الحزب التزويد به. واعلموا أن الإسلام والعروبة والوطن تدعوكم جميعا للتضحية اليوم بكل شيء."

يذكر أن كتاب "القضية المغربية في الخارج 1949_ 1937" يأتي ضمن "هذا المشروع البحثي الذي يروم إلى استنطاق الذاكرة الوطنية في بُعدها الإقليمي والعربي والدولي، من خلال وثائق تفيض بوطنية صادقة من زعماء الحركة الوطنية المغربية، ويضم الكتاب ذخائر من نفائس الوثائق الدفينة من أنشطة ومراسلات شخصية بين زعماء الحركة الوطنية في الخارج ونظرائهم داخل المغرب، ومن بين هذه الرموز نذكر محمد بن عبدالكريم الخطابي وعبدالخالق الطريس وامحمد بن عبود وعلال الفاسي وعبدالكريم غلاب وغيرهم. ومراسلات أخرى مع نظرائهم من زعماء العالم العربي، أو التي تتضمن مراسلات مع هيئات ومؤسسات رفيعة من قبيل مكتب المغرب العربي في القاهرة ولجنة تحرير المغرب العربي والجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة وغيرها، والتي حاولت التعريف بالقضية المغربية ومستجداتها الداخلية في هاته المؤسسات الرفيعة." حسب الكتيري في تقديمه للكتاب.

كما يورد الباحث مجموعة من الوثائق التي حاول فيها الوطنيون المغاربة تدويل القضية المغربية في أوروبا وأميركا، من خلال مراسلاتهم لبعض المسؤولين في القارتين، أو من خلال التواصل مع نظرائهم المغاربة في بلدان بأوروبا من قبيل إسبانيا وفرنسا المحتلتين وإنجلترا، بالاضافة الى مجموعة من الظهائر والمذكرات والمشاريع التي قدمت داخل أو خارج المغرب حول الحركة المغربية في الخارج.
مقالات ذات صلة








صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر التونسي أشرف القرقني، بعنوان "نشيدُ سيِّد السّبت". الكتاب الذي يهديه، صاحبه، دون شكٍّ، إلى لا أحد، وهو إهداءٌ مفتاحٌ، ستسنُدهُ القصائدُ الموزّعة على شكلِ نشيدٍ مُقطَّعٍ، يُتبع بهوامشَ عن الأسماء في السّبت، عن توقيع بريءٍ، هناكَ أو هنا، وتُختتمُ بفصل في جحيمٍ آخر.

يكتبُ الشاعر في آخر قصيدةٍ: "أشرف القرقني. هذا ليس اسمي. إنّه شخصٌ آخر يقتحمُ حياتي الصغيرة. ويُرسِلُني إلى المنافي التي لا تَرَونَ..."، وبالعودةِ إلى بدايةِ النَّشيدِ، نكونُ حيالَ حياتيْنِ، تُسابقُ إحداهُما الأخرى، ليكونَ لها سبتُها وشاعرُها الذي "يَدحَرُ في الكلمات وجوهَ السَّحرة".

نحنُ في مجموعةِ أشرف القرقني الجديدة، حيالَ استحضارٍ شعريٍّ للأسطورةِ، يُفكِّكُها، يُعيدُ تركيبَها، لكنَّه في كلِّ ذلك، يعيشُ آلامَ الذين سحقتهم آلةُ العالم منذ عذاباتِ الإنسان الأول، وإلى آخر دبابةٍ تسدُّ الطريق أمام أطفالِ المدرسة. تتحوَّلُ الأشياءُ على يدِ أشرف إلى غبار، أو ربّما يذهبُ بها إلى الفناءِ، ليُعيدَ خلقها من جديدٍ كشاعر.

الاعترافاتُ التي تتبَّنى ضمير المتكلّمِ، كثيرةٌ وقاسيّة، تتوزّعُ بين مرايا الذات، والعالم بنقصانه، وأوهامه وكوارثه التي تنتظرُ أرواحَنا المُعذَّبةَ في كلِّ منعطف. هذا ما استدعى، بوعيٍّ شعريٍّ لافت، الشاعر أشرف القرقني، ليكتبَ نشيدَهُ بلغةٍ تنحل من الكتبِ المقدّسة ومرويّات الأساطير والمخطوطاتِ المهملة في مكتباتٍ عتيقة وفي أقبيةٍ لا يدخلُها الضوء. لغةٌ ومشاهدُ وإسقاطاتٌ تحاول ترميمَ اللحظةِ الحرجة بكتابةٍ، تمنحُ نفسَها، أسلوبَها الخاصّ والجريء والمتحرّرَ من زوائد الكلامِ والهذر.

يكتبُ أشرف: "أنا بيتٌ أخرقُ مهذارُ. وأبي ربٌّ حجريٌّ ملعون. مهنتُهُ الصَّمتُ. وموسيقاهُ الترسّبُ في نفسه. رماهُ زملاءُ الأُلوهةِ على الأرضِ، لأنَّهُ لم يُشاركْ ولو بحرفٍ في كُتُبهم..."، لكنّ ابنهُ كانَ له التفرُّد بكتابةِ هذا النَّشيد. نشيدٌ ينتصر فيه للإنساني على حساب الآلهة، إذ يقول المسيح في الإنجيل ردّا على من استنكر عليه مساعدة المسحوقين في السبت: "إن ابن الإنسان هو سيد السبت". هذا إذن نشيد ابن الإنسان.

"نشيد سيّد السّبت" مجموعة شعرية جديدة للشاعر التونسي أشرف القرقني، صدرت في 64 صفحة من القطع الوسط، ضمن سلسلة "براءات" التي تصدرها الدار منتصرةً فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.
من الكتاب:

مُقَيَّدًا إِلَى الشَّجَرَةِ، لم أَذهبْ أبعدَ مِنْ سِياجِ الحقْلِ. لم أصلْ بعدُ إلى حَتفِي. لكنّ الوقتَ المُتكدِّسَ خلفَ البابِ يَعِدُني بِسِرٍّ أخضر.

كنتُ كلَّ صباحٍ أُلقي نظراتٍ زرقاء خلفَ التّلّةِ. وعَبَثًا أنتظرُها في المساءِ. من فرطِ الانتظارِ صارتْ يدايَ يابسةً، وعينَاي بحرًا، تزحَمُ فيه المراكبُ أشرعةَ الهواء. ورغمَ ذلك، ما زلتُ الأرملةَ التي تُنفقُ آخرَ دِرهمٍ، من أجلِ دمعةٍ أخرى على خدِّ المسيح.
في النّهاية، الحجرُ الوحيدُ الذي صدَّقتُ صمتَهُ، كان إسخَرْيُوطِيًّا آخر قد هرَّبَ أحلامي إلى ليلِ آلهةِ الشِّرٍّير، حيثُ العويلُ والقَصَبُ المجروح. ها هو يقرأُ قَطيعًا من نظراتٍ سائبةٍ. تُسابِقُ بابًا مخلوعًا في الرّيح. ويُلقي حكاياتِهِ عن البَدْءِ والخَرابِ العظيمِ في خواءِ نهاراتِكُم.

عن المؤلّف:

أشرف القرقني شاعر ومترجم وباحث في الأدب العربيّ، من مواليد 3 يوليو/تموز 1989 بسوسة/تونس. عمل في القسم الثقافي لجريدة "الصحافة" التونسية. ويعمل في مجال مراجعة الكُتُب الأدبية والترجمة مع صحيفَتَي العرب اللندنية، وموقع ضفة ثالثة. تحصّل على جائزة بيت الشِّعر سنة 2014. ترجم العديد من الكتب منها رواية بيدرو ميرال "السنة المفقودة"، 2016، ورواية ستيفان سفايغ "التحوّل" 2020.

له مجموعةٌ شعرية بعنوان "تقريبًا" 2017. كما تُرجمت قصائده إلى الفرنسية، والانجليزية، والكردية، والإيطالية، والفارسية.










الفنانة التشكيلية المغربية سارة ظفر الله، تخطو خطواتها بشجاعة لتصبح تجربتها أكثر نضوجا بجماليات تمجد الأنوثة والجمال الأنثوي، وهي بدأت الرسم قبل عدة سنوات بعد تعرضها لتجربة حياتية خاصة، كان الرسم وسيلة لمدواة جروحها الخاصة، ولم تفكر يومها بالمال أو الشهرة، ولم تعتمد على أسس أكاديمية ولا دراسة فنية فقد كان مجال دراستها وعملها بعيدا عن المجال الفني.

رغبة طفولية أنثوية

انطلقت من رغبة طفولية وسرعان ما عشقت الفن ثم تفرغت له تماما بعدما شعرت بالراحة النفسية وفعالية الفن وقدرته في ترميم الأنثى ومنحها قوة فائقة أن تتخلص من شوائب الماضي وألمه.

سارة ابنة منطقة مشروع بلقصيري التي كانت من المناطق التي تعيش في الهامش، كانت مدينتها لا تزخر بالكثير من التظاهرات الفنية لكن هذا العامل لم يعطل موهبة سارة التي كانت بحاجة إلى الهدوء والتعمق في ذاتها ثم في البيئة الطبيعية وتأمل التراث المغربي بنظرة وروح فنية، سرعان ما شاركت الشابة الموهوبة ببعض المناسبات الفنية المتواضعة ووجدت إعجابا من الجمهور منحها الثقة أكثر في موهبتها لتخطو بعد ذلك خطوات ناجحة باشتراكها بمعارض ومناسبات على المستوى الوطني ثم مشاركات خارج التراب المغربي وهي تستعد لمشاركة مهمة مع بعض الفنانات المغربيات إلى فرنسا.


هنا تثبت الموهبة والرغبة في الإبداع والقدرة على تجاوز الهامش، كما أن سارة وبعض المواهب الفنية في هذه المدينة عملوا بالممارسة الإبداعية وتأسيس جمعيات فنية وثقافية مما أدى إلى جعل المدينة ذات زخم وأنشطة ثقافية وفنية فتحولت المدينة الصغيرة لمركز يزخر بالمنتوج الفني والأدبي ومزارا إبداعيا يتطور أكثر رغم قلة دعم المؤوسسات الرسمية.

بداية سارة لم تكن سهلة وهي تهز ريشتها لترسم الوجه والجسد الأنثوي في جغرافيا تتسم بالذكورية والقصور أحيانا في فهم الفن وخاصة إذا كان الإبداع من أنثى وإذا كانت المواضيع تدور حول جسد الأنثى، وجدت سارة نفسها تميل إلى الأنثى الأفريقية لتخلق من الأسود إبداعات تفوح بعطر المسك الجمالي يفيض بالأنوثة ويقدسها، كما أن حساسيتها للتراث المغربي تطورت بفضل السفر والترحال للكثير من المدن المغربية لعرض أعمالها والمشاركات التي منحتها فرص للقاء نقاد وفنانين وفنانات والدخول ببعض الورش الفنية، لعل سارة تتميز بالتواضع وموهبة الإنصات للغير وهي تحب النقاشات وتقبل النقد وهكذا تنضج موهبة المبدع عندما يتخلص من الغرور والمكابرة، تكبر الروح الفنية وتخلق لها مسارات خاصة.

لوحات سارة ليست مجرد أسطح ملونة ولا بورتريهات للزينة، فالمتأمل لوجوه نساء افريقيات سيجد أيضا بعض الأسئلة والتأملات ومحاولات الغوص في التراث الأفريقي والمغربي أيضا ومزج بينهما، أحيانا نصادف لوحة لمرأة أفريقية سوداء البشرة ومزينة ببعض الحلي الأفريقية التراثية لكننا قد نلاحظ لمسات لملامح مغربية أصيلة أو شيئا ما له سمة مغربية، كما أننا سنجد بعض لوحاتها مخصصة لفتيات مغربيات وهي بحسب علمي لا تعتمد على نموذج أو موديل أمامها بمعنى أن الشخصيات متخيلة تترجم رؤية فنانة حساسة ورقيقة.

سارة فنانة عاطفية ترفض القسوة على شخصياتها وتقدمهن كأميرات جميلات، تقدمهن مبتسمات وفرحات يفيضن بالجمال الأنثوي، فنانتنا ترسم البهجة والأمل ولا تميل للعنف ولا وضع الشخصية في مواضع ضعف، فهي تريد المرأة أن تكون قوية ومتسمة وتفخر بجمالها الطبيعي وبتراثها الغني، تصبح اللوحة ناطقة وغزيرة المعاني، نراها في بعض الأعمال تتقشف في الألوان وتأخذ ما تشعر أنه يلبي رغبتها الطفولية، كما تميل لرسم الخيول الأصيلة كأنها تعطيها أيضا الإحساس بالقوة والجمال معا.

تشعر سارة ظفر الله أنها وجدت ذاتها وأن الفن يمنحها قوة غريبة مما يدفعها أن تلجأ إليه ضد عواصف الحياة وهي تعيشه كمفردة يومية مهما تكن مشاغلها.

تفرغ في لوحتها رقتها وخجلها وأحاسيسها المرهفة وتودع فيها بعض أحلامها الهادئة، تتخذ من البساطة منهجا تراه يُغني عن البهرجة والضجيج والتعقيدات، أغلب لوحاتها لفتيات شابات أو أمهات يتصفن بالرقة والحنان والأنوثة والقوة، ترى أن المرأة مخلوق مقدس يجب ألا نمارس ضده العنف والبشاعة، فالمرأة هي الأرض والجمال.

تواصل سارة مسيرتها بخطوات ثابتة وتسعى لتطويرها وأن تكتسب خبرات جديدة، تؤكد أن في ذهنها وبدواخلها شخصيات وأشياء كثيرة لم ترسمها بعد وأنها ستعمل وتستمر في رسم الأنثى فلكل وجه حكايته الخاصة ورسالتها أن على المرأة أن تفخر بكيونتها وأن تكتشف جمالها الداخلي فلا تستسلم لهزات الحياة وأن الفن للمرأة أقوى الأسلحة ضد البشاعة والقبح والضعف.

حميد عقبي







ساعدت عازفة «كمان» الجراحين على عدم إلحاق تلف بمنطقة مهمة في دماغها عبر العزف على آلتها خلال عملية جراحية تهدف إلى إزالة ورم مصابة به، على ما أعلن مستشفى «كينغز كوليدج» في لندن.
ووضع الجراحون تقنية تسمح بالتحقق في الوقت الحقيقي من أن مناطق الدماغ المسؤولة عن حركة اليدين لا تتأثر خلال هذه العملية الدقيقة جدا على ما أوضح المستشفى عبر موقعه الإلكتروني.
وقد شخصت إصابة داغمار تورنر (53 عاما) العازفة في أوركسترا جزيرة وايت السمفونية في جنوب أنكلترا، بورم نموه بطيء. وقد طلبت أن تخضع لعملية جراحية بعدما نما الورم.
وقد جرت العملية الشهر الماضي.
وكان الهدف من جعلها تعزف بإيقاظها في وسط العملية، إلى حماية خلايا مهمة تقع في الفلقة الأمامية اليمنى من الدماغ.
وتتحكم هذه المنطقة الواقعة بجوار المنطقة التي تشملها العملية، خصوصا باليد اليسرى الضرورية للعزف على هذه الآلة.
وأوضحت تورنر «فكرة ان أصبح عاجزة عن العزف كانت تحطم قلبي» وقد شكرت الطاقم الطبي لأنه «بذل قصارى جهده» في سبيل تجنب ذلك.
وقال الجراح المسؤول عن العملية كيومار اشكان «كانت المرة الأولى التي نوقظ فيها شخصا ليعزف على آلة» مشيرا إلى أنه خلال عمليات إزالة ورم في الدماغ، غالبا ما يتم إيقاظ المرضى للتحقق من قدرتهم على الكلام.
وأملت العازفة بأن تتمكن من العودة إلى الفرقة التي تعزف في صفوفها قريبا.









انتقل بسرعة حول العالم خبر إصابة مولود في الصين بفيروس كورونا، في الخامس من شهر فبراير/شباط الحالي، بعد 30 ساعة فقط من ولادته.

كانت تلك أصغر حالة سُجلت، حتى الآن، منذ انتشار الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 900 مريض وأصاب أكثر من 40 ألف شخص، معظمهم في الصين (رغم أن حالات الإصابة سُجلت في أكثر من 30 دولة أخرى).

ولكن قلة قليلة من هذه الإصابات كانت بين صفوف الأطفال.

أحدث دراسة لانتشار الوباء نشرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، وشملت تدقيقا للمرضى الراقدين في مستشفى جينيتان في ووهان، المدينة التي تعد مركز انتشار الوباء.

وتوصلت الدراسة إلى أن أعمار أكثر من نصف المصابين بالفيروس تتراوح بين الـ 40 والـ 59 عاماً، وإلى أن 10 في المئة فقط من المصابين كانوا دون سن التاسعة والثلاثين.

وخلص الباحثون إلى أن "الإصابات بين صفوف الأطفال كانت نادرة الوقوع"، ولكن ما هو سبب ذلك؟

هناك العديد من النظريات التي تحاول تفسير هذه الظاهرة، ولكن الخبراء في مجال الصحة العامة عاجزون، إلى الآن، عن تفسير سبب قلة الإصابات في صفوف الأطفال.

ويقول أستاذ علم الفيروسات في جامعة ريدينغ الإنجليزية، إيان جونز، لبي بي سي "لأسباب ليست واضحة لنا بدقة، يبدو أن الأطفال إما تفادوا الإصابة تماما، أو أن إصاباتهم ليست حادة".

قد يعني ذلك أن الأطفال يصابون بنموذج أخف من المرض، بحيث لا تظهر عليهم أي أعراض، مما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تجنب أهاليهم التوجه بهم إلى الأطباء أو المستشفيات، وبالتالي إلى عدم تسجيل حالات إصاباتهم.

تتفق مع هذا الرأي المحاضرة في كلية لندن الجامعية، ناتالي ماكديرموت، التي تقول "إن للأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 5 سنوات وللمراهقين أجهزة مناعة محفزة لمقاومة الفيروسات. فقد يصاب هؤلاء بالعدوى، ولكن المرض سيكون لديهم أخف وطأة أو قد لا تظهر عليهم أي اعراض البتة".

ليس هذا أمرا فريدا بالنسبة لانتشار فيروس كورونا الحالي في الصين، فثمة سوابق، ففي انتشار مرض (سارس) الذي سببه فيروس من نوع كورونا أيضا، في الصين، عام 2003، وأودى بحياة 800 شخص تقريبا (10 في المئة من حالات الإصابة الـ 8000)، كانت نسبة الإصابة بين الأطفال منخفضة أيضا.

وفي عام 2007، أعلن مركز السيطرة على الأوبئة الأمريكي عن أن 135 طفلا أصيبوا بفيروس (سارس)، و"لكن لم تسجل أي حالة وفاة بين الأطفال واليافعين."

هل حمت عطلة السنة الجديدة الأطفال من الإصابة؟

كما تعتقد ماكديرموت أن الأطفال ربما لم يكونوا معرضين للفيروس مثل البالغين، فالعدوى انطلقت خلال عطلة السنة الصينية الجديدة عندما كانت المدارس مغلقة.

وقررت كل الأقاليم الصينية، تقريبا، إبقاء المدارس مغلقة. وسيستمر هذا الوضع في بعض الحالات إلى نهاية شهر فبراير/شباط.

وتقول ماكديرموت "من الأرجح أن يتصرف البالغون كمعتنين، ولذا فهم يحمون الأطفال أو يرسلونهم إلى أماكن أخرى إذا كان هناك مصاب في البيت".

وتعتقد ماكديرموت أن هذه الصورة قد تتغير "في حال انتشار المرض بشكل أوسع وزيادة احتمالات العدوى في المجتمع بشكل عام".

ولكن، ومع ذلك، لم يصاحب الانتشار السريع للمرض، إلى الآن، أي زيادة في الإصابات بين الأطفال.

ومرة أخرى، توفر لنا أزمة (سارس) مقدمة لما يجري، إذ يقول باحثو مركز السيطرة على الأوبئة الأمريكي، الذين درسوا الإصابات بين الأطفال إن أولئك الذين لم يبلغوا الـ 12 من العمر كانوا الأقل حاجة للعلاج في المستشفيات.


هل يسبب الفيروس أعراضا أكثر شدة عند البالغين من الأطفال؟

رغم قلة عدد الأطفال الذين تأكدت إصابتهم بالفيروس، لا يعتقد الخبراء أن مردَّ ذلك عدم انتقال العدوى إليهم.

والتفسير الأرجح هو أن الوباء الحالي يعد إضافة إلى الأمراض التي تصيب البالغين بشدة أكثر مما تصيب الأطفال، كمرض جدري الماء، على سبيل المثال.

وفي هذا الصدد، يقول أندرو فريمان، خبير الأمراض المعدية في جامعة كارديف في ويلز، لبي بي سي "هذا الأمر أكثر رجاحة من القول إن لدى الأطفال قدراً من المناعة ضد فيروس كورونا. وقد يعود السبب أيضا إلى أن السلطات لا تتابع حالات الأطفال عديمي الأعراض أو الذين لا يظهرون إلا أعراضا خفيفة."

وتتفق مع هذا الطرح خبيرة علم الوبائيات الإحصائي في جامعتي أوكسفورد وأمبريال في لندن؛ إذ تقول، مشيرةً إلى أدلة مستقاة من انتشار وباء (سارس) في هونغ كونغ، إن "الاستنتاج الذي خلص إليه زملاؤنا يشير إلى أن المرض لا ينحو منحى خطيرا عند الأطفال، ولذا كانوا أقل تأثرا (من البالغين)."


من المعروف أن البالغين الذين يعانون من حالات مسبقة تسبب ضغطا على أجهزة المناعة لديهم - حالات كمرض السكري وأمراض القلب على سبيل المثال - أكثر عرضة للإصابة بهذا النوع من الأوبئة.

ويقول إيان جونز "مرض ذات الرئة (الذي يعد واحدا من نتائج الإصابة بفيروس كورونا) يصيب، على الأغلب، أولئك الذين يعانون من ضعف في المناعة أصلا لأن حالتهم الصحية سيئة أو أنهم يشرفون على نهاية حياتهم. وهذا الأمر يحصل أيضا مع مرض الأنفلونزا وغيره من أمراض الجهاز التنفسي".

وتبين أن نحو نصف المرضى الذين دُرست حالاتهم في مستشفى جينينتان كانوا يعانون من أمراض مزمنة أخرى.

ولكن أليس من المعروف أن الأطفال ينشرون الفيروسات؟

يقول إيان جونز إن الأطفال معرضون فعلا للعدوى بالفيروسات ونشرها، ويشار إليهم، في كثير من الأحيان، على أنهم "ناشرون مفرطون" للفيروسات.

ويقول الخبير البريطاني إنهم "ينقلون العدوى بأمراض الجهاز التنفسي، بسهولة، كما يعرف كل من يتعامل مع الصغار في رياض الأطفال".

لذا فمن المتوقع أن نرى عددا كبيرا من الأطفال في قوائم المصابين - والمتوفين - بفيروس كورونا، ولكن هذا لم يحصل في الوقت الراهن على الأقل.

وقد يُعزى الأمر إلى أن للأطفال أجهزة مناعة قوية محفزة لمحاربة الفيروسات، أو أن المرض نفسه يظهر بشكل أقل حدة عند الأطفال مما يظهر عليه عند البالغين ولذا لا يؤخذ الأطفال إلى المستشفيات سعيا للعلاج، ولا يتم فحصهم وتسجيل حالاتهم.

وقد تظهر الصورة بشكل أكثر وضوحا مع استمرار البحوث في الوباء الحالي.

ولكن قد يكون السبب أن الأطفال أقل تعرضا للعدوى بسبب إغلاق المدارس وعناية والديهم. ولذا ستتبين الحقيقة عندما يعود أطفال الصين إلى مقاعد الدراسة.






انطلاقا من الفترة النبويّة باعتبارها الفترة المرجعيّة التي تأسّست فيها ثنائيّة الكفر والإيمان، يتتبع الباحث التونسي د.عمار بنحمودة مفهوم التكفير في مفاصله التّاريخية الكبرى بعد وفاة الرّسول (صلى الله عليه وسلم) ردّة وفتنة وصولاً إلى تدوين التّكفير في كتب الفرق والرّدود على الملحدين والكافرين، ونشأة علم الكلام وظهور الفرق. حيث كانت كتب الفرق مدوّنة خصبة لفهم ظاهرة التكفير وتحديد آلياتها. وتوقف في كتابه "التكفير في الخطاب الإسلامي القديم" عند التحولات الكبرى التي شهدها مفهوم التكفير.

وأوضح بنحمودة في كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أن هناك مراحل كبرى، تبدأ أولاها بتأسيس الخطاب التكفيري، وهي التي ارتبطت بمرحلة نزول الوحي، وتأثّر فيها الخطاب التكفيري بصراعات النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وجماعته مع أعدائه وخصومه؛ إذ كان الخطاب التكفيريّ يتوتّر كلّما توتّرت العلاقات السياسيّة والعقديّة مع الجماعات الدينيّة الأخرى في مكّة أو المدينة أو في سائر القبائل. وكان توتّر هذا الخطاب يتراجع كلّما شهدت تلك العلاقات أحلافاً دينيّة وسياسيّة.

أمّا المرحلة الثانية فقد وسمت بالصراع السياسيّ على الشرعيّة، وهي المرحلة التي وظّف فيها الخصوم السياسيّون التكفير سلاحاً لاحتكار الشرعيّة، وحاولوا سلبها من خصومهم. وقد شهدت هذه الفترة عنفاً رمزيّاً قام على قانون المحاكاة، وتحوّل في كثير من فصوله إلى عنف مادّي وحروب استنزاف باسم التكفير بين المسلمين أنفسهم.

وانتهت هذه الفترة باحتكار الخوارج التّكفير وتقنينه، وهو ما جعلهم يُتّهمُون بالغلوّ، ويدانون بسوء توظيف التّكفير. أمّا المرحلة الأخيرة فقد تميّزت بتقنين التّكفير في إطار علم الكلام، وشهدت نمطين من أنماط الخطاب التّكفيريّ: الأوّل تمثّل في ظهور كتب الفرق التي اعتمد أصحابها التّكفير وسيلة للفرز العقديّ وانتقاء عقائد الفرقة النّاجية من خلال تكفير عقائد الفرق الأخرى المنافسة على الشرعيّة الدينيّة.

وقد اعتمد التّكفير على بناء هرميّ ذي طابع سلطويّ، ارتبط بنسق مترابط العناصر تكاملت فيه مساعي اللغويين إلى تقنين اللّغة، مع إجماع الفقهاء على قواعد مشتركة للطّقوس والشّعائر والاعتقادات، ونمط محدّد للفصاحة؛ فحركة التدوين أثّرت في ظاهرة التّكفير، ورسمت قوانين الإيمان الصّحيح، وأبعدت من دوائرها كلّ تأويل تراه فاسداً ومارقاً.
وقال "في الطور الثاني، اتّسمت ظاهرة التّكفير بإدانة فرديّة تقوم على محاسبة عقديّة للمارقين من الملّة، والواقعين في شرّ التّأويل الفاسد. وقد كانت التّهمة الرئيسة الموجّهة إلى هؤلاء الخصوم هي الإلحاد؛ وهو مفهوم مركزيّ يقوم على ظاهرة التّكفير باعتبارها تستعيد ذهنيّاً مفهوم الخلع والطرد والإبعاد في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام؛ فالمدان بالإلحاد خليع وطريد، عقائده فاسدة، ومصيره الموت والعذاب.

وأكد بنحمودة أنّ التّكفير ظاهرة تاريخيّة اعتمدها أصحابها لفرض سلطتهم الرمزيّة على الآخرين، موظّفين قوّة المقدّس الذي مكّنهم من أن يجعلوا لآرائهم رافداً سماويّاً وحكماً إلهيّاً لا اعتراض عليه. ولذلك، كان التّكفير سلطة رمزيّة من أجل فرض الشرعيّة؛ وهو خطاب يعتمد آليّات إيديولوجيّة للفرز والتّصنيف، قد يقوّي السّلطتين الديّنيّة والسياسيّة، ولكنّه يمكن أن يتحوّل إلى آليّة تفكيك وتفريق؛ إذ إنّ الأطراف المتنازعة على الشرعيّة يمكن أن توظّف التّكفير لتستأثر بالمقدّس وتحتكر خيراته العقديّة، لتقصي المختلفين عنها، وإن كان ذلك على أساس تبريرات دينيّة لخلافات سياسيّة. والفرقة التي تَعدّ نفسها ناجية تقوم باحتكار الشرعيّة الدينيّة والتّأويل الرّسميّ للنّصوص الدّينيّة، وتتّهم سائر الفرق الأخرى بالكفر والإلحاد.

ورأى إنّ أهمية ظاهرة التّكفير تكمن في قابليّة هذا المفهوم للتأثير في المجالين الدّيني والسياسيّ، وقابليّة المزج بين العالم الدنيويّ والعالم المقدّس؛ فمتخيّل الذّات الإلهيّة يجعل كلّ التصوّرات الأخرى إلحاداً وكفراً. وتغيير قواعد العلاقة بين العالمين الدنيويّ والمقدّس من بناء سلطويّ يتّخذ شكل الهرم إلى علاقات مباشرة خرق لميثاق القداسة، ووقوع في دوائر الكفر والإلحاد. وهذا المنطق لا يحرم الفرق الأخرى من حقّها في التّأويل المختلف فحسب، وإنّما يحرمها أيضاً من حقّ المشاركة السياسيّة.

ومثلما هيمن موقف رسميّ جعل الخلافة في قريش، فرضت لغة قريش في المصحف الرسميّ الذي تبنّاه الخليفة عثمان بن عفان ليقصي اللهجات الأخرى من القراءات الرسميّة للقرآن، ويقضيَ على حقّ القبائل الأخرى في الانتماء اللّساني وقداسة اللّغة القرآنيّة. فضلاً عن ذلك، صار فريق من المتشبّثين بالمنظومة الرسميّة للعقيدة الإسلاميّة يفرضون لوناً واحداً من الإيمان يختزل تصوّر فرقة للذات الإلهيّة والخطاب القرآنيّ، ويضع الباقين في خانات الكفر. والتّكفير يقيم حساباً دنيويّاً قبل حساب الآخرة كما يتصوّره المؤمنون بالعقيدة الإسلاميّة؛ وهو لا يكتفي بالأحكام التي تدين الجماعات والأفراد بالكفر والإلحاد، وإنّما يشرّع لاستعمال العنف معها بقتلها وصلبها. ولذلك، ينتظم التّكفير في حلقة ثلاثيّة محورها السّلطة وأضلاعها الكفر والشرعيّة والعنف.

ولفت بنحمودة إنّ "التكفير يعبّر عن الثنائيّة الدينيّة المعروفة بالإيمان والكفر. وإذا كان قد وظّف في مرحلة أولى في الصّراع السياسيّ على منصب الخلافة، فإنّه قد تحوّل إلى مقولة في علم الكلام مكّنت الفرق المتنازعة من وسيلة للدّفاع عن شرعيّتها فضلاً عن أنّها منحت المفكّرين سلطة علميّة للردّ على خصومهم.

وقال "حاول علماء الكلام، على مدى العصور، في مختلف المذاهب والفرق الإسلاميّة، أن يؤسّسوا إلزاميّة أحكامهم التكفيريّة وتحويلها إلى قانون يضمن آليّات فرز عقديّ تفصل بين المؤمنين والكافرين، أو ما عبّروا عنه بثنائيّة النّجاة والهلاك، ونجحوا في ذلك لأنّهم أوهموا مخاطبيهم بأنّ أحكامهم التكفيريّة إلهيّة المصدر، فقدّموا تصوّراً للذّات الإلهيّة وللقرآن والنبوّة، وضبطوا شروطاً محدّدة لضمان الانتماء إلى الفرقة النّاجية. وقد كان حديث الفرقة النّاجية الإطار النّظريّ العامّ الذي أسّسوا عليه كتبهم وفصلهم الدّيني بين الكافرين والمؤمنين. وقد أدّى تسييج ضوابط الفرقة النّاجية وربط مخالفتها بالتّكفير إلى إقصاء تلك الأحكام من الواقع وإضفاء قداسة عليها حجبت خلفيّاتها السياسيّة وحوّلت الخلاف على الإمامة إلى خلاف أشمل تبحث فيه كلّ فرقة عن اكتساب شرعيّتها على حساب الفرق الأخرى. ولذلك شهدت أحكام التّكفير اختلافاً بين الفرق.


وأوضح أن التكفير بدأ قيمة دينيّة أسّسها الخطاب القرآنيّ. وما اتّهام الخوارج بأنّهم مبتدعو التكفير إلا نتيجة أحكام ولّدها الصّراع الذي خاضته الفرق فيما بينها من أجل نيل شرعيّتها. ولكنّ الطّابع الدّيني للمفهوم لم يمنع من تفاعله مع الواقع. فقد كان غير ثابت وتأثّر بالوضعيّات التي مرّت بها الدّعوة النبويّة.

فالتّكفير يجد مبرّراته في قوّة المسلمين وقدرتهم على غلبة الجماعات التي لا تنضبط إلى قوانينهم الدّينيّة. ولكنّه يصير ضعيفاً كلّما افتقدت الدّعوة القوّة الحربيّة القادرة على تحويل التكفير إلى آليّة لتبرير الحرب والسّلب والتهجير.

ويفضي القول بتحوّل مفهوم التكفير إلى كونه مفهوماً منفتحاً، بمعنى أنّ أحكامه ليست نهائيّة؛ فالكافر يمكن أن يتحوّل إلى مؤمن والعكس صحيح. وعلى الرغم من وثوقيّة الأحكام التي يقوم عليها، فإنّه متغيّر بحسب الحقب التاريخيّة والجماعات التي وظّفته في حربها من أجل اكتساب الشرعيّة.

ورأى بنحمودة أن التّكفير كان منذ الفترة النبويّة وسيلةَ صراع على السلطة، وآليّةً لاكتساب شرعيّة الحرب، ومبرّراً قانونيّاً للقصاص من الفئات الأخرى. فليس ثمّة في التّاريخ الإسلاميّ مسوّغ للحرب عند المسلمين أكبر قيمة من الكفر؛ ولذلك ارتبط بالجهاد. وقد أسّس هذا المفهوم ثنائيّات أساسها النظريّ قائم على التّكفير؛ فهو يقسّم البشر إلى مؤمنين يقاتلون في حرب شرعيّة مآل أصحابها الجنّة، وكافرين حربهم فاقدة للشرعيّة ومآلهم الجحيم. ويقسّم الأرض إلى دار إسلام ودار كفر. ولذلك قتلُ الكافر حلال، وقتل المؤمن حرام، وفق هذا المسار؛ وهو منطق دينيّ له انعكاسات سياسيّة؛ لأنّه يهب الشرعيّة لفريق من النّاس ويسلبها من الفريق الذي يواجهه.


وأضاف "هيّأ النبيّ أرضيّة تشريعيّة وخطاباً مشرعناً للتّكفير، انطلاقاً من البنية الثنائيّة التي واجه بها أعداءه من كفّار قريش واليهود والمرتدّين. ولهذا، اندلعت حروب الردّة بعد موت النبيّ بشكل أكبر ممّا كانت عليه في حياته، وعُدَّ المرتدّون كفّاراً على الرغم من تباين أسباب ردّتهم.

وكانت الحرب مبرّرة بذلك التّصنيف الثنائيّ الذي انقسم فيه الناس إلى كفّار ومؤمنين. والحال أنّ وراء تلك الثّنائيّة ثنائيّات أخرى قد تخفي الوجه الديني للتكفير لعلّ من أهمّها الثنائيّة السّلطويّة التي تجعل من المؤمن منضبطاً لسلطة الخليفة الأوّل أبي بكر الصدّيق، وتصنّف المارقين من سلطته والرّافضين للقوانين التي تقوم عليها دولته، كافرين يباح قتالهم وتُستباح دماؤهم.

وأشار بنحمودة إلى أنّ "التّكفير كان آليّة سلطويّة ناجعة لتبرير الحرب وإضفاء طابع القداسة عليها. وهو الذي ساهم في الحفاظ على الكيان السياسيّ الناشئ وحمايته من الارتداد إلى وضعيّة التفرّق القبليّ. إلّا أنّ اتّخاذ التّكفير مبرّراً للحرب قد كان سبباً مباشراً في نشأة المركزيّة القرشيّة التي جعلت من القرار السياسيّ في يد القبيلة الأقوى. وهو ما سيجعل من إخماد حركة الردّة مجرّد فصل من فصول الصّراع على السلطة، تتجدّد جولاته في الفتنة التي كشفت أنّ أزمة المركزيّة القرشيّة ستظلّ سبباً رئيساً في اندلاع حرب يسعى فيها كلّ طرف إلى إثبات شرعيّته السياسيّة والدّينيّة.

وأوضح أن السّقيفة كانت نواة الخلاف بين رموز السّلطة الإسلاميّة؛ وهي التي ستحوّل التكفير من آليّة قوّة وتجميع لشتات القبائل المتفرّقة حول محور دينيّ أساسه الإيمان والانضباط السياسيّ للقوانين الإسلاميّة، إلى آليّة تفرّق شمل المسلمين، وتهب كلّ فريق منهم سلاحاً دينيّاً يحتكر به مفهوم الإيمان ويسلبه من الفرق الأخرى. وتُعدّ الفتنة ذروة التّوظيف السياسيّ للتّكفير؛ فأثناءها تحوّل الدّفاع الجماعيّ عن الدّولة الإسلاميّة إلى حرب يخوضها المسلمون فيما بينهم ليثبت كلّ فريق شرعيّته الدّينيّة والسياسيّة. وقد أكّدت فصول الخلاف منذ بداية حركة الاحتجاج على عثمان أنّ المبرّر الأساسيّ للحرب كان التّكفير.

وتابع أنّ "التكفير كان مجرّد غطاء شرعي قد يحجب كثيراً من الأسباب الموضوعيّة التي قد تتّخذ سياسيّاً أو اقتصاديّاً واجتماعيّاً؛ فأسباب مقتل عثمان مثلما عرضناها تعود إلى سياسته التي لم ترضِ كثيراً من المحكومين. وتكفير معاوية كان نتيجة نزاعه السياسيّ ضدّ شرعيّة الخلافة في عهد عليّ. أمّا تكفير عليّ بن أبي طالب فقد كان نتيجة قبوله بالتحكيم وعدم توافقه مع الخوارج. إنّ ما نعنيه بالتّنسيب هو ضرورة مراجعة مفهوم التكفير؛ فهل هو مفهوم ثابت يقوم دوماً على ثنائيّة المؤمن والكافر؟ وهل ما كان يُعدُّ كفراً في عهد النبيّ هو ذاته الكفر في عهد الصّحابة وكتب الفرق؟

ورأى بنحمودة أنّ الطّابع النخبويّ للتّكفير لم يمنع وجود صلات بين البنية التي قام عليها الخطاب التّكفيريّ في إطار علم الكلام وسائر أنواع الخطاب مثل خطاب السّائس أو المؤرّخ أو الفقيه. فمثلما سعت المنظومة الفقهيّة إلى إيجاد فصل عقديّ بين الحرام والحلال والمندوب والمكروه، موظّفة مفهوم الإجماع، من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة النّاجية وتحديد ملامح المؤمن عقيدة وسلوكاً، فإنّ التكفير قد حقّق الوظيفة نفسها، ولكن عبر مسالك مختلفة، وهي سبل النّظر العقليّ والتجريد النظريّ من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة الناجية وإقصاء سائر التّأويلات المارقة من التّأويل الرسميّ.

وأكد أن الخطاب التكفيريّ يحقّق شرعيّة الانتماء السلطويّ ويفتح أبواب العلاقة بين المنظومة العقديّة المؤمنة والسّلطة الحاكمة؛ فعلماء الكلام هم جنود الخلافة وحماة عقائدها، وإنْ لم تكن مقاصدهم متوافقة دوماً مع صاحب السّلطة. وجلّ المدافعين عن الفرقة النّاجية وعقائدها هم ممّن تربطهم علاقات حسنة مع أصحاب السّلطة، وكثير منهم مقرّبون من البلاط. وفي المقابل المتّهمون بالكفر هم أعداء الدّولة، وكثيراً ما تتحوّل أحكام التّكفير إلى عنف شرعيّ ينفّذ باسم الشّرعيّة الدينيّة؛ فخصوم علماء الكلام هم خصوم الدّولة. والعنف الرّمزي يمكن أن يتحوّل بفعل الإرادة السّلطويّة للحاكم إلى عنف ماديّ وشرعيّ. وهو ما يفسّر انقلاب موازين القوى التكفيريّة بانقلاب الموازين السياسيّة.

محمد الحمامصي









قدم الكاتب أسامة الألفي في كتابه "مبدعون في لوحات أدبية" رؤى وتراجم حول مجموعة من أعلام الفكر والثقافة والأدب في الوطن العربي خلال القرن العشرين. ويقدم الكتاب منهجيته من خلال تحريره لمفهوم "المجد الحقيقي" قائلًا ص 269: "المجد لحقيقي هو الذي لا يسعى صاحبه إليه، ولا يبحث عنه، وإنما يفيض عطاء ويعمل بلا كلل دون انتظار جزاءً ولا شكورًا، فالرجال العظماء يسطرون مجد تاريخهم بما قدموه وقيمة المرء لا تكمن فيما يبلغه، ولكن فيما يروم بلوغه"، فالمعيار الحاكم لاختيار شخصيات الكتاب ينطلق من قيمتها الفكرية، وعمق تأثيرها الثقافي في المجتمع المحيط بها.
ومن ميزات الكتاب الثقافي المهم هو جدته وطرافته، حيث احتوى تدفقًا معرفيًا، ونظرات في المؤثرات البيئية المحيطة بالشخصية المختارة، وطرح نقدي في التفسير والربط بين الشخصية ومنجزها الفكري والإبداعي، وبينها وبين غيرها من الشخصيات والأفكار والأجواء المعاصرة.

ويكفي أن نعرف بعض الشخصيات المقدمة في الكتاب المقدم مثل الرافعي ويوسف السباعي وفؤاد حداد وعبدالحميد الديب وعبدالرحمن الشرقاوي ود. غازي القصيبى، وغيرهم.

وساهمت مزايا الكتاب مجتمعة في تحقيق متعة القارئ، ولا أجد مثل وصف د. عبدالحميد إبراهيم، في مقدمته التي أجرى فيها حوارًا راقيًا حول بعض أفكار ومزايا الكتاب، عندمت تحدث حول "البحث الإبداعي" بقوله ص 10 (بتصرف كبير): "لا يقدم – المؤلف أسامة الألفي - المعلومات بطريقة أكاديمية عقلية جافة بل بحثا إبداعيا ينتقل فيه القارئ من الذكريات إلى الاستشهادات إلى الأسلوب الرائق فلا يشعر القارئ بالكلل والملالة".

ونقطف من الكتاب المهم بعض القطوف الدالة، وتفاعل ذائقتي معها كقارئ وجد وجبة ثقافية فكرية مغذية ومشبعة للفكر.
الفطرة والسلوك المكتسب – صراع طويل:

حضرت مرة مناقشة بين مجموعة الأصدقاء حول طبيعة الشخص أو ما جبل عليه، وهل يمكن له أن يغير من طباعه من خلال السلوك المكتسب؟ وقد انحاز بعض الحضور لرأي أن الطبيعة تغلب دائما السلوك المكتسب، وأن الإنسان لا يتغير حقيقة بل تظل طباعه الأصيلة كامنة كمون النار في الجمرات فما أن تهب ظروف مواتية لها حتى تشتعل ثانية.

ورفضت ضمن الفريق الآخر هذا المنطق إذ انه ينقض ثوابت فهمتها من شرعنا الحنيف تدور حول المسئولية الفردية، وأن الإنسان لا بد له أن يوزن عمله له وعليه، وبالتالي فأدوات التغيير متاحه له، والسلوك المكتسب يجب أن يفوز في النهاية، ولا يكون هذا إلا للسائرين في طريق التغيير والمصرين على السير، وليس لمن يترك نفسه يهوى حتى يكون قلبه فحمة سوداء لا موضع فيها لبقعة بيضاء، فلا يجدي فيه التغيير أو السلوك المكتسب، ولعلنا بذلك عند هذا الموضع من التحليل التقينا مع الفريق الآخر، إذ أن عصرنا غالبًا لا يتيح إلا سبل الانهيار وذرائع الفساد، وهو نفس الموضع في ميدان الأدب، فقدم لنا الكتاب العقاد ص 44 (بتصرف): "وهو يكتب مطولته الشعرية (ترجمة شيطان)، يتحدث فيها عن توبة الشيطان، لكنه لم يتب قط بل كانت تلك طبيعته المراوغة، فهو يرى أن الخير أهون من أن يستحق منه العناية بإزالته، أو رصد المكائد له، لكنه ما يلبث أن يعود لطبيعته، لقد أراد العقاد أن يقول إنه من المحال أن يتغلب المكتسب على الفطرة وهي رؤية صورها أيضا في روايته سارة".
الرافعي والنثر الفني:

ويشير المؤلف تحت عنوان "الرافعي .. أستاذ اللغة الشاعرة"، إلى جانب مهم من عطاء الأديب الرافعى، ويرى منجزه في هذه الناحية إيجابيًا وراقيًا، بل وربط بينه وبين الشكل المعاصر "قصيدة النثر" الذي دارت حوله – ولا تزال - وجهات نظر متباينه، يقول ص 51 (بتصرف): "كتب الرافعي لونا مميزا من النثر الفني، إذ كان بصوره وتعبيراته وأخيلته يسطر لونا من النثر الشعري هو أقرب إلي ما نسميه اليوم بـ (قصيدة النثر)، ويبدو لي أن من كتبوا هذه القصيدة تأثروا يأسلوب الرافعي بشكل أو بآخر فهو يعتمد في أسلوبه على التصوير من خلال صور بلاغية منحوتة ثرية بالمعاني عامرة بالاحاسيس مع وجود حوار عميق".

السيرة الذاتية بين الفن والتاريخ:

ثم يقدم المؤلف فكرة "السيرة الذاتية" وإنتمائها في الأساس إلى الفن، وينتقي مقولة مهمة لعملاق الأدب والفلسفة والتاريخ علي أدهم، يقول ص 57 (بتصرف): "يصفها الناقد علي أدهم بانها ملتقى الحق الفني والحق التاريخي، لكنها فن في الإساس قبل أن تكون علما رغم انبثاقها من رحم التاريخ، حيث إن كاتبها له الحق في انتزاع أو تقديم ما يشاء من تفاصيل حياته، فليست السيرة صورة طبق الأصل من الحياة". والجمال الأدبي استشعرته يدور حول هذا المدار الموفق، في ساعات من المتعة مع مطالعتي لبعض السير الذاتية، مثل: "الحمد لله هذه حياتي" للإمام عبدالحليم محمود، و"حياتى فى حكايتي" للإمام حسن الشافعى.


تقييم المبدع بين الأجيال:

ويشير الكتاب لفكرة التقويم الحقيقي للنصوص الأدبية، من خلال مسار الزمن، وتعاقب الأجيال، ويوجزها بقوله ص 77: "تذهب مقولة نقدية إلى أن أعمال المبدع لا تقوم تقويما حقيقا إلا بعد سنوات طويلة من رحيله وغياب أبناء الجيل الذي عاصروه ليأتي جيل آخر يتعرف عليه من خلال إنتاجه ونتاجه فقط بعيدا عن أي مؤثرات عاطفية أو شخصية، قد تطبع أو تحكم آراء الذين عاصروه وأحبوه أو اختلفوا معه"، وهو تبرير منطقي يؤدي إلى التجرد في الرؤية والحكم، بالتالي تقدم الزمن قد يؤدي إلى موضوعية النقد بشكل أوفق.

هل النقد يكتب شهادة ميلاد الأعمال الأدبية؟

ثم ينطلق الكتاب لسؤال نقدي آخر مهم، ولافت للتأمل، ويطرحه للتفكير وتداول وجهات النظر، عن قيمة النقد الأدبي في تقدير الأعمال الأدبية، يقول ص 79 عن باكثير، بمقولة الكاتب أنيس منصور عن أصالة الفنان: "الأعمال الإبداعية تتحدث عن نفسها، وليست بحاجة إلى ناقد او نقاد كي يكتبوا لها شهادة الميلاد، وإنما الفن العظيم الصادق هو الذي يؤكد وجوده، ولا تنتهى بصمت ناقد أو نقاد".

وأعتقد أن هذا المفهوم المقدم يميل لما قيل عنه "موت الناقد" في عصر الوسائط الحديثة، حيث تحول المبدع لناشر، والقارئ إلى ناقد يميل للانطباعية، حيث يؤثر القراء أبلغ الأثر في توجيه مؤشرات القراءة، وبالطبع أقدر النقد الأكاديمي، وأهميته في تنقية شوائب الإبداع، وتصويبه، والتفاعل معه، وتفسيره، وتجسير المعرفة النقدية لذائقة القراء، ثم بناء خبرات الكتابة وأصول وسمات الأنواع الأدبية.

الشعر سماء بحجم ورقة الكتابة:

يقدم المؤلف مفهوم الشعر الحقيقي، من خلال تناوله شخصية الشاعر نزار قباني، وفسر قيمة الشعر عندما يتغنى به الناس، وهنا جدوى الأدب ومتعته، يقول ص 123 : 125 (بتصرف كبير): "الشعر عند نزار قيمة تعلو فهو سماء بحجم ورقة الكتابة، وقد جعل الشعر في دائرة اهتمام المتعلمين العاديين الذين لم يدخل الشعر من قبل في إطار اهتمامهم، لقد اكتشف أن اللغة العربية لغة سماعية في حروفها وألفاظها، موسيقي حالمة فاستثمر هذا الجانب ووظّفه من خلال قاموس لغوي برنين موسيقي جمالي، هي لغة تحتفي بالفصحي وتستعبن بكل ما هو عامي من أصل فصيح، فهو جمع في لغته الشعرية بين السهولة والأناقة بألفاظ حالمة موسيقية شديدة الرقة تارة وشديدة التوحش تارة أخرى. فالشعر لغة القلوب يقول الشاعر القديم:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه ** فليس خليقا أن يقال له شعر

القصيدة لديه ليست مجرد صورة وأخيلة وموسيقي ولكنها قبل هذا وبعده مضمون، فلا قيمة عنده لأي تعبير جميل ما لم يعبر عن مضمون واضح وفكر متميز، فوظيفة الشعر إمتاع الوجدان والرقي بالعقل والتعبير عن العصر".

جسر الكلمات:

ثم يقدم فكرة التعاطف مع النص لا مع المؤلف، ويصف معبر الإبداع، ومثلث العملية الفنية الفاعل، يقول ص 135 (بتصرف): "العبرة في جودة القصيدة لا تكمن في محتواها فقط، وإنما تكمن بالدرجة الأولى في كيفية تقديم هذا المحتوى وإيصاله إلى الآخرين، فالعملية الإبداعية – كما هو معروف – تتكون من ثلاثة عناصر مبدع ونص ومتلق، وتحليل العمل الأدبي يجب ألا يتجاهل أيا من العناصر الثلاثة فهي تكمل بعضها. إن المبدع الجيد هو الذي يتواري وراء نصه لا يريد تعاطف القارئ معه إنما يريد تعاطف القارئ مع النص أي يكون انفعاله النفسي والجمالي نابعا من ذات القارئ".

اختيار المرء وافر عقله:

ويستمر الكتاب في تقديم لقطات فكرية، وتحليل عميق، بأفكاره المحكمة، وبنائه المنهجي في التراجم بالمزج بين التحليل والمتعة والربط الثقافي، فيقدم مما أشرت به في هوامش الكتاب عن ما آراه "الوطن المقهور في رؤية الشعراء"، وما يراه المؤلف حول "الشعر تصوف" في فكر الشاعر أحمد زكي أبو شادي.

كما كان اختيار المرء وافر عقله، فقد انتقى المؤلف أطايب الإبداع، وقدمها موفورة شهية للقراء، في نسيج تحليله وعرضه، فيقدم قطوف من "قصائد قلبي" للشاعر غازي القصيبى، وغيرها من ثمار إبداع أعلام الكتاب.

خالد جودة أحمد








صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا، الرواية الأولى للكاتب السوري نبيل محمد، بعنوان "دورة أغرار". ويتزامن إصدار الرواية مع المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء في دورته 26 والمتواصل إلى غاية 16 فبراير/شباط 2020، حيثُ تشارك منشورات المتوسط في المعرض بما يفوق 300 عنوان.

ووفقا للناشر فإن الإصدار الأدبي الأوّل لنبيل محمد، الذي اشتغلَ كثيرًا في الصحافة، يُسلِّط الضوء على فترةٍ زمنيّة تقارب الستَّة أشهرٍ قبلَ اندلاعِ الثورة ضدَّ نظامِ بشَّار الأسد، يرصدُ من خلالها الكاتبُ الرَّاهِن الحياتي في دمشق وبدايةَ تفكُّكِ ودمار أجهزةِ الدَّولة، عبر تتبُّعِ مصيرِ أفراد أسرةِ علي اللِّواء، الضَّابط الذي ينتمي لريفِ السَّاحل السُّوري، ويعيشُ هو وأبناؤه تحت ظلِّ الرُّتبِ العسكريَّة التي يحمِلُها على كتفيْه.

هناك أيضًا شوشو، ابنةُ الضابط الجميلة والغبيّة، والتي تعمل بدايةً كمحرِّرة في صحيفة يوميّة، ثم مُقدِّمة برنامج شو في فضائيّة خاصَّة يملكُها أحد المتنفِّذين في النِّظام، كما وتربطُها علاقة عاطفية بجارها الشاب الدِّمشقي الذي يخدم دورة الأغرار الإلزامية في الجيش. ثمَّ حسام، الطالبُ الجامعي، بشخصيةِ ابن الضّابط المُسطَّحة، والتي لا تعرف تماماً أهدافَها الكبرى أو الصُّغرى في الحياة. وأخيرًا سُليْمانة (أمُّ حسام) زوجةُ الضَّابط، والتي أكثر ما يربطها بزوجها هي رتبه العسكرية.


في "دورة أغرار" تتصاعد جملةُ العلاقات المُتشابكة مع شخصياتٍ أخرى، من النَّجاح المُزيّف إلى العجز ثم الانهيار، فيما تتجه حياةُ آخرين في الرواية إلى الخروج من العجز إلى رفضِ الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة.

أخيراً جاءت الرواية في 328 صفحة من القطع الوسط، بسردٍ مُحكمٍ يعكسُ الاشتغالَ العميقَ للكاتب نبيل محمد، وكأنَّها ليست هذه روايته الأولى.

من الكتاب: كانت مواصفات حسام غير ثابتة في نَظَر والده، ونَظَر والدته أحياناً، فعندما انتقى فرع الأدب الإنكليزي في الجامعة كان "فلهوي، ويُحبّ اللغات والأجانب"، على الرغم من أن حسام لم يُعبِّر سابقاً عن أيّ شيء يدلّ على ذلك، وكان والده أيضاً يصفه بـ "العرصة" عندما يراه ذاهباً أو قادماً من سهرة قضاها مع أصدقائه. كان أيضاً يقول عنه "دَرِّيْسْ ومُجِدّ" عندما يراه يدرس، و"فاشل" عندما يرسب في إحدى موادّه، و"ناجح" عندما انتقل من السنة الأولى إلى الثانية في جامعته بصعوبة بالغة .. سليمانة لم تكن تهتمّ لتلك التفاصيل كثيراً، لكنها كانت تدرك حقيقة أن ابنها ما زال يتصرّف تصرّفات طُفُوليّة أحياناً، وأن شخصية أخته أقوى من شخصيته، لكنْ، لا يهمّ، فهي، في الأحوال كلها، تدرك تمام الإدراك أن وَلَدَيْها لن يواجها صعوبات مستقبلية، فوالدهما لديه الكثير من العلاقات مع مسؤولين في الدولة، ومن السهل أن يحصل الولدان على وظيفة جيّدة، إن أرادا ذلك .. وظيفة جيّدة في الدولة هي أهمّ ما يمكن أن يطمح له شابّ بنَظَر أُمّ حسام.

نبيل محمد كاتب وصحفي سوري، من مواليد 1985 في قرية قدموس، محافظة طرطوس. عمل كمحرِّر وكاتباً في عدد من المواقع والصحف العربية، يقيم في إسطنبول منذ عام 2015.








صدر حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا ودار السويدي بالإمارات العربية المتحدة، الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للترجمة لعام 2020، بعنوان: "نحو مهد العالم – رسائل من الهند"، للشاعر الإيطالي غويدو غوتْسانو، ترجمه عن الإيطالية الشاعر السوري أمارجي.

ووفقا للناشر فإن الكتاب الذي مِن الجيِّد أنَّ القارئ، بعدَ أن يُغلقَه، حسبَ توطئة المُترجم، قد يتأخَّرُ قليلاً قبل أن يصل إلى خُلاصةٍ حول مغزاه وقيمته. سوف يسمع، حينئذٍ، فيضاً من أصواتٍ واهنةٍ وثقيلةٍ تتآلفُ في انسجامٍ مُغْرٍ وحزينٍ؛ وسوف يرى غُمَارةً من بقعٍ لونيَّةٍ، بقعٍ كانت تبدو له من قبلُ وكأنَّها أُلقيَتْ عشوائيَّاً، تلتئمُ عند الحوافِّ وتشكِّل لوحةً. الألوان الابتدائيَّةُ والصَّريحةُ التي كانت تبدو لنا، طوالَ قراءتنا الكتابَ، متجاورةً، سوف تُعَدِّلها ذاكرتنا.

يُهيْمِن على لغة غوتْسانو الشِّعريَّة كآبةٌ وإحساسٌ بالموت، ولكنَّ فيها أيضًا رغبةً رومانسيَّةً في الفرح والحب لا تلبث أن تصطدم بالحقيقة اليوميَّة لمرضِه، وبيأسٍ مرير. وممّا جاء في التوطئة التي كتبها جوزِبِّهْ أنطونيو بورغيزِهْ في باريس العام 1917: "...بعد قرونٍ من تثبيت القَدَم في تربة الوطن، ومن العصبيَّة المحلِّيَّة التي لا تخلو من رائحة الثُّوم، هيَ ذي إيطاليا الجديدة والمتعطِّشة لكلِّ جديدٍ، إيطاليا اليابانيَّة قليلاً لقلقها من المستقبل، والأمريكيَّة قليلاً لازدرائها القيود التَّقليديَّة. هناك، بالفِعل، إرهاصةُ مستقبليَّةٍ في هذا السَّفر لأجل السَّفر، في هذه الرِّحلةِ المختلفةِ كلِّيَّاً عن الرِّحلات الحميمة والنَّفسيَّة للرُّومانسيِّين، في هذه الارتيادات الاستكشافيَّةِ للشَّمال والشَّرق، للعواصم الضَّبابيَّة وجبهاتِ القتال. لم تُسهم أسرابٌ من الرَّحَّالة وكِبارِ المراسلين الصَّحفيِّين، بعد عودتهم إلى ديارهم، في إدخال الويسكي والصُّودا وآلة الحلاقة الأوتوماتيكيَّة فحسب، بل أسهمَتْ أيضاً في إدخال عددٍ معيَّنٍ من الانطباعات الجديدة والأفكار المرنة التي كانت مفيدةً لتركيز انتباهنا جيِّداً على الهدف، وكذلك في إدخال عددٍ معيَّنٍ من الكلمات الفتيَّة، والصُّوَر اللَّاذعة، والمجازفات النَّحويَّة التي جعل منها الأسلوبُ التَّجريبيُّ للمدارس الشِّعريَّة الجديدة آنذاك فضاءً للعربدة، وإنْ كانت ستعطي بعض الثِّمار الجيِّدة في شِعر الغد".


أخيراً، جاء الكتاب في 208 صفحات من القطع الوسط، وقد نال عنه أمارجي جائزة ابن بطوطة في فرع الترجمة.

اسم المؤلف الكامل غويدو غوسْتافو غوتْسانو، وُلِدَ في 1883 في مدينة تورينو الإيطاليَّة، وتوفِّي فيها وله من العمر 32 عاماً فقط إثر إصابته بالسل. ارتبط اسمُه بالغُروبيَّة أو الغسقيَّة، وهي مذهب في الشِّعر الإيطالي شاع في أوائل القرن العشرين ويخلط بين السُّخرية والكآبة. تأثَّر في بداياته بشعر غابرييل دانُّونتسو، ولكنَّ اكتشافه لقصائد جوفانِّي باسكولي فيما بعد قرَّبه من مذهب الشُّعراء الباطنيِّين Intimisti الذين عُرفوا فيما بعد بالغروبيِّين. في سنة 1903، نشرَ قصائده الأولى في مجلَّة «جُمعة الكونتِسَّة» التي كانت تصدر في تورينو. وفي سنة 1907 صدرت مجموعته الشِّعريَّة الأولى "طريق اللجوء"، وقد ضمَّت 30 قصيدةً استقبلها النُّقَّاد بترحابٍ كبير. وفي 1911 أصدرَ منجزَه الشِّعريَّ الأهم "المسامَرات"، المكوَّن من ثلاثة أجزاء، والذي لقي نجاحاً منقطع النَّظير انهالت في إثره على الشَّاعر رسائل من أهم الصُّحف والمجلَّات تلتمس منه الكتابة فيها.

في 1912 قام برحلةٍ إلى الهند، حيث أقام هناك بين شباط ونيسان، ليتمخَّض عن هذه الرِّحلة كتاب "رسائل من الهند" الذي نشِر بعد سنةٍ من موتِه. في سنة 1914 نشر في مجلَّة La Stampa مقاطع من قصيدته الطَّويلة "الفراشات" التي لم يكمل إنجازها؛ وفي العام نفسِه نشرَ ستَّ حكاياتٍ جميلة في كتابٍ عنوانه "ثلاث تعويذات". في سنة 1916، سنةِ موتِه، عمل على سيناريو فيلمٍ عن القدِّيس فرنسيس الأسيزيِّ، ولكنَّ الفيلم لم يبصر النُّور.

وأمارجي هو الاسم الأدبيّ للشَّاعر والمترجم السُّوري رامي يونس. وُلدَ بمدينة اللاذقية سنة 1980. صدر له شعراً: "ن"، 2008. بِيرودجا: "النَّص- الجسد"، 2009. مِلاحاتٌ إيروسيَّة، 2011. وردةُ الحيوان، 2014. (صدرَتْ بالإيطاليَّة عن دار تزونا كونتمبورانيا، روما، 2015). بِفَمٍ مليءٍ بالبرق، (شذرات)، 2019. كما صدرت له حديثاً مجموعة شعرية جديدة عن منشورات المتوسط، بعنوان: فيلولوجيا الأزهار، 2020.

ترجمَ عن الإيطالية عدة كتب منها: الأرض الميِّتة، غابرييل دانُّونتسو، 2012. الأعمال الأدبيَّة، ليوناردو دافنشي، 2015. شجرة القنفذ والرَّسائل الجديدة، أنطونيو غرامشي، 2016. البحرُ المُحيط، ألِسَّاندرو باريكُّو، 2017. واحدٌ ولا أحد ومِائة ألف، لويجي بيراندِللو، 2017. زهرةُ القيامة: عجائب الألفيَّة الثَّالثة، إمليو سالغاري، 2018، والكتب الثلاثة الأخيرة صدرت عن منشورات المتوسط. كما ترجم كذلك: غيرةُ اللُّغات، 2019. سنةُ ألفٍ و993، جوزيه ساراماغو، 2019.







قبل ما يقرب من عام تقريبا كانت فكرة تأسيس مجلة سينمائية عراقية فكرة طرحها وسعى إليها السينمائي العراقي سعد نعمة، وفعلا تحقق الحلم وصدر العدد الأول ثم الثاني وها نحن نفرح بصدور العدد الثالث الموجود حاليا والذي يعتبر حدثا سينمائيا بحد ذاته كونه يؤثث لثقافة سينمائية واعية ونافذة جمالية أصيلة وقادرة على التطور والنضوج أكثر في حال استمرارها ووجود داعمين لها.

صدر العدد في 84 صفحة بقالب فني أنيق، هذا يعود لفريق العمل النشط (سعد نعمة طريف ــ رئيس مجلس الإدارة، عبدالعليم البناء ـ رئيس التحرير، عمار شذر ـ المدير المالي ومحمد عبدالحميد ـ المدير الفني ومجموعة متميزة من النقاد من داخل العراق وخارجه) يدعمون هذا الجهد ويرفدون المجلة بمواد سينمائية خاصة.

في مقدمة هذا العدد أشار رئيس التحرير لنقطة مهاة حيث شكر نقابة الفنانين العراقيين بطبع هذا العدد بمطبعتهم مجانا بمعنى أن هذه المجلة بدأت تثبت وجودها وهي تستحق هذا الدعم وأن يستمر، وضرورة أن تسارع وزارة الثقافة العراقية أيضا بدعمها ودعم الكثير من المبادرات الثقافية والفنية التي تقام بجهود ذاتية ولها تأثيرات على المستوى العراقي والعربي.

من أهم محتويات العدد الثالث، ملف خاص عن التظاهرات الاحتجاجية بالعراق وقراءة الأبعاد الثقافية والفنية حيث أصبحت الساعات مسارح وساحات عروض سينمائية ومساحات ثقافية وأدبية تتعزز ملامحها وتفرز نوعا ثقافيا وفنيا خاصا وهنا يأتي دور الشباب والشابات ليعلمونا وليصبحوا هم النموذج والمعلم ولهم البطولة وهم من يدفعون ثمن الحرية من دمهم وأرواحهم.

يؤكد د.صالح الصحن في مقاله "الفيلم الوثائقي الآن" أننا مع لحظات تاريخية وإنسانية غنية بالأحداث وعلى الفيلم الوثائقي أن يوثق هذه الدراما اليومية في قوالب جمالية ومعالجات تمجد بطولة الإنسان لجيل شاب يخرج عاري الصدر ضد الرصاص والقوى الوحشية.


سنجد حوارات عدة وسنتوقف مع المخرج العراقي عطية جبارة الدراجي ويتحدث عن فيلمه 90 يوما وتجربته السينمائية، كما نشر صلاح السرميني مقطفات من حوار مع سيرج افيدكيان الذي يؤكد أن الفيلم الشعري إكتشاف لجغرافيا سينمائية مختلفة، وحوار لعزة فهمي مع الممثل المصري محمد هنيدي، في زاوية نقد كتبت بشتيون عبدالله قراءة لفيلم "أمينة" للمخرج أيمن زيدان، كما كتب حميد عقبي عن فيلم "ملحمة جلجامش" للمخرج د. سعدي يونس بحري، بان صلاح شعلان خصصت موضوعا عن العنف والجنون ما بين الجوكر والأستاذ المجنون، وتناول فيصل شيباني فيلم "بابيشة" لمونيا مدور، وكتب محمد رضا عن فيلم ستموت في العشرين للمخرج أمجد أبو العلاء.

عدد من الأقلام النقدية ساهمت منها د. سالم الشدهان، نعيم عبد مهلهل، حسين السلمان، د.ليث عبدالأمير، أ.د عقيل مهدي يوسف، محمود قاسم، د. مظهر محمد صالح، جاسم عاصي وعلاء المفرجي.

نحن مدعوون لنافذة إبداعية جمالية تغوص بنا بمواضيع سينمائية تؤمن أن الجمال هو أسس الفن وتقدس إنسانية السينما، وكل ما تمناه أن تستمر مجلة "السينمائي" هذه السفينة في الإبحار وأن تصل قريبا إلى القارئ العربي بشكل منتظم وأن تستمر عمليات التطوير والنضوج.

حميد عقبي










الكاتب السردي مخيّر في أي نوع من الأنواع السردية المطروحة أمامه، ومن ضمن هذه الأنواع السردية نوع الرواية القصيرة
للوصف دور كبير ومتميز عند كتابة الرواية الطويلة، الاعتيادية، إلّا أنه في الرواية القصيرة يأخذ منحى آخر

عندما قال الجاحظ: "إن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ"، فقد كان يعرف الكتّاب كيف هو مزاجهم، وكيف يكتبون، وكيف يختارون النوع الأدبي، وفي وقته كان الشعر هو ماليء الدنيا وشاغلها، لذا قال قولته هذه.

وفي دراستنا هذه سنتناول فنا آخر غير الشعر هو فن السرد بأنواعة المتعددة والمتنوعة، ونطبق عليها مقولة الجاحظ في أن الأنواع السردية مطروحة في الطريق، والشأن هو في تخيّر واحد من هذه الأنواع السردية لنكتب فيه ما نريد أن نكتب.
الكاتب السردي مخيّر في أي نوع من الأنواع السردية المطروحة أمامه، ومن ضمن هذه الأنواع السردية نوع الرواية القصيرة.

ومن المتعارف عليه بين النقاد والدارسين عن الرواية القصيرة، أنها هي التي تغلب عليها تقنية الرواية، بلا تفاصيل دقيقة زائدة، مما يجعلها سريعة الإيقاع. وفي الوقت نفسه فيها تقنية القصة الطويلة، واشتملت على خصائصها أيضا.

وقد حدد الدكتور أبو المعاطي خيري الرمادي في كتابه "الرواية المصرية القصيرة في الربع الأخير من القرن العشرين" خصائص الرواية القصيرة (ص52 – ص55) بـ:
حجم متوسط. إستهلال ذو طبيعة خاصة. لغة مكثفة. إزدواجية الدلالة. نوعية خاصة من الأبطال. حدث مركزي واحد. وجهة نظر خاصة للواقع. وصف موجز. مكان وزمان لهما طبيعة خاصة. ملمح السخرية. إثارة الأسئلة.

وفي هذه السطور سنتحدث عن رواية "حالة شجن" للروائي أحمد رجب شلتوت، الفائزة بجائزة إحسان عبدالقدوس عام 2008، من منشورات الثقافية للنشر والتوزيع بتونس 2019. من خلال تدارس الخصائص التالية: الحجم، واللغة، والوصف، لكي لا تطيل الدراسة.

الحجم:

يحدد د. الأنباري حجم الرواية القصيرة، فيقول: هو الذي "لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة، وهو حجم غير محكوم بعدد معين من الكلمات، فالفن لا يخضع لمثل هذه القيود الصارمة". هذه الرواية، بنسختها المرقونة بنظام الوورد، تقع في 75 صفحة، في كل صفحة بين ثلاثة أسطر واثني عشر سطرا، وبمجموع كلمات يساوي 7504 كلمة. ومن يقرأها يجد فيها خصائص الرواية وفي الوقت نفسه نَفَس القصة القصيرة/ الطويلة. أي أنها تقع في برزخ السرد بينهما، الحد الفاصل بين النوعين السرديين. أي ضمن تحديد الدكتور لحجمها في خصائص الرواية القصيرة. وقد يكون هذا الشكل متأتيا من تطبيق الخصائص الأخرى للرواية القصيرة التي ذكرناها أعلاه.

وصف موجز

اللغة:

في هذا النص الروائي نقرأ لغة تحفل بالتكثيف، والاقتصاد، والإيجاز، لا زيادة فيها، أو استطراد. إنها لغة اقتصادية، تتصف بالجمل القصيرة، المركزة، وفي الكثير من الأحيان الرامزة إلى شيء ما. "فأتت الساعات تلو الساعات على موعده ولم يعد". و"يتمنى لو يفعلها هو ودنيا. لو يطيران بعيدا". "توقفت السيارة أمام بابنا. قفز غريب. علت الزغاريد. تجمع الجيران مهنئين. لوح المعلم عاشور بيده محييا قبل أن ينطلق بسيارته مبتعدا".

ولو كان النص مكتوبا كرواية طويلة، اعتيادية، لرأينا كيف كان الكاتب يتعامل في موضوعات إتيان الساعات تلو الساعات، والموعد الذي لم يعد. وكيف يتعامل مع موضوعة تمنياته لو كان يطير هو ودنيا. وكيف توالت أفعال التوقف، والقفز، وعلو الزغاريد، وتجمع الجيران، والتلويح باليد. هذه الأفعال جاءت عباراتها بجمل قصيرة كالبرق. وغير ذلك من الأمثلة على اللغة المكثفة، والموجزة، المستخدمة في النص، والتي تقربها إلى لغة الشعر، إلّا انها ليست شعرا.
إن استخدام الروائي اللهجة العامية المصرية في الحوار خاصة، لا ينقص مما قلناه عن اللغة في الرواية، لأن حديثنا منصب على متن الرواية بدون الحوار، وعلى الرغم من ذلك جاء الحوار مقتصدا ومكثفا.

الوصف:

للوصف دور كبير ومتميز عند كتابة الرواية الطويلة، الاعتيادية، إلّا أنه في الرواية القصيرة يأخذ منحى آخر، هو الإيجاز، أو البتر، وهذا الوصف الموجز يجب أن يكون في محله المطلوب، الموظف بعناية، وبدقة عالية، وغير تفصيلية. إنه لا يدعو إلى الملل، وفي الوقت نفسه، لا يدعو إلى الكتابة المبتورة غير الإبداعية، وهذا يخدم اللغة المكثفة للنص، والحجم الصغير للرواية. ولم نلتق بوصف للمكان، أو الزمان، أو للشخصيات، في الرواية هذه، وإنما التقينا بنتف قصيرة عن ذلك.

ومن الظواهر التي يمكن الخروج بها عند قراءتنا لهذه الرواية هي أن الروائي استخدم حروف الهجاء في تسمية فصول روايته، وهذا يذكرنا بالحروف المقطّعة التي ابتدأت بها سور القرآن، وكذلك في بعض الروايات العربية، مثل الروائي العراقي عبدالخالق الركابي في روايته "سابع أيام الخلق" عندما قسم حروف كلمة "الرحمن" في تسمية فصول روايته، ولا أرى في ذلك أي رمزية، أو فائدة سردية تذكر، سوى أن الرواية، وكما أخبرني الروائي، قد أخبرت بخبر وقوع الأحداث من الألف إلى الياء، أي انه أخبر عن أحداثها جميعا.

إن الروائي في "حالة شجن" قدم رواية اختار أن تكون بلباس قصير، من ناحية اللغة الاقتصادية المكثفة القريبة من لغة الشعر، ومن ناحية الوصف الذي جاء مقتصدا أيضا، ولم يكن فيه إسهاب ممل ومخل بنظام الرواية، ومن خلال حجمها الصغير الذي حمل موضوعها حالة معينة أراد الروائي أن يعبر عنها بهذا النوع السردي، فكانت "حالة من الشجن".

داود سلمان الشويلي






1 2 3 4 5 arrow_red_smallright