top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
لا ينتصف الطريق.. نصوص تواري الأنين خلف الإيقاع الشعري
صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الطبعة العربية لمجموعة الشاعر السوري ياسر خنجر الجديدة: "لا ينتصف الطريق"، وذلك بالتزامن مع طبعة المتوسط الفلسطينية "الأدب أقوى" والتي توزعها الدار الرقمية في الداخل الفلسطيني، والأدب أقوى هو مشروع أطلقته المتوسط لإصدار طبعة فلسطينية لعدد من كتبها بالتزامن مع صدور طبعتها في العالم العربي، لتكون كتب الدار جزءًا من العمل المقاوم لسلطات الاحتلال، وكسر الحصار ...
أصيد طائر كوليردج.. نص شعري واحد يفتته الحزن
صدرت حديثا عن منشورات المتوسط في إيطاليا، الطبعة العربية لمجموعة المترجم والشاعر السوري أحمد م. أحمد الجديدة: "أصيدُ طائر كوليريدج"، بالتزامن مع طبعة المتوسط الفلسطينية "الأدب أقوى" والتي توزعها الدار الرقمية في الداخل الفلسطيني. والأدب أقوى هو مشروع أطلقته المتوسط لإصدار طبعة فلسطينية لعدد من كتبها بالتزامن مع صدور طبعتها في العالم العربي، لتكون كتب الدار جزءًا من العمل المقاوم لسلطات الاحتلال، ...
أحاديث جانبية خيانة الأمكنة وعفن الشخوص
يواصل الكاتب التونسي رياض خليف في عمله السردي "أحاديث جانبية" الصادر عن" دار زينب للنشر 2019، حكايات الإمتاع في وعي جاد بروائح الأمكنة وعجيب الأزمنة فتفوح روائح عفن الشخوص. عفن حددته ذات السارد في نقمتها على واقع ما أرادت له الحضور فبحثت في شعريّة سردها عن نظم جديدة لأمكنته وأزمنته ووجوده. متخيل القارئ في هذا العمل يسعى لتجميع الممكن من الحكي لبناء أحاديث أخرى يكتبها المشتهى من فعل مكبوت. أحداث يوقّعها ...
الأرشيف العثماني ينفض الغبار عن تاريخ مقبرة بريطانية بلبنان
كشف الأرشيف العثماني عن آثار “المقبرة البريطانية” في محافظة الشمال اللبنانية (طرابلس الشام)، والتي تم إنشاؤها من قبل السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909)، وتعرضت لاحقًا لمحاولة طمس تاريخ الإنشاء. ** مقبرة الإنجليز أمر السلطان عبد الحميد الثاني بتخصيص قطعة من أراضي الدولة، لتأسيس مقبرة لجنود إنجليز، فقدوا حياتهم في حادثة تصادم سفينتين تابعتين للبحرية الملكية البريطانية قبالة مدينة طرابلس، أواخر ...
مصر تفتح هرم سنفرو للزائرين.. وتعلن عن اكتشافات أثرية جديدة في دهشور
استقبل الهرم المنحني للملك سنفرو بمنطقة آثار دهشور وهرم الكا العقائدي، أمس السبت، الزائرين لأول مرة منذ عام 1965 بعد خضوعهما لأعمال ترميم وتطوير أجرتها وزارة الآثار المصرية. ويعود الهرم المنحني إلى الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في مصر القديمة والتي حكمت قبل 2600 عام قبل الميلاد. ويبلغ ارتفاعه نحو 100 متر وله زاويتان للميل إحداهما 54 درجة حتى ارتفاع 49 مترا والثانية 43 درجة حتى ارتفاع 52 مترا. وشهد الهرم ...
باحث يؤكد: كتابات هيكل لا تُعَدُّ تأريخًا منهجيًّا
يكاد يكون من المُتَّفَقِ عليه أن محمد حسنين هيكل هو الصحفي الأكثر تأثيرًا في العمل الصحفي في مصر والعالم العربي خلال الستين عامًا الأخيرة، كما أنه الكاتب السياسي الأكثر تأثيرًا في الفكر والحياة السياسية في الفترة ذاتها، وذلك ليس فقط لإنتاجه الصحفي خلال تلك الفترة، وليس فقط للدور الذي لَعِبَهُ في تحويل مؤسسة الأهرام من مؤسسة خاسرة مُعَرَّضَةٍ للإغلاق إلى صَرْحٍ من أكبر صروح الصحافة؛ وإنما وفقا للباحث ...







صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الطبعة العربية لمجموعة الشاعر السوري ياسر خنجر الجديدة: "لا ينتصف الطريق"، وذلك بالتزامن مع طبعة المتوسط الفلسطينية "الأدب أقوى" والتي توزعها الدار الرقمية في الداخل الفلسطيني، والأدب أقوى هو مشروع أطلقته المتوسط لإصدار طبعة فلسطينية لعدد من كتبها بالتزامن مع صدور طبعتها في العالم العربي، لتكون كتب الدار جزءًا من العمل المقاوم لسلطات الاحتلال، وكسر الحصار الثقافي المُمارس على القارئ الفلسطيني.

في مجموعته الجديدة، يسيرُ بنا الشاعر ياسر خنجر على طريقٍ وعرٍ، لا ينتصف ولا ينتصف فيه شيء، حيثُ تواجهنا منذ القصائد الأولى، تلك التفاصيل التي تئنُّ تحت وطأة واقعٍ مرير، كما لو أنَّها تنفلتُ من قبضة حديدية مُحكمة، لتصرخ في وجه العالم، ويمنحها الشاعر صوته وإيقاع كلماته التي تمضي كنهر هادئ لا يتوقف في السير نحو مصائره الشِّعرية المتعدِّدة. تلك التي اختارها خنجر بعنايةٍ حتى يقتفي أثر الواقع الذي ينهشه الدَّمار وتمزِّقه يدُ الحرب، واضعاً عدسة الكاميرا في مكان بعيد، لئلاّ يفوته شيء وهو يحوِّل كلَّ خطوةٍ إلى مجاز، كما هو حال البلاد، التي "تُسمَّى مجازاً بلاداً/ مجازاً فقط".
يكتب الشاعر ياسر خنجر، في قصيدة "أرق":

لَم نَلتقِ خارجَ هذا الحلمِ
ولَم نَسهَر فوقَ شُرفةِ غيرِه، نرقبُ نجمةً
ونمدّ إليها الشراع.
لَم نتقاسَمْ غيرَ ما مرَّ في جسدِ الغيمةِ مِن رِيحٍ
ولَم نَشرَبْ غيرَ دَمعَتِها.
على عَتَباتِنا حُرّيّةٌ، فَمَنْ يَفتَحُ البابَ لها؟
مَنْ يُرشدُ الضوءَ إلى لحظةِ الصُّبحِ
ويُصافِحُ المجدَ غداً؟
مَن غيرُكَ إذ انتَصَرتَ على عتمَةِ المقبَرَة،
أضأتَ في ليلِها جَمرَ عَينَيْكَ سِراجاً
وأيقظتَ شمسَ البلاد؟
كلُّ ما فيكَ مِن قَلَقٍ يُؤرِّقُني
كلُّ ما فيكَ مِن وهجٍ يصرخُ بي:
أحلامُ مَنْ سبقوكَ بُوصلةٌ
ومِن زنزانةٍ في السّجنِ ينبثقُ الشّمال.


هكذا، وباقتفائها أثر اليومي ومحاولة إزاحة الستار عن كلِّ ما يُواري الواقع المؤلم وجزئياته نقرأ القصائد الأولى للكتاب، كشجرةٍ يرعاها الشاعر صفحة بعد صفحةٍ لتخترق أغصانُها العالية سماء الوهم وتُعلن أنَّ للشعر سطوةُ الحضور والمضي إلى الأقاصي، وإن بدا خافتاً كنهر.
في قصيدة "قبلة" نقرأ:

لستُ إلّا قبلةً أفلتَتْ من عاشقَيْن
فوقَ ماءِ النّهر.
لست إلّا حَصَاةً
عبثاً تُحاوِل أن تُوقِفَ القُبَل التي
أَفلتَتْ من شِفَاه العاشقين
ثمّ صارتْ هي النّهر.

يتمسَّكُ الشاعر ياسر خنجر في مجموعته الجديدة هذه، بالإيقاع كحامل لغوي للنَّص الشعري، المثقل بالهواجس والأحلام ومآلات الحب في قلب الحرب، ثمَّة موسيقى تخترق الجدران الصمّاء، وتزيح قضبان السجون، وتوقف أحياناً القنابل في منتصف السماء، وإن كان الشاعر يجزم، حقيقةً لا مجازاً بأن طريقه وطريق كل الأشياء لا ينتصف.

"لا ينتصف الطريق" مجموعة شعرية جديدة للشاعر ياسر خنجر، جاءت في 88 صفحة من القطع الوسط، ضمن سلسلة "براءات" لسنة 2019، التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.

ياسر خنجر شاعر سوري من الجولان المحتل. صدرت له المجموعات الشعرية: "طائر الحرية" دار الفارابي - بيروت 2003، "سؤال على حافة القيامة" مركز فاتح المدرّس للفنون والثقافة - الجولان 2008، "السحابة بظهرها المحني" دار راية للنشر والترجمة – حيفا 2014، "سحابة صