top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
هيمنة التكنولوجيا على المعنى تصبح أمرا واقعا
الحديث عن المستقبل أو الحاضر المتشكل أخيرا أو الغائب عن الإدراك مغامرة في ظل تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية والتقنية، وما تشكله من تحديات للإنسان سواء فيما يتعلق بالصناعات الإلكترونية أو نظم الذكاء الاصطناعي أو إنترنت الأشياء أو الروبوتات الإدراكية. وهذا الكتاب "من الهرميّة إلى الشبكيّة وجهة الدول والمجتمعات في عصر اقتصاد المعرفة" للباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية د.إبراهيم ...
معرض غير مسبوق حول علاقة بيكاسو بالموسيقى
رغم إعلان بيكاسو في تصريح منسوب له أنه لم يكن يحب الموسيقى، يكشف معرض غير مسبوق في باريس شغفا كبيرا بالأنغام الشعبية لدى الرسام الإسباني الشهير وميلا لاستكشاف الآلات بدقة، كما يضيء خصوصا على موهبة حقيقية في ابتداع موسيقى صورية. لم يكن بيكاسو "شغوفا بالموسيقى ولم يكن في وسعه قراءة توليفة موسيقية وهو لم يكن بحاجة إلى الموسيقى للعمل، كما الحال مع شاغال" أو ماتيس، بحسب ما تقول سيسيل غودفروا القيّمة على معرض ...
الغريب الذي نسي ظله .. غياب يجدد حضوره
مجموعةُ الشَّاعرِ أوس حسن "الغريبُ الذي نَسِي ظلَهُ" واحدةٌ من المجموعات التي اشتغلتْ على بنيةِ الحضور والغياب، فقد تكونتْ من ثمانِي عشرة قصيدة، استهلت بقصيدةِ "أسئلة من رماد"، وهي قصيدةُ أسئلةٍ منذ مستهلها حتى خاتمتِها. وقوامُ هذه الاسئلةِ يقومُ على الحضورِ والغيابِ، بوصفهما فعلا حياتيًّا، قد يحدث فيها، ولكنَّهما ليسا متضادين، كما يتجلَّى ذلك في المعنى الذي تحيلُ عليه المُعجماتُ العربيّةُ، وهو ...
التأثير المدهش للقراءة بصوت عال
يؤثر معظم البالغين الانزواء في عالمهم الهادئ والخاص داخل رؤوسهم أثناء القراءة، ولكننا بذلك قد نكون ضيعنا على أنفسنا بعض الفوائد بالغة الأهمية. كانت القراءة في معظم العصور الخالية تعد من الأنشطة الصاخبة نسبيا. وكان يشار عادة للقراءة في الألواح الطينية التي كتبت في بلاد ما بين النهرين وسوريا قبل نحو 4000 سنة، بمفردتين تعنيان حرفيا "يصيح" أو "ينصت". وقد ورد في أحد الخطابات التي تعود إلى تلك الحقبة: "أرسل لك هذه ...
حكاية العالم الجاسوس الذي نقل أسرار القنبلة الذرية من الغرب إلى الشرق
في مثل هذا الوقت من سبتمبر/أيلول عام 1949 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان في بيان مقتضب للشعب الأمريكي أن السوفييت فجروا قنبلتهم النووية الأولى، مشيرا إلى أن واشنطن لديها الدليل على إقدام السوفييت على ذلك قبل أسابيع. ففي 3 سبتمبر/أيلول عام 1949 رصد العلماء الأمريكيون نشاطا إشعاعيا من داخل الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يكون ناجما إلا عن تجربة نووية، ولدى إبلاغ ترومان بالأمر لم يصدق وطلب من مستشاريه العلميين ...
4 روايات هي الأولى لمؤلفيها بين الست المتنافسة على جائزة بوكر
أعلن منظّمو جائزة "بوكر" الأدبية المهمة أن من بين الكتب الستة التي اختيرت للمرحلة النهائية من المنافسة أربع روايات هي باكورة نتاج مؤلفيها، تتناول مواضيع عدّة كالتغيّر المناخي والعنصرية والعلاقات العائلية. وتضمّ اللائحة النهائية كتاب "ذيس مورنبل بادي" ("هذا الجسد المحزن") للكاتب تسيتسي دانغاريمبغا من زيمبابوي، وهو الجزء الثالث من ثلاثية تتناول قصة شابة من زيمبابوي تعاني الفقر. أما الكتّأب الأربعة ...


الحديث عن المستقبل أو الحاضر المتشكل أخيرا أو الغائب عن الإدراك مغامرة في ظل تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية والتقنية، وما تشكله من تحديات للإنسان سواء فيما يتعلق بالصناعات الإلكترونية أو نظم الذكاء الاصطناعي أو إنترنت الأشياء أو الروبوتات الإدراكية.

وهذا الكتاب "من الهرميّة إلى الشبكيّة وجهة الدول والمجتمعات في عصر اقتصاد المعرفة" للباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية د.إبراهيم غرايبة يذهب إلى استقراء المستقبل قارئا للشبكية والمعنى الجديد للوجود الإنساني وعلاقة الشبكية بالاقتصاد والسياسة والتحولات المجتمعية. مؤكدا أن متواليات "الثورة الصناعية الرابعة" وتفاعلاتها الاجتماعية والسياسية تحلّ بسرعة أكبر مما تبديه الأمم من اهتمام واستعداد كافيين للاستجابة والاستيعاب.

وقال في الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون "إذا كانت التقنية تهبط وتعمل بلا استئذان، فإن الاستجابات ليست تلقائية ولا هي متشابهة؛ هكذا تتحول الأسواق والأعمال تبعاً للتقنيات والموارد الجديدة".

وأوضح أن الشبكية ليست مجرد تقنية تُطبَّق في الإصلاح أو التأثير أو التسويق، أو في أي اتجاه، بل هي منظومة جديدة تغيّر الاتجاهات العامة والاجتماعية للناس، وتكرّس فلسفة ومفاهيمَ وقيماً جديدة، أو تعزّز قيماً ومُثلاً جميلة معروفة من قبل. رغم أن الحياة تجري حقيقة في المستقبل، فالماضي انقضى، والحاضر يتسرب على نحو متواصل ليتحول إلى ماضٍ، فإن المعرفة العملية للإنسان بالمستقبل ضئيلة وملتبسة وغامضة، هكذا فإن التحديات والفرص والوعود التي تشكّل حياتنا الواقعية وما يكتنفها من توقعات ومخاطر يحيط بها عدم اليقين والخوف، والأخطر من ذلك أن التجارب الإنسانية وبخاصة في عالم العرب المعاصر يغلب عليها الانشغال بالماضي والغفلة عن المستقبل، ثم تزايدت المخاطر والصعوبات التي تحيط بحياتنا وتوقعاتنا بسبب التغيرات والتحولات الكبرى التي تجري في العالم في التكنولوجيا والموارد والأعمال، وتغيّر كل شيء تقريبا.


ورأى غرايبة أن المعارف والمهارات والقيم المستقبلية تطورت في العالم المتقدم حتى صارت السمة الغالبة لعمل الحكومات والمؤسسات والشركات والأسواق بل الأفراد أيضا، وصار ممكنا إلى حدّ كبير أو معقول الإحاطة بالمستقبل وإدارته، حتى في ظل عدم اليقين الذي يحيط به، والحال أن القيمة العظمى للعمل والتفكير المستقبلي ليست في صحة التوقعات، لكن في العمل والاستعدادات والقدرات والقيم التي تتشكل بفعل التفكير والتخطيط المستقبلي.

ولفت إلى أن مصطلح تكنولوجيا المعنى أفضل ما يصف التكنولوجيا الجديدة، إذ إنه ببساطة يختزل الاتجاه الأساسي للتكنولوجيا الجديدة ثم التحديات الحقيقية الناشئة، فالتكنولوجيا الحاسوبية والشبكية وما بعدها تحاكي الإنسان، وتؤدي معظم - إنْ لم يكن جميع - ما كان يعمله بنفسه، إنها لا تحلّ فقط مكان الإنسان في الأعمال والمؤسسات، لكنها أيضاً تنجز ما كان يتميز به الإنسان عن الآلة، وما كانت لا تستطيع أن تؤديه، فقد كرّس الإنسان لنفسه فكرة مركزية هي المعنى كالتفكير والتحليل والخيال والشعر والذكاء والتعلّم واتخاذ القرارات وتصميم السياسات والتوقعات، وكثير من الأعمال والمهن العادية والمتقدمة أيضا، كالتعليم والطب وقيادة الطائرات والقطارات والاستشارات والتحليل والتصميم والإعلام والمراقبة والأمن والدفاع، وبكفاءة مضاعفة. هكذا يواجه الإنسان تحدياً حقيقياً في أهميته ومعنى وجوده، أو يجب أن يبحث عن معنى جديد يتميز به، ولا تستطيع التكنولوجيا الجديدة أن تفعله.

وأشار غرايبة إلى أن الحديث عن هيمنة التكنولوجيا على المعنى ليس توقعاً مستقبلياً ولا فكرة نظرية، لكنه أمر واقع يتشكل أسرع مما يتوقع معظم الناس، وربما يكون العالم بحلول منتصف القرن الحالي عالماً آخر مختلفاً في تنظيمه ومؤسساته وأعماله وأفكاره وقيمه، ويمكن في هذه المساحة أن نفكر في مجموعة من القضايا والأفكار العملية والمطروحة في الفضاء العام. ما الذي تؤدي إليه الطائرات المسيّرة من دون طيار؟ ما وجهة الجيوش والصراعات؟ وماذا ستكون وظيفة وأعمال الطيارين؟ وكيف سيكون تنظيم الجيوش، وما دورها؟ بالطبع فإنها مسألة لا تقتصر على الجيوش والحروب، لكنها تمتد إلى النقل والشحن والبريد وخدمات التوصيل، كيف ستكون بعد ذلك وجهة الأعمال في النقل؟ وكيف تعمل إدارات الحدود والجمارك؟

وأضاف "في تشغيل منصات التعليم والتطبيقات التعليمية والتدريبية، التي صارت متاحة وممكنة بتكاليف أقل بكثير من تكاليف المدارس والجامعات والمراكز التعليمية والتدريبية، وبإمكانيات في المحتوى والمهارات تستوعب معظم العلوم والمعارف والتخصصات، إلى أين تمضي المؤسسات والمهن التعليمية؟ وكيف يجري تنظيم التعليم والمهن والإجازة بممارستها؟ هل ستظل العلاقة بين السلطات السياسية والتعليم والمؤسسات التعليمية كما هي الحال في الدولة المركزية؟ لقد بدأنا نشهد بالفعل هذه التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية والإرشادية، إذ تحوّل الإعلام إلى فضاء مفتوح للتلقي والمشاركة بلا حدود ولا تنظيم

وتتشارك اليوم المؤسسات الإعلامية والإرشادية التقليدية مع عدد هائل لا يحصى من المنصات التي تُقدّم بسهولة ومن غير تكاليف ومن غير تنظيم قانوني أو سياسي ما تشاء من محتوى بالصوت والكلمة والصورة وبجميع اللغات، ومن وإلى جميع أنحاء العالم. ماذا تفعل الأمم في إدارة وتنظيم هذا الفضاء؟ وكيف تحمي نفسها من الإشاعات والأخبار المزيفة، وكيف توفّر لمواطنيها وللعالم المعلومات والمعارف الضرورية واللازمة للإحاطة والعمل والتعليم والتدريب؟.. والمعنى أيضا!

ورأى غرايبة أن الشركات والأعمال والمؤسسات التجارية بمختلف حجمها ومواردها تلجأ على حماية مصالحها باستخدام التكنولوجيا الجديدة مشاركة ومنافسة أحيانا للمؤسسات السيادية للدول، فشركات التأمين والبنوك على سبيل المثال تُنشئ أنظمة للتحري والحماية والاستعلام، ولم يعد سراً ولا مستهجنا أنها تملك معلومات كثيرة وهائلة عن مؤسسات الدولة الأمنية والتنظيمية، وأتاحت البيانات الضخمة والهائلة على الشبكة الفرصة لشركات مثل فيسبوك وغيرها فرصاً وقدرات كبرى للتأثير في الاتجاهات والأفكار أو في توظيف المعرفة والمؤشرات الهائلة والدقيقة في أعمال ومصالح سياسية واقتصادية، ولم تعد المنافسة التجارية والانتخابية والسياسية تعمل بالقواعد التقليدية التي تواضعت عليها الأمم منذ نشوء الرأسمالية والاقتصاد الصناعي.

وأكد أنه على المستوى التجاري والاقتصادي، فإن تكنولوجيا المعنى تعمل ببداهة وفق قاعدتين، هما الاستغناء عن العمالة البشرية ما دام ممكناً للآلة أن تفعل ذلك، ونشوء أعمال وفرص جديدة أنتجتها التكنولوجيا نفسها، وقد يبدو ذلك يعمل تلقائيا، لكنه مرتبط بالسياسات والمؤسسات القائمة مستقلةً عن هذه المتوالية، ذلك أن التكنولوجيا ومنذ الثورة الصناعية تنمو وتعمل بشكل رئيسي في الأسواق والشركات، وبنسبة أقل في مؤسسات الدولة التعليمية والبحثية، أو أن هذه المؤسسات صارت تابعة لاتجاهات السوق ومصالحها.
يُفترض، بطبيعة الحال، أن تنشأ حول اقتصاد المعرفة أو الشبكية، بما هو التقنيات والموارد الجديدة "الحوسبة والتشبيك والتصغير والأنسنة والجينوم والروبتة والطابعات ثلاثية الأبعاد، والبرمجة الإدراكية والمعلوماتية.."، منظومة اجتماعية وثقافية. وبالطبع، تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً ولا تلقائياً

وفي ذلك فإن الخطاب الإصلاحي يجتهد بالاستجابة للمرحلة الشبكية/المعرفية ببناء منظومة فكرية وفلسفية يَستمدّ منها برامج وأفكاراً واتجاهات في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية والسياسية والقيم والثقافة والمدن.

وأوضح غرايبة أنها عمليات تكتنفها صعوبة الانقطاع عن الماضي الصناعي وغموض التشكل والاتجاهات، فما زلنا في مرحلة انتقالية من الصناعة إلى الشبكية أو ما بعد الصناعة، وهي مرحلة مليئة بالخوف وعدم اليقين والتغير المستمر، لكن يمكن تقدير اتجاهات ومبادئ للتفكير والاستشراف، منها إنشاء العلاقة الصحيحة والملائمة بين الموارد والتقنيات، والتشكلات والاستجابات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ومواجهة العلاقات والتشكلات الخاطئة، وإعادة صياغة الأهداف والأغراض العملية للإصلاح، في ظل الفرص والتحديات الجديدة الناشئة عن هذه التقنيات والموارد، وأخيراً إعادة تعريف الإصلاح نفسه، والتمييز بين الإصلاح وضده، وملاحظة ما أنجز بالفعل، أو تلقائياً، من أهداف إصلاحية، بفعل التقنية والتحولات الجديدة، وما يجب إنجازه، وما يجب التمسك به، وما يجب التخلي عنه، وإعادة توزيع الأدوار والأعباء والشراكات والتحالفات بين فئات العمل الإصلاحي ومكوناته، فما كانت تقوم به، مثلا، وسائل الإعلام، صارت تشارك فيه المجتمعات على نحو فاعل ومؤثر.

ولاحظ أن اتجاهات وقيم اجتماعية وثقافية تتشكل حول الشبكية مثل الفردية والتحولات في أسلوب الحياة ومهاراتها، والنزعة إلى المجتمعات والمدن المستقلة، وصعود الفنون الجميلة والإبداعية؛ مثل العمارة والشعر والموسيقى والتصميم والرواية والرسم، وصعود الفلسفة والتصوف، وظهور الإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه.

وبالطبع، فإنها مقولات وتقديرات تحتاج إلى توضيح وإثبات. مؤكد أن الإنسان يبحث ويفكر في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات التي تجري في الأسواق والموارد. وبسبب سرعة هذه التحولات وجذريتها، فإن الأفراد والمجتمعات يعطون أولوية وأهمية لأسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه، فمثلا، عندما تصعد وتنتشر تقنيات التصوير والمراقبة وجمع البيانات، يتشكل فكر واتجاه اجتماعي لحماية الخصوصية وإعادة تعريفها. وكانت الفردية ضريبة تؤدي في مجتمعات واقتصاد الصناعة، لكنها تتحول في اقتصاد المعرفة إلى فضيلة وضرورة اجتماعية، يحمي بها الإنسان نفسه من الانتهاك والخواء.

وهكذا؛ تصعد قيم الفردية باعتبارها مبدأ أخلاقياً رفيعاً وحقاً جديداً للإنسان، ليحمي نفسه من هيمنة التقنيات الجديدة، وليرتقي بنفسه، ويحلّ فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة، والعلاقات الاجتماعية نفسها تتعرض لتحولات وتحديات، ففي فرص العمل، في المنزل أو عن بعد، يقلّ الدور الاجتماعي لمؤسسات العمل، وهي نفسها تواجه الانحسار والتحول. وفي فرص التعلم الذاتي وعن بعد، يتغير وربما ينحسر الدور الاجتماعي للمدارس والجامعات. وهكذا؛ فإن الإنسان في حاجة إلى أوعية جديدة لتنظيم علاقاته وبناء الصداقة. كيف ستتكون قصص الحب والتعارف؟ وما حدودها وآفاقها في ظل فرص وإمكانيات التواصل الجديدة، واختفاء أو انحسار وسائل التعارف والعلاقات التقليدية؟

وشدّد غرايبة على أن الإبداع صار القوة الرئيسية المحركة لاقتصاد المعرفة وأسواقها، وهذا يجعله هدفاً أساسياً للتعليم والتدريب ومقياساً للتقدم المهني والاجتماعي، وجوهر التنافس على فرص العمل والقيادة. هكذا تصبح الفلسفة والثقافة والفنون والموسيقى والكتابة الإبداعية والشعر والرواية والقصة والعمارة والتصميم المحتوى الأساسي للمؤسسات التعليمية والتدريبية؛ لأنها المداخل الأساسية لتشكيل وتنمية الإبداع والخيال، باعتبارهما المهارات والقيم الأكثر أهمية، وما يجب أن تحوزه السوق والعاملون فيها.

وأضاف أن التقدم العلمي والتقني الجديد يعتمد على معرفة الإنسان وفهمه، ففي محاكاة التقنية للإنسان، تصعد علوم اللغة وعلم النفس والاحتمالات، فجوهر التقدم العلمي والتقني اليوم هو تحويل اللغة والإمكانات والمهارات العقلية والتحليلية والتذكر والتداعيات والترجمة والتفكير والإدراك إلى رموز وبرامج حاسوبية وأجهزة وروبوتات.

وبطبيعة الحال؛ يصعد الشك ليحلّ بدلا من اليقين، وتصعد العلوم الإنسانية مثل الفلسفة واللغات والاحتمالات والمنطق، وتحتل موقعاً جوهرياً ومؤثراً في العلم والتقنية والحياة، وفي إعادة النظر في المعنى والجدوى والوجود والمصير يصعد التصوف، بما هو التأمل الفردي والبحث عن الإجابات والإلهام، أو تخيل الحقيقة ولأنه خيال فلا يحوله إلى معرفة متبعة سوى النزاهة والثقة، هكذا تتحول قيم النزاهة والثقة إلى المورد الأساسي للمعرفة!

وهذا الإنسان، بفرديته وإمكاناته الجديدة، في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه، يعيد تعريف المهن والحِرف، وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق، ففي مدن الأفراد القادرين على العمل، بأنفسهم ولأنفسهم، الذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير أيضاً العلاقة مع السلطات والأسواق.


محمد الحمامصي







رغم إعلان بيكاسو في تصريح منسوب له أنه لم يكن يحب الموسيقى، يكشف معرض غير مسبوق في باريس شغفا كبيرا بالأنغام الشعبية لدى الرسام الإسباني الشهير وميلا لاستكشاف الآلات بدقة، كما يضيء خصوصا على موهبة حقيقية في ابتداع موسيقى صورية.

لم يكن بيكاسو "شغوفا بالموسيقى ولم يكن في وسعه قراءة توليفة موسيقية وهو لم يكن بحاجة إلى الموسيقى للعمل، كما الحال مع شاغال" أو ماتيس، بحسب ما تقول سيسيل غودفروا القيّمة على معرض "موسيقى بيكاسو" في حرم أوركسترا باريس الفلهرمونية (من 22 أيلول/سبتمبر إلى 3 كانون الثاني/يناير).

غير أن أعمال الفنان الذي يعدّ من الأشهر في العالم والذي كان محور معارض لا تحصى "عامرة بالآلات الموسيقية والموسيقيين والرقص"، وفق غودفروا.

وقبل أربع سنوات استندت مؤرّخة الفنّ هذه إلى تصريح نسبته الصحافية الفرنسية إيلين بارمولان في الستينات إلى بيكاسو يبدو متناقضا مع واقع الحال مفاده "لا أحبّ الموسيقى".
ويجمع هذا المعرض الذي أُجّل خمسة أشهر بسبب الوباء أكثر من 250 عملا على صلة بالموسيقى، منها لوحات مثل "كمان ومخطوطة موسيقية" و"طبيعة ساكنة على البيانو" و"امرأة مع دفّ"، وثلاث منحوتات بيضاء لعازفين على أنواع مختلفة من الناي.
وقد صنعت هذه المنحوتات لحديقة دارته "لا كاليفورني" على الساحل الشرقي لفرنسا حيث مكث في الخمسينات.

وقد يعزى هذا الإعجاب إلى طفولته التي أمضاها مع والده خوسي رويس بلاسكو الشغوف بموسيقى الفلامنكو. وهو كان "يتسكّع في طفولته في أحياء مالقة (مسقط رأسه) الغجرية برفقة والده، وقد أثّر فيه ذلك كثيرا"، بحسب غودفروا، ونمّى فيه حبّه للموسيقى الشعبية التي كان يستمع إليها في شوارع برشلونة أو حيّ مونمارتر الفرنسي حيث أقام في العام 1909.
وهذا النمط الموسيقي "الصاخب والمنفتح والأخوي" يتجلّى في أولى لوحات بيكاسو خصوصا من خلال شخصية المهرّج (أرليكينو) الذي يعزف على قيثارة صغيرة في إحدى اللوحات الزيتية.

ولا عجب في أن يكون الغيتار، مع ما يحمله من مدلولات إلى بلده الأم إسبانيا، الآلة الموسيقية المفضّلة لبيكاسو (1881-1973)، بحسب القيّمة على هذا المعرض الذي يقدّم للمرّة الأولى نحو عشرين آلة نفخ هوائية وآلة وترية كان بيكاسو يجمعها ليدرسها بدقّة كبيرة.
وفي الفترة التكعيبية، كان الفنان الذي أمضى الجزء الأكبر من حياته في فرنسا يفّكك الآلات ويعيد تركيبها

وقد لا يكون بيكاسو الذي كان على علاقة لمدّة 20 عاما تقريبا براقصة الباليه أولغا خوخولوفا وربطته صداقة بكبار الموسيقيين، من أمثال إريك ساتي وإيغور سترافينسكي من كبار هواة الموسيقى، غير أنه "يظهر لنا بوضوح أن كلّ ما له صلة بالموسيقى كان يثير إعجابه"، بحسب غودفروا.

فأعماله، على اختلاف أنواعها، تزخر بالموسيقيين وراقصات الباليه. وهو احتفى بالموسيقى وكانت أعماله الأخيرة غنية بالشخصيات والحيوانات الميثولوجية التي تفيض طاقة وحيوية و"تصدح" بموسيقى صورية تنمّ عن مكنونات حياة الفنان.







مجموعةُ الشَّاعرِ أوس حسن "الغريبُ الذي نَسِي ظلَهُ" واحدةٌ من المجموعات التي اشتغلتْ على بنيةِ الحضور والغياب، فقد تكونتْ من ثمانِي عشرة قصيدة، استهلت بقصيدةِ "أسئلة من رماد"، وهي قصيدةُ أسئلةٍ منذ مستهلها حتى خاتمتِها. وقوامُ هذه الاسئلةِ يقومُ على الحضورِ والغيابِ، بوصفهما فعلا حياتيًّا، قد يحدث فيها، ولكنَّهما ليسا متضادين، كما يتجلَّى ذلك في المعنى الذي تحيلُ عليه المُعجماتُ العربيّةُ، وهو ينحصرُ بالتناقضِ والتضاد.

تتعاونُ الاسئلةُ فيما بينها لتكوِّن بنيّة القصيدة كلها، فهي تبتدأ بـ "لماذا تركت الغريب وحيدا خائفا"؟ وتتوالى الأسئلة لتدور حول فكرةِ "الخفاءِ والتجلِّي" أو "الحضور والغياب"، فترك الغريب خائفًا، محوٌّ، وسرقةُ الغيمِ محوُّ، والموت محوٌّ، وسرقةُ الحكمةِ محوٌّ لذاكرةٍ شعريةٍ مكتنزة بالحكمة: لماذا تركت الغريب.. وحيدًا خائفا / يتسكعُ في أزقة الموتِ الباردة / وسرقتَ الغيم من ذاكرته الحبلى بالمطر. ولعل قوله: "وكأن مهنتك صناعة الغياب" تكشفُ بنيةَ هذه القصيدة القائمة على فكرةِ الغِياب، قبالة حضورات مجازية، شفيفة تلوح منها غيابات كثيرة؛ فالمضي خلف الذكريات محو وتلاشٍ، وضياع الغريب الذي تتدافعُ به الأزقة لتوصله إلى عتبات الموت، اختفاء وغياب.

وتمثل هذا المنحى قصيدة "السيِّدة التي صارت موسيقى للبحر"، فقد حضرت الأفعال: “بكت، وانطفأت، و(أرى) المنفية بـ لم، والفعل الماضي (بحث) المسند إلى تاء الفاعل، وتكسرت، وتصدع”، لخلق حالة الغياب،؛ إذ تؤدي دلالتها المعجمية والمجازية إلى الانتهاء والمحو، حتى ألفت البنيةَ اللغويةَ للنص كلّه؛ إذ شفعها بأفعال أخرى أكدت حالةَ الغيابِ الطويل الذي دفعه إلى التحليقِ عاليًّا نحو فضاءات الخلاص، فضلًا عن تتابع (لا النافية) جعلت الغيابَ حقيقةً والحضورَ بعيدَ المنالِ.

بكت أجراسُ الظلامِ/ انطفأت شموعً الصلوات / ولم أرَ وجهكَ يلتمعُ في الريح.
يشكل العنوان بنية الحضور في "أجراس الزمن البارد"؛ فالأجراس انتظار لحظة البداية، ونعت الزمن بالبارد، تشي بالانتهاء والموت، ثم يأتي استهلال القصيدة؛ ليؤكد ذلك الحضور المنغمس في الغياب، فتكرار عبارات “آنَ الأوانُ” دليل على نكوص الأمل والانغماس في
الغياب.

ويكرّس المتن للحضور المجازي، حضور الذات أمام غياب الآخر ونكوصه، وقد خلق حالة من التوازن بينهما: على حافةِ الغروبِ / ومع أولِ شهقةٍ / وآخر ضحكةِ للطيورِ المهاجرةِ / أذكرُ أنَّهما التقيا أوَّل مرةٍ.
فعل التذكر – هنا - حضور، لكل ما يحدث بينهما، إذ يقتسمان المقطع، ويشتركان في كل التفاصيل الصغيرة التي أثثت البنية العامة للنص. فيما تظهر خاتمة النص الإعلان عن الغياب، والتواري خلف الستار نهائيا.

ومن المفيد ذكره أنَّ هذا الافتراقَ بين الثنائيتين، والاندماجَ بينهما هو السَّمةُ الطاغيةُ على عمومِ قصائد الديوان. ويمكنُ التمثُّلَ عليه بقصائد (أغنية من جليد)، و(قمر أخضر). والطريف أن خاتمتيهما تتشابهان على صعيد الصورة، واستجلاب الصوت، إذ أنَّ كليهما تنفتحان على أفق التفاؤل في الأولى، وتتراجعان في الأخرى نحو الماضي المغيَّب:

بعد موتِه .. كان يطوي السماءَ في معطفِه / ويغني / وظلَّ يغني.

تمثل العودة إلى الطفولة نوعًا من الهرب من الواقع والارتماء بأحضان الغياب، ولعلَّ قصيدتي (قطار النشيد)، و(المتهم بصمته) اللتين أقامهما على بنية الحوار نوعٌ من الغيابِ او التغييبِ الذي يؤدي إلى الغياب التام؛ ذلك أنَّ تنامي القصيدة يتمُّ ويستحكم عبر “خط درامي يكشف عن عناصر الغياب. وتوحي قراءة قصيدة (مراسيم الموت الأخير) بأَن العنوانَ يحدد بنية القصيدة الغياب، ويسيطرُ على متنِ النَّصِ عَبْرَ مجموعةٍ من الألفاظ والتراكيب، فضلًا عمّا يبثُ المتن من دلالاتٍ تتفاوتُ فيها حضورات الغياب وغيابات الحضور: في نهاية الدرب الطويل / الشجرة المضيئة بملح الأرض ولون الدم / هي وحدها من ستروي غدًا أساطيرك للعابرين.

أمَّا قصيدةُ "ناقوس الغابة المظلمة" ذات النهاية المثقلة بالمأساوية فتشي بحالة الغياب التي تتملك الغريب، ولا يتخلص من قبضة الزمن الممتد في عمق السنين، أو الزمن العابر للماضي والمشرئب نحو المستقبل: تحاصرني الأصواتُ من كلِّ الجهاتِ/ لا حلمَ هنا يلمعُ بالذكرى/ لا قنديلَ هنا يلمعُ بالحياة.

تأخذ بنيةُ الغيابِ شكلًا آخرَ، حينَ يتعرضُ لحالاتِ غيابٍ متعددةٍ؛ إذ تغدو القصيدةُ كلُّها مثالًا على هذه البنيةِ التي أصابتْ الجسدَ العراقيَّ كلَّه، بحيثُ أفقدتْ الوطنَ شكلَّهُ ولونَهُ. وإلى جانبِ هذا يغدو النسيانُ أو تفريغُ الذاكرة نوعًا من أنواعِ الغَيابِ القَسريِّ بإزاء معجمِ النسيان الذي اجتاحَ الحياةَ برمتِها.
يتسعُ معجمُ الشاعرِ ليحمّل المفردات دلالاتٍ جديدةٍ، تخرجُ من معجميتها لتتحول إلى جزء من بنية الغياب التي هيمنت على هذه المجموعة، من ذلك قصيدة (عبث) فهي لونٌ من ألوانِ الإمساك بطرفِ الحياةِ، والقِرَانِ بكلِّ ما هو جميل فيها، لكن التَفلّتَ من قبضته يستحيل إلى عتبة من عتبات الغياب.

د.جاسم حسين الخالدي








يؤثر معظم البالغين الانزواء في عالمهم الهادئ والخاص داخل رؤوسهم أثناء القراءة، ولكننا بذلك قد نكون ضيعنا على أنفسنا بعض الفوائد بالغة الأهمية.
كانت القراءة في معظم العصور الخالية تعد من الأنشطة الصاخبة نسبيا. وكان يشار عادة للقراءة في الألواح الطينية التي كتبت في بلاد ما بين النهرين وسوريا قبل نحو 4000 سنة، بمفردتين تعنيان حرفيا "يصيح" أو "ينصت". وقد ورد في أحد الخطابات التي تعود إلى تلك الحقبة: "أرسل لك هذه الرسالة العاجلة. انصت إلى هذا اللوح، أو إن كان لائقا، اطلب إلى الملك أن ينصت له".
وكانت تستخدم أحيانا كلمة "يطالع أو يرى" اللوح بمعنى يقرأها سرا.
ولكن اليوم، أصبحت القراءة الصامتة هي الأكثر شيوعا، فقد بات معظمنا يحبس الكلمات في رأسه أثناء القراءة كما لو كان جالسا داخل مكتبة. وأصبحت القراءة الجهرية تقتصر إلى حد كبير على سرد القصص للأطفال قبل النوم أو الأداء المسرحي.
بيد أن أبحاثا حديثة تشير إلى الفوائد التي نضيعها على أنفسنا بترديد الأصوات في أذهاننا فقط دون التلفظ بها أثناء القراءة. إن فن القراءة الجهرية القديم يعود على البالغين بفوائد عديدة، بدءا من تقوية الذاكرة وفهم النصوص التي استشكلت علينا وحتى توطيد الروابط العاطفية بين الناس. واللافت أن عادة القراءة جهرا ليست نادرة ولم تندثر، بل يستعين بها الكثيرون تلقائيا لفهم النصوص المكتوبة، ولكن دون أن يدروا.
وأجرى كولين ماكليود، الأخصائي النفسي بجامعة واترلو بكندا، دراسات معمقة حول تأثير القراءة الجهرية على الذاكرة. وأثبتت نتائج دراسات ماكلويد وزملائه أن المشاركين كانوا دائما أكثر قدرة على استرجاع المفردات والنصوص التي يقرأونها بصوت مرتفع مقارنة بالمعلومات التي يقرأونها قراءة صامتة.
وقد كان تأثير القراءة الجهرية على الذاكرة ملحوظا بشدة لدى الأطفال، رغم أنه مفيد أيضا للبالغين. ويقول ماكليود: "إن القراءة بصوت مرتفع مفيدة لجميع الأعمار".
(تعليق) القراءة بصوت مرتفع من العادات المستحبة في الصفوف الدراسية، ولكن معظم البالغين يقرأون في أغلب الأحيان قراءة صامتة
وأطلق ماكليود على هذه الظاهرة اسم "تأثير الإنتاج"، بمعنى أن التلفظ بالكلمات المكتوبة بصوت عال، أو "إنتاجها"، يسهم في تثبيتها في الذاكرة.
وتناولت دراسات عديدة ظاهرة "تأثير الإنتاج" على مدى أكثر من عشر سنوات. وفي إحدى الدراسات في أستراليا، عرض الباحثون على مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين سبعة إلى 10 أعوام قائمة من الكلمات، وطلبوا منهم قراءة بعضها قراءة صامتة وبعضها قراءة جهرية. واستطاع الأطفال أن يسترجعوا 87 في المئة من الكلمات التي قرأوها بصوت مرتفع مقارنة ب70 في المئة فقط من الكلمات التي قرأوها قراءة صامتة.
وفي دراسة أخرى، كلف الباحثون مشاركين تتراوح أعمارهم ما بين 67 و88 عاما بقراءة كلمات سواء قراءة جهرية أو قراءة صامتة، ثم كتابة ما يتذكرون منها. واستطاع المشاركون استحضار 27 في المئة من الكلمات التي قرؤوها بصوت مرتفع، في حين لم يتذكروا إلا 10 في المئة من الكلمات التي قرأوها قراءة صامتة.
كما استطاع المشاركون أن يتعرفوا على 80 في المئة من الكلمات التي قرأوها بصوت مرتفع، مقارنة ب60 في المئة فقط من الكلمات التي قرؤوها قراءة صامتة. ولاحظ ماكليود وفريقه أن هذا التأثير قد يدوم لما يصل إلى أسبوع بعد قراءة الكلمات.
واكتشف باحثون أن التلفظ بالكلمات حتى لو كان بصوت خافت يحسن القدرة على حفظها. وخلصت دراسة أجرتها جامعة أرييل في إسرائيل إلى أن القراءة الجهرية تحسن القدرة على الحفظ واسترجاع المعلومات حتى لو كان القارئ يعاني من صعوبات النطق ولا يمكنه التلفظ بالكلمات بوضوح.
ويعزو ماكلويد قدرة الناس على تذكر الكلمات المنطوقة بالقول: "إن الكلمات المنطوقة بارزة ومميزة لأنك تلفظت بها بصوت مرتفع".
ومن المعروف أن البشر بوجه عام، أكثر قدرة على تذكر الأحداث غير المألوفة والمميزة، والأحداث التي تتطلب مشاركة فعالة. ويقول ماكليود إن الكلمات التي تتفتق عنها أذهاننا ونولدها استجابة لأسئلة تكون أكثر رسوخا في الذاكرة مقارنة بغيرها، فيما يسمى بظاهرة "تأثير توليد الكلمات".
ومثال على ذلك إذا طرح عليك شخص سؤالا لتحفيز ذهنك لتوليد إجابات محددة، مثل "رضيع ينام في المهد ويبدأ بحرف الطاء"، وأجبته بكلمة "طفل"، ستصبح هذه الكلمة أكثر رسوخا في ذاكرتك مقارنة بالكلمات التي تتعلمها بالقراءة فقط.
وثمة طريقة أخرى لتحسين قدرتك في حفظ المعلومات وهي تمثيل الكلمات، كأن تقوم مثلا بتنطيط الكرة أو تخيل شخص ينطط الكرة أثناء التلفظ بالعبارة. ويطلق على هذه الظاهرة "تأثير تأدية المهام". ويرتبط هذان التأثيران بتأثير الإنتاج، لأنهما يحثان الذاكرة على ربط الكلمة بحدث مميز، لتسهيل استحضاره لاحقا.
وقد يساعد الإنصات لقراءة الأخرين أيضا في تقوية الذاكرة، رغم أن "تأثير الإنتاج" يبلغ ذورته عندما تقرأ لنفسك بصوت مرتفع. وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة بيروجيا في إيطاليا، قرأ طلاب مقتطفات من روايات لمجموعة من كبار السن المصابين بالخرف على مدى 60 جلسة.
ولاحظ الباحثون أن أداء المستمعين تحسن في اختبارات الذاكرة بعد الجلسات مقارنة بأدائهم قبلها، ربما لأن الاستماع للقصص أسهم في تحفيز مخيلتهم وساعدهم على استعادة الذكريات وترتيب تجاربهم السابقة في تسلسل زمني. وذكر الباحثون في نهاية البحث: "يبدو أن الإنصات للقصة بانتباه يساعد في معالجة المعلومات بطرق أكثر عمقا وحيوية".
(تعليق) تُقرأ الكثير من النصوص الدينية والأدعية جهرا للتأكيد على أهميتها
وتساعد القراءة الجهرية في إبراز مشاكل الذاكرة والكشف عنها مبكرا. إذ خلصت دراسة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مرض الزهايمر في مراحله المبكرة، كانوا أكثر عرضة للتلعثم عند القراءة بصوت مرتفع.
وثمة أدلة على أننا ندرك تلقائيا مزايا القراءة الجهرية، ونستخدمها من حين لآخر دون أن ندري.
وأجرت سام دانكان، الباحثة في الإلمام بالقراءة والكتابة بين البالغين بكلية لندن الجامعية، دراسة امتدت لعامين، شارك فيها أكثر من 500 شخص في بريطانيا، لمعرفة الأوقات التي يقرأون فيها بصوت مرتفع.
ولاحظت دانكان أن معظم المشاركين يقولون في البداية أنهم لا يقرأون بصوت مرتفع ثم سرعان ما يدركون أن العكس هو الصحيح.
وتقول دانكان "إن الكثير من البالغين لا يزالون يقرأون بصوت مرتفع. ولا تقتصر القراءة الجهرية على سرد القصص للأطفال ولا هي شيء من الماضي".
إذ ذكر بعض المشاركين أنهم يقرأون الرسائل النصية أو رسائل البريد الإلكتروني المرحة على الأخرين لإضحاكهم. وقال أخرون إنهم يتلون الصلوات والأدعية بصوت عال لأسباب دينية. ويقرأ الكتّاب والمترجمون أعمالهم لأنفسهم بصوت مرتفع للاستماع إلى الإيقاع وسلاسة النص. وأحيانا يقرأ الناس وصفات الطهي والعقود والنصوص العويصة بصوت مرتفع لفهمها.
وتقول دانكان: "إن بعض الناس تساعدهم القراءة بصوت مرتفع على فك طلاسم النصوص الصعبة والمعقدة، سواء أكانت أكاديمية أو قانونية أو حتى تعليمات تركيب وتجميع المنتجات، على غرار تعليمات شركة "أيكيا" للأثاث. ربما لأن القراءة الجهرية تجعلهم يتمهلون ويسمعون للكلمات التي يتلفظون بها".
وذكر الكثير من المشاركين أن القراءة بصوت مرتفع تبعث على السعادة والطمأنينة وتنمي حس الانتماء. وتقول دانكان إن البعض كانوا يقرأون لأصدقائهم المرضى أو المحتضرين كوسيلة للهروب من الواقع. وذكرت امرأة أن أمها كانت تقرأ لها الأشعار وتتحدث معها باللغة الويلزية. ومنذ وفاة أمها، دأبت على قراءة الشعر الويلزي بصوت مرتفع لاسترجاع اللحظات التي جمعتهما معا.
وذكر شخص يعيش في لندن من متحدثي اللغة التاميلية، أنه يقرأ النصوص المسيحية لزوجته باللغة التاميلية. وذكرت شاعرة في جزر شتلاند أنها تقرأ الشعر بصوت مرتفع لنفسها وللأخرين باللهجة المحلية.
وتقول دانكان إن بعض المشاركين ذكروا أن الشخص الذي يقرأ لك بصوت مرتفع كأنما يهديك جزءا من وقته واهتمامه وصوته. وقد نلاحظ أن القراءة للأطفال تنمي حس التقارب والترابط، وإن كنا لا نتحدث عن تأثيرها كثيرا على البالغين".
ولكن لماذا آثر البشر القراءة الصامتة، رغم الفوائد العديدة للقراءة الجهرية؟
تحوي الألواح الطينية من الشرق الأدنى القديم، التي دوّن عليها الكتبة المهرة تفاصيل حياتهم بالكتابة المسمارية، بعض الأدلة التي قد تساعدنا في فهم هذا التحول إلى القراءة الصامتة.
(تعليق) لا يزال الكثيرون منا يقرأون بصوت مرتفع في حياتهم اليومية أكثر بمراحل مما نعتقد
فقد طور الكتبة، مع مرور الوقت، طرقا أسرع وأكثر كفاءة للكتابة بالخط المسماري. وترى كارينلي أوفرمان، الأخصائية في علم الآثار الإدراكي بجامعة برغن النرويجية، وتدرس تأثير الكتابة على أدمغة البشر وسلوكياتهم في الماضي، إن هذه الطرق في الكتابة باتت أكثر قدرة على مواكبة سرعة تدفق الأفكار.
وتقول أوفرمان: "إن القراءة الصامتة، في هذا الوقت انفردت بمزايا عديدة، أهمها سرعة قراءة النصوص التي دونها الكتبة البارعون. فإن القراءة الجهرية أكثر بطئا من القراءة الصامتة".
وفي كتابه، "القراءة والكتابة في بابل"، اقتبس دومينيك شاربين خطابا كتبه أحد الكتبة يدعى هولالوم يلمح فيه إلى القراءة الصامتة. ومن الواضح أن هولالوم كان يشير إلى القراءة الصامتة بكلمة "يطالع أو يبصر"، وإلى القراءة الجهرية بكلمة "يقول أو ينصت"، بحسب السياق.
وكتب هولالوم أنه كسر المغلف الطيني- الذي كان يغلف الألواح آنذاك- لقراءة فحوى اللوح الطيني الذي كان يعتقد أنه موجه للملك.
ويقول هولالوم: "اكتشفت أنه لم يكن موجها للملك ولذا لم أطلب منه الإنصات للوح".
ربما كان الكتبة قديما، يستفيدون من مزايا القراءة الصامتة والجهرية، كشأننا اليوم، فالأولى تتميز بسرعتها وسهولتها وهدوئها وسريتها، والثانية تعد أكثر تمهلا وصخبا وأحيانا تساعد على تثبيت المعلومات في الذاكرة.
وفي وقت أصبحت فيه تفاعلاتنا مع الأخرين عابرة وفاق فيه سيل المعلومات التي نتلقاها قدرتنا على الاستيعاب والحفظ، ربما يجدر بنا تخصيص بعض الوقت للقراءة الجهرية. ولعلك جربت أن تقرأ هذه المقالة بصوت عال واستمتعت بالاستماع إلى صوتك







في مثل هذا الوقت من سبتمبر/أيلول عام 1949 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان في بيان مقتضب للشعب الأمريكي أن السوفييت فجروا قنبلتهم النووية الأولى، مشيرا إلى أن واشنطن لديها الدليل على إقدام السوفييت على ذلك قبل أسابيع.

ففي 3 سبتمبر/أيلول عام 1949 رصد العلماء الأمريكيون نشاطا إشعاعيا من داخل الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يكون ناجما إلا عن تجربة نووية، ولدى إبلاغ ترومان بالأمر لم يصدق وطلب من مستشاريه العلميين والعسكريين تحري الأمر، وعندما تم التأكد من تلك المعلومات، واجه ترومان الأمة بأن السلاح النووي لم يعد حكرا على الولايات المتحدة.
ويقول التاريخ إنه في 29 أغسطس/آب 1949، بات الاتحاد السوفييتي رسميا ثاني "دولة نووية" عندما فجر قنبلة بلوتونيوم معروفة باسم RDS-1 كأول أسلحته النووية.

وبحسب وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي أيه"، فإن التجربة السوفيتية فاجأت الحكومات الغربية، ولم يكن العملاء الأمريكيون يعتقدون أن السوفييت قادرون على إنتاج قنبلة نووية قبل عام 1953.

إذن كيف نجح السوفييت في الحصول على قنبلتهم النووية؟

إذا توجهت إلى محرك البحث غوغل وكتبت باللغة الإنجليزية هذا السؤال.. من هو العالم الذي نقل أسرار القنبلة النووية للسوفييت؟ ستأتيك الإجابة.. كلاوس فوكس.

فمن هو كلاوس فوكس؟

ولد كلاوس فوكس في 29 ديسمبر/كانون الأول عام 1911 قرب فرانكفورت في ألمانيا لأب قس هو إيميل فوكس الذي بات من النشطاء المعادين للنازية وقد وضع في معسكر اعتقال لكنه نجا.

واعتنق كلاوس فوكس الشيوعية في مرحلة مبكرة من حياته وصار ناشطا هو الآخر في مناوئة النازية.
وبعد وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا هاجر إلى بريطانيا عام 1933 حيث أكمل تعليمه كفيزيائي ثم باشر أعمال تجسس في بريطانيا والولايات المتحدة بين عامي 1941و1950.
وكانت السلطات الألمانية قد أبلغت البريطانيين عام 1934 بخلفية فوكس الشيوعية إلا أن البريطانيين تجاهلوا ذلك باعتبار أن النازيين هم مصدر هذه المعلومات.


وقبل سبعين عاما وتحديدا عام 1950، تم اعتقال كلاوس فوكس للاشتباه في تجسسه لصالح الاتحاد السوفيتي.

وكان فوكس رئيسا لقسم الفيزياء النظرية في مؤسسة أبحاث الطاقة الذرية البريطانية في هارويل في ذلك الوقت.

وكان قد عمل في برنامج الطاقة الذرية في المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، كما عمل أيضا في مشروع مانهاتن.
ولقد أصبح هذا العالم البريطاني الجنسية الألماني المولد أحد أشهر الجواسيس الذين تم القبض عليهم في المملكة المتحدة.

وتراوحت أنشطة فوكس التجسسية بين إلقاء المجلات على سياج حديقة كيدلينغتون إلى امرأة تحمل الاسم الرمزي "سونيا"، إلى نقل معلومات حيوية حول القنبلة الهيدروجينية أثناء عمله في مركز الأبحاث في لوس ألاموس.
لكن يقال إن فوكس أصيب بخيبة أمل من الشيوعية في السنوات التي سبقت اعتقاله، وتعرض للاضطراب الناتج عن خداعه الأصدقاء المقربين في هارويل.
"خيانة بشعة"
في اعترافه الذي أدلى به في مكتب الحرب في 27 يناير/ كانون الثاني عام 1950، قال: "منذ مجيئي إلى هارويل التقيت بإنجليز من كل مشارب الحياة، وقد رأيت في كثير منهم صلابة عميقة الجذور تمكنهم من العيش بأسلوب حياة لائق، ولا أعرف من أين ينبع ذلك ولا أعتقد أنهم يتصنعونها، لكنه موجودة فيهم".

وفي محاكمته، أقر بالذنب في 4 جرائم بموجب قانون الأسرار الرسمية وحكم عليه بالسجن 14 عاما، قضى منها 9 سنوات وراء القضبان.
وقال القاضي بعد صدور الحكم: "لقد خنت كرم الضيافة والحماية التي قدمتها لك هذه الدولة بشكل بشع".
وشرح نيك هانس، مؤلف كتاب "هارويل-كشف شفرة إنيغما"، العمليات الحسابية المعقدة التي أجراها فوكس في هارويل خلال فترة الحرب العالمية الثانية لتمكين العلماء من إجراء تجاربهم.
وقال هانس:"كان كلاوس فوكس مسؤولا بشكل أساسي عن الأشخاص الذين يستخدمون آلات الحساب اليدوي كما توصلوا إلى خوارزميات، صيغ رياضية، تساعد في حل المشكلات".

وقال هانس:"كان هذا هو الجانب النظري، وكان الجانب العملي في ذلك هو وضع بعض الأرقام في المعادلات واستخراج الأرقام، وفي تلك الأيام كانت هناك أجهزة كمبيوتر ميكانيكية وكان عليك لف المقبض دائريا للأمام وللخلف وبعد عدة ساعات سيظهر رقم في السجل وكان هذا الرقم هو الحل".
النتائج


وكانت بريطانيا مهتمة بتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة، كما أرادت أيضا رادعها النووي المستقل من أجل أن تكون جزءا من مجلس الأمن في الأمم المتحدة بعد الحرب.
وعلى الرغم من أن فوكس كان معتادا على ثقافة العلماء الذين يشاركون نتائج اختباراتهم، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي كان حليفا في ذلك الوقت (أثناء الحرب العالمية الثانية)، إلا أن نيك هانس لا يشكك في خطورة جرائم فوكس.

وقال هانس:"لقد كان يخون عمل بلده الذي منحه بسخاء منصبا في هارويل ودفع له أجرا جيدا للغاية مقابل ذلك".

ومضى يقول:"لقد كان رجلا ذكيا وكان يعرف عواقب نقله للأسرار، لقد كان ذلك يعني إمكانية أن يحصل الروس على أسلحة نووية قبل الأمريكيين والبريطانيين، وربما أدى ذلك إلى حرب عالمية ثالثة، وكان الأمر سيصبح مأزقا كبيرا".
أهم عمليات التجسس
ويعتقد على نطاق واسع أن أهم عمليات التجسس التي قام بها قد تمت خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان يعمل على تطوير القنبلة الذرية في لوس ألاموس بنيو مكسيكو.
ووفقا لشهادته لاحقا في مكتب الحرب في لندن في عام 1950 وكما ورد في كتاب صدر عام 1987 بعنوان "كلاوس فوكس: الرجل الذي سرق القنبلة الذرية" لنورمان موس، قال فوكس:"عندما كنت علمت الغرض من العمل في لوس ألاموس قررت إبلاغ روسيا، وأجريت اتصالات من خلال عضو آخر في الحزب الشيوعي".

كما قال فوكس في إفادته أيضا: "في ذلك الوقت، كانت لدي ثقة كاملة في السياسة الروسية، وكنت أعتقد أن الحلفاء الغربيين سمحوا عمدا لروسيا وألمانيا بمحاربة بعضهما البعض حتى الموت. لذلك لم أتردد في إعطاء كل المعلومات التي لدي".
وقد كشفت وثائق سرية للاستخبارات البريطانية تم رفع النقاب عنها عام 2003 أنه نقل إلى مسؤولين سوفييت أسرار القنبلة النووية خلال اتصال تم في مدينة نيويورك عام 1943.
وهكذا لم يكن من قبيل المصادفة أن حملت قنبلة "RDS-1" السوفيتية شبها قويا بقنبلة "الرجل البدين" التي قصفت بها الولايات المتحدة مدينة ناغازاكي اليابانية في التاسع من أغسطس/آب 1945.

لقد تسربت معلومات موسعة عن تصميم القنبلة إلى السوفييت من قلب "مشروع منهاتن" (الاسم الرمزي لبرنامج الأسلحة النووية بقيادة واشنطن بالتعاون مع بريطانيا وكندا).
وبعد إطلاق سراح فوكس من السجن عام 1959، هاجر إلى ألمانيا الشرقية حيث واصل مسيرته العلمية هناك حتى توفي عام 1988.

ويذكر أن كلاوس فوكس لم يكن وحده الذي عمل لحساب السوفييت في التجسس على مشروع منهاتن فقد كان هناك آخرون مثل العالم الأمريكي ثيودور هول وسافيل ساكس وجوليوس وإيثل روزنبرغ وغيرهم، ولكن فوكس كان الأبرز حيث تشير التقديرات إلى أن الأسرار التي نقلها إلى الاتحاد السوفيتي أعطته الصدارة لمدة عامين في سباق التسلح النووي.
وعلى مر العقود كانت قضية فوكس موضوع كتب وأعمال مسرحية وسينمائية.
رسائل مشفرة

ربما حاربت الولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد السوفيتي ضد العدو نفسه في الحرب العالمية الثانية، لكن ذلك لم يمنع أبدا كلا من واشنطن وموسكو من التجسس إحداهما على الأخرى.

وواقِع الأمر أن مشروع أمريكا المكثف لمكافحة التجسس الذي كان يستهدف السوفييت، والمعروف باسم فينونا، بدأ أعماله في فبراير/شباط 1943.
رصدت السلطات الأمريكية رسائل مشفرة منذ عام 1944Getty Images
رصدت السلطات الأمريكية رسائل مشفرة منذ عام 1944

وفي ديسمبر/كانون الأول 1946، تمكن المتخصصون في فك الشفرات في أمريكا من فك شفرات اتصالات من وزارة الداخلية في الاتحاد السوفيتي.

وكشفت برقيات تم فك شفراتها عن وجود تجسس سوفيتي على مشروع منهاتن.
وبعد مواجهته بالمعلومات التي تم الحصول عليها من الرسائل المشفرة عام 1950، اعترف أولا لعشقيته في فندق بضاحية ريتشموند، ثم لمحققي الاستخبارات البريطانية.










أعلن منظّمو جائزة "بوكر" الأدبية المهمة أن من بين الكتب الستة التي اختيرت للمرحلة النهائية من المنافسة أربع روايات هي باكورة نتاج مؤلفيها، تتناول مواضيع عدّة كالتغيّر المناخي والعنصرية والعلاقات العائلية.

وتضمّ اللائحة النهائية كتاب "ذيس مورنبل بادي" ("هذا الجسد المحزن") للكاتب تسيتسي دانغاريمبغا من زيمبابوي، وهو الجزء الثالث من ثلاثية تتناول قصة شابة من زيمبابوي تعاني الفقر.

أما الكتّأب الأربعة الذين يشاركون بروايات هي الأولى لهم، فهم الأميركيون دايان كوك وأفني دوشي وبراندن تيلور والإسكتلندي دوغلاس ستيورات الذي يحمل أيضاً الجنسية الأميركية.

وتدور الرواية الخيالية "ذي نيو وايلدرنس" ("الوحشية الجديدة") لدايان كوك حول مدينة تعاني آثار الأزمة المناخية. وتعكف الكاتبة راهناً على اقتباس سيناريو من كتابها بعدما اشترت "وورنر براذرز" حقوق إنتاج مسلسل مستوحى منه.
أما "بورنت شوغار" ("السكّر المحروق") للأميركية أفني دوشي فيستكشف العلاقة المعقدة بين أمّ وابنتها في الهند المعاصرة.

وستكون مازا منغيستي أول كاتبة إثيوبية تصل إلى نهائيات "بوكر"، وهي استوحت قصة عائلتها لتأليف "ذا شادو كينغ" ("ملك الظل") الذي يتناول انتفاضة المواطنين العاديين على الاجتياح الإيطالي لإثيوبيا في ثلاثينات القرن الفائت.

أما رواية "شاغي بين" لدوغلاس ستيوارت فتدور أحداثها في عائلة تنتمي إلى الطبقة العمالية في غلاسكو، وتواجه الفقر وإدمان الكحول في ثمانينات القرن العشرين. وقد نشأ الكاتب نفسه في المدنية الإسكتلندية قبل أن يغادرها للعمل في عالم الأزياء في نيويورك.
وفي "ريل لايف" ("الحياة الحقيقية") للأميركي براندن تيلور، قصة والاس، وهو شاب منطوٍ على نفسه يواجه العنصرية ما إن يلتحق بالجامعة، بعيداً من مسقطه ألاباما.

وقرأت لجنة التحكيم ما مجموعة 162 رواية نشرت في بريطانيا أو في إيرلندا بين الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 و30أيلول/سبتمبر 2020 واختاروا منها ستّاً للمرحلة النهائية.
ومن المتوقع أن يُعلن اسم الفائز في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، وسينال جائزة قدرها 50 ألف جنيه (نحو 65 ألف دولار)، إضافة إلى شهرة عالمية مؤكدة







كشفت دراسة جديدة عن السبب الحقيقي وراء غرق السفينة الشهيرة «آر إم إس تيتانيك»، عام 1912 أثناء رحلة كانت متجهة من إنجلترا إلى نيويورك عبر المحيط الأطلسي.
وقالت الدراسة التي نشرها موقع صحيفة «ديلي ميل»، إن ظاهرة فلكية تزامن حدوثها مع مرور السفينة بجانب أحد الجبال الجليدية في ذلك الوقت، تسبب في غرقها.

واقترحت الدراسة أن السفينة قد اتخذت مسارا مخالفا للمسار المحدد، بسبب ظاهرة التوهج الشمسي التي تسببت بقراءات خاطئة لبوصلة السفينة في ذلك الوقت، ما جعلها تصطدم بالجبل الجليدي.

ووفقا لعلماء الأرصاد الجوية، فإن السفينة التي كانت تبحر في تلك الليلة عبر المحيط الأطلسي، رصدت ظاهرة الشفق القطبي، الناجمة عن تفاعل الغلاف الجوي مع الجزيئات المشحونة القادمة من الشمس.
ونوه العلماء إلى أن «العاصفة الجيومغناطيسية» ربما كانت كبيرة بما يكفي للتأثير على الملاحة ولو لدرجة صغيرة، لكن هذه الدرجة لها تأثير كبير في عالم البحار.

وساهمت العاصفة بتعطل الإرسال اللاسلكي بين السفينة والسفن الأخرى أيضا في المناطق المجاورة، مما أدى إلى منع وصول بعض مكالمات الاستغاثة الخاصة بسفينة تيانيك والرسائل المرسلة استجابةً لذلك.

ويعتقد الخبراء أن هذه الظواهر الكونية تسبب أضرارا غير مسبوقة للأجهزة الإلكترونية وشبكات الطاقة في جميع أنحاء العالم، مع احتمالات وقوع مأساة مشابهة لما حصل مع تيتانك.






"سرير الغرباء" أحدث أعمال الروائي الصيني المعاصر ليوجين يون، صدرت طبعتها الصينية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وطبعت منها دار اليانجتسي للفنون والآداب حوالي مليون نسخة، واحدة من أهم الأعمال الروائية الصينية التي نالت احتفاء جماهيريا ونقديا واسعا داخل الصين وخارجها، وترجمت إلى أكثر من لغة أجنبية. وهي في الوقت ذاته أحد أهم الأعمال التي تعبر عن اهتمام ليوجين يون بموضوع العلاقات الإنسانية المتشابكة والمعقدة، والذي تناوله في عدد من أعماله بين القصة القصيرة والرواية، وعن اهتمامه بقضايا المرأة وهمومها على امتداد الصين والمرأة في مسقط رأسه مقاطعة خه نان وسط الصين على نحو خاص.

صدرت الروية ضمن إصدارات سلسلة "قراءات صينية" عن دار صفصافة للنشر الترجمة العربية ترجمة د.حسانين فهمي حسين أستاذ اللغة الصينية بجامعة عين شمس والمشرف على سلسلة "قراءات صينية". وفيها يتعرف القارئ على واحدة من أهم الروايات التي صدرت خلال السنوات الأخيرة لليوجين يون المولود بمقاطعة خه نان وسط الصين عام 1958، والذي تخرج في قسم اللغة الصينية بجامعة بكين العريقة عام 1982، ثم حصل على الدراسات العليا في الكتابة الأدبية من معهد أدب لوشون بجامعة المعلمين ببكين عام 1991. يعمل حاليًا أستاذًا للأدب الصيني بجامعة الشعب الصينية. وهو أحد أهم الأصوات الأدبية في جيل الرواد الذين لمعت أسماؤهم على الساحة الأدبية الصينية منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، والذي يضم أهم الكتاب في تاريخ القصة والرواية الصينية المعاصرة وعلى رأسهم: سوتونغ، قه فيي، مايوان، تسان شويه، يوهوا، خان شاوقونغ ومويان وغيرهم من الكتاب الصينين المعاصرين.


تحكي الرواية قصة المرأة الريفية نيوشياولي تسعى لتزويج شقيقها، فتتعرف على فتاة وتختارها زوجة لأخيها، لكن مفاجأة غير متوقعة تضرب حياتها؛ حيث تهرب العروس بعد خمسة أيام فقط من الزفاف، فتقرر السفر برفقة وسيطة مسافة خمسمائة كيلو متر بحثًا عن زوجة أخيها الهاربة سونغ تساي شيا، وبعد وصولها تعجز عن العثور عليها في البلدة التي توقعت أن تكون مسقط رأسها، قبل أن تهرب منها الوسيطة أيضًا، ولكي تتمكن من توفير مبلغ يساعدها في مواصلة البحث عن زوجة أخيها الهاربة واستعادة المبلغ الذي سرقته من العائلة، تضطر نيوشياولي إلى تغيير اسمها إلى سونغ تساي شيا "اسم زوجة أخيها الهاربة" وتجد نفسها مضطرة إلى بيع جسدها، قبل أن تسقط في علاقات متشابكة وقضايا فساد أبطالها مسئولون كبار. وتملأ المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي تفاصيل ممارستها للجنس مع مسؤولين سياسيين في إطار صراع سياسي.

وأشار د.حسانين إلى أن الرواية تعتمد على المواد الإعلامية والأخبار المتداولة والأحداث الرائجة في وسائل التواصل الاجتماعي، لتعكس اهتمام ليوجين يون الواضح بالقضايا الواقعية التي تشغل الإنسان العادي في الصين، وتؤكد تلك السمة البارزة في كتاباته، والتي تتمثل في الاهتمام بالكشف عن هموم الإنسان الصيني المعاصر وقضاياه، خاصة ما يتصل بالفئات المهشمة في المجتمع الصيني، والتي تحتل مساحة كبيرة في أعماله.

وتصور الرواية العلاقات المتشابكة بين أربعة أشخاص لم يكن يربط بينهم سابق معرفة: نيوشياولي، لي آن بانغ، يانغ كاي توه وماجونغ تشنغ، ومصائرهم بأسلوب ليوجين يون الساخر الذي برز فيه تأثره الواضح بأديب الصين الأشهر لوشون. وذكر القارئ بما كتبه لوشون في قصته المعروفة "يوميات مجنون" ونقده الشديد للشعب الصيني الذي كان يكتفي بموقف "المتفرج" على ما يدور حوله من أحداث، وهو ما عبر عنه ليوجين يون في هذه الرواية من خلال نقده الشديد للفرجة التي تسيطر على الإنسان المعاصر في المجتمع الصيني.

وقال "انتبه النقاد منذ بداية مسيرته الأدبية إلى قدرة ليوجين يون على تناول الموضوعات التاريخية والمعاصرة من خلال حس ساخر ينبع من موقف نقدي أصيل تجاه التاريخ الصيني وواقع الحياة الصينية المعاصرة ومشكلات نماذج مختلفة من الفئات المهمشة والمطحونة في مجتمع مسقط رأسه بمدينة يانجين التابعة لمقاطعة خه نان وسط الصين خاصة وفي المجتمع الصيني بوجه عام.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن أعمال ليوجين يون حافظت إلى حد كبير على خصائص الواقعية النقدية التي اتسمت بها الأعمال القصصية الصينية منذ حركة الرابع من مايو/آيار عام 1919 التي أسست للأدب الصيني الحديث، مما يجعل هناك وجه شبه واضح بين أعمال صاحب "سرير الغرباء" وأعمال رائد الأدب الصيني الحديث لوشون (1881-1936)، خاصة ما يتعلق بنقد العقلية الصينية والنقد الاجتماعي والعزلة التي تعيشها شخصيات أعماله، إلى جانب نجاحه في تقديم عدد من الشخصيات المنبوذة والمهمشة التي تتشابه أفكارها ومصائرها مع شخصيات قصص لوشون، حتى أطلق عليه بعض النقاد لقب الكاتب الذي "خرج من عباءة لوشون".

وأوضح د.حسانين أن ليوجين يون يتميز بغزارة الإنتاج وتنوع كتاباته التي تجمع بين القصة والرواية والسيناريو. وتتميز أعماله بالنقد الاجتماعي لعدد من الظواهر والقضايا في المجتمع الصيني المعاصر، وعلى رأسها الفساد والرشوة كما في روايتي "جهة العمل" و"سرير الغرباء". وتتميز لغة أعماله بالحس الفكاهي الساخر الذي يعرف به بين أبناء جيله. توجت أعماله بحصوله على جائزة مادون الأدبية (نوبل الأدب الصيني) في دورتها الثامنة عام 2011، كما حصل على وسام فارس في الفنون والآداب عام 2018 من فرنسا.

وحازت أعماله شهرة كبيرة داخل الصين وخارجها، وترجم عدد منها إلى لغات أجنبية عديدة من بينها العربية، ومن أبرز أعماله المترجمة إلى العربية "رب جملة بعشرة آلاف جملة"، "الموبايل"، "جهة العمل"،"البرج"، كما تم تحويل عدد من أعماله الروائية والقصصية إلى أعمال سينمائية، وحصدت أعماله عددًا من الجوائز داخل الصين وخارجها.

وأكد د.حسانين أن "سرير الغرباء" تعد علامة فارقة وبداية مرحلة جديدة في إبداع ليوجين يون، أو كما عبر عن ذلك بنفسه في حوار معه حول هذه الرواية قائلًا: "لقد بدأت بهذا العمل مرحلة جديدة في مسيرتي الأدبية"، وقوله أيضًا "الكتابة الأدبية تختلف عن أن يدير أحدهم مطعمًا، فزبائن هذا المطعم سيحرصون على ارتياده طالما حافظ على جودة الأطعمة المعروف بها، على العكس تمامًا من الإبداع الأدبي الذي يتطلب أن يكون هناك فهم جديد للعلاقة بين الحياة والكتابة والكاتب، فأكثر ما يخيف الكاتب عجزه عن كتابة أعمال جديدة". إنها رواية جديدة ومهمة في مسيرة صاحبها وفي المنجز الإبداعي الصيني المعاصر، نأمل منها أن تضيف شيئًا إلى المكتبة العربية، وأن تحقق المتعة للقارئ العربي في كل مكان.


وأدرك يانغ كاي توه صدق المثل القائل: تأتي المصائب حين تأتي جملة، وترى السرور يجيء في الفلتات. إذ كان يعلم أن حياة الإنسان لا يمكن أن تسير دائمًا وفق ما يتمنى، وأن مشوار حياة أحدهم لن يخلو من التعرجات، لكنه لم يكن يتوقع أن تعترضه فجأة كل هذه التعرجات. فهو كمدير إحدى الهيئات بهذه البلدية، منصب صغير في حجم حبة السمسم، هذا المنصب الذي كان في عصر أسرة تشينغ من الدرجة الأخيرة في سلم المناصب، بل إنه الآن لا يرقى إلى التصنيف، لم يكن يتوقع بحال من الأحوال، أن تقوده ابتسامته البلهاء لأن يصبح نارًا على علم على مستوى الصين قاطبة. فشهرة يانغ كاي توه حاليًا تفوق شهرة أمين الحزب بالمقاطعة، بل إن أمين الحزب لن يعرفه أحد خارج حدود مقاطعته، على العكس من يانغ “ملك الابتسامة” الذي أصبح الآن معروفًا لجميع أبناء الشعب الصيني، ذاك الذي حول "الكارثة" إلى ابتسامة، وحول المأساة إلى ملهاة. وفي المعتاد، نجد أن هذا الخلط في تحويل الابتسامة البلهاء إلى "ابتسامة" ومنح يانغ كاي توه لقب "ملك الابتسامة"، كان كفيلًا بأن يقضي على يانغ كاي توه، ولكن من كان يتخيل أن هذا كله كان بداية نهايته

فقد انطلق البعض من ابتسامته البلهاء، للتركيز على ساعة يده، وقالوا إنها من ماركة الساعات السويسرية الشهيرة، وإن ثمنها مئة وخمسون ألف يوان. ثم واصل البعض البحث على الشبكة عن صور لمشاركاته في مختلف الأنشطة الرسمية على مستوى البلدية خلال السنوات الأخيرة، بهدف التركيز على الساعات التي كان يرتديها في تلك المناسبات، فلما لم يعثروا على بغيتهم، واصلوا البحث لسنوات أطول عن صوره في اجتماعات البلدية، فعثروا على ست ساعات من فئة الماركات الشهيرة، من بينها ساعة يصل ثمنها إلى ما يزيد على مئتي ألف يوان، وأخرى يزيد ثمنها على ثلاثمئة ألف يوان، وثالثة يزيد ثمنها على خمسمئة ألف يوان، ورابعة من فئة الماركات العالمية النادرة، والتي يزيد ثمنها على مليون ومئتي ألف يوان، في حين يصل إجمالي ثمن الساعات السبع إلى مليوني وخمسمئة ألف يوان.

ثم واصل هؤلاء البحث عن راتب يانغ كاي توه، ووجدوا أن قياديًّا مثله يبلغ راتبه الشهري ثلاثة آلاف ومئة يوان، بإجمالي دخل سنوي أقل من أربعين ألف يوان، فإذا اعتمد على هذا الدخل الشرعي لشراء هذه الساعات السبع، فإن ذلك يتطلب أكثر من ستين عامًا من العمل المتواصل دون أن ينفق يوانًا واحدًا على طعامه وشرابه. ثم واصلوا البحث عن سنه، وعرفوا أنه أتم الخامسة والأربعين، وبالتالي فإنه إذا كان يعمل منذ نزوله من بطن أمه، فإنه لا يمكن أن يحصل على المبلغ الكافي لشراء هذه الساعات السبع، وأن ذلك كان يتطلب منه أن يعمل سبعة إلى ثمانية عشر عامًا في بطن أمه. فأطلقوا عليه لقبًا جديدًا “ملك الساعات”.

وقد ربط مستخدمو الإنترنت بين ساعة يد يانغ كاي توه وبين انهيار الجسر الثالث، وإن لم يكن هناك في الأساس أي علاقة بين ساعته وحادث الجسر. وما زاد شعوره بالظلم، أنه لم يكن يرتدي ساعات خلال السنوات الأخيرة منذ دعوة الحكومة المركزية لسياسة التقشف ومحاربة الفساد، ولكنه في صباح ذلك اليوم، ارتدى إحدى ساعاته وخرج لحضور حفل زفاف ابن أخته، رغبة منه في الظهور بمظهر مناسب أمام أهل العروس، بالإضافة إلى كون المناسبة مناسبة خاصة ليس لها علاقة باجتماعاته الرسمية، فوقع الحادث، مما اضطره لمغادرة الحفل والتوجه مباشرة إلى موقع الحادث، ونسي أمر الساعة بيده، ولكنه لم يكن يتوقع أن الشيء الذي نسيه هو ذاته الذي ركز عليه مستخدمو الإنترنت. فراح يانغ كاي توه يسب ويلعن:
- اللعنة على الإنترنت!


محمد الحمامصي







وأنا أتأهّب لقراءة المجموعة القصصية للقاص التونسي أيمن الرّزقي اعترضني العنوان كأنه لافتة ترسل لي تحذيرا مضمونه أن احذري فإنّ الأرض التي ستطؤها أقدامك ملغومة، خذي احتياطاتك قبل خوض غمارها والتوغّل فيها.

رغم التحذير فإنّ اللاّفتة في زاويتها اليسرى سهم يشير إلى وجهتي كأنني أبحث عن طريق سريّة تؤدّي إلى منطقة محظورة لعلّها الغابة الملعونة، وهذا العنوان هو العتبة الأولى لدخولها، عنوان مكوّن من مفردتين في شكل جملة اسميّة مركّب نعتي. المبتدأ وهو منعوت كلمة نصوص، وهي جمع مفردها نصّ، من فعل نصّص ينصّص تنصيصا، وهو منصّص، يقال نصّص المتاع أي جعل بعضه فوق بعض، ونصّص غريمه أي ناقشه وناصّه، وأيضا نصّص الجملة أي حدّدها وعيّنها بنصّ أي وضعها بين علامتي تنصيص (معجم المعاني). والنّص هو مجموعة من الفقرات المتكوّنة من جمل متنوّعة تحدّها علامات التنصيص أي تنقيط، وهو إشارة إلى ما يوجد بين دفتي الكتاب كتجميعة من النصوص/القصص تخضع لتنصيص وتبويب معيّن اختاره الكاتب. وأمّا الخبر فهو النعت "موبوءة" مشتقّ من فعل وبأ، تعني الشيء المتعفّن، ونعت لكل مصاب بمرض شديد العدوى وسريع الانتشار. إذا نصوص موبوءة هو مجموعة من القصص انتشرت بينها عدوى أمراض كثيرة وعفن ناخر امتدّ على مدى أربعة عشر نصا.

قد يظن المتأمّل لهذا العنوان أننا إزاء كتاب من أدب الأوبئة، لكن بمجرّد قراءة الأثر يكتشف القارئ أن العنوان إشارة بليغة إلى الديستوبيا التّي نعيش فيها تلك المدينة العفنة التّي ينخرها الفساد والإنسان فيها مجرّد بقايا آلية فيزيائية من اللّحم والعظم بعد أن تجرّدت من قيمتها الإنسانية والأخلاقية والجمالية وفقدت معنى العلاقات والمعاملات المعيشة، هذه "الديستوبيا" لا تشمل الهامش الخلفي للواقع، بل أيضا تمتدّ إلى تلك المنطقة الأمامية المضيئة والمبهرجة. فقد جزم الكاتب بأن العفن والوباء لا يستثني أحدا، ولا يقوم بفرز الأماكن التّي يعشّش فيها، فقد هانت الأنفس وماتت الضمائر منذ زمن سواء في الأمام أو في الخلف.

يقول هاروكي موراكامي في روايته "كافكا على الشاطئ": "محاصرون نحن داخل تفاصيل حياتنا اليومية... ثمّة الكثير لنفكّر فيه كلّ يوم". من رحم هذا الحصار ولدت هذه المجموعة القصصية محمّلة بهموم حياتية وأحداث من واقع الميعش اليومي، ومن شدّة وقعها صنّفها في خانة الوباء أي خطير جدا. قضايا ومواضيع من كل مجالات الحياة ترجمت قدرة الكاتب وتمكّنه من فن القصة القصيرة، وعلى حدّ قول الناقد والأستاذ في الأدب المقارن الدّكتور شريف الجيّار فقد "استطاعت القصّة القصيرة في الفترة الأخيرة أن تجد خطا مشروعا وموقفا يناسب طبيعة التوهّج العالمي والحراك السّياسي الدّولي وسرعة التكنولوجيا في التّواصل بين الشّعب والكتاب والأفراد في ظل كل هذا استطاعت القصّة أن تجد مشروعية الوجود". مشروعية استمدّها أيمن الرزقي بمعايشة ما يدور حوله وما يحدث كل يوم في محيطه القريب والبعيد، وفي زمن واحد إذ أنّ أغلبية قصصه وحسب السياقات حدثت في فترة ما بعد الثورة.

والملفت للنظر أنّه مبتكر بارع للمواقف والأفعال بأجوائها العجائبية والغرائبية فمن موقف بسيط جدا يصنع لنا عالما مدهشا من الانفعلات والحركات. على سبيل المثال نذكر قصة "على وشك الانفجار" الذّي انطلق من حاجة البطل الشديدة إلى قضاء حاجته، قدرته على التخييل مدهشة رغم أن ما ينقله محض واقع معيش تجاوز نقله العادي إلى سرده بنبرة ساخرة تترك مرارة في الحلق والعقل وحرقة في القلب وهو ينبئنا بأننا لن نغادر هذه الديستوبيا لا في الحاضر ولا في المستقبل القريب، وكل ما علينا فعله هو انتظار الأسوأ.

حافظ القاصّ أيمن الرزقي على أهمّ مقومات القصّة القصيرة بحضور الحدث الذّي تدور حوله القصة والحبكة التّي بها تتسلسل الأحداث ويتولّد بها المعنى على مدى النصّ الواحد، أيضا الأسلوب الذي به يتحقق البناء الفني للقصة، أيضا نلمس التكثيف والإيجاز والمحافظة على الوحدة الدرامية التي تستدعي بطلا واحدا ومكانا وزمانا لا يتغيران على مدى النص القصصي، وحدثا قادحا واحدا. نلحظ كذلك تنويعه لخطوط السرد، أحيانا نجده سردا متسلسلا في أقصوصة "لديه احتفال هذا المساء"، و"بسبب ارتفاع أسعار النفط" ...، وأحيانا أخرى نراه سردا متقطعا مستنجدا بالاسترجاع، كما نرى ذلك في قصتي "الهروب إلى الحرب"، و"أصابع الاتّهام" على سبيل المثال، معتمدا في كل مرة روابط منطقية صنعت شبكة الأحداث المتواترة وحركة الأبطال السريعة بين مؤشرات مكانية وزمانية ساعدت على رفع نسق التشويق والسير إلى العقدة بمنتهى الحرفية والشطارة. بصمة كلاسيكية يعلوها أحيانا نثار خفيف من التجريب في الإخراج المشهدي للحظات قمة في التعقيد، نجح الكاتب في نقلها بكل اقتدار مصوّرا لنا مشاهد مختلفة عن مصائر الأبطال التّي اختلفت وانقسمت بين الجدّ والهزل.

نجح الكاتب في إيصال فكرة عامّة مفادها أنّ كلّ خطيئة مهما كانت صغيرة، تصبح وباء بمجرّد انتشارها، وليس من الصالح الاستهانة بها، بل وجب التّشخيص ثمّ إعمال مبضع النقد والمقاومة، بالرغم من غياب الحلول والاكتفاء بالمعاينة فقط. وفي هذا السياق نستعرض أهم الأمراض والظواهر المستفحلة التي وصلت إلى مرتبة الوباء من شدّة خطورتها على الفرد والمجتمع:

أولا، الوباء الطبي، ففي أقصوصة "أنفلونزا"، والذّي كشف وحشية التعامل في مقاومة الوباء بداية من تصفية الحيوانات الحاملة للوباء ثمّ جرّ المريض والحجر عليه في المستشفى بمجرّد الشّكّ في إصابته، وإذا ما حدث واصطدم الطاقم الطبيّ بشخص حرون عنيد كبطل القصة هذه، فإنّ الحيلة لن تنعدم لتطويعه ويصبح كالشمع السائل بين أيديهم. يلتجئ الكاتب إلى شخصية ثانوية أخرى طبيبة تقوم بإغراء البطل وحين تحرقه نار رغبته يخضع كالعبد ويقبل بإجراء الفحص الشرجي والتثبت من إصابته أو عدمها.

يمكن القول إنّ العلاقة بين الإطار الصحيّ والمريض أصبح كعراك بين ذئاب جائعة يكاد الصقيع يودي بها، بينما الكاتب يصدمنا في آخر القصّة أن الأوبئة تتناسل ولن تتوقف "إنه ليس مصابا بإنفلونزا الكلاب، إنها أوّل إصابة بانفلونزا الذئاب". (ص13).

في أقصوصة "الهروب إلى الحرب" التّي تتحدث عن مرض الزّهايمر، ورغم كونه ليس وباء لكن الكاتب وضعه في خانته الخطيرة. جسّده الاسترجاع والمراوحة بين زمني الماض والحاضر بين السّلم والحرب، زمن للاستعمار تسرده ذاكرة متعبة متوالية الأوجاع لا تنسى، زمن فيه كان الفرنسيون "يخطفون الرّجال ولا يتورعون عن قتلهم" (ص56). وفي نفس المحنة "أخاه انتهى إلى ما بين خطوط دفاع الحلفاء، ابتلعته رحى الحرب وغاب من يومها (ص56)". وتوالت الأوجاع تتراص بحلول النكبة والهزيمة العربية. ذاكرة الوجع صنعت للبطل سجنا لن يبرحه إلى أن تسعفه ذاكرته الصغيرة وتتيح له حلّ الهرب بالاستعانة بالمهراس "لقد قرّ عزمه وانتهى الأمر سيكسر قفل الباب ويخرج" (ص58).

فعل الخروج هذا ينقلنا معه إلى الحاضر زمن السلم والاستقلال، فيه يكتشف البطل تغير خطاب الصحف وفتور الهمّة عن قضية تحرير فلسطين، وكمّ التورّم الذّي أصاب الواقع المعيش وانحدار الذوق العام، وتغيّر الإهتمامات الجماعية التي انحصرت في أخبار الفن وكرة القدم وجولات الشوبينق. ننتهي إلى أنّ الزهايمر رمز الذاكرة المعطوبة والخسارات المجانية، ونستخلص أنّ المرض هو الغطاء الذي يستتر خلفه وجه من أوجه التوحش ليصبح الواقع "نكبة العمر لا ريب" (ص58).

ثانيا، نجد الرشوة، هي فعلا وباء مستشري لا نهاية له صوّره الكاتب في تفصيل صغير لكنه مبتكر، إذ تحدد السلطة نصيب كل مواطن في الخبز بمقدار خبزة واحدة في قصة "لديه احتفال هذا المساء"، ورغم الصورة الكريكاتورية التي سرد بها الأحداث في ظاهرها مضحكة ساخرة لكنها مرّة تكشف شدّة استفحال الظاهرة في كل المؤسسات التّي لخّصها في المخبزة، والاقتداء هو الذي يساهم بانتشارها "لمح كهلا يسلم بحرارة على أحد الوظفين ثم يدسّ خلسة في يده مبلغا من المال". (ص19). ولا أحد يتردّد عن فعلها.

الرّشوة تلك الّدودة الّناخرة التّي حرمت المواطن البسيط من تكافؤ الفرص "أعلن ذلك الصوت الأنثوي الرقيق... عن نفاذ كمية الخبز لذلك اليوم". (ص20) بعد أن استأثر شخصان بنصيب المجموعة. ظاهرة كرّست طبقية مقيتة قسمت المجتمع إلى كفّتين كلّ منهما قنبلة موقوتة مهيّأة للانفجار. ويكشف تطاحن الطبقات وغياب مظاهر العدل والمساواة فيما بينها يجعل الطرف المطحون يأخذ حقه بعيدا عن سلطة القانون "تتالت عقب ذلك الركلات في كامل جسده وأعقبتها شتائم مقذعة من كل الأفواه التّي تجمهرت حوله" (ص21).

ثالثا، هناك ظاهرة التفاهة التي انتشرت كالوباء اكتسحت العقول، عملية دمغجة لعلها عفوية أو مقصودة لكنها أودت بالوعي الجماعي والفردي. في قصة "بسبب ارتفاع أسعار النفط" عقول النساء لا تكاد تستفيق من متابعة المسلسلات "تعلقها بمسلسلها التركي بلغ حدّ الوله" (ص24). وعيون الرجال لا تمل من مشاهدة مباريات كرة القدم، كأنهما في سباق محموم طالت تبعاته الأسر، فتعالت الخلافات بينما الزوج، يحاول الانفراد بالتلفاز لمشاهدة المباراة المتزامنة مع المسلسل، لكن الزوجة "أصرّت على أولويتها في مشاهدة المسلسل فنشب خلاف بينهما" (ص23). والسبب برنامج حواري حول ارتفاع أسعار النفط. هذا الاستلاب أضاع على الكل فرصة التمتع بعيش لحظة حقيقة في أمن وسلام.

يقول المفكر الكندي ألان دونو: "عليك أن تكون قابلا للتعليب.. لقد تغير الزمن.. فالتافهون أمسكوا بكلّ شيء". ويعود ذلك إلى طبيعة مجتمعاتنا الاستهلاكية وتغيّر مقاييس التقبّل والرفض للمحتوى، وتغليب الرغبات على الفكر الذي يحدد نوع الحاجة ومداها، ما ينتج عنه اغتراب فردي وجماعي. هذا الوباء يزداد حدة كل يوم مع ظهور مواقع التواصل وأساليب تسلية وترفيه كثيرة تجعل المرء ينسى كيف يتعايش في مجموعة.

البيروقراطية الإدارية، وهو رابع وباء نستخلصه من قصة "نباح في مهب الريح"، وهو عبارة عن النظام الإداري المعقد والمشبوه من فرط صرامة تطبيقه. فالموظف من موقعه لا يستطيع حسم ملف لوحده فيغدو الأمر كأنه أخطبوط يمسكه مجموعة كل من ذراع بانتظار أن يمسك أحدهم بالذراع ويحسم الأمر. متاهة إدارية تسرف في إهدار الوقت وعرقلة مصالح النّاس متحكمة في مصائرهم. فإذا ما كان المرء شريفا وتجنب الوساطات سيبقى رهين تسلسل إداري كسيح والنتيجة واحدة "ملفك لا يزال قيد الدرس" (ص31).

في النهاية يمل المواطن بطل قصة "نباح في مهب الريح" ومع خطورة وضعه يلجأ للتصرف وحده فيضيع شقاء العمر، ويصبح الموضوع، عبثيا لدرجة القفز في قلب الخطر فيشرب هذا البطل الدواء مع الخمر رغم التحذيرات، وبمشهدية ساخرة ينتقل بنا إلى أجواء أخرى أبطالها الزعماء والرؤساء العرب، رؤوس نكبتنا، ويكون المشاهد "عجز عن فهم غرائب الأمور حوله" (ص 33). ثم يقبل في النهاية المشاركة في هذه اللعبة والمساهمة في نشر عدوى المجون والتنكر ويصبح صوته المحتج مجرد نباح في مهب الرّيح.

خامسا، هناك وباء سياسي وهو تقديس السياسيين أو الحاكم صاحب السلطة، سعار يضيع الفرد في تلابيبه بقوّة تكريس سلطة الحاكم الواحد والحزب الواحد "أبصر مقرّ الحزب الحاكم في أبهى حلّته" (ص37). في حين "كانت قوات الأمن تغلق طرفي الشارع" (ص 37). حكم بوليسي يذكرنا بأجواء ما قبل الثورة. هذا النظام يجعل الفرد لا قيمة له ويتلاشى، فإذا ما سقط في محنة ما أو مشكلة فليس له مايفعله سوى "أن عليه الانتظار إلى حين انتهاء مراسم التديش" (ص 39)، فلا حركة ولا خروج عن الانقياد للحاكم إذا حضر.

الكل منصاع لسلطته التي سلبت الألباب كما حدث في قصة كل "الحب لسيادة الرئيس" حتى أن هذا الحاكم أوقف ضرب الطبل، وأخذ المزمار ينفخ فيه بلحن الطاعة والولاء بينما الشعب خلفه يتبعه طائعا خاضعا. "ظل مشدوها وهو يستمع إلى لحنه الجديد المختلف فيما يتبعه الجميع من خلفه" (ص 40). مشهد يذكرنا بالرجل صاحب المزمار السحري الذي خلّص القرية من الفئران التي غزتها وأزعجت السكان أيّما ازعاج. وبمجرد عزفه تجمعت حوله الفئران وقادها بمزماره إلى البحر حتى ألقت بنفسها في اليمّ لتموت بالآلاف عن بكرة أبيها. وليبدد الكاتب وطأة هذا الوباء ابتكر حادثة حرف القاف المتسرب إلى كلمة الحب فأصبحت كلمة نابية اختصر بها حال ساستنا المشين.


في قصة "في حضرة السيّدة الأولى" وجه آخر للوباء السياسي، وأمام سلطة الرئيس الحاكم تظهر في الاتجاه المعاكس سلطة السيدة الأولى زوجة الرئيس التي تخطط وتطمح لتكون "رئيسة البلاد" (ص 53) بانقلاب تقوده على زوجها الرئيس بعد أن "باتت تقرف من شيخوخته وسورات غضبه العنيفة" (ص50).

وبات همهما الواحد الأوحد كرسي السلطة ولا يهمها من تخلفه قتيلا خلفها، فاستعانت بالشعوذة وانتظرت منتصف الليل لتتفتح ورودها النادرة ثم تتلو تعويذتها وتحكم قبضتها، لكنها بدل ذلك وجدت نفسها في مواجهة احتجاجات بسبب قتلها رئيس المعارضة ثم اقتيادها إلى السجن. قدّمها زوجها الرئيس قربانا في سبيل حفاظه على كرسيه. صراع سياسي لا يخرج عن دائرة درجة خطر الوباء لأنه يضيّق الخناق على الشعب ويركعه بأية وسيلة.

فيسعى أفراد هذا الشعب إلى مغادرة البلد و"الحرقة" بكل الطرق حتى لو كانت غير مشروعة وإلى أي مكان، المهم بعيدا، كما جاء في قصة "عزاؤه الرّحيل". إذ جاء على لسان البطل الذي يبحث عن مخرج لإكمال ثمن "الهجة": "مائة مليون أخرى ونغادر هذا الكوكب نهائيا" (ص 91). وكم عزّ الرحيل إذ يسوق لنا الكاتب حقيقة أنّه لا مجال للمغادرة ما من هروب، ليس أمامنا سوى القبول والخضوع.

سادسا، نجد وباء التهميش الذي طحن في رحاه معظم الناس، فالطبقة الفقيرة أضعافا مضاعفة للطبقة الغنية. في قصة "أصابع الاتهام" الحاجة تدفع بالمرء إلى السير في طرق خلفية من أجل كسب القوت ويضطر لممارسة التجارة الموازية مثلا ليبيع "حمولته المهرّبة" (ص64). في حين أن الدولة تقاوم هذا النشاط بكل قسوة نظرا لتبعاته المكلفة على الاقتصاد المحلي، ويصبح الأمر كراّ وفرّا بين المهربين وأجهزة الديوانة والنتائج كارثية. إما تموت وإما تبقى كسيحا مبتور الأصابع لا أحد يعيلك وحين تلجأ إلى الاحتجاج لا أحد يسمعك. في النهاية تقرر الموت قانعا بأنه سبيل خلاصك. الموت حرقا أفضل من موت على قيد الحياة، يسكب البطل على جسده البنزين "وإذا بالولاعة تنقدح أخيرا" (ص65).

مشهد يذكرنا بانتحار البوعزيزي الذي على إثره قامت الثورة وقلبت كل الموازين، والتي من تبعاتها مصادرة أملاك المستكرشين الفاسدين كما حصل في قصة "ليس إلاّ على جثته" إذ ذهب البطل إلى متحف باردو ليلا ليسترد القطع الأثرية التي صادرها وزير الثقافة وبالمرة ينتقم لتاريخ عائلته الضائع، فأضاع تاريخ بلد بأكمله "أشهر مطرقته عاليا وأتى على القطع الأثرية يهيض أعناقها وبعد أن أجهز عليها.. ثمّ أضرم النار فيها" (ص46).

باختصار هذه أبرز الظواهر المستشرية كالوباء، زادها الخيانة التي جعلت الجميع يصاب بمرض غامض لا دواء له وأصاب الناس وخاصة الطبقة السياسية والتي جعلتهم يعترفون "اعترافات مخزية" كسبيل وحيد للخلاص من هذا الوباء رغم محاولات التستر لكن كان المآل فضيحة مدوية.

ماذا بقي في هذا العالم لم يصبه الوباء؟ كل شيء انتقلت إليه العدوى، ففقدت القيم قيمتها، وتجرّد الانسان من إنسانيته وانزاحت المقاصد عن مقصدها ولبست المعاني أقنعة من النفاق. عالم موبوء لم يسمح للانسان بأن يأخذ نفسا ليراجع نفسه بل إزداد إيغالا في التوحّش حتى احتلّ القوي الواجهة الجميلة المنمقة بينما سقط الضعيف في خنادق خلفية مظلمة، وكل البؤس أنّ كل الموقعين يصنع مسخا هجينا تطلق نظراته شرارات محرقة النهاية، إنه الإرهاب لا ريب. وصدق مريد البرغوثي إذ قال: "إن واقعنا المأساوي لا ينتج كتابة مأساوية بحتة، نحن في هزل تاريخي وجغرافي أصيل


عواطف محجوب








اكتشف علماء آثار إسرائيليون ما يقولون إنه دليل على وجود "قصر مذهل" يعود إلى حقبة مملكة يهودية توراتية في القدس.

وعثر على هياكل حجرية منحوتة وآثار آخرى مرتبطة ببناء مماثل على نحو ثلاثة كيلومترات جنوبي القدس القديمة.

وقال علماء الآثار إن بعض القطع الأثرية دفنت بعناية دون معرفة السبب. ويرجّح أن يكون القصر قد بُني في القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد.

ومن بين الآثار التي وجدت في ما بات يعرف اليوم بحيّ تلّ بيوت الشرقي والمعروف أيضاً بحيّ حرمون حنتزيف، ثلاثة تيجان حجرية مزخرفة – منحوتات تزيّن الطبقة العليا من الأعمدة – بالإضافة إلى بقايا من إطارات نوافذ.

وقالت سلطات الآثار الإسرائيلية إن تيجان الأعمدة التي صنّفت من البناء الملكي من حقبة الهيكل الأولى ( بين القرن السادس والعاشر قبل الميلاد) هي من "الأجمل والأكثر إثارة للإعجاب" بين ما اكتشف حتى الآن.

وأعربت عن دهشتها بعد العثور على اثنين من التيجان الثلاثة "مدفونان بدقة الواحد فوق الآخر".

وقال مدير التنقيب البروفيسور ياكوف بيليغ، إنه لا يزال من الصعب في هذه المرحلة تحديد من الذي أخفى التيجان بهذه الطريقة ولماذا فعل ذلك، "لكن لا شك أنّ هذا أحد ألغاز هذا الموقع الفريد الذي سنحاول حلّه".

ورجّح بيليغ أن يكون المبنى الضخم قد دمّر خلال الفتح البابلي للقدس عام 586 قبل الميلاد.
وقالت سلطات الآثار إن من كان يعيش في البناء "الضخم"، كان يطلّ على مشهد "خلّاب" من المنطقة التي تعرف الآن بمدينة داوود، أو وادي حلوة. كما كان يطلّ على المعبد اليهودي على هضبة مقدسة معروفة لدى اليهود باسم جبل الهيكل وللمسلمين باسم الحرم الشريف.
ورجّحت السلطات أن يكون سكان البناء، أحد ملوك يهوذا أو أسرة أحد النبلاء.

وأشارت سلطة الآثار الإسرائيلية إلى أن المنحوتات التي تزين تيجان الأعمدة كانت رمزًا تصويرياً معروفًا في فترة مملكتي يهوذا وإسرائيل، وتشكّل واحدة من الزخارف على عملة الخمسة شيكل المعدنية في الدولة الحديثة








الصراعات الطبقية الدائرة في المجتمعات الريفية روح استكشافية سبرت الأغوار الإنسانية
وانغ منغ اهتم بتجسيد المشاعر الإنسانية والروح الاجتماعية؛ فلم تجسد أعماله الأدبية الروح المثالية فحسب، بل تأملت في تاريخ الأمة ومستقبلها

رُشح الكاتب الصيني وانغ منغ لجائزة نوبل للآداب على مدار أربع سنوات متتالية، كان آخرها عام 2003، وجاء الترشيح لأنه قدَّم في السنوات الأخيرة أعمالًا ذات قيمة كبيرة، فأثرت تاريخه الأدبي الطويل الحافل بإنجازات أدبية ضخمة جسدت ببراعة تاريخ الأمة الصينية ونضال شعبها؛ فهي تكاد أن تكون ملاحم شعرية حُفرت في ذاكرة التاريخ. وهذا الرواية "مشاهد من شينجيانغ" التي ترجمتها وقدمت لها الكاتبة والمترجمة المتخصصة في ترجمة الأدب الصينى الحديث والمعاصر ميرا أحمد تشكل نموذجا فريدا في أعماله، وقد حصلت على جائزة "ماو دون" الأدبية التي تعد أعلى جائزة في الأدب الصيني.

في مقدمتها للرواية الصادرة عن دار البوصلة بالإمارات استعرضت ميرا أحمد مسيرة وانغ منغ مؤكدة أن أعماله مزجت في الثمانينيات بين معاناة الأمة ومعاناة أبناء الوطن، وقالت: "اهتم وانغ منغ بتجسيد المشاعر الإنسانية والروح الاجتماعية؛ فلم تجسد أعماله الأدبية الروح المثالية فحسب، بل تأملت في تاريخ الأمة ومستقبلها وكشفت كوارث الثورة الثقافية في تلك الفترة".

ورأت أن وانغ منغ ساهم في خلق جيل من الكتاب الجدد الذين يتمتعون بشهرة عالمية، وتمتع بمهارات إبداعية فريدة ومبتكرة، وخبرات حياتية غير عادية وذاعت شهرته بأنه رائد الرواية في تاريخ الأدب الصيني المعاصر. أشاد بجهوده الأدبية الكثير من الأدباء ووصف تشانغ واي رئيس رابطة الكتاب في مقاطعة "شاندونغ" مشواره الأدبي بأنه "درب التجارب والصعاب"، وقالت عنه الكاتبة تيه نينغ رئيسة اتحاد الكتاب الصينيين: وانغ منغ شخصية ثرية ومعقدة، كاتب قدم إسهامات عظيمة في الأدب الصيني المعاصر في كافة أنماطه الأدبية من قصة ونثر وشعر ودراسات الأدب المقارن والدراسات البحثية في الأدب الكلاسيكي الصيني".

وأضافت ميرا أحمد أن وانغ منغ يتمتع بإحساس فطري عال وروح استكشافية سبرت الأغوار الإنسانية وغاصت في عوالمها الداخلية، وبعد نهاية الثورة انطلقت موجة جديدة من أدب التأملات، وكان أحد القوى الأساسية الإبداعية في أدب التأملات، الذى راح يتأمل في تاريخ الأمة ومستقبلها. وكشفت أعماله عن مساوئ الثورة الثقافية وتشويهها لصورة المثقفين الشباب وتدميرها للمجتمع، والتعاطف البالغ مع ضحايا الثورة من الشباب. واتسمت لغته بطابع شعري، وكأن أعماله الروائية نصوص شعرية أو نثرية ذات مذاق خاص، وفي بعض الأحيان كانت لغة صادمة تتماشى مع حجم المعاناة في تلك الفترة".

ولفتت إلى أن أعماله عكست رحلة الشعب الصيني على درب الحياة المليء بالأشواك، وقدم إسهامات عديدة وابتكارات جديدة في العمل الأدبي حتى أصبح واحدًا من أهم الكتاب الذين أثروا الأدب الصيني المعاصر، وحافظوا على حيوية الطاقات الإبداعية في ذلك الوقت. تحول من الاتجاهات الأدبية البدائية إلى اتجاهات أكثر نضجًا وعمقًا. لقد فتح وانغ منغ آفاقًا جديدة محلية للكتابة الأدبية في تيار الوعي الذى يفوق في أهميته تيار السرد النظامي للعالم الخارجي، إذ يصور الكاتب المشاعر والأفكار المتدفقة التي تمر في عقله. وقد اتسمت روايته في الثمانينيات التي تنتمي إلى تيار الوعي بالنهايات المأساوية برسم شخصيات قد جسدت ضحايا الثورة الثقافية وقد اختلف تيار الوعي لديه عن تيار الوعي الشائع لدى بقية الكتاب؛ فقد أطلق عليه بعض الباحثين تيار "الوعى الثوري" الذى راح يستكشف من خلاله أنماطًا سردية مبتكرة في الكتابة الأدبية، ويلقي بالضوء على ما فعلته الثورة الثقافية في نفوس شبابها.

وأشارت ميرا أحمد إلى أن وانغ منغ نوى في أواخر عام 1963 ترك عمله أستاذًا في جامعة بكين للمعلمين والذهاب إلى "شينجيانغ"، والسبب الأول وراء هذا، هو إثراء تجربته الإنسانية، والسبب الثاني هو عدم احتماله لظروف البيئة الأيديولوجية في بكين، والثورة المستمرة في ظل ديكتاتورية البروليتاريا جعلته في حيرة من أمره. فرأى أنه من الأفضل الذهاب إلى الحدود التي تعيش بها الأقليات العرقية في مجتمعات صغيرة، وهناك لن يجد صعوبة في الحديث عن الوحدة الوطنية وحب الوطن ووحدة الأمة. وفي عام 1964 ذهب إلى "شينجيانغ" وأمضى أربعة أشهر ثم توترت الأجواء السياسية بشكل كبير، وفي عام 1965 بموجب قرار لجنة الحزب لمناطق الحكم الذاتي انتقل إلى منطقة "إيلي"، وشغل منصب نائب قائد الفيلق الثاني في كومونة اللواء الأحمر في محافظة "يينينغ". واندمج مع الفلاحين وعاش معهم وأتقن اللغة الويغورية، واستقبله الفلاحون بحفاوة كبيرة.

وأضافت: في عام 1974 بدأ في كتابة "مشاهد من شينجيانغ"، وعلى الرغم من أن الأحوال لم تكن طبيعية بصورة كافية، إلا أنه استفاد من حبه لأبناء الويغور وفهم طبيعتهم بدرجة كبيرة، وراح يصور مشاهد الحدود ومصائر الشخصيات، ويكتب عن الخصائص النفسية والثقافية لأبناء الويغور وحياتهم اليومية. في ذلك الوقت كانت "شينجيانغ" تعانى الصعود والهبوط، خاصة عام 1962؛ فقد تركت حوادث الفرار من مناطق "إيلي" و"تشنغ" إلى الاتحاد السوفيتي ندبات في عقول الكثير من الناس، فضلًا عن حركة التعليم الاشتراكي في الريف عام 1963 و1964 و1965، وبيان الزعيم ماو تسي دونغ حول "قضايا اليمين واليسار"، فقد أعطاه مساحة في أعماله الأدبية لكشف فساد اليسار وما جلبه من أضرار للمواطنين. فمن ناحية لم يستطع الخلاص من انتقاد النضال الطبقي ومعاداة الإمبريالية في أعماله، ومن ناحية أخرى راح يعادي زيف اليسار وخداعه. وسرد الكثير من الخصائص القومية وتفاصيل دقيقة عن حياة الويغوريين والتعبير عن المصير التاريخي. وفي عام 1978 انتهى من كتابة "مشاهد من شينجيانغ" وكانت الثورة الثقافية قد انتهت، وارتكز النضال الوطني على مقاومة "عصابة الأربعة" وإظهار المساوئ والكوارث التي خلفتها الثورة الثقافية. وشعر وانغ منغ بأن الرواية لا توائم أحداث العصر والظروف السياسية المحيطة، فأغلق الرواية طيلة ثلاثة وأربعين عامًا".

يقول الكاتب وانغ منغ: "في عام 2012 كانت المفاجأة حينما عثر ابني على المخطوطة في خزانة غرفة النوم في البيت القديم، وبتشجيع من العائلة نشرت الرواية عام 2013". ويقول النقاد إن وانغ منغ كتب هذه الرواية في ظل ظروف غير طبيعية بعد الاستماع إلى أصوات الحياة والطبيعة البشرية والأصوات الأدبية، فهي صورة معاصرة لحياة الويغوريين".

الرواية الصينية


ويقول وانغ منغ: "لا أعلم إذا كان هذا هو القدر أم الحظ! فالروايتان الأكثر تأثيرًا في مسيرتي الأدبية قد خرجتا إلى النور بعد عقود؛ الأولى هي "سنوات الشباب" بدأت كتابتها عام 1953 وانتهيت منها عام 1956، وخرجت إلى النور عام 1979، وتم تجميدها ما يقرب من ربع قرن". "وسبب الرفض أن الرواية لم تصف حياة الثورة الثقافية والفلاحين والعمال". والرواية الثانية "مشاهد من شينجيانغ" التي بدأتها عام 1973 وانتهيت منها عام 1978 ظلت حبيسة الأدراج طوال أربعين عامًا، والسبب أن موضوعها يتناول الثورة الثقافية والصراع الطبقي وتمجيد الشخصيات والمراجعات، وفي النهاية نشرت عام 2013". فالأولى كانت تفتقر إلى الثورة والثانية كانت ثورية.. ثورية جدًا! أما عن "سنوات الشباب" فمنذ 1979 حتى الآن فقد طبعت منها نسخ متكررة، وصارت في متناول القراء بعد أن ظلت حبيسة الأدراج لسنوات، ولاقت نجاحًا كبيرًا.

وتوضح ميرا أحمد أن الرواية تحكي في سياق حركة التطهيرات الأربعة، عن حادث سرقة المواد الغذائية داخل الفيلق الوطني لإحدى الكومونات الشعبية في منطقة "إيلي". تكشف الرواية عن الصراع الطبقي وتحريض الاتحاد السوفيتي على الهروب وترك الوطن وزرع أعداء داخل الوطن وإحداث أعمال الشغب وتعطيل حركة الاشتراكية في الصين الجديدة. وتتخذ الرواية من منطقة "شينجيانغ" خلفية تاريخية وثقافية، وتقدم للقارئ بانوراما للحياة الغربية الحديثة، وفي الوقت ذاته تعكس حياة قوميتي "هان" و"الويغور" في ظل خلفية تاريخية خاصة، والتفاهم والاندماج بين أبناء القوميتين وإظهار العادات الفريدة والسمات الخاصة للقوميتين وإظهار أواصر الصداقة بينهما، من خلال تصوير الحياة اليومية للشخصيات الكثيرة التي تتدفق عبر فصول الرواية ومن خلال الصراعات التي تتسم بالحيوية والتشويق.

وصف الكاتب وانغ منغ الحياة الريفية في منطقة "شينجيانغ" من خلال تجربة حياتية طويلة عاشها بنفسه. وتعد "مشاهد من شينيجانغ" رواية ذات قيمة أدبية عالية، لأنها ما زالت قادرة على جذب المزيد من القراء لسنوات عديدة؛ فالحقبة التي وصفها وانغ منغ هي حقبة زراعية للصين وبرع في تسجيلها بدقة في منطقة للأقليات. قال وانغ منغ إن أكثر الأشياء التي يفخر بها أثناء إقامته في "شينجيانغ" هو إجادته للغة الويغورية سريعًا، حتى أنه يرى أنه يتقنها أكثر من أبناء الويغور الحقيقيين.


وقال الناقد الأدبي المعاصر يي كاي واي عن رواية "مشاهد من شينجيانغ": "الرواية مليئة بالأحداث السياسية المكثفة وقد أكملت السياسة الناقص في وانغ منغ، لكن في الوقت نفسه قد فرضت القيود على تفكيره الأدبي وحدّت من الابتكار الأدبي في جوهره؛ فالأدب والسياسة في بعض الأحيان يتفقان، وفي أحيان أخرى يتعارضان بشدة. فالتشابك الشديد مع الأحداث السياسية يعوق نقاء الأدب والارتقاء به".

وأكدت أن الرواية تعد ملحمة تاريخية لحياة الويغوريين في منطقة "شينجيانغ" في ظل أوضاع سياسية غير مستقرة؛ فتعرض لحياة الكومونات الشعبية وتطبيق الاشتراكية، والصراعات الطبقية الدائرة في المجتمعات الريفية، والأعداء الخفيين الذين كان الاتحاد السوفيتي يدفع بهم لتفكيك نسيج الأمة وإثارة البلبلة والقلاقل وإشعال فتيل الفتنة الطبقية، في جو تشويقي مثير من خلال شخصيات رئيسية عديدة جميعهم أبطال، ليصل في النهاية الصراع إلى أقصى مدى بين الشخصيات، ونرى المصير الذي أفضت إليه كل شخصية كونه نتيجة طبيعية لمشوارها على الدرب الذي اختارت أن تسلكه بكامل إرادتها.

وحول تحمسها لترجمة الرواية قالت ميرا أحمد "كيف لا أتحمس إلى ترجمة مثل هذه الملحمة التاريخية، وبذل كل جهد ممكن لتقديمها إلى القارئ العربي لفتح نافذة فكرية جديدة، وعالم أدبي جديد أمامه حينما تسنح الفرصة، ومثل هذه الفرص الذهبية لا تتكرر كثيرًا. في عام 2015 جاء وانغ منغ في زيارة إلى مصر لإلقاء ندوة أدبية وكنت أحد الحضور، وتزامنت مع صدور "مشاهد من شينجيانغ" في نسختها الصينية، وراح الكاتب وانغ منغ يوقع النسخ بعد انتهاء الندوة. ويومها أهداني الرواية، ثم طلبت منه ترجمة بعض أعماله القصصية القصيرة، فلم يعارض ورحب بمبادرتي. ثم ترجمت له بعض القصص القصيرة والنصوص، وكانت الترجمة العربية الأولى لهذه الأعمال، ونشرت في ملف كامل في جريدة أخبار الأدب المصرية، وفي ذات العام جاءني التكليف بترجمة "مشاهد من شينجيانغ". ورغم الصعاب التي واجهتني في ترجمة هذا العمل الضخم المكون من جزأين، بسبب الخلفية التاريخية والثقافية للعمل واللغة الويغورية في بعض مواطن الرواية، فضلاً عن الأسلوب الأدبي الرصين للكاتب وانغ منغ، لكن في ترجمة مثل هذا العمل الرفيع يهون كل التعب وتذلل كل الصعاب. وما أهون التعب في سبيل تحقيق الأحلام! وقد تزامن مع مشروع ترجمة الرواية إلى اللغة العربية ترجمتها أيضًا إلى اللغة الإنجليزية، ومن المتوقع ترجمتها إلى لغات أخرى في السنوات القادمة.

ظلت "مشاهد من شينجيانغ" قرابة الأربعين عامًا مجرد مخطوطة لا يعرفها القراء، والآن سطعت شمسها والتمع اسمها في سماء الأدب، ولن يخبو سناها إلى آخر العمر. وكيف يخبو الشهاب الوضاء ومبدع هذه الملحمة؟! وهو لا يمثل الأدب الصيني المعاصر فحسب، بل هو في حد ذاته الأدب الصيني المعاصر.. هو الكاتب الكبير وانغ منغ.



محمد الحمامصي





التفتت بعض الأعمال السردية اليمنية، التي عُنيت بالهجرة، إلى معضلة اجتماعية، كانت سائدة في اليمن والمنطقة حتى الستينيات من القرن العشرين، وهي مشكلة العبودية والاسترقاق. وإن عملَينِ من جملة أعمالٍ، يقوم الكاتب بدراستها، قاربت المشكلة في حالتين؛ الأولى رواية "سالمين" – عمان 2015، للكاتب الروائي عمار باطويل، وتتبعَ فيها حالة المسترقّ القديم "سالمين"، الذي انتقل مع مالكه إلى مدينة جدة، بعد النصف الثاني من الأربعينيات، ورصدَ من خلاله جملة التغيُّرات التي طرأت على طريقة تفكيره وحياته في المجتمع الجديد. والثانية رواية "قرية البتول" – القاهرة 1979، للكاتب الراحل محمد حنيبر، وفيها أفرد مساحة لتقولات حكيمة للمسترقّ "مبروك" المملوك لتاجر حضرمي في مدينة "بورتسودان".

"سالمين" وطريق التهجين الأبيض الطويل

البدوي الجمَّال في وادي "دَوعَن"، "حمد بن صالح" ينتظر حتى تصله أموال والده التاجر المقتول، على أيدي القوات اليابانية في سنغافورة في ذروة الحرب العالمية الثانية، فيقرر السفر إلى مدينة "جَدّة" لبَدء حياة جديدة فيها، ويأخذ معه في سفرته المسترقّ "سالمين"، الذي اشتراه والده صغيرًا من أحد أسواق وادي "دَوعَن" مقابل ثور، فبقِيَ في بيت العائلة يخدمهم؛ يجلب الماء، والحطب، ويهتم بالنخل والمزروعات.

في "جَدّة" نال حريته بقرار من مالكه، الذي صار غنيًّا بفعل متاجرته بالأراضي والعقارات، ومن إحدى مكاسبه الكبيرة، في هذه التجارة، يشتري لعبده المحرَّر الجنسيةَ السعودية بمبلغ كبير جدًّا في تلك الفترة، فأتاحت له عملية التجنيس أن يعمل هو الآخر في التجارة من الأموال التي تحصّل عليها من مالكه القديم، فاغتنى وصار يملك الملايين، ليبدأ بعدها مزاولة فعل الانتقام من تاريخه الشخصيّ، ومن لونه الأسود، أو كما يرِد في النص:

"تحوّل إلى إنسان باحث عن المال في جَدّة بعد سنوات العبودية في حضرموت، وأصبح يحقق رغباته الجنسية، بعد ما كان محرومًا من الحرية، تحول إلى تاجر يملك ملايين، وبدلًا من أن يفعل الخير وبناء السدود، أو بناء المساجد، كما هي عادة البعض من أهل حضرموت، إلا أن سالمين أراد أن يسوق النساء أمامه كلما سنحت له الفرصة، وأصبح سالمين الحضرمي معروفًا في حياة النساء، بحبه لهن وإعطائهن الأموال والهدايا، وخاصة من الجنس المعاكس للونه، الذي يتفاخر باصطيادهن بسهولة. كان يستمتع بهذا التحول الجنسي عندما يخلط الأسود بالأبيض"

ومن صور الانتقام التي مارسها سالمين هو جعل الآخرين ينادونه بالشيخ بدلًا من العبد، أو مناداته باسمه جافًّا دون إلحاقه بلقبٍ تشريفيّ، وكان له في ذلك فلسفة في توصيف النفوس بقوله: "البعض من الحضارم، وخاصة ممن ينادونني بالعبد، جعلتُهم ينادونني بالشيخ "سالمين" بدلًا من العبد، فكلمة العبد أرهقت أذني خلال سنوات طويلة. أصررت عليهم أن ينادونني بالشيخ سالمين، هكذا تحولوا وانقلبوا عندما تحوَّل وضعي، وأيقنت أن "الفلوس" تحوِّل فقط النفوس الضعيفة وغير الواثقة من نفسها، أمّا النفوس العظيمة تظل كما هي، لا تتغير ولا تستحقر الآخرين بسبب لون بشرته أو قلة ماله".

في مقاربة نفسية لـتكوين "سالمين" وسلوكه، وأيضًا لمهارة وذكاء التقاط الكاتب، يرى الكاتب السوداني عزّالدين ميرغني، وجود "نماذج لها في الكثير من البلدان والمجتمعات العربية، فتلك من الشخصيات المسكوت عنها وخاصة في الكتابة الروائية العربية. ويمكن أن تدخل هذه الرواية في مدرسة الواقع الاجتماعيّ العربيّ التاريخيّ. ورغم تاريخيّته، فما زال هنالك من يعيش مرارته ويكتوي بناره، وهو ضحية لواقع تاريخيّ لم يختَره ولم يشارك في صنعه.

ولم تخلُ فترة الاسترقاق التي عاش فيها "سالمين"، من خدوشٍ نفسية وعقد مستحكمة في داخله، وقد أفلح الروائي في تجسيدها برمزية عالية".

في واحد من تحليلات شخصية "سالمين" يرى أنه "لم يتذوق بحق، التناغم والتصالح مع هُويته، فهو محسوب على الحضارمة، لكنه يبدو، في حقيقة الأمر، أنه ليس منهم؛ لأن هذا الانتماء العِرقي لم يرفع من داخله الإحساس بالعبودية. إنّ الثراء الفاحش الذي حقّقه، ونيلَه حريتَه في "جَدّة" لم ينقله إلى عالم التحرر من العبودية إطلاقًا، والحضارمة ظلوا ينالون منه ويتفوهون بعبوديته، وعمّقوا جرح الإحساس بها. إن هُوية "سالمين" هُوية مضطربة وممزّقة فهو لم يتذوّق طعم الانتماء للأسرة، ولا طعم الانتماء للمكان الذي استقر فيه. ففي "دَوعَن" كان عبدًا، وفي "جَدّة" أصبح حرًّا، ولكن البشر لم يُقِرّوا له بالحرية بسبب لونه الأسود.

اختُزِلت إنسانيته في لونه الأسود، فالبشر في شوارع "جَدّة" ينظرون إليه بوصفه عبدًا، وليس "سالمين" الذي أصبح ثريًّا وحرًّا، والقادر على استباحة أجساد النساء البيض بمالِه ليحصل على المتعة البيضاء". كما يذهب إلى ذلك د. عبده عبدالله بن بدر.

بقي "سالمين" طويلًا يحثّ أولاده وأحفاده على التزوّج بالنساء البيض، بغض النظر عن أصولهن وأوضاعهن الاجتماعية والمادية، حتى يستطيع نسله في المستقبل التخلّص من اللون الأسود:

"لا تتزوجوا سودة أو عبدة مثل عرقكم، ومن لا يسمع نصيحتي لا أعرفه ولا يعرفني ومتبرئ منه إلى يوم القيامة، وإن نوى أحدكم الزواج، عليه أن يتزوج بيضة ولو من أسر وعوائل فقيرة، أهم شيء السواد لا يظهر على عيالكم، وإذا ربي طوّل بعمري بغيت باشوف عيالكم، غير عن بقية أبناء السود".

مسترقّ التاجر "باعبود"، أكثر وعيًا بكينونته، وله فلسفته الناقدة للنص وظاهرة العبودية بشكل عام. أما المسترق "سالمين" فمتشبعٌ بعقدة اللون والتاريخ، فيعمل بكل الوسائل لتجاوزهما، كمحمول ثقيل ومؤلم، بواسطة ثروته الطائلة.

"مبروك" الحكيم الذي يعي كينونته كإنسان

في رواية "قرية البتول"، للراحل محمد حنيبر تظهر شخصية العبد "مبروك" الذي يمتلكه التاجر الحضرميّ "محمد باعبود" في بورتسودان، بأنه "رجل ناهز منتصف العقد الخامس من العمر، متوسط الطول والبدانة، يغلب على شكله الملامح الزنجية، وكان يرتدي جلبابًا أبيض، وعلى رأسه طاقية مكاوية ذات لون سمني، ومطرزة من أعلاها لأسفلها بالحرير الأبيض. ورغم ذلك العمر الذي قطعه، فقد كان قويّ البنية، كما لو كان في نهاية العقد الثالث من عمره"، يقول عن نفسه: "أنا مجرد عبد، اشتراني سيدي محمد باعبود من السعودية، لأكون في خدمته هو وأفراد أسرته، وطالما أنّ هذا وضعي؛ فماذا سأطمع في الحياة غير الصحة؟".

هذه الشخصية المختلفة، وإن بدأ استنباتها في آخر فصول الرواية عرضًا، تؤدي وظيفة قيمية مهمة، وتشير إلى ظاهرة اجتماعية في فترة زمنية من تاريخ اليمن والمنطقة. التاجر حضرميّ يزاول تجارته في السودان، وله عبدٌ اشتراه من السعودية. هذا العبد يعي كينونته بقدرٍ عالٍ من الثقافة. وله تفسيره لظاهرة الاسترقاق، وله أيضًا تحفّظه على النص الدينيّ، وإن جاء من باب التمنّي باستنزال نصّ يُجرِّم ظاهرة الرق.

"أصحاب الكلمة الماضية في هذه الحياة هم أصحاب المال أمثال سيدي. أما أمثالك من الناس البسطاء فأوضاعكم لا تختلف عنّا كثيرًا، فجميعنا مسخرون لأصحاب الكلمة الماضية. والفرق بيننا وبينكم، أننا كعبيد نباع ونشترى بصورة مباشرة، أما أنتم فتبتاعون وتشترون بصورة غير مباشرة تحت وطأة الحاجة. كنت أتمنى من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لو أنه طلب من ربه آية قاطعة تُحرِّم الرِّق، كتلك الآية القاطعة التي نزلت في تحريم الخمر؛ لأن استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان أشدّ بلاء في نظري من شرب الخمر، ولكن الدين للأسف ترك الخيار لأصحاب الكلمة الماضية بين أن يحتفظوا بعبيدهم أو يحرروهم مقابل ذلك من حسنات في الآخرة. ولذلك نجد معظمهم فضَّل الاحتفاظ بعبيده وجواريه على حسنات الآخرة؛ لأنهم كأغنياء يستطيعون أن يكسبوا حسنات من مصادر أخرى تغنيهم عن حسنات هذا المصدر".
وفي مكان آخر من النص يقول "مبروك":

"أنا وأمثالي من العبيد يستطيعون أن يدخلوا إلى أماكن في خدور النساء، تُحرِّم على غيرهم دخولها، وهم لذلك يعرفون أدق أسرار أسيادهم، بل أن بعض الأسياد قد يشركون عبيدهم في المشورة في أمر ما، أو في حبك الحيل والدسائس لأمر آخر. والعبيد هنا قد يتصرفون بذكاء أسيادهم، إن العبد إنسان، وقد يمتلك من القدرات الخاصة ما لا يمتلكها سيده".

هنا العبد بقدراته العقلية، وائتمانه على أسرار الأسياد يصير سيدًا بقيمة معنوية ما؛ لأن الأسياد بانكشافهم يتحولون إلى عبيد بفعل سطوة مسترقيهم، الذين يحفظون كل أسرارهم.
***

المقتربات والتشابهات القليلة التي تتيحها هذه القراءة العابرة، تقول إن مالكَي العبدَينِ، هما تاجران من حضرموت، ويعيشان في ذات الفترة المتقاربة، وهناك عبدان باللون الأول ذاته، استملكه رب العائلة الذي يعمل بالتجارة في جنوب شرق آسيا، وأبقاه في مسكن العائلة في الوادي لخدمتهم، وتاليًا صار جزءًا من ميراث الابن الذي هاجر إلى مدينة "جَدّة" في السعودية، على الضفة الشرقية من البحر الأحمر، والثاني اشتراه، من السعودية، تاجرٌ حضرميّ يزاول مهنته في مدينة "بورتسودان" على الضفة الأخرى من ذات البحر، ولهما خصائص التسمية نفسها، غير أن ثقافة كل واحد منهما تختلف كلية عن ثقافة الآخر.

فمسترق التاجر "باعبود"، أكثر وعيًا بكينونته، وله فلسفته الناقدة للنص وظاهرة العبودية بشكل عام. أما المسترق "سالمين" فمتشبعٌ بعقدة اللون والتاريخ، فيعمل بكل الوسائل لتجاوزهما، كمحمول ثقيل ومؤلم، بواسطة ثروته الطائلة، التي راكمها من عمله في التجارة في مدينة "جَدّة"، في بداية تشكّلها كجغرافية نفطية.

محمد عبدالوهاب الشيباني




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright