top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
أبيض وأسود.. تأريخ سينمائي بشوائب اديولوجية
من الكتب التي تركها لنا الناقد الراحل علي أبو شادي كتاب "أبيض وأسود" الذي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية ثم أعيدت طباعته أكثر من مرة. وكان الكتاب قد صدر في المرة الأولى في مناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى على ظهور الفن السينمائي. ويضم الكتاب 18 دراسة عن 18 فيلما راعى أبو شادي في اختيارها ما تتضمنه من قيمة فكرية عالية وقدرة متميزة على التعبير الفني الدقيق عن موضوعها وعصرها، كما راعى أن ...
حالة القلق التي يعيشها العالم اليوم لا تنتج أدبًا عظيمًا
من إسبانيا حيث يقيم في الفترة الأخيرة خاضعًا للعلاج من مرض دقيق، يؤكد لنا العالم الكبير الدكتور أحمد مرسي، أستاذ الأدب الشعبي بكلية الآداب جامعة القاهرة، ورئيس تحرير أهم مجلات الفنون الشعبية، والموروث الشعبي في مصر وخارجها، أن هناك حالة رعب غير مسبوقة تسود العالم حاليًا، وتختلف ردود الفعل إزاءها بين ما يطلق عليه العالم المتقدم من اهتمام واستنفار. ولذلك أسبابه الاجتماعية والسياسية، وبينما يطلق عليه ...
السلطة الدينِية في الإسلام
مفهوم السلطة في الإسلام من المفاهيم التي يدور حولها الجدل العميق لا سيما بعد تحول السلطة في الإسلام من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، أو بالأحرى من مؤسسة إسلامية ذات كيان سياسي رصين إلى ملكية وراثية، فارتبط المفهوم بالمظان العاطفية للمواطن المسلم والذمي أيضاً، وحينما يتصل الملك بالسلطة فالفساد قاسم مشترك والشهوات تظل عنواناً معبراً عن نظرية البقاء في السلطة والحرص عليها مهما كلف ذلك الكثير من مقدرات ...
كورونا يعرّي أذهان الساسة
الفكرة الرئيسية التي تشغل الروائي المصري المهاجر الدكتور شريف ماهر مليكة، خبير علاج الألم بجامعة جون هوبكنز بولاية مريلاند بالولايات المتحدة الأميركية، مع قدوم كل صباح جديد هي معرفة ما إذا كنا قد وصلنا بعد إلى ذروة الهجمة الفيروسية الغاشمة، أم لا؟ فمن المعروف عن الأوبئة، بصفة عامة، أنها تنتشر باضطراد إلى أن تصل إلى حد معين، ثم تصل معدلات الإصابة بها إلى الاستقرار - أو التباطؤ في الزيادة - نتيجة ارتفاع ...
سرقة لوحة لفان جوخ من متحف هولندا أثناء إغلاقه بسبب أزمة فيروس كورونا
أفادت فضائية سكاى نيوز أنه تمت سرقة لوحة للفنان العالمى فان جوخ من متحف هولندا أثناء إغلاقه بسبب أزمة وباء كورونا. يذكر أن أحدث تفشى "فيروس" كورونا فى الأونة الأخيرة، أثرت سلبيا على عالم الفن التشكيلى، بشكل عام وعلى الفنان العالمى فان جوخ بشكل خاص حيث كان من المقرر أن تعرض لوحة "عباد الشمس" الشهيرة للفنان الهولندى فان جوخ، لكنها احتجزت فى الحجر الصحى فى طوكيو، كانت اللوحة الفنية فى طريقها لتعرض فى معرض ...
الإبداع الأدبي وسؤال التجنيس
على الرغم من اعتبار التجنيس الأدبي مبدأ تنظيميا للنصوص الأدبية، وآلية مهمة لضبطها وتصنيفها، وبالتالي خضوعها للنقد، فإنه يعد من النظريات الأكثر جدلية في تاريخ الأدب مند ظهور كتاب أرسطو الشهير "فن الشعر" الذي وضع من خلاله ثلاثة أقسام للأدب: الغنائي والملحمي والدرامي، مؤكدا بذلك على الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية وعدم الخلط بينها. منذ ذلك الحين مرت عملية التجنيس بمراحل مهمة حاول خلالها مجموعة من ...




من الكتب التي تركها لنا الناقد الراحل علي أبو شادي كتاب "أبيض وأسود" الذي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية ثم أعيدت طباعته أكثر من مرة. وكان الكتاب قد صدر في المرة الأولى في مناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى على ظهور الفن السينمائي.

ويضم الكتاب 18 دراسة عن 18 فيلما راعى أبو شادي في اختيارها ما تتضمنه من قيمة فكرية عالية وقدرة متميزة على التعبير الفني الدقيق عن موضوعها وعصرها، كما راعى أن تقدم معا صورة متكاملة لواقع السينما المصرية خلال ثلاثين عاما من 1939 الى 1969، أي منذ ظهور ما عرف بالمدرسة الواقعية في السينما المصرية، الى نهاية عصر التصوير بالأبيض والأسود.

تحت عنوان "سينما بربري مصر الوحيد" يبدأ الناقد كتابه بدراسة لفيلم من الأفلام الكلاسيكية القديمة هو فيلم "عثمان وعلي" الذي أخرجه توجو مزراحي واعتبر مع عدد آخر من الأفلام التي ظهرت في العام نفسه، بمثابة الاعلان الرسمي عن السينما الواقعية، في وقت سادت السينما المصرية فيه أُفلام من نوع الميلودراما والملهاة والأعمال التي تهدف الى التسلية المطلقة. ففي العام 1939 ظهر فيلم "العزيمة" لكمال سليم، وفيلم "لاشين" الذي أخرجه الألماني فريتز كرامب وفيلم "العودة الى الريف" أول أفلام المخرج أحمد كامل مرسي.

يقول أبو شادي إن توجو مزراحي كان من أنشط المخرجين في تلك الفترة، وقد أخرج وحده ثلاثة أفلام في عام 1939 من بينهما فيلمنا هذا الذي قام بدور البطولة فيه الممثل علي الكسار الذي اشتهر بأدائه دور النوبي، وعرف لدى الجمهور الشعبي بلقب "بربري مصر الوحيد" أو لعله هو الذي أطلق على نفسه في الواقع هذا اللقب الغريب!

كان مزراحي يمتلك استديو خاصا به في مدينة الاسكندرية، وقد أسسه بعد عودته من فرنسا التي حصل فيها على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، لكنه انبهر هناك بعالم السينما وتعلم من خلال المشاهدة واشترى آلة تصوير سينمائي عاد بها الى مصر. وقد التحق مزراحي بالسينما المصرية وهو بعد في التاسعة والعشرين من عمره وصنع أول فيلم له عام 1930 هو فيلم "الكوكايين" الذي عرض في الاسكندرية باسم "الهاوية"، وكان الفيلم الروائي الطويل التاسع في تاريخ السينما المصرية.

وكان مزراحي هذا لا يكتفي فقط بإخراج الأُفلام، فلم تكن السينما قد عرفت بعد التخصصات الدقيقة المعروفة الآن، بل كان يكتب ويمثل ويخرج وينتج ويصمم المناظر ويقوم بالمونتاج ايضا. وخلال 16 سنة كان قد صنع 32 فيلما من كل الأنواع: الميلودراما والدراما الاجتماعية والأفلام الغنائية والتاريخية والكوميدية. ويعتبر مزراحي فنانا سينمائيا شاملا وواحدا من أوائل السينمائيين الذين ينطبق عليهم وصف "المخرج المؤلف" حسب التعبير الفرنسي الذي شاع فيما بعد لدى نقاد الموجة الجديدة في الخمسينات. فقد كان مسؤولا عن معظم المراحل الفنية لفيلمه كما أشرت، وكان يعبر في أفلامه عن رؤيته للعالم أيا كان رأينا فيها نحن.

كان مزراحي يهوديا، وكان أول من أدخل الشخصية اليهودية الى السينما المصرية وهي شخصية "شالوم" بائع اليانصيب في فيلم "المندوبان" عام 1934، ثم تكرر ظهورها فيما بعد في ثلاثة أفلام أخرى. ويقول المؤلف: رغم أن مزراحي كان على دراية كافية بالسينما العالمية في هذه الفترة، وهو الذي كان يتقن الفرنسية والايطالية وربما الانكليزية ايضا، ويعلم مدى ما وصلت اليه هذه السينما في مجال الكوميديا، الا أن معظم أعماله كانت تعتمد على أكبر كمية من المواقف الهازلة والنكات اللفظية التي تهدف الى اضحاك المتفرج بأي ثمن".

أما علي الكسار الذي كون مع مزراحي ثنائيا فنيا، فكان ممثلا مسرحيا مرموقا ودخل في منافسة شديدة مع نجيب الريحاني. وقد نقل شخصية عثمان عبد الباسط التي اشتهر بها في المسرح، الى السينما لكنه كان مختلفا عن الريحاني في كونه لم يكن يعرف الكتابة ولا القراءة، وقد عمل لفترة من حياته مساعد طباخ واختلط بالنوبيين واستمد منهم طريقته في الحديث باللهجة النوبية مضيفا الكثير من عنده بالطبع لكي يحقق التأثير الكوميدي.

ويعتبر فيلم "عثمان وعلي" نموذجا متكاملا لسينما علي الكسار، سينما المفارقات والمواقف الطريفة والمبالغات والاضحاك بالتعليق والنكتة وبالموقف والحركة. وفيه يقوم بدورين معا: عامل التليفونات الفقير، ومدير شركة القطن الثري. ويلعب السيناريو على التشابه الشديد بين الشخصيتين مفجرا الكثير من المواقف الضاحكة.

يقول أبوشادي "رغم بساطة القصة وسذاجتها فقد تناقلتها السينما المصرية بعد ذلك كثيرا بأساليب مختلفة، لكن مزراحي استطاع رغم ضعف امكانيات تلك الفترة، أن يقدم بعض الأفكار السينمائية الجديدة مثل استخدام الفلاش باك، أي أسلوب العودة الى الماضي (وكان من أوائل من استخدموا هذه التنمية في الفيلم المصري) وكذلك تقسيم الشاشة الى قسمين أو أكثر بدلا من استخدام المونتاج المتوازي حيث نشاهد ثلاثة أشخاص يتحدثون في أماكن مختلفة في نفس الوقت. كما نجح مزراحي في استخدام تقنيات خاصة في الانتقال من مشهد لآخر مثل المسح والاختفاء التدريجي والمزج، وصور ثلاثة مشاهد خارج الاستديو، كما استطاع التعبير عن شخصية بطله التي لاشك أن علي الكسار ساهم في كتابتها.

لا يمضي أبو شادي قدما ليدلل لنا على ما يقوله وكيف أن السينما المصرية تناولت نفس القصة في أفلام أخرة كثيرا فيما بعد، كما أنه يعتبر التقنيات التي كانت مألوفة في السينما الأميركية وقتذاك، "أفكارا" سينمائية جديدة.

فيلم "ليلى في الظلام" الذي انتجه واخرجه توجو مزراحي للمطربة ليلى مراد (وهو موضوع الفصل الثاني من الكتاب)، فهو أحد ثلاثة أفلام أخرجها مزراحي للمطربة نفسها. وقد عرض الفيلم عام 1944، ويصفه المؤلف بأنه واحد من الميلودرامات العنيفة التي سادت في تلك الفترة، وتدور أحداثه في عالم باشوات الأربعينات، ولا يظهر فيه الفقراء الا كأشرار متآمرين أو شحاذين متسولين. "عالم مخملي ترفرف على جوانبه السعادة ويقدم باشاواته في إطار انساني خلاب، فهم نبلاء وفرسان يتحلون بالخلق الرفيع ويؤثرون الفقراء على أنفسهم". ولا يكلف أبو شادي نفسه تحليل الفيلم من الناحية الفنية ورصد إشاراته وعلاماته التي ترتبط بالعصر بقدر ما يحاسبه (سياسيا) بمنطق النظرة الرسمية السائدة بعد 23 يوليو/حزيران 1952.

ويتخذ علي أبو شادي من فيلم "لست ملاكا"، سابع أفلام الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، مدخلا لطرح قضايا عدة، أولها تاريخ السينما وكيف تعرض جزء كبير منه للضياع بسبب عدم الاهتمام بحفظ النسخ السلبية أو الايجابية من الأفلام القديمة حفظا سليما حسب الطرق العلمية الحديثة. وهو يقول إن هذا الفيلم الذي اخرجه محمد كريم شأن الأفلام الستة الأخرى التي قام ببطولتها عبد الوهاب، فقدت نسخته الأصلية السالبة وايضا الموجبة تماما، وكان الفنان الكبير قد قاد حملة واسعة للبحث عن نسخة مكتملة منه لأن النسخة التي طبعت عنها شرائط الفيديو المتوفرة، جاءت مشوهة وناقصة.

ويقول أبو شادي إن التسيب واللامبالاة والاهمال جعل مئات الأفلام تضيع وتندثر، ويطالب بوجود قانون يحمي الفيلم من الضياع ويلزم المنتج بإيداع نسخة الفيلم السلبية في أرشيف الفيلم القومي. وهي دعوة قائمة في الواقع منذ سنوات عديدة لكنها لم تطبق ولا نظن أنها قابلة للتطبيق على المدى القريب، بسبب غياب النظرة الجدية للسينما عموما لدى المشرعين الذين يضعون مشاريع القوانين، ولدى المسؤولين عموما في الدولة. وهي مفارقة حقيقية، فالدولة التي لا تكف عن التباهي بالدور الذي يلعبه الفيلم المصري في الخارج من دعم الثقافة المصرية، هي ذات الدولة التي لا تكلف نفسها مجرد التقدم بتوصيات الى الاتحاد الدولي للمنتجين لحماية المنتج السينمائي من الضياع.

والحقيقة أن أبو شادي تولى بعد ذلك الكثير من المناصب الحكومية البارزة، ومنها رئاسته للمركز القومي للسينما في مصر، إلى جانب مسؤوليات عديدة أخرى حتى أنه كان يعتبر لأكثر من 15 سنة، "وزير السينما" في مصر، دون أن يحقق مشروع السينماتيك المصرية أو دار المحفوظات أو يهتم بتطوير أرشيف السينما المصرية كما كان ينبغي. ولم يفعل من تولوا المسؤولية بعده شيئا لأجل هذه القضية المثارة منذ سنوات بعيدة.

القضية الثانية التي يثيرها أبو شادي هي المقولات الشائعة خطأ في تاريخ السينما المصرية بسبب الاعتماد على النقل الشفوي دون التدوين العلمي للأحداث والتطورات. فهو يقول إن بعض مرتزقة كتابة النقد والتاريخ يقولون إن شيخ المخرجين محمد كريم هو أول سينمائي مصري درس السينما في الخارج، لكنه في الحقيقة لم يدرسها دراسة علمية بل اطلع على النشاط السينمائي فترة اثناء اقامته في ألمانيا لمدة سنة. والخلاف ليس خطيرا كما يوحي الناقد الراحل.

أما الأمر الثالث فهو أن كريم قام بتصوير أغنية "عمري ما حنسى يوم الاثنين" التي يغنيها عبد الوهاب في فيلم "لست ملاكا" بالألوان في وقت لم تكن البلاد قد عرفت بعد معامل التلوين أو الأفلام الملونة، كما صور الأغنية الأخرى في نهاية الفيلم التي يشترك في غنائها عبد الوهاب ونور الهدى بالألوان ايضا. وكان ذلك عام 1946، لكن فُقد نيغاتيف (أو النسخة السلبية) الأجزاء الملونة من الفيلم بعد أن تمت تصفية المعمل الذي حمضت به في لندن وبيعت كل محتوياته في المزاد العلني.

ويخصص المؤلف فصلا لتناول وقائع فيلم "بابا أمين" وهو الفيلم الأول للمخرج يوسف شاهين، أخرجه عام 1951. ويستعرض المؤلف الظروف السائدة في السينما المصرية وقت عودة يوسف شاهين من الدراسة في الولايات المتحدة عام 1948، مركز كثيرا على الظرف السياسي، شأنه في معظم ما يكتب، ناسبا الى شاهين الحس الفني الراقي المبكر والرغبة الشابة في التغيير وإن لم تسمح الظروف له بذلك، فقد رفض المنتجون سيناريو فيلم "ابن النيل" الذي اقتبسه شاهين عن فيلم أميركي، ثم طلبوا منه موضوعا آخر كتبه بالاشتراك مع حسن حلمي المهندس الذي عينوه ايضا مشرفا على اخراج الفيلم.

ويؤكد أبو شادي أن شاهين كان يرفض السينما السائدة بتقاليدها وأخلاقياتها، وهو رأي لا نتفق معه، فقد كان شاهين لسنوات تالية جزءا من تلك السينما السائدة الى ما بعد حرب 67 عندما بدأ يعي ويدرك أشياء كثيرة في المجتمع لم يكن يراها في مراحله الأولى. ورغم المبالغات العديدة التي ترد في هذا الفصل عن عبقرية شاهين المبكرة الا أن الحكم النهائي للناقد على فيلم "بابا أمين" يتناقض مع تلك المبالغات عندما يقول إن نهاية الفيلم هي النهاية السائدة في الأفلام التقليدية المصرية.

القناعات السياسية للمؤلف تفرض نفسها على الكثير من صفحات الكتاب وتكاد تطغى في الكثير من الأحيان على المساحة المخصصة للنقد السينمائي أو تجعل ذلك النقد يخضع خضوعا آليا لمنطق التقلبات السياسية الخاصة بمرحلة واحدة هي المرحلة الناصرية سلبا أو ايجابا. وهو الأمر الذي يصبح أكثر بروزا في الفصل الذي يتناول فيلم "ابن النيل" لشاهين، ثم فيلم "جميلة" عن نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال.

وفي تناوله لفيلم "ميرامار" لكمال الشيخ مثلا، يقول أبو شادي: لقد جاءت رؤية صانعي الفيلم مناقضة تماما لرؤية نجيب محفوظ، وقد استغلت مناخ ما بعد الهزيمة وظهور نوع من النقد الذاتي للتجربة الثورية، لتلقي بكل أحقادها دفعة واحدة، مزيفة رؤية الكاتب الكبير، متبنية رؤية طلبه مرزوق تجاه الثورة أو بمعنى أدق مختفية وراء طلبه مرزوق، لتنتقد الثورة وتبحث عن سلبياتها، مركزة عليها في تكثيف مريب، وهو ما استكمله ممدوح الليثي (كاتب السيناريو) عبر مخرجين آخرين".

ويصل الى الحكم على الفيلم فيقول ان "ميرامار يظل واحدا من أسوأ الأفلام التي دعت إلى السينما المضادة للجماهير، والتي جعلت من الثورة هدفا لسهامها السامة، وكانت تمهيدا لرياح هبوب اقتلعت الكثير من أحلام البسطاء في حياة أفضل.. ضاعت في عقد السبعينات"!

هذا النوع من الأحكام "الأيديولوجية" المطلقة التي تضع أفلاما في خانة "العداء للجماهير الكادحة" وما الى ذلك، يقلل كثيرا من قيمة كتاب يزعم صاحبه أنه "يؤرخ" لجزء مهم من تاريخ السينما لمصرية، كما يلقي بالشكوك على بعض ما يصدره الناقد من أحكام بل وعلى اختياراته التي لا تضع المعايير الفنية في المقدمة بل تغلب المعايير الأخلاقية والسياسية التي يدور حولها الكثير من الخلافات بالطبع. ومع ذلك فقيمته تكمن تحديدا من كونه يعبر أفضل ما يكون عن فكر مؤلفه في المرحلة التي
أمير العمري








من إسبانيا حيث يقيم في الفترة الأخيرة خاضعًا للعلاج من مرض دقيق، يؤكد لنا العالم الكبير الدكتور أحمد مرسي، أستاذ الأدب الشعبي بكلية الآداب جامعة القاهرة، ورئيس تحرير أهم مجلات الفنون الشعبية، والموروث الشعبي في مصر وخارجها، أن هناك حالة رعب غير مسبوقة تسود العالم حاليًا، وتختلف ردود الفعل إزاءها بين ما يطلق عليه العالم المتقدم من اهتمام واستنفار. ولذلك أسبابه الاجتماعية والسياسية، وبينما يطلق عليه العالم المتخلف من لا مبالاة، وقدرية، ولذلك أسبابه الاجتماعية والسياسية أيضًا. موضحًا أن الناس، فى الحالة الأولى، يدركون خطورة ما هو حادث وما يمكن أن يحدث من فقدانهم حياتهم في النهاية، وفي الحالة الثانية فالناس تستوي عندها الأمور لأنها لا تعيش الحياة كما ينبغي لها أن تُعاش. ولعل التعبير المصري الشائع: "هيه موته والاّ أكتر" يمكن أن يفسر لكم ما أعنيه.

وذكر الدكتور أحمد مرسي أنه في ظل سطوة هذه الجائحة، يشغله ما يشغل الناس جميعًا؛ حالة من القلق. فالجائحة أمر واقع ملموس. وهناك محاولات متعددة لمواجهتها. لكن لا أحد يعرف إلى متى؟ ولا كيف ستسير الأمور؟ ولا كيف ستنتهى؟ ولا كيفية الخروج؟

وأضاف بأنه يظن أن الأمر سيستغرق وقتًا.. قد يطول، أو يقصر.. وحالة القلق هذه لا بمكن أن تنتج أدبًا عظيمًا.. قد تنتج انطباعات لحظية.. أو قفزات.. أو صورا ساخرة.. أو تعبيرات متشائمة.. لكنها لا تنتج أدبًا عظيمًا على أية حال.
وأشار إلى أن هناك كثيرا من الأعمال الفنية سواء كانت أدبًا أو مسرحًا أو فنونًا تشكيلية وسينما صورت الأزمات الكبرى التي حدثت في العالم مثل: الحروب وغيرها، ولا يغيب عن الذاكرة أعمال همنجواي وبيكاسو وكامي وغيرهم.

وقال إن حياته تأثرت بالطبع بسبب كورونا، كما تأثرت حياة الناس جميعًا. لكن ربما يكون هو أكثر تأثرًا بسبب الظرف الخاص به الذي يجعله أكثر تحفظًا وامتثالًا للتعليمات التي تقضي بالابتعاد عن أي مصدر لأي عدوى من أي نوع، وتحدد حركته وأسلوب ممارسته لحياته العادية.

0- وذكر أن هناك بالتأكيد وجهين أو عدة أوجه لأي حدث، ولأي شيء. فهناك جانب إيجابي لما يحدث، رغم فداحة الثمن، ويظنه مهمًا جدًا سيدفع الناس والدول إلى مراجعة كل شيء بدءًا من أسلوب الحياة، وانتهاء بكثير من المسلمات في السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الدول والمجتمعات... الخ، من مثل: هل الديموقراطية الكلاسيكية المستمرة إلى وقتنا الحالي ستظل تُمارس بشكلها الموجود الأن.. ؟

1- وهل الرأسمالية بشكلها المتوحش الآن ستظل تسير على النهج نفسه..؟
2- وكيف سيكون شكل الدولة ودورها؛ سواء فيما توصف به من ديموقراطية.. ! أو توصف به من شمولية؟
وعلى صعيد أخر.. هل سيصمد ما تم الترويج له منذ عقود عن بزوغ نظام عالمي جديد؟ أم أن هذا النظام لا يزال لم يتشكل بعد، خاصة وأن هذه الجائحة قد كشفت عن كثير من العوار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فى النظام القائم إقليميًا وعالميًا، مما يحتاج كثيرًا من التأمل والتدبر.

ووافق رأينا حول أهمية التكنولوجيا التي كان لها دور كبير في إدارة المواجهة لهذه الجائحة، وأن وسائل الاتصال الحالية التي يسرتها التكنولوجيا على نحو غير مسبوق لعبت - ولا تزال تلعب - دورًا كبيرًا في التقريب بين الناس، وتيسير نقل معارفهم وخبراتهم. وآخر المستجدات فيما يتصل بهذه الكارثة الإنسانية، وكيفية مواجهتها. ولكنها بالتأكيد ليست هي المنقذ الوحيد بما نقلته، ويسرت معرفته؛ فحقيقة الأمر أن العلم وإرادة الإنسان وإصراره على تجاوز المحنة والاستفادة من دروسها لا بد من وضعه فى الاعتبار .

وجزم بأن عالم ما بعد كورونا لن يكون هو عالم ما قبلها. فالتغير - وهو من سنن الحياة - أمر مؤكد في حالتنا هذه، لكنه لن يحدث بين يوم وليلة، فسيستغرق وقتًا، لكنه سيحدث. وهذه هي عبرة التاريخ ودروسه .
وفي كل الأزمات التي مر بها العالم، تغيرت الأمور بعد انتهاء الأزمة.
وضرب مثلًا بالعداوات، والحروب التي عانت منها أوروبا قرونًا، وآخرها الحربان العالميتان خلال القرن الماضي، وما أسفرتا عنه من بزوغ قوى جديدة، والاعتراف بأن الحروب لا تحل المشكلات، بل لعلها تفاقمها.

ومن ثم بحثت الشعوب نتيجة معاناتها وخسارتها البشرية والمادية عن حلول تكفل لها الحياة في سلام، لأن إرادة الحياة أقوى.

وانتهى الأمر إلى ما نراه اليوم من تجمع أوروبى يتصور البعض أنه سينهار لهشاشته ومشاكله الكثيرة وبخاصة بعد انسحاب بريطانيا منه.

وزعم الدكتور مرسي بأن هذا لن يحدث، لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء، ولأن البديل مدمر. هذه هي عبرة التاريخ والتحولات الكبرى التي حدثت، وتحدث الآن.
وعلى الصعيد السياسي، قال: أظن أن هناك دولًا سيصعد نجمها، ويتعاظم دورها فى مقابل أخرى لن تستمر في المكانة نفسها، وبالتأثير ذاته. وربما سيستغرق ذلك وقتًا لكنه سيحدث.
بالإضافة إلى نشوء تحالفات جديدة قد تغير من شكل العالم الموجود، والقوى الفاعلة أو المسيطرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، رأى الدكتور أحمد مرسي أن النظم السياسية القائمة على الأحزاب باعتبار ذلك قمة الممارسة الديموقراطية وشكلها المثالي ستشهد تغيرات جذرية، ذلك أن الأحداث والتطورات الاجتماعية والسياسية تشير إلى تآكل هذه النظم، وفقدانها مصداقيتها. وقال إنه يزعم أن جمعيات المجتمع المدني ستقوى وسيكون لها دور فعال ومؤثر سياسيًا واجتماعيًا وستتعدد وظائفها وتتسع وتصبح أكثر إسهامًا في شؤون بلادها محليًا وعالميًا.

كما أن من تنبأوا بنهاية الدولة ككيان متماسك سيكون عليهم أن يعيدوا النظر في نبوءاتهم، فقد أثبتت الجائحة الحالية أنه لا بديل عن الدولة المركزية القوية التي تعلو على الأحزاب والتعدد العرقي.. إلخ.

وعلى ذلك ستكتسب الدولة كمفهوم وبناء قوة ويتأكد وجودها وضرورته ربما ستكتسب أليات جديدة وتتغير مفاهيم وممارسات تقليدية.. لكنها في كل الأحوال ستظل موجودة ولا غنى عنها.. لتمارس دورها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا على نحو جديد.. يفيد مما هو حادث الآن وتوابعه، يوازن على نحو واضح بين الحرية الفردية والمسئولية المجتمعية، بما لا يجود على حق الفرد، ولا يهدر حق المجتمع.

مصطفى عبدالله









مفهوم السلطة في الإسلام من المفاهيم التي يدور حولها الجدل العميق لا سيما بعد تحول السلطة في الإسلام من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، أو بالأحرى من مؤسسة إسلامية ذات كيان سياسي رصين إلى ملكية وراثية، فارتبط المفهوم بالمظان العاطفية للمواطن المسلم والذمي أيضاً، وحينما يتصل الملك بالسلطة فالفساد قاسم مشترك والشهوات تظل عنواناً معبراً عن نظرية البقاء في السلطة والحرص عليها مهما كلف ذلك الكثير من مقدرات الأمة.

ولعل هذه النظرة إلى مفهوم السلطة الدينية هو ما دفع الكثيرون إلى تبني وجهة نظر رافضة لأية سلطة تقبع تحت مسميات دينية لما حفظه التاريخ من سقطات لبعض الخلفاء، والحقيقة التاريخية تؤكد أن معظم خلفاء الملك الإسلامي تحديداً قد أخطأوا التقدير في إدارة الأمصار الإسلامية.
وقد يظن القارئ أن تعرضنا لبعض أوجه القصور لدى هؤلاء الخلفاء لا يمت بصلة إلى واقعنا الحالي، لكني أرى ما صنعه هؤلاء الخلفاء هو التفسير المنطقي لشهوة الصمت والركود التي نحياها في مجتمعاتنا العربية حتى الآن رغم ربيع الثورات الذي هب علينا دونما ميعاد.

فمثلاً يحفظ التاريخ الإسلامي بعض الوقائع السياسية والاجتماعية لخلفاء السلطة الإسلامية الذين سادوا أمتهم تحت دعاية إسلامية والإسلام منهم برئ تماماً ، فهذا هو الخليفة المقتدر، واسمه جعفر بن المعتضد تحكمت فيه أمه ـ وهي امرأة رومية غير عربية ـ وفي دولته وفي مصير الخلافة الإسلامية كلها، والتجربة التاريخية أثبتت أن كثيراً من النزاعات السياسية في الدولة الإسلامية كان مصدرها أم الخليفة. فكانت تولي وتعزل وتسجن، والخليفة في غفلة من أمره.

ولقد لبث هذا الخليفة على عرش خلافة الدولة الإسلامية العظيمة زهاء خمسة وعشرين عاماً تحت جناحي أمه، والأدهش أنه لم يخرج مع جيشه إلا مرة واحدة قتل فيها، ويعلل المؤرخون هذا إلى خوف أمه عليه من الخطر، كما أنه كان كثير الشراب. وأظنك عزيزي القارئ تتعجل نهايته ومصيره، فقد قامت الثورات ضده وضد خلافته التي لا تفيق، حتى ذبح بالسيف، وسلبت ثيابه وترك مكشوف العورة، إلى أن مر رجل من الأكرة به فستر عورته ببعض الحشائش.

ولأن الشعوب العربية مصابة بفقدان الذاكرة المستديم، ولّوا من بعده أخاه القاهر، وبالطبع هم لم يولوه الحكم، بل سار إليه طوعاً أي بالفطرة، وكان سبب توليه الحكم أي منطق السدة أنه رجل طاعن في السن. ويكفينا فخراً وعجباً ودهشة أن يكون مبرر أجدادنا في تولي الرجال الحكم هو معيار السن والعمر. المهم أن القاهر كان أهوج، وشديد الإقدام على سفك دماء المسلمين والأقباط واليهود على السواء، محباً للمال لا لإنفاقه على فقراء الدولة الإسلامية بل لتبذيره وإنفاقه على المعاصي وقبائح الذنوب، وتخيل أن مؤرخي عصره كانوا يصفوه بأنه غير مفكر في عواقب الأمور، فمن الطبيعي جداً أن تسير خلافته إلى زوال قبيح، وكانت نهايته خلعه وسمل عينيه.

ولطالما أكد غيري على ضرورة إعادة قراءة التاريخ من أجل استبصار الواقع الراهن واستشراف المستقبل الآتي من خلال تأويل الحدث وإدراك تفاصيله والوعي بمشهد سالف لتخطي عقبات الحاضر المشهود، لكن للأسف هناك توجه مقصود من الشباب شارك في صنعه نظام مبارك التعليمي والثقافي لاسيما في مصر حينما سعي بقصد أو بغير إدراك إلى تجريف العقول مما جعل طلابنا وأبناؤنا في حالى عزوف مستدام عن القراءة والمعرفة والنتيجة الحتمية لهذا السير عكس الاتجاه ستكون قاسية ساعة ما نجد أنفسنا بأيدي شباب لا يدركون ماذا كان بالأمس البعيد ولا يفطنون إلى واقعهم، ومن ثم فالمستقبل بالنسبة لهم مثل جائزة الصدفة تتحقق بغير جهد أو كلل أو تخطيط.

واستناداً إلى المقدمة المنصرمة فإننا نجد الكثير من ساكني مصر المحروسة يتجولون بالمنطقة الجغرافية المعروفة شعبيا بمصر القديمة تحديدا بشارع المعز دونما أدنى معرفة بالشخص وتاريخه سوى أنه فاتح مصر وتحويلها إلى دولة خلافة فاطمية، وهذا أمر تستحق عليه وزارتا التربية والتعليم والثقافة الحساب العسير والشديد ومن ثم العقاب الرادع بغير رحمة لأنهما أغفلتا حقائق بسيطة عن شخص استطاع بحكامه وولاته على مصر أن يغيروا من سمتها وطبائعها وأحوالها ونظم معيشتها، لكننا بحق نعيش أزمة في التعليم والثقافة والحقيقة أننا لا نواجهها بالقدر الذي نواجه به الإرهاب رغم أن الإرهاب نتيجة منطقية لفقر التعليم وترهله، وغياب الثقافة وترديها.

وسطور كثيرة يمكن خطها عن الخليفة المعز وهو الدور الذي ينبغي على وزارتي التربية والتعليم والثقافة القيام به من أجل التنوير وتفعل الثقافة وتثويرها أيضا، لكن الحضور الثقافي يفي بمشهد غير مرض عن الدور الثقافي التنويري الذي أصبح واجبا وفرض عين على التربية والتعليم في ظل واقع هيمنت عليه أخبار لاعبي الكرة الذين لن يصلوا إلى نهائيات كأس العالم نتيجة لخيبة رياضية محلية، أو أسعار حفلات المطربين الذين صار بعضهم وبعضهن نماذج صارخة للإسفاف والانحطاط القيمي والتردي الأخلاقي سواء على مستوى الكلمة والتأليف الموسيقى إن أدرك بعضهم هذا المصطلح وأخيرا الصوت الذي تم التعويض عنه إما بالعري والتعرية والملابس الساخنة والرقصات المتشنجة.

والمعز هو الخليفة الفاطمي الرابع كان اسمه الكامل ولقبه الإمام أبا تميم معد المعز لدين الله، وهو خليفة من طراز فريد كما سيأتي الحديث عن الحاكم بأمر الله أحد الخلفاء أصحاب الطراز الفريد الأكثر غرابة، والأول لا يمكن الاختلاف على براعته ويراعته السياسية في الإدارة والحكم وتسيير أحوال البلاد والعباد، وكما يصفه أحد أساطين التأريخ لمصر المحروسة المستشرق (ستانلي لين بول) في كتابه الماتع "تاريخ مصر في العصور الوسطى" بأنه قادر على الإلمام بشروط النجاح وعلى استغلال كل نقطة لصالحه.

والمعز لدين الله الفاطمي اختلف عن كل الذين قاموا بفتح مصر منذ الصحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي الله عنه وغفر له) وحتى الفتح العثماني على يد سليم الأول بأنه كان يعرف قدر مصر التاريخي والجغرافي والأيديولوجي أيضا؛ لأنه ذو ثقافة رفيعة عالية، امتهر الثقافة والمعرفة، ولقد أتقن اللغة اليونانية والبربرية وجميع اللهجات السودانية المنتشرة آنذاك، ويروى عنه أنه أتقن أيضا اللغة السلافية ليتحدث بها مع عبيده بغير وسطاء، وتذكر كتب التاريخ الإسلامي التي رصدت فترة حكمه من مثل كتاب سيرة المؤيد للشيرازي وكتاب دولة المماليك الأولى في مصر والشام لأحمد العبادي أن المعز كان يبكي سامعيه بفصاحته وهو نموذج للعدل والنبل.
وعود على ذكر المعز لدين الله الذي كان فتح مصر يمثل حلما استثنائيا له قد تحقق على يد قائده المخلص جوهر الصقلي الروماني وهو العبد المملوك من الامبراطورية البيزنطية.

والشاهد يؤكد أن امتلاك المغرب لم يكن هدفا لدى المعز بل إن طموحاته توافقت مع مصر وقدرها ومكانتها، ولأن التاريخ دوما ينبئ بخفايا الماضي فمدينة القاهرة التي تم تأسيسها وتدشينها في عهد المعز جاءت تسميتها بعلة وحجة، فلقد كان كوكب القاهر في الطالع فسميت القاهرة بهذا الاسم، وقيل إن المريخ كان في الطالع وهو قاهر الفلك فسميت القاهرة، وهو ما جاء في كتاب النجوم الزاهرة، وكتاب المقريزي "اتعاظ الحنفا". وسرعان ما فكر المعز في تحويل شقاء حياة المصريين إلى حياة كريمة فأرسل سفن القمح لإنقاذهم من محنة المجاعة وسعى إلى حكم البلاد بالعدل والحكمة لضمان السلام والنظام.

هو المنصور أبو علي الحاكم بأمر الله، الشخصية الفريدة والعجيبة في تاريخ مصر وهو الابن الوحيد لأب حكيم وحاكم أمهر، أمه نصرانية، تولّى حكم مصر وهو ابن أحد عشر عاما حينما سقط العزيز والده ميتا في حمامه بمدينة بلبيس، وحينئذ أحضره الأمير برجوان، وكان خصيا صقليا نشأ في بلاط العزيز واستبد بالسلطة منذ تولي الحاكم بأمر الله حتى قتل، من أعلى شجرة جميز أثناء لعبه ولهوه. وهذا البرجوان الذي تحمل اسمه حارة شهيرة بالقاهرة الفاطمية كان غارقا في الملذات الحسية وأسقطته السلطة واللذة والمجون وربما الثراء المفاجئ، وكانت نهايته على يد الحاكم الخليفة الصغير الذي بدأ عهده الفعلي لممارسة السلطة باغتياله.

وإذا أردنا أن نلقي ظلالا قصيرة على حكاية الحاكم بأمر الله العجيبة فإننا نقف طوعا مرة وكرها مرات كثيرة على ملامح رئيسة أبان فترة عهده العجيب أيضا، فهذا الرجل كما يسرد قصته ستانلي لين في كتابه، كانت له طريقة مروعة في التسلل بين رعاياه الأمر الذي جعل معلمه يطلق عليه لقب "سحلية"، وكان على موعد من الغرام مع الليل والظلمة، الشأن الذي أمر مجلسه الرسمي أن ينعقد في المساء وبأمره تحول الليل إلى نهار، فكانت الصنائع والحرف الوظائف كافة تسير بالليل فقط دونما النهار، ولربما تفسيرنا البسيط يشير إلى أنه رجل يخاف سطوة النهار بوضوحه وسطوعه.

والحاكم بأمر الله الفاطمي يمتلك عقدة خفية صوب النساء، هذه العقدة تمثلت في نهي المرأة عن الخروج إلى الشارع مطلقا وفرض قوانين وقيودا رادعة على النساء في عصره، فقد عمد إلى حظر ظهور النساء في النوافذ، ومنعهن من ارتياد أسطح منازلهن أيضا، وبلغ به حد الحظر إلى منع الأساكفة (صناع الأحذية) من صناعة أحذية النساء.

وبرغم هذه الكراهية غير المبررة صوب النساء، لجأ الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى إعداد وتجهيز شرطة نسائية مشتملة على جملة من الجاسوسيات داخل تجمعات الحريم لجلب الأخبار والنوادر والحكايات. ومن الحكايا الطريفة في عهد الحاكم أن المصريين وضعوا مجسما ورقيا لامرأة بشكل ساخر في الطريق، الأمر الذي قابله الحاكم بنوع من القوة والتصرف الغاضب فقام بتمزيق المجسم.

وحشية الحاكم بأمر الله وبطشه المستدام وعدم رأفته بالصغير والكبير، واضطراب معاملته وتسامحه مع اليهود والنصارى تجاوزت إلى مساحات أخرى في حياته يمكن توصيفها بالاضطراب النفسي والعقد الكامنة، هذا الاضطراب رغم معاناة اللفظة كان مدعاة للسخرية والتندر حتى وقتنا الراهن، فالحاكم أولا منع الجعة وصادر الخمور وأتلف أشجار الكروم، وهي أمور أسعدت المصريين المتدينين، لكنه في الوقت نفسه أحدث أمورا أخرى عجيبة ومدهشة. فلم يسمح بأكل الملوخية التي كان اسمها في الأصل "ملوكية" أي طعام لا يأكله إلا الملوك، وحظر لعب الشطرنج نهائيا وبالتالي تم إحراق كل رقعة أعدت للشطرنج، وأمر بقتل الكلاب أينما وجدت، وبلغ العجب بتصرفاته المضطربة أنه لم يسمح بذبح الماشية السالمة من العيب إلا في مناسبة واحدة فقط، عيد الأضحى.

إذن فالسلطة في دولة الخلافة الإسلامية ارتبطت بأذهان المواطن العربي إما بالفساد والقوة والبطش والقمع، أو بالضعف والانزلاق وراء الشهوات الشخصية والمصاب الوحيد هو الشعب نفسه، والذي حكم بدافع الإسلام وأحكام الدين بقواعد وشروط وضعها الخليفة وساسته وبطانته.

وهذا ما يخشاه المواطن العربي بصورة عامة والمصري بصفة شخصية، لأن مفهوم السلطة الدينية ارتبطت بمظانه الذهنية بصور بشعة قتلت باسم الإسلام مثلما حدث أبان الفتنة الكبرى وما بعدها في فترة يزيد بن معاوية وزياد بن أبيه وغيرها من الفتن التي عصفت بالأمة الإسلامية.

هذا لا ينفي في مظاننا نحن أن تكون السلطة المدنية قائمة على مرجعية دينية غير متشددة بل المرجعية الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ومرتكزات قوامها الشريعة الإسلامية الرصينة من اجتهاد فقهي سليم بعيد عن الغلو الذي ضايق العقل والمنطق بتشدده وفكره المغلق.
وهناك إصرار مستدام من جماعة الإسلام السياسي التي عانت عقوداً طويلة من المنع والحجب والقمع والاستبعاد الاجتماعي علي اقتناص السلطة السياسية تحت سياج ديني بغير شريك لهو أمر لا بد وأن يدعوني للتفكير من جديد في آلياتها، فإصرار الجماعة على تأسيس دولة ذات صبغة دينية، وليست دينية، لأن الدولة الدينية شيء والدولة ذات الصبغة الدينية شيء آخر تماماً، سيحدث وسط هذه الظروف التي تمر بها البلاد حالياً دون تخطيط أو معاناة في التنفيذ ومتابعتها ومراقبتها، ومن ثم تحقيق أهدافها المنشودة، وهم بذلك أشبه بالداعين إلي إقامة دولة مدنية وترسيخ أعمدتها وأركانها فهم أيضاً سيذهبون بغير وعي نحو هذا الشرك المنصوب لهم .

فربط الدين مثلاً بالعلم بصورة مستدامة يوقعنا في إشكال خطير، نظراً لاتسام العلم نفسه بالتغير والتقدم الدائم، بل إن دعوة هؤلاء المناصرين لإقامة الدولة المدنية دون ضوابط ثابتة ستجعلهم يقدمون العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض، وهذا بدوره يؤدي إلي تحريك الطائفية من جديد.
ولا شك أن فكرة الحوار بين أنصار كل اتجاه مدني وديني يتحرك نحو الصراع والعداء، فكلاهما يرى الآخر على باطل، أو إن شئنا التوصيف علي لغط لا يسانده الصواب، إلا أن أنصار الدولة المدنية أخف وطأة في الحكم علي الآخر، فهم يبتعدون تماماً عن التكفير الذي طال معظم من اشتغل بالتفكير والتأويل والتحليل وإعمال العقل.

وجماعات الإسلام السياسي منذ ظهورها كانت داعمة لفكرة الاستلاب الديني الأمر الذي جعل صاحبها يتطرق إلى مناحٍ سياسية بعيدة الصلة تماما عن الفكر الديني، بل جعلته يعقد وشائج الصلة مع كيانات وأشخاص مختلفين في الرؤية والرسالة، ولطالما سعت الجماعة منذ تدشينها في عشرينيات القرن المنصرم على ظهورها كبديل للاتجاهات المدنية الذائعة وقتئذ، والتي قدمت نفسها للشارع المصري ـ وربما رغم حالات النفي تزال ـ المالكة لكل الحلول التي تعالج مشكلات الوطن العربي بل والعالم الإسلامي سياسيا ودينيا واقتصاديا واجتماعيا. الأمر الذي جعلها تفكر في وسيلة سريعة للاستلاب وهي الانتشار عبر الصحف والمجلات والمنشورات السرية وغير السرية والخطابة بالمساجد غير متطرقين في بداية الأمر إلى شئون السياسة وإحداثياتها، بل الاقتصار على الشأن الديني المتعلق بالبدع والانحلال الأخلاقي.

لكن فكرة الاستلاب التي هيمنت على تفكير بعض تيارات الإسلام السياسي تفرض عليها رؤية معينة للواقع، وتجعلهم بذلك غريبين عن الممارسة الاجتماعية الحقيقية وعن وعي الواقع بشكل موضوعي، ولا أتعجب من قصر هذه الرؤية رغم تاريخ هذه التيارات الطويل في التخطيط والتدبير السري، لأن الوصول على سبيل المثال إلى سدة الحكم في مصر أو في تونس كان وليد الصدفة، وجاء نتيجة القفز على مكتسبات الثورتين في مصر وتونس بسبب غياب قدرة الثوار الحقيقيين على إدارة موازين المشهد السياسي قبيل خلع الرئيس السابق حسني مبارك وبعد إسقاطه.

د. بليغ حمدي إسماعيل








الفكرة الرئيسية التي تشغل الروائي المصري المهاجر الدكتور شريف ماهر مليكة، خبير علاج الألم بجامعة جون هوبكنز بولاية مريلاند بالولايات المتحدة الأميركية، مع قدوم كل صباح جديد هي معرفة ما إذا كنا قد وصلنا بعد إلى ذروة الهجمة الفيروسية الغاشمة، أم لا؟

فمن المعروف عن الأوبئة، بصفة عامة، أنها تنتشر باضطراد إلى أن تصل إلى حد معين، ثم تصل معدلات الإصابة بها إلى الاستقرار - أو التباطؤ في الزيادة - نتيجة ارتفاع معدلات المناعة بين البشر عمومًا.

وبضبف الدكتور مليكة بأن هذا يحدث بعد أحد أمرين: أن يصدر جسم الانسان أجسامًا مضادة للفيروس تقضي عليه بمجرد وصوله إليه، أو بعد اكتشاف مصل وقائي أو علاج يقضي عليه بنفس الطريقة.
والأمر التالي الذي يفكر فيه الدكتور مليكة - وربما يكون مبالغًا في توقعاته كما يشير - هو متى تنضج الدول حول العالم فيدرك البشر أننا سواسية في هذا العالم، والمصائب التي تحيق بجماعة من البشر في أي مكان، إنما تؤثر ولو بطريق غير مباشر على بقيتنا.

كما تؤرقه فكرة من ينجو ومن يهلك؟ ويتساءل: هل هي مسألة قدرية، عبثية؟ أم أن الوباء يختار ضحاياه بعناية؟!
ويطرح علينا سؤالًا آخر هو: ما هي علاقة السماء بما يحدث؟ وهل يعاقبنا الإله كما يدعي البعض؟ أم يؤدبنا فنرجع إليه، كما يدعي البعض الآخر؟ أم أن إله السموات خلقنا ثم رفع يديه عن أمرنا كما يعتقد طرف ثالث؟

ثم، والسؤال لا يزال على لسانه: ما هي الحكمة الإلهية أو القدرية وراء ما يحدث برمته؟

وعن كيفية تأمله لوضع البشرية في ظل جائحة كورونا التي تجتاح العالم من مشرقه إلى مغربه، ومن شماله إلى جنوبه يقول: أود التنبيه أولًا إلى أننا لا نزال - كما أعتقد - في أولى مراحل الوباء. لذلك فمن الصعب جدًا النظر في التحولات الآنية ثم استقراء الصورة العامة للبشرية، من خلال تلك التحولات.

وثانيًا، لم أشهد شخصيًا، مثل الغالبية من الأحياء عبر هذا الكوكب، مشهدًا كهذا؛ فالوباء الأخير الواسع الانتشار حول العالم، مثل هذا الذي نمر به، لم يحدث منذ وباء "الإنفلونزا الإسبانية" في عام 1918 الذي اجتاح العالم قديمًا، وأصاب 500 مليون حول العالم، أي ثلث البشر آنذاك، وقتل وقتها 50 مليونًا حول العالم.


لذلك يقول الدكتور مليكة إنه يعتقد أننا لا نزال في بداية الوباء. ولهذا السبب يجد البشرية وقد تسمرت في مكانها، وكأن المفاجأة المدوية قد شلت حركتها تمامًا.

وثالثا، يجد ردود أفعال الدول والشعوب تتفاوت ما بين تهويل أو تهوين بجسامة أمر هذا الوباء. ويتعجب من هؤلاء الذين تحولوا - ربما من هول المفاجأة - إلى الانصراف عن خطورة أمر الفيروس القاتل، وتحولوا إلى لعبة السياسة القذرة، يهاجمون خصومهم السياسيين تارة، أو يتشفون في ازدياد أعداد الضحايا لدى دول لا يتفقون معها.
والحال ليس أفضل عند بعض المتدينين الذين انصرفوا يعلنون أن غضب الله قد انطلق يدمر الكافرين والمنصرفين عنه - من وجهة نظرهم الضيقة - التي لا تفقه أن الله هو خالق البشر أجمعين.

ويرى الدكتور مليكة أن الإنسان دأب في كل وقت وزمان على الإتيان بفن، يصف الأهوال التي تحيق به. فمن مسرحية "أوديب ملكا" التي كتبها "سوفوكليس" بين عامي: 430 و426 قبل الميلاد، تحوي اثنين من أعظم الأهوال: قتل الأب، وسفاح القربى، الذي أثار غضب الآلهة التي أرسلت "الطاعون" إلى مدينة "طيبة"، إلى قصص "ديكاميرون" لـ جيوفاني بوكاتشيو 1353 الكاتب الإيطالي الذي كتب سلسلة قصص تبلغ مائة قصة، عبر حلقات متسلسلة تدور حول الإغواء ونساء شهيرات بعد "طاعون 1348".

وفي العصر الحديث نجد "الطاعون القرمزي" لجاك لندن 1912، وهي قصة مستقبلية لما بعد نهاية العالم، عندما يتبقى رجل واحد فقط بصحبة مُهر وكلبين، بعد طاعون قضى على جميع من حوله، إضافة إلى عدد قليل من البشر يحاولون إنشاء مجتمعهم الخاص، دون ماضٍ ولا ذكريات.

ويصل الدكتور مليكة إلى رواية "الطاعون" لألبير كامو 1947، وهي سجل للحياة اليومية في "وهران"، المدينة الجزائرية، بينما يتفشى وباء الطاعون فيها. وهي تذكرنا بـ"حرافيش" نجيب محفوظ التي كتبها عام 1977 والتي يقول فيها في الفصل 31 من حكاية عاشور الناجي: "تفاقم الأمر واستفحل. دبت في ممر القرافة حياة جديدة.. يسير فيه النعش وراء النعش. يكتظ بالمشيعين. وأحيانًا تتابع النعوش كالطابور. في كل بيت نواح. بين ساعة وأخرى يعلن عن ميت جديد. لا يفرق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل، إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء.

وترامت أخبار مماثلة من الحارات المجاورة فاستحكم الحصار. ولهجت أصوات معوجة بالأوراد والأدعية ولاستغاثة بأولياء الله الصالحين."

ثم لا يمكن أن تفوتنا رواية "البلاء" لستيفن كينج 1978 إذ يتخيل كينج انتشار مرض الطاعون نتيجة تسربه من مختبر للجيش الأميركي، بنسبة إصابة تقارب 100%، يتبقى عدد قليل من الأفراد على قيد الحياة، يسعون للانضمام إلى الأم "أبيغيل"، وهي امرأة سوداء تبلغ من العمر 108 سنوات، ويعتمدون عليها في خلاصهم.

وأخيرًا "الحب في زمن الكوليرا" لجابرييل جارثيا ماركيز 1985 إذ تقع أحداثها في نهاية القرن التاسع عشر، في بلدة كاريبية صغيرة، حيث يقع عامل تلغراف شاب في غرام تلميذة جميلة، ويقسمان على الزواج والحب الأبدي، لكن كما في العادة، تزوجت "فيرمينا" من طبيب شاب يعمل على مكافحة وباء الكوليرا، فيتحول "فلورنتينو" إلى عاشق أزلي، مكافحًا لأن يصنع لنفسه اسمًا وثروة، متمسكًا بحبه في الخفاء، ينمو عشق "فلورنتينو" بداخله باهتزازات تشبه اهتزازات المرض، فيغزو الحب جسده كالجرثومة، يفشل في استخراجها من جسمه، فتصير الكوليرا رمزاً لمشاعر الحب التي تجتاح روحًا مضطربة لشاب عاشق.

وعلى الرغم من أنه أحد كبار الأطباء على مستوى العالم، فإن هذه الجائحة أثَّرت كثيرًا في حياته، وعن هذا الجانب يقول الدكتور شريف مليكة: أنا شخصيًا كطبيب يحيا في الولايات المتحدة، أثر هذا الوباء بطريقة مباشرة على حياتنا هنا. فمن ناحية، مكثنا بين جدران بيوتنا لا نبرحها إلا للضرورة القصوى، ومع الأخذ في الاعتبار الإجراءات الوقاية المقيتة من ارتداء الـ"ماسك" الخانق، إلى ارتداء القفاز أو أحيانًا جوزين؛ واحدًا فوق الآخر، ثم غسل الأيدي ثلاثين مرة في اليوم الواحد حتى تقشف جلدي.

لكن التأثير الأهم كان في منعي من ممارسة رسالتي الأثيرة بالنسبة لي والمتمثلة في إجراء عمليات للحد من شدة آلام المرضى لدي، إذ اعتُبرت تلك العمليات غير مستحبة في هذه الظروف التي تتطلب الإبقاء على غرف العمليات والمستشفيات متاحة فقط لإنقاذ مرضى الفيروس اللعين.

لكنني تغلبت على بعض الإحباط بالقراءة ومشاهدة الأفلام وسماع الموسيقى، ثم الكتابة إذا أتاحت القريحة مجالا في ظل تلك الحالة النفسية السيئة.

وأصبحت معظم أيامي مرتبطة بمتابعة شريط الأنباء الأسود الملقي في وجهي بأرقام الموتى والمصابين والمتعافين في كل مكان.

إضافة إلى هبوط وارتفاع أسهم البورصة التي تحمل في طياتها مستقبل أيامي حين أبلغ سن التقاعد، في حال انتصرنا على الفيروس بالطبع!

وعندما أسأله عن الإيجابيات التي يمكن أن تعود على الإنسان من هذه التجربة المريرة، يصمت الدكتور مليكة معترضًا على السؤال، ثم يقول: لا أعتقد أنه يمكن أن يوجد مردود إيجابي لموت إنسان واحد، فما بالك بالآلاف الذين يتساقطون كل يوم.
لكنني أتطلع كما ذكرت سابقًا إلى أن يتفهم الإنسان أنه لا يتميز قوم عن قوم، ولا بشر فوق بشر، وإننا جميعًا نقف ضعفاء في مواجهة ذلك الفيروس الخفي.

ومع ذلك فأنا أتطلع لأن يستفيق العالم بعد انزياح الكرب فيقفون أكثر اقترابًا الواحد حيال الآخر، بعد أن أجبرهم الفيروس على التباعد. وأن يتحلى الجميع بالنظافة لأنها المنقذ من العديد من الآفات التي تحيق بنا. وأن يستثمر البشر في صحة الإنسان أكثر من الاستثمار في تدميره.
أتمنى أن يدرك أصحاب الديانات حول العالم أن الكنائس والمساجد والمعابد بأنواعها صارت خاوية بأمر من الفيروس، وأصبحنا لأول مرة متحدي الصف نتضرع إلى إلهنا من أعماق قلوبنا من دون الإعلان عن انتماءاتنا العقيدية.

كما أتمنى - وإن كنت لا أعتقد في إمكانية حدوث ذلك - أن يتنازل البشر أينما كانوا عن تلك النظرة الفوقية التي يتعاملون بها مع أقرانهم لسبب العرق أو الجنس أو الدين.
وعلى الجانب الطريف، فلم أقرأ مثل هذا العدد من النكات المتداولة بين البشر في كل مكان في العالم، ولكن على نحو مركز - بالنسبة لي - تلك القادمة من مصر. فالمصريون يتمتعون بتلك القدرة على الضحك من الحاضر الأليم، بل والسخرية من المستقبل الغامض على ضوء ذلك الحاضر. لقد فعلوها من قبل - في حياتي - عند هزيمة عام 1967، وفي أعقاب ثورة يناير 2011، ثم بعد اعتلاء الإخوان المسلمين كرسي الحكم، واليوم في مواجهة الوباء القاتل.

لذلك فقد أسهمت هذه الطُرف الآتية من مصر في محو ولو جزء بسيط من شعوري بالألم والإحباط، مثل: "على فكرة اللي يلبس الكمامة ويقلعها يبقى ما كانش لابسها عن اقتناع!"
يا لها من عبقرية في السخرية من الواقع الاجتماعي والسياسي معًا.

وعن تقديره لأهمية الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في إنقاذ للبشرية من تبعات هذه العزلة التي فُرِضَتْ على البشر، يجيب قائلا: رغم أن السؤال يحمل في طياته نظرة مستقبلية لم تتحقق بعد، إلا أني أثق في أن العلم وأهله هم من سينقذون البشرية من تبعات هذا الوباء الفتاك.

لقد عرى الوباء حقيقة كانت قد غابت عن أذهان الساسة، وهي أنهم رغم القوة والجبروت، لم يكونوا مستعدين أبدًا لمواجهة مثل هذا الوباء بالغ الضآلة!

فالطب -على سبيل المثال - بات مهتمًا باكتشاف علاجات الأمراض المعروفة، الشائع منها والنادر. ولكن القائمين على تنفيذ السياسات الطبية حول العالم فشلوا في إيجاد حلول جذرية لمجابهة وباء يجتاح العالم بهذه الصورة البشعة!
لذلك فقد استعانوا بالعلم مجددًا، ليس فقط من أجل إنقاذهم من الوباء المستشري، بل لإيجاد مصل يقينا الإصابة به في المستقبل، إذا ما استيقظ خطره مجددًا.

كما أن الساسة - على الأقل هنا في الولايات المتحدة الأميركية - يعلنون كل يوم عن استحداث خطط للحيلولة دون حدوث أمر جلل كهذا في المستقبل، بإيجاد خطة محكمة للتعامل مع الأمراض والأوبئة المماثلة، كما هو الحال في مواجهة الكوارث الطبيعية التي تشهدها أميركا كل عام تقريبًا.
وكعادته دائمًا يميل صديقي الروائي والطبيب الشهير شريف مليكة نحو التفاؤل في إجابته عن سؤالي حول مستقبل العالم بعد انزياح هذه الجائحة المباغتة للكون كله، وذلك بسبب ما يشهده أمامه من تغير نوعي في العلاقات ما بين البشر في الدولة الواحدة، وما بين الدول بعضها وبعض.

فلقد كف البشر عن صلفهم وغرورهم الطبقي على سبيل المثال، ووجدنا الكل يهرع إلى إغاثة الضحايا بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العقائدية؛ فأميركا، مثلًا، مدت يد العون لإيران، والصين الشيوعية، ولإيطاليا الكاثوليكية، وغنى إلتون جون البريطاني المثلي الجنس عبر قنوات "فوكس" الأميركية بالغة المحافظة، وتبرع الأثرياء بمئات الملايين من الدولارات من أجل شراء الدواء والغذاء للفقراء حول العالم، وتحول العلماء على سطح الكرة الأرضية إلى جبهة واحدة يتبادلون معًا نتائج البحوث والاكتشافات لا لشيء سوى انتصار البشر ككل على هذا الوباء الفتاك.

فهل تنتقل تلك الطفرة النوعية التي نشهدها لأول مرة في حياتنا، إلى ما بعد اندثار الوباء؟ بالتأكيد نحن نأمل أن تصير تلك المواقف والسلوكيات الإيجابية واقعًا نحياه في كل يوم من أيام حياتنا، بل وفي حياة أبنائنا وأحفادنا على هذه الأرض.

ويضيف مليكة بأن الشق الثاني من سؤالي عمن سيحكم العالم بعد انزياح الجائحة، يدفعه نحو الحذر من مثل ذلك التفاؤل. فمازال الصراع الوجودي القائم بين البشر، يدفع بهم نحو التنافس حول من ينتصر على من؟ ومن سيحظى في النهاية بالكعكة؟ فيبقى الخطر الأزلي الذي يحول بين المستقبل الوردي الذي نرجوه، والواقع العملي الذي - لا محال - سيحيق بنا.

ولكن إذا أردنا التخمين عمن سيفوز بالكعكة في نهاية الأمر، فأنا أعتقد في أمرين؛ أولهما أن صاحب العلم والمال وقوة السلاح سينتصر، والأمر الثاني أن الوصول إلى القمة يحتاج إلى خطة ذات عدة شروط لتحقيقها؛ فعلى سبيل المثال لا يخفى على أحد سعي الصين الدؤوب نحو تبوء صدارة اقتصاد العالم. لكنني لا أتوقع نجاح الصين في الوصول إلى حكم العالم لسببين؛ فالصينيون لم يهتموا بالعلم والاختراع بالقدر الكافي، وإنما لجأوا إلى تطبيق علوم الآخرين، وتنفيذ نتائجها بكميات كبيرة، رخيصة الثمن، أدت إلى استحواذهم على السوق العالمية، فازدادت ثرواتهم، وانتعش اقتصادهم بصورة ملفتة.

ولكن ذلك لم يواكبه علم راسخ الأركان يضيف للإنسانية، ولا يكتفي بالانتفاع منها. وذلك بعكس ما شهده التاريخ من أمر الأمم التي حكمت العالم، بدءًا من المصريين القدماء، عبر الإغريق ثم الرومان، فالعرب والعثمانيين، وصولًا إلى الفرنسيين، ثم الإنجليز. وأخيرًا الأميركيين.

مصطفى عبدالله








أفادت فضائية سكاى نيوز أنه تمت سرقة لوحة للفنان العالمى فان جوخ من متحف هولندا أثناء إغلاقه بسبب أزمة وباء كورونا.

يذكر أن أحدث تفشى "فيروس" كورونا فى الأونة الأخيرة، أثرت سلبيا على عالم الفن التشكيلى، بشكل عام وعلى الفنان العالمى فان جوخ بشكل خاص حيث كان من المقرر أن تعرض لوحة "عباد الشمس" الشهيرة للفنان الهولندى فان جوخ، لكنها احتجزت فى الحجر الصحى فى طوكيو، كانت اللوحة الفنية فى طريقها لتعرض فى معرض لندن الوطنى إلى متحف طوكيو الوطنى للفنون الغربية كجزء من معرض "روائع من المتحف الوطنى".

جدير بالذكر، أن رسومات فان جوخ تعد من القطع الأكثر شهرة وشعبية وأغلاها سعرًا فى العالم، عانى من نوبات متكررة من المرض العقلى، توجد حولها العديد من النظريات المختلفة وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءًا من أذنه اليسرى، كان من أشهر فنانى التصوير التشكيلى، اتجه للرسم التشكيلى للتعبير عن مشاعره وعاطفتة، فى آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.









على الرغم من اعتبار التجنيس الأدبي مبدأ تنظيميا للنصوص الأدبية، وآلية مهمة لضبطها وتصنيفها، وبالتالي خضوعها للنقد، فإنه يعد من النظريات الأكثر جدلية في تاريخ الأدب مند ظهور كتاب أرسطو الشهير "فن الشعر" الذي وضع من خلاله ثلاثة أقسام للأدب: الغنائي والملحمي والدرامي، مؤكدا بذلك على الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية وعدم الخلط بينها.

منذ ذلك الحين مرت عملية التجنيس بمراحل مهمة حاول خلالها مجموعة من المنظرين والدارسين تطوير هذه النظرية لملاءمتها مع الحساسيات الإبداعية الجديدة العصية أحيانا كثيرة عن التصنيف، والمتمردة على الأنماط الكلاسيكية للأدب، وفي هذا الصدد نذكر: هوراس، هيجل، لوكاتش.

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، جاءت الثورة على نظرية الأجناس الأدبية حيت عبر موريس بلانشو (Maurice Blanchot) في كتابه (Le livre à venir) عن موت الجنس الأدبي لصالح الأدب الواحد، وطالب أيضا رولان بارت (Roland Barthes) بإلغاء الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية.

كما أن الكتابات الأدبية المعاصرة أصبحت تتجاوز التصنيفات والأنماط التقليدية وتحطم حواجزها وركائزها الصامدة مند قرون، مستخدمة مفاهيم عديدة: التجريب والحداثة وغير ذلك، فأصبحنا أمام رواية شعرية وقصة فلسفية وقصيدة الدراما.

صحيح أننا الآن أمام أجناس أدبية تمتزج فيما بينها وتخترق خصوصية بعضها إلا أن الاشتغال خارج التجنيس هو بمثابة تجنيس جديد وإعلان ميلاد جنس جديد، سرعان ما يتبلور ليضع حدوده الجديدة ويدافع عنها باستماتة ويحاكم كل من يخترقها. في نظرنا، هذا أمر طبيعي ومطلوب من أجل تطور الأدب لأنه يلائم حركة التاريخ ولا يخالفها.


لكن الأهم في ظل ما سلف، هو علاقة النقد بالنص الأدبي التي ما تزال تثير أسئلة شائكة حول المنهجية المعتمدة والأساليب التي يتعين على الناقد إتباعها لقراءة النص والحكم على قيمته الأدبية من غير الإضرار به أو التبخيس من قيمته الإبداعية عبر حشره قسرا في قالب أدبي لا يناسبه، خاصة أمام نصوص فريدة فنيا، تخترق كل المعاير المعروفة وتنسج لها مميزات جمالية خاصة وأسلوبا مختلفا وبنية جديدة، تنهل أحيانا من الفلسفة والعلوم الإنسانية أو حتى من العلوم الحقة: كالفيزياء الكمية وغيرها.

أكيد أن تطور الإبداع الأدبي يبدو في الكثير من الأحيان أصعب وأعقد في مسيرته من إدراك ومتابعة النقاد لجميع خصائصه الفنية المتجددة لكن علاقة النصوص بالنقد الأدبي تبقى ضرورية للطرفين. وهذا ما يدعو جديا إلى تبني مناهج وأساليب مختلفة وغير تقليدية لدراسة المنجزات الأدبية وترصدها دونما خلفية مسبقة، والتعامل مع هوية النص بحذر من غير صبه في قوالب جاهزة لا تناسبه بالضرورة، وخلخلة كل البنى القائمة من أجل نقد بناء لصالح الإبداع.
الإبداع الأدبي يتجاوز كل النظريات، وحصره في نظرية جامدة هو موت له.

أحمد العكيدي










بينما يعيش العالم في أمواج من الهلع سببها فيروس كورونا، أطل فيروس هانتا برأسه ليزيد العالم رعبا على رعبه.
البداية كانت بنشر الصحيفة الصينية «غلوبال تايمز» خبرا عن وفاة رجل صيني أثناء عودته من العمل في حافلة أمس الاثنين، وأظهرت التحاليل إصابته بفيروس هانتا، ومن ثم أجريت اختبارات لاثنين وثلاثين شخصا كانوا على متن الحافلة لمعرفة ما إذا كانت انتقلت العدوى إلى أحدهم.

لكن «هانتا فيروس» ليس جديدا ويعرفه العالم منذ عام 2012، ويسجل حالات في معظم الدول ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية التي تسجل حالات منذ 2018.

وبحسب مركز «السيطرة على الأمراض والوقاية منها» الأميركي فإن متلازمة فيروس هانتاف الرئوية (HPS) هي مرض تنفسي شديد وقاتل في بعض الأحيان في البشر.
ومن النادر انتقاله بين البشر، وينتقل عبر التعرض مباشرة إلى فضلات القوارض.








أصبح العالم في حالة إغلاق؛ فالأماكن التي كانت تعج بصخب الحياة اليومية وضجيجها أضحت مدن أشباح بعد فرض قيود هائلة - من عمليات الحجر المنزلي وإغلاق المدارس إلى قيود السفر وحظر التجمعات العامة.

جاء ذلك ردا على تفشي مرض قاتل. لكن متى ستنتهي الأزمة؟ ومتى نتمكن من مواصلة حياتنا؟

يعتقد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن المملكة المتحدة قد "تعكس مسار" تفشي المرض في غضون الأسابيع الـ12 المقبلة.

لكن حتى إذا بدأ عدد الحالات في الانخفاض في الأشهر الثلاثة المقبلة، سنظل بعيدين عن نهاية الأزمة.

فقد يستغرق إيقاف انتشار الفيروس وقتاً طويلاً - وربما سنوات.

ومن الواضح أن الاستراتيجية الحالية القائمة على عزل أجزاء كبيرة من المجتمع ليست مستدامة على المدى الطويل، فالضرر الاجتماعي والاقتصادي سيكون كارثيا.

وما تحتاجه البلدان هو "استراتيجية خروج" - أي طريقة لرفع القيود والعودة إلى وضعها الطبيعي.

إلا أن فيروس كورونا لن يختفي.

وفي حال رفع القيود التي تعوّق انتشار الفيروس، فسيرتفع عدد الحالات حتماً.

ويقول أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في جامعة إدنبرة، مارك وولهاوس: "لدينا مشكلة كبيرة في ما يتعلق باستراتيجية التخلص من المرض وكيفية تحقيق ذلك"، واستطرد موضحا: "ليس في المملكة المتحدة فقط، لا توجد دولة لديها استراتيجية خروج".

إنه تحد علمي واجتماعي كبير.

وهناك ثلاث طرق رئيسية للخروج من هذه الفوضى:

تطوير لقاح
تطوير ما يكفي من الأشخاص للمناعة من خلال الإصابة
أو تغيير سلوكنا/مجتمعنا بشكل دائم

هذه طرق من شأنها أن تحد من قدرة الفيروس على الانتشار.



ولا يمكن للفيروس أن يتفشى في حال تمّ تحصين ما يكفي من الناس، حوالي 60 في المئة من السكان منه، وهو المفهوم المعروف باسم "مناعة القطيع".

وحصل أول شخص على لقاح تجريبي في الولايات المتحدة هذا الأسبوع، بعد أن سُمح للباحثين بتخطي القواعد المعتادة لإجراء الاختبارات على الحيوانات أولا.

وتجري أبحاث من أجل تطوير اللقاحات بسرعة غير مسبوقة، لكن ليس هناك ما يضمن نجاحها.

ويمكن أن يصبح اللقاح جاهزا بعد 12 إلى 18 شهراً في حال مضى كل شيء بسلاسة. وهذا وقت طويل اذا نظرنا إلى القيود الاجتماعية غير المسبوقة المفروضة حالياً.

وقال وولهاوس لـ"بي بي سي": "انتظار اللقاح لا يجب أن يعتبر استراتيجية، هذه ليست استراتيجية".

وتتمثل استراتيجية المملكة المتحدة قصيرة المدى في خفض عدد الإصابات قدر الإمكان لعدم استنزاف المستشفيات - إذ عندما تنفد أسرّة العناية المركزة، سترتفع الوفيات.

وبمجرد احتواء الحالات، قد يسمح ذلك برفع بعض الإجراءات لفترة - حتى ترتفع الحالات مرة أخرى ثم نحتاج إلى جولة جديدة من القيود.

وقال كبير المستشارين العلميين في المملكة المتحدة، السير باتريك فالانس، "وضع حدود زمنية مطلقة للأشياء غير ممكن".

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تطوير ما يُعرف بـ"مناعة القطيع" حين يصاب المزيد والمزيد من الناس بالفيروس.

لكن ذلك قد يستغرق سنوات، وفقا للأستاذ نيل فيرغسون من جامعة إمبريال كوليدج في لندن.

وقال فيرغسون: "في النهاية، إذا واصلنا ذلك لمدة تزيد عن عامين، فربما يكون جزءا كافيا من المجتمع في تلك المرحلة قد أصيب بالعدوى، بصورة توفر درجة معينة من الحماية المجتمعية".

لكن هناك علامة استفهام حول ما إذا كانت هذه الحصانة ستستمر لوقت طويل؛ إذ تؤدي فيروسات كورونا الأخرى إلى استجابة مناعية ضعيفة جدا، ويمكن للناس التقاط الفيروس نفسه لمرات عدة في حياتهم.
البدائل - لا توجد نقطة نهاية واضحة

قال البروفيسور وولهاوس "الخيار الثالث هو التغييرات الدائمة في سلوكنا التي تسمح لنا بالحفاظ على معدلات انتقال منخفضة للعدوى".

وقد يشمل ذلك الإبقاء على بعض الإجراءات التي تمّ وضعها، أو إجراء اختبارات وعزل صارم للمرضى لمحاولة احتواء أي تفشي.

ويمكن أن يساعد تطوير أدوية تعالج فيروس كوفيد-19 في نجاح الاستراتيجيات الأخرى.

وقد تستخدم هذه الأدوية بمجرد أن يظهر الأشخاص أعراضاً، في عملية تسمى "التحكم في النقل" لمنعهم من تمرير العدوى إلى الآخرين.

وربما تفيد في علاج المرضى بالمستشفيات لجعل المرض أقل فتكاً وتقليل الضغوط على أقسام العناية المركزة. وهذا سيسمح للبلدان بالتعامل مع المزيد من الحالات قبل الحاجة إلى إعادة تفعيل الحجر المنزلي.

ومن المفيد أيضا زيادة الطاقة الاستيعابية لوحدات العناية المركزة؛ إذ سيساعد ذلك في التعامل مع تفشي المرضى على نطاق أكبر.

سألتُ كبير المستشارين الطبيين في المملكة المتحدة، البروفيسور كريس ويتتي، ما هي استراتيجية الخروج من أزمة فيروس كورونا.

ورد قائلا: "على المدى الطويل، من الواضح أنّ اللقاح هو أحد سبل الخروج من هذا، ونأمل جميعاً أن يحدث ذلك في أسرع وقت ممكن".

وتوقع أن "يتوصل العلم إلى حلول على مستوى العالم".








تحفل مسيرة الشاعر الفرنسي بول إيلوار بالثراء على المستوى الفني والفكري والإنساني، فهو شاعر الحب والسلام والنضال من أجل الحرية العمل الحزبي السري، شاعر الدادية والسيريالية والمبادئ السياسية، حتى ليقول عنه الناقد ريمون جان "انتقل مركز الثقل في شعر إيلوار اليوم. لم تعد المقاومة ـ أو الفترة التي تلتها ـ اللحظة الكبرى في تاريخ الشعر، وأصبحت السيريالية ممثلة لتلك اللحظة، وإذا سلمنا أن إيلوار شاعر سيريالي كبير، فإن الذين يوقفون مؤلفاته عند مرحلة معينة من تطورها يفرغونها من اتجاهها اللاحق. ويؤكد البعض على الفترة الدادية في حياة إيلوار قائلين إنها يجب أن تكتشف، بينما يقول البعض الآخر إن إيلوار شاعر الحب أولا وقبل كل شيء خاصة في كتاباته الأخيرة، ويقف فريق ثالث عند كل ما يتعلق بالنظر والرؤية والصور.. إلخ".

قدمت د.سامية أسعد لمختارات إيلوار الشعرية الصادرة أخيرا عن الهئية العامة لقصور الثقافة، بقراءة مهمة ألمت فيها تجليات سيرته والانعكاسات الفنية والفكرية والإنسانية التي لعبت دورا مهما في تشكيلها، انطلاقا من أول حدث مهم في حياته حيث بصق دما من فيه، ليقطع دراسته ويذهب إلى مصحة وهو في عمر السادسة عشرة ويتوقف عن الدراسة، ليستعيض عنها بالثقافة الشخصية العميقة، فيقرأ الكتاب المحدثين والمعاصرين له أكثر من الكتاب الكلاسيكيين، وهكذا اكتشف نيرفال وبودلير ولوتريامون والرومانسيين والإنجليز. ثم اكتشفه للحب مع زوجته الأولى جالا ثم الثانية نوش وأخيرا دومينيك، لأن الحب في نظره "ذات الاكتشاف دائما". مرورا بمشاركته في الحرب العالمية الأولى ومقاومته للاحتلال الفاشي في الحرب العالمية الثانية، وأخيرا رحلاته إلى البلدان الأوروبية التي قاست ويلات الحرب.

رأت د.سامية أن حياة إيلوار اختلطت لفترة ما بتاريخ الحركة السيريالية، حيث كان ممثلا لذلك الجيل الذي رأى في العاصفة التي اجتاحت أوروبا عامة وفرنسا خاصة مدعاة لرفض كل القيم الموروثة، رأى أنه لا بد في البداية من هدم كل شيء وإعادة النظر في كل شيء. وطالب بلغة جديدة، واشترك في تحرير أول نص سيريالي جماعي "جثة". والمقصود بالجثة هنا الكاتب أناتول فرانس. وانضم مع كل من أراجون وبريتون إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1926. وعبرت عن هذه الفترة من حياته أعمال مهمة تدل على نضج فني وفكري ملموس نذكر من بينها "عاصفة الألم" 1926 و"الحب الشعر" 1929.

وأشارت إلى أن إيلوار اشترك في صياغة التاريخ المعقد للعلاقة بين الحركة السيريالية والحزب الشيوعي، وبالتالي تأثر بتطور تلك العلاقة والتقلبات التي تعرضت لها والمتناقضات التي اتسمت بها. ظل يساير السيرالية طوال الفترة التي وضعت نفسها فيها خدمة للثورة، وحتى بعد أن قطع صلته بالحزب الشيوعي، ظل شاعرا سيراليا ثوريا مخلصا.

وقالت د.سامية أن إيلوار عرف على عكس أي من زملائه خلال الثلاثينات كيف يوفق بين إخلاصه لتعاليم بريتون وإخلاصه للمعركة التي اختار أن يخوضها ضد كافة ألوان القهر والظلم، لكن كان لا بد للقطيعة من أن تأتي. ولا شك أن ميول إيلوار السياسية، وتطور موقفه الشعري ولغته التي أصبحت أكثر ميلا إلى الوضوح وأسهل في وصولها للناس ـ كانوا من بين الأسباب التي أدت إلى هذه القطيعة. وعندما وعي إيلوار طابع كتاباته المبتكر داخل إطار السريالية، جمع النصوص الجمالية التي كتبها عن الشعر والرسم في ديوان مهم أسماه "ما يقدم للرؤية" 1939، وواصل كتابة القصائد العاطفية التي تعكس سعادته مع زوجته الثانية "نوش".

وأضافت "عندئذ بدأ نشاطه النضالي الذي لا ينفصل عن نشاطه الشاعري، فكتب دواوين سريالية أخرى "الحياة المباشرة" و"الوردة العامة" 1934 و"العيون الخصبة" 1936، واشترك في المناقشات السياسية والأدبية والفكرية التي ثارت في تلك الفترة. في الوقت الذي استمرت فيه مغامراته الداخلية الحسية في صمت، واستمرت فيه اكتشافاته في المجالات كافة ومجال الحب خاصة.

وتذكر د.سامية أنه عندما جاءت الحرب العالمية الثانية وجاء الاحتلال، رد الشاعر بنداء إلى الأخوة والأمل والثورة عند الحاجة. وانتشرت قصيدة "حرية" في كافة أرجاء العالم الحر جاعلة منه شاعرا شعبيا أشهر من ذلك الذي اشتهر بدواوينه السريالية. وهذه القصيدة أشهر مثال للأبيات التي تقول الكثير بكلمات قليلة، وهي تنتظم وكأنها قصيدة حب تمجد امرأة يذكرها الشاعر ولا ينطق بها بل يكتبها فقط.

وفيما عدا الايقاع المتميز والبناء القائم على التكرار لا تتحدث هذه القصيدة إلا عن أبسط الأشياء المكونة للعالم. ووجّه إيلوار جل نشاطه للمقاومة. واشترك في تأسيس اللجنة الوطنية للكتاب في المنطقة المحتلة. وكان عليه أن يأخذ الحذر، وأن يتجنب مسكنه ما أمكنه ذلك. واضطر إلى أن يختبئ لفترة في مستشفى للعلاج النفسي وكان يوقع قصائده المقاومة بأسماء مستعارة وفي عام 1944 جمعها تحت عنوان "في اللقاء الألماني"، أنشودة جنائزية عظيمة، أنشودة الذين أعدموا والرهائن والشهداء وكل من سال دمه لكي يظل الأمل حيا.

وتابعت: ازداد التزام الشاعر وازداد تبصرا ودخل إيلوار تلك الفترة التي أصبح فيها شعره سياسيا، وطابقت فيها أفعاله مبادئه السياسية، فكتب "القصائد السياسية" عام 1948، وأصبح سفيرا متنقلا للسلام ورسولا لكتابة الشعر النضالي من أجل سعادة الإنسان والحرية والديمقراطية، خلال الرحلات العديدة التي قام بها في البلاد الأوروبية وغيرها التي قاست من ويلات الحرب وأعلن الانتصار على الفاشية فيها عن بدء عهد جديد.

وأوضحت د.سامية أنه أثناء الحرب العالمية الثانية ذهب إيلوار إلى أبعد حدود الالتزام، في الوقت الذي ظل فيه شاعرا بكل ما في الكلمة من معان، وقيل أن شعره ابتعد عن الشعر عندما اتجه إلى السياسة، لكن الحرب على عكس ذلك جعلته يفكر مرة أخرى في معنى الشعر ورسالته، ومنذ 1944 بيّن في "نقد الشعر" كيف أن موت شاعر واحد قد يكفي لإعادة النظر في الشعر كله، ونقده ومناقشة قيمته، وعندما رحلت زوجته الثانية "نوش" أحس بمنتهى العنف أن موت شخص واحد يمكن أن يفرض عليه إعادة النظر في القيم والأفكار المكتسبة الراسخة، وتكمن عظمة إيلوار في أنه قام بعملية إعادة النظر هذه باتجاه الأخوة والانضمام نهائيا إلى جماعة البشر، وحتى آخر حياته عرف كيف يطبق ذلك القانون الذي سماه "قانون البشر القدسي": أن يظل المرء طاهرا لا يمس.
هكذا تتمثل المراحل الثلاث من حياة إيلوار في النسوة الثلاث اللاتي تركن أثرا في حياته ومواقف ثلاثة اتخذها في هذه المراحل: رغبة السلم التي أحس بها عندما عاش الحرب العالمية الأولى، والتعطش إلى الحرية الذي أحس به عندما كان النازيون يحتلون بلاده، والنضال الشيوعي، وتنقسم قصائد الحب التي كتبها إيلوار إلى ثلاث مجموعات: مجموعة جالا ـ مجموعة نوش ـ مجموعة دومينيك.


نصوص من المختارات

** الحياة

على كلينا أن نعطي أيدينا
خذي يدي سأقودك بعيدا
عشت عدة مرات تغير وجهي
عند كل يد كل عتبة اجتزتها
كان الربيع العائلي يبعث
محتفظا لنفسه ولي بجليده الزائل
الموت والموعودة
المستقبلة ذات الأصابع الخمس المشدودة المرخية
كان سني يعطيني دائما
أسبابا جديد للعيش بالآخرين
ولأن يكون في قلبي دم قلب آخر
آه أي صبي بصير كنت وما أزال
أمام بياض الفتيات الضعيفات الكفيفات
الأجمل من القمر الأشقر الرقيق الذي أنهكه
ظل سبل الحياة
سبيل الأعشاب والأشجار
والضباب والندى
والجسد الشاب الذي لا يصعد وحده
إلى مكانه فوق الأرض
الريح والبرد يهدهدونه
ويصنع الصيف منه رجلا
أيها الحضور يا فضيلتي المرئية في كل يد
الموت وحده يعني الوحدة
من اللذة إلى الجنون ومن الجنون إلى النور
أبني نفسي كاملا من خلال كافة الكائنات
أيتها الفصول العابرة أنا شاب
وقوي لطول ما حييت
أنا شاب ودمي يرتفع فوق أطلالي
علينا أن نخلط أيدينا
ما من شيء يمكن أن يغوي أبدا
أكثر من تعلق أحدنا بالآخر غابة
ترد الأرض إلى السماء والسماء إلى الليل
الليل الذي يبعد نهارا لا ينتهي.

** عفريت ديك ـ رومي

أخفضت أجنحة الحب
وبسطت على جسد مثقل بالدم
أنا أقوى أنا عار من حولي
أتكلم بصوت عال وأرى بوضوح وأشتعل.

** جسد مثالي

تحت السماء الكبيرة المفتوحة يغلق البحر أجنحته
على جانبي ابتسامتك ينطلق طريق مني
يا حالمة كلك حسن ونور كلك نار
زيدي من خطورة متعتي أزيلي المدى
عجلي بتذويب حلمي وبصري..

** عزلة

أحس أن الفضاء يزول
وأن الزمان يكبر في كافة الاتجاهات
محمد الحمامصي








ترمز المرأة في حضارات بعض الشعوب إلى الخصب والإنبعاث وإستمرارية الحياة، كما فاقت الرجل قداسةً وتقديراً. غير أنَّ هذه الحالة لا تدوم جراء تغييرات في البنية الإجتماعية والإقتصادية بحيث يتراجع دور المرأة وتهيمن النظرة الذكورية على التاريخ. ومنذ ذاك الوقت لم تتوقف الحروب والنزاعات. هنا نتساءل ماذا يكون شكل الحياة إذا إندثر جنس النساء؟ كيف يُمكن معالجة الإختلال في التوازن السكاني بين الجنسين؟ هذا ما يناقشه المفكر والروائي اللبناني أمين معلوف في روايته "القرن الأول بعد بياتريس"، دار الفارابي.

يتناولُ معلوف مخاطر عودة الأفكار البالية في عصر التطوّر العلمي المُتسارع، كما يلتفتُ إلى مسألة توظيف الإنجازات العلمية لأغراض غير إنسانية، ولا تغيب إشكالية الهوية والعلاقات بين الشرق والغرب في هذا العملِ فضلاً عن مقاربة عاهة الإستبداد المزمنة في الشرق والنظرة الإستعلائية لدى الغربيين.

أسطورة الجعران

تتحوّلُ هذه الأطروحات إلى ثيمات أساسية في تلافيف هذه الرواية. إضافة إلى وجود معجم لغوي خاص بعالم الحشرات. وبذلك يكون الطابع الفكري غالباً على سيرورة الأحداث مع الإحتفاظ بعنصر التشويق الذي يُعَدّ حجر الزاوية في كلّ عمل روائي.

يُحاول الراوي وهو عالم متخصص في الحشرات إقناع المتلقي بأنَّه موضوعي في عرض مادته المَحكية، بل يصرّح بأنَّ كلّ ما تقع عليه عين القارئ هو عبارة عن تسجيل الأحداث في مُفكرة كُتِب فيها تاريخ ولادة بياتريس.

إذ تبدأ الرواية بإنعقاد مؤتمر علمي حول حشرة الجعران ودراسة الأسباب وراء إهتمام الفراعنة بهذه الحشرة دون غيرها. ويكشف أحدُ المشاركين من الدانمارك عن وجود وصفة باسم "فول الجعران" تباع في شوارع القاهرة. كما تُذكر داخل المؤتمر صفات حشرة الجُعَل بحيثُ لا يُسْتَبْعَد أن تكون ملهمة بفكرة بناء الإهرامات.

وما أن يعرض العالم الدانماركي نموذجاً عن الوصفة حتى يبادرَ الساردُ بشرائها ويلجأ الناس لتناول الوصفة لما لها من دور وتأثير في تنشيط الفحولة والإعتقاد بأنّ مَن يتعاطى المسحوق تُكافأ رجولته بمولود ذكر. للوهلة الأولى تبدو هذه الآراء مزحة أو شائعة أو تدجيلاً غير أنّ هذا الأمر يتحوّل إلى ظاهرة تهدّد تركيبة المُجتمعات.

مَحْرقة النساء

بعدما تتقصّى كلارنس صديقة الراوي ظاهرة حرق النساء في الهند خصوصاً في مدينة بومباي تكتشف مُعطيات جديدة منها بيع مادة بمواصفات فول الجعران، كما تؤكد لها امرأة طاعنة في السن راحت حفيدتها ضحية التقاليد الموروثة بأنّ كارثة حرق النساء لا تتكرّر لأنّ الأنثى قررت مقاطعة العالم وسيصبحُ المواليدُ كلهم من الذكور.

وهي تُراجعُ المركز الطبي الذي لا تلدُ فيه النساء إلّا ذكوراً. لكنّ كلّ هذه المؤشرات لا تقنع هيئة التحرير في الصحيفة بضرورة التوقف عند هذه الظاهرة. ومن ثَمَّ تدخل المجتمعات المتقدمة على الخط عندما يطوّر أحد العلماء باسم فولبو هذه المادة إذ تغزو الأسواق من دون أن تتنبّه السلطات إلى تداعياتها المأساوية.

كما يجرّب المختصون لقاحاً ضدّ ولادة الإناث لدى الأبقار. في هذا المُناخ المُعادي للأنوثة تُبصرُ بياتريس النور إذ تقضي كلارنس فترة ما بعد الولادة بالإستماع لما يتلقاه والد بياتريس من الراوي حول ظاهرة الإنجاب الإنتقائي. يؤطر الراوي هذه التطوّرات بإستعادة ما شهدته البشرية من المآسي نتيجةً لسوء استخدام العلم. إذ يُحيلك إلى التأثير التدميري للعلم في فترات الحرب.

وذلك لا يختلف عن إجهاض النسوة لحملهنّ في الهند عندما يُحَدّد لهنّ الطب جنس الجنين بأنه الأنثى. كما لا تفوت الراوي الإشارة إلى إحتمال تحويل هذه المادة إلى أداة للحرب بين الإثنيات المتناحرة، وبذلك يميط صاحب "سمرقند" اللثام عن عودة النزعات البدائية لدى الكائن البشري على عكس ما توقعه الراوي بأنّ الألفية الجديدة ستحمل بذرة الحلّ لمشكلات كثيرة، فإنّ حجم المخاطر تكبُر وستستفحلُ الأزمات.

تتوالد المشكلات ولا تجدي مساعي شبكة العقلاء نفعاً في إعادة التوازن إلى الهندسة السُكانية. ولا يسع المتلقي وهو يتابع تسلسل الأحداث إلّا أن يُسْقط ما يقرأه على واقعه خصوصاً واقع ما بعد الإنتفاضات العربية وزعزعة الأنظمة السياسية، وإستحكام حالة الخوف المتبادل بين الأفراد والمُجتمعات. تفهم من الوقائع بأنّ مسؤولية الإنحطاط القيمي لا يتحمّلها طرف واحد بل كلا الطرفين، الجنوب والشمال مساهمان فيما يسود من الإنهيارات المتتالية.

إشارات الأمل

شخصيات "القرن الأول بعد بياتريس" مرسومة وفقاً لما يقتضيه مشروع أمين معلوف الفكري، إذ إنّ الأخير يركز على مسألة التواصل الحضاري بين الشرق والغرب في أعماله الروائية، ولا يقبع أبطاله في زنزانة الهويات المغلقة، بل تتوسّع شبكة علاقاتها الحضارية وتظل الفضاءات مفتوحةً أمامها للبحث عن رهانات جديدة.

هنا في خضمّ موجات التطرّف والأطروحات العنصرية والمُطالبة بعدم الإهتمام بمشكلات الجنوب يُوجد مَن يفكر من منطلق إنساني إذ يدحض عمانوئيل ليف وهو إحدى شخصيات الرواية الآراء التي تذهب بأنّ كوكب الأرض لا يتحمّل الإكتظاظ السكاني، مؤكداً على أنّ المشكلة تتمثل في تضخم الأنانية والأحقاد والعنصرية.

كما يشير إلى أنّ الأديان بأسرها لم تستطِع إستئصال جرثومة الحقد لدى الإنسان. يستشف المتلقي تقارباً بين آراد لييف وما ينطلق منه أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" لمُعالجة إشكالية الهوية والتطرّف الدينى. زدْ على ذلك فإنّ إرتباط بياتريس بمرسي وهو من أصل مصري يحمل دلالات موحية بأنّ الشرخ الحضارى مهما كان كبيراً فلا ينعدم الأمل بإيجاد قنوات للتواصل بين الشرق والغرب.

عُرف عن أمين معلوف إستلهام مادة أعماله من التاريخ. وذلك ما تراه أيضاً من معلومات تاريخية في رواية "القرن الأول بعد بياتريس"، غير أنّ ما يميّز هذا العمل هو الملمح التنبّؤي والفكري الذي يشدّك إلى عالمه، وما تستخلصه من هذه الرواية، أنّ الإنسان هو الذي يصنع تاريخه لكن ليس على دراية بما يصنع على حدّ قول كارل ماركس.

كه يلان محمد






الحياة عبارة عن بوتقة من لظى ملتهب، نوضع فيها قسرياً؛ لنقاسي الأمرين، لسبب ما نجهله تماماً. وفي الأخير، المتوقع منا تحقيق نجاحات غير مسبوقة. لكن، في خضم ذلك العراك الأزلي الذي يقع فيه الإنسان فريسة بين متطلبات الحياة، والتجارب المريرة، والاختبارات القاسية، وما ينجم عن ذلك من ذكريات، يترسب في نفس الإنسان أحزان كثيرة، تشغل حيزا لا بأس به في الذاكرة. لكن في أحيان أخرى، قد تشغل هذه الذكريات حيزاً كبيراً في الذاكرة، لدرجة أنها قد تحول بين استمتاع المرء بحاضره، وتجعله أسيراً لذكريات أليمة حدثت في الماضي، الذي قد يكون بعيداً جداً، لربما يكون موطنه مرحلة الطفولة.

وتفسير ما يحدث هو أن تلك الآلام الدفينة تتحول لحقل من الطاقة السلبية، التي تشغل العقل، وتكبل وتعوق الجسد. وبالرغم من أن الألم في حد ذاته شيء غير مرئي، لكنه في الوقت نفسه كيان مستقل، وله اسم، ومسكن. وهذا الكيان اسمه "كيان الألم" Pain Body غير المرئي، ومسكنه يقع في عواطف ومشاعر الإنسان. ويتواجد "كيان الألم" Pain Body في حالتين معروفتين: فهو إما خامداً، أو نشطاً، وغالباً ما يسكن أجساد الأشخاص غير السعداء، كما لو كان شبحاً أو مسا شيطانيا.


وقد يكون كيان الألم خامداً بنسبة 90% بالنسبة لشخص شديد التعاسة، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يلحظه أحد، بما في ذلك الشخص الحامل له. لكنه قد ينشط لنسبة تصل 100%، وذلك في حال إثارته، وإيقاظه بالكامل من سباته العميق.

ومن مثيرات "كيان الألم" التي تتسبب في إيقاظه مواقف تشابه أحداث مر بها الإنسان في الماضي: مثل حالات الهجر، والخيانة، والإيذاء الجسدي، والنفسي؛ حيث تأخذ الذاكرة في استدعاء جميع المواقف التي مر بها الإنسان وكانت تتضمن أحداثا قد تشبه ذلك الحدث. وقد يعمل على تنشيط "كيان الألم" في نفس الجسد المعلول به مجرد خاطرة، أو مشهد معين قد لا يكون فيها طرفاً على الإطلاق. فقد يكون الموقف غير المباشر مجرد مشهد تليفزيوني، أو سينمائي، أو حتى حدث سياسي.


والغريب أيضا، أن أحد مثيرات كيان الألم قد يكون مجرد صورة، أو تعليق، أو ملاحظة بريئة ندت من أحد الأشخاص، أو تسلل أحد الروائح - سواء أكانت زكية، أو بغيضة، أو حتى رائحة طعام أو شراب – لأنف الشخص الحامل لـ "كيان الألم" Pain Body. وبمرور تلك المثيرات، وبدون أي استئذان، يستيقظ "كيان الألم" من حالته الخامدة، ويبدأ في مهاجمة ذاكرة الشخص الحامل له بضراوة.

ومن أفضل من عبر عن ذلك الموقف كان الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه في مخطوطته الرائعة التي تحمل عنوان "فيما وراء الخير والشر" Beyond Good and Evil المنشورة في عام 1886، حيث يقول: "من يقاتل الوحوش، يجب أن يكون على يقين أنه سوف يتحول لوحش، في نهاية المطاف. فإذا نظرت للهاوية لفترة لطويلة، لسوف تنظر إليك الهاوية بدورها." وتفسير ذلك بالقياس على "كيان الألم"، أن كثرة مخالطة المواقف التي تكمن بها الآلام لسوف تحولك في الأخير لشخص شديد التعاسة، وأما الهاوية هنا، فهي المواقف التعيسة، حيث إنها تكثر وتنتشر وتسود كلما حاولنا أن نتذكرها.


والألم بالرغم من شدته، وقوته التدميرية، فإنه أضعف ما يكون، ولكنه في الوقت نفسه من أخبث الكائنات غير المرئية على الإطلاق. وبما أنه غير قادر على المواجهة، فإنه يسكن العقل الباطن Unconscious في أي إنسان؛ فهو يخشى أي مواجهة مع الوعي Conscious والتي قد ينتج عنها تدميره بأكمله. وعلى هذا، تصير بعض "كيانات الألم" بغيضة، لكنها غير ضارة نسبياً، فهي كالطفل الذي لا يكف عن البكاء والأنين، لكن في بعض الأحوال تتحول لوحوش مدمرة، فتصير شيطانا مريدا يتمكن من جسد فريسته – وهي الجسد الذي يقطنه – فيبدأ بمهاجمته وكذلك يهاجم عواطفه. وقد يحول أرض المعركة إلى أشخاص أخرى قريبون منه. وقد تصل به الشراسة – بعد أن يملأ ضحيته بجميع المشاعر السلبية – أن يأمرها بتدمير ذاتها.


ومن أكبر الأمثلة على ذلك، تعج صفحات الحوادث، والسجون، ومستشفيات الأمراض العقلية، وكذلك العديد من المعارك بين الأشخاص؛ على أشخاص تعساء، تحيطهم الطاقات السلبية من كل جانب، لدرجة أنهم لا يستطيعون الفرار منها.

وللتخفيف من وطأتها على أنفسهم، ينقلون أرض المعركة لمن يحيطهم من أفراد. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما نصادف أفرادا سواء في محيط العمل أو حتى في الشارع يعانون من آلام دفينة. فالزوج الذي قضى يوماً شرساً في عمله – مثلاً – وكان مجبراً على التزام الصمت، والحفاظ على الثبات النفسي، ورباطة الجأش، وقد يتخطى الأمر هذا عندما يكون مرغماً على الابتسام، وإلقاء النكات، والضحك عليها؛ لتمثيل أنه شخص سعيد ولا يبالي بما يقف أمامه من مصاعب.

لكنه حالما يصل لمنزله، وهو حاملاً تبعات كل هذه الطاقة السلبية بداخله، يتحول لوحش كاسر إذا مرّ أمامه مجرد موقف صغير استدعى كل هذا الألم النفسي؛ وذلك ما نقول عنه الثورة لأتفه الأسباب، والتي قد تفضي إلى حالات طلاق، أو حتى قتل. فلو تذكر هذا الزوج بعد فورته سبب تلك الثورة العارمة، لعلم أن الموقف كان لا يستحق كل هذا العراك. فالسبب الرئيسي هنا هو موقف تم اختزانه في العقل الباطن، تم إيقاظه بشدة بسبب موقف مماثل. لكن مجرد الغوص داخل النفس وتذكر هذا الموقف، وتحليله بشكل منطقي فإنه يتم نقل الموقف المسبب للألم ذلك للعقل الواعي. وبما أن أي كيان ألم ضعيف جداً، فحالما يصل للعقل الواعي الذي يحلله، يذوب ويتلاشى، ولا يصير له وجود.

ولقد عبر عن ذلك الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه في مخطوطته التي تحمل عنوان "علم السعادة" The Gay Science المنشورة عام 1882، حيث يقول: الألم الكبير فقط، الألم الطويل البطيء الذي يستغرق وقته ... يجبرنا على النزول إلى أعماقنا النهائية ... أشك في أن هذا الألم يجعلنا "أفضل"؛ لكنني أعلم أنه يجعلنا أكثر عمقاً ... في نهاية المطاف. وحتى لا يظل الأمر الأكثر أهمية حبيس الألسنة، فإنه من تلك الهاوية، ومن هذا المرض الشديد، يعود المرء كما لو كان طفلا حديث الولادة، بعد أن ألقى بجلده البائد بعيداً ... وهنا يعود بحواس مرحة، ومع براءة أخرى شديدة السعادة، فيصير أكثر طفولية، ولكن يتميز بدهاء يفوق المائة مرة أكثر مما كان عليه بالسابق.

فقبل أن يتوصل علماء الطب النفسي لكيفية التعامل مع الألم والآلام الدفينة التي تكون في مجموعها "كيات الألم"، أعطى الفيلسوف الألماني صفة سحرية للتخلص من الألم نهائياً من خلال المواجهة، سواء أكانت بشكل منطقي واعي، أو في شكل إبداع سواء أكان مهنيا أو فنيا. ولا عجب في ذلك، فنيتشه هو صاحب المقولة الشهيرة "ما لا يقتلك، يجعلك أقوى" في كتابه الشهير "شفق الأصنام" Twilight of the Idols.

ونستخلص من كل هذا، أن أي موقف يمر به الإنسان بحلوه ومره، هو مجرد حدث موقعه في الماضي، ويجب أن يفسح مجالاً للحاضر كي نعيشه، ونتذوق حلاوته أو مرارته. فلو كان حدثاً جالباً للسعادة، يمكن أن نحتفظ به لرفع معنوياتنا في أوقات تخلو من السعادة. أما لو كان حدثاً مسبباً لألم نفسي، أو قد يوقظ ذكرى تعيسة يجب أن نقضي عليه تماماً قبل أن يبدأ، فحسبنا الوقت الذي استهلكه من ماضينا. فتلك الآفة لا يجب أن يكون لها مكان في حاضرنا. ولشفاء أنفسنا من أي موقف يشوبه الألم أو التعاسة، يجب أن نجاهر له بقلب أبيٍ جسور، بقولنا الحاسم: "كفاية عليك كده."

د. نعيمة عبدالجواد









يتعدّى الانشغال بموضوع الكورونا (كوفي 19) اليوم مجرّد التفكير في ظاهرة وبائية تمسّ من صحة الأجساد وتهدّد بقاءها، إذ يهتمّ المحلّلون من اختصاصات متعدّدة بهذا الموضوع في سياق أعمّ من المشكل الصحي الذي يطرحه.

ينكب الخبراء على تقدير التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الممكنة المترتّبة عن ظهور هذا الوباء والناتجة عن حظر السفر وشلل المعاملات التجارية وانحسار الأنشطة الاقتصادية في العالم. ذلك أنّ استباق الأزمات السياسية والاقتصادية والتفكير في الحلول الممكنة للاضطرابات العالمية الطارئة لا يقل أهميّة عن محاولات للتصدي للفيروس.

يتساوق الجهد العملي المبذول مع جهد نظري يسعى بدوره إلى إيجاد فكرة ناظمة توضّح أسباب تأزّم الوضع الحالي، حيث يشخّص الفلاسفة الأحداث متسائلين عن أصل العلّة وعن مآل البشرية. لعلّنا اليوم نقف بعسر على عتبة أبواب مرحلة جديدة من تاريخنا البشري وها نحن، بين البحث في أصل الدّاء وتدبير الشفاء، نختبر مناعة أجسادنا ومناعة وجودنا ونُراجع نمط حياتنا وقيمناالإنسانية.

نعثر في سياق التحاليل الفكرية على تأويلات متنوّعة لأسباب ظهور الفيروس، إذ يحاول البعض مثلا أن يلبس الوباء "جبّة إيديولوجية"، فيعتبره صنيعا إنسانيا مفتعلا يهدف إلى التحكّم في التوازنات السياسية العالمية الراهنة. يحمّل هذا الموقف العولمة مسؤولية تأزّم الوضع الرّاهن ويرى أنّها قد تنجح في إحكام قبضتها على البشر عن طريق توظيف المشكل الصحّي المطروح.

في المقابل، يفترض موقف مغاير أنّ تداعيات الوباء تنذر بإمكانية تقويض ظاهرة العولمة، على هذا النحو تتالى المقاربات المتنافرة وتُفنّد بعضها البعض من دون أن تُقنع فكرة بعينها أو تسود بإطلاق.

نُحاول فهم هذه الوضعيّة وذلك من خلال طرح السؤال الإشكالي: من يستهدف فيروس من الكورونا بالضبط؟ وإذا كان الأطباء يُجمعون على أنّ هذا الوباء يُضرّ أكثر فأكثر بالفئة العمريّة المسنّة، فإن ذلك يدفعنا إلى التفكير في أنّ تلك الفئة هي المستهدفة؟


لقد تواتر الحديث منذ مدّة عن مسألة "الشيخوخة الدّيمغرافيّة"، حيث يعتبرها بعض علماء الاقتصاد السياسي معضلة العالم اليوم وذلك لما لها من تأثير على السّوق الماليّة وقطاع الخدمات. يشير مفهوم "الشيخوخة الديمغرافية" إلى ظاهرة التحوّل الديمغرافي المرتبط بارتفاع مستوى متوسّط العمر المتوقع في دولة مّا. وقد سبق أن توقّعت الأمم المتّحدة أن تترسّخ هذه الظّاهرة في القرن 21 ويتضاعف متوسّط عمر السكان في كل أقطار العالم باستثناء بعض الدول وقد يبلغ عدد المسنين ما فوق الستين سنة ثلاثة أضعافه حتى يصل إلى 2,1 مليار تقريبا بحلول سنة 2050.

لذلك حذّر معهد أوكسفورد للشيخوخة السكانية من مخلفات كل ذلك على البلدان لا سيما قارة آسيا التي تشهد انخفاضا كبيرا في معدّل الولادات وتراجعا مهما في نسبة الوفيات. أمّا هجرة الشباب، فلا تعتبر الحلّ الأمثل لمثل هكذا مشكلات بالدُّول المتقدّمة ناهيك أنّها تُفاقم مشكلة التهرّم بالبلدان النامية التي هجرتها.

تتضافر جهود الجمعيّة العالميّة للشيخوخة منذ سنة 2002 من أجل خدمة قضايا المسنّين وتسهر على التذكير بمستحقّاتهم الماديّة والنفسيّة، وتدعو في هذا السيّاق إلى دعمهم للاستفادة من خبراتهم في مجال التنمية والعمل. لكن في مقابل ذلك، تتبرّم السياسات العالميّة من تزايد عدد المتقاعدين الذي يُشكلّون عبئا ثقيلا على المنظومات العموميّة وعلى صناديق الصّرف باعتبار أنّهم يتقاضون أجورهم دون عمل فعليّ يؤدّونه. أمّا التمديد لهم في سن العمل، فلا يمثّل بدوره حلّا أمثل، لأنه سيكون على حساب الناشطين وبمعنى آخر سيُفاقم البطالة ويخلق بالتالي مشكلا كبيرا لدى العاطلين عن العمل الذين ينتظرون دورهم في طوابير سوق الشغل. وهم في واقع الأمر، يثقلون كاهل الدولة والعائلات الساهرة على رعايتهم على حدّ سواء. كما لا ننسى في هذا السياق، أنّ بعض العاطلين عن العمل، لا سيّما في البلدان النامية، لا تتوفّر لهم فرصة عمل إلّا عند بلوغهم مرحلة الكهولة.

يتساءل المختصّون في علم الاقتصاد في مورغان ستانليك، وهي أكبر مؤسسة خدمات مالية واستثمارية متعددة الجنسيات في الولايات المتّحدة الأميركيّة والعالم: "هل يمكن تفادي المشكلات التي تطرحها القوى العالميّة العاملة في سنّ الشيخوخة عن طريق زيادة الإنتاجية؟ يُرجّح أغلب المفكرين أنّنا لن نجد لهذه المعضلات مخرجا حيث تشكو عدة بلدان مثل إيطاليا من معدلات نمو إنتاج ضعيفة وفي تراجع، ويقترحون بدائل أخرى لتطوير الإنتاج مثل التشجيع على تطوير الأتمة وتوظيفها بكثافة في قطاع الخدمات.

تخلق فوبيا "التهرّم الديمغرافي" إذن، هاجسا ملحّا عند العديد من خبراء الاقتصاد الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بإيجاد حلّ لما يعتبرونه خطرا محدقا بمصير المصالح المالية.

فهل تتعرّض البشرية اليوم إلى تصفية طبيعيّة أو مقصودة لسكان العالم وخاصة للمسنين؟ ربما يقف الناس اليوم على أعتاب "مصيدة مالتوس". يطلق هذا اللّفظ على النظرية المسماة "بكارثة مالتوس" أو"تصحيح مالتوس" أو" أزمة مالتوس" نسبة إلى عالم الاقتصاد الإنجليزي توماس روبرت مالتوس. يشرح هذا العالِم في كتابه "مبادئ الاقتصاد السياسي" مدى اختلال نمط العيش الإنساني في ظل تفاوت كبير بين معدلات الإنتاج وعدد السكان. ممّا يؤدي حتما إلى الفقر المدقع ويخلق المظالم الاجتماعية.

يحصل التوازن في تقدير مالتوس على إثر تفشيّ الأوبئة أو المجاعات أو ظهور الكوارث الطبيعيّة التي تؤدي إلى الإنقاص من زخم البشر وعودة النظام الطبيعي للأشياء.

يقول مالتوس في مؤلفه "بحث في مبدأ السكان": "إنَّ الرجل الذي ليس له من يُعيله ولا يستطيع أن يجد عملاً في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيب من الغذاء على أرضه، وبالتالي فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون. وعليه فإنَّ الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن".

لكن هل يمكن أن توظّف وجهة نظر مالتوس اليوم في شكل فيروس طبيعي؟ أم أنّ الطبيعة تضيق ذرعا بمنتجات البشر على أرض تفوق فيها الكثافة السكانية حجم طاقات البيئة والموارد المتاحة؟

هل يعقل أن تبرّر المشاكل الاقتصادية الإبادة الجماعية، فتكون دافعا لسحق فئة اجتماعية دون غيرها؟ أيّ عدالة هذه التي تُبيح تقدّم البشرية بمحق البشرية نفسها؟

إيمان الرياحي






1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright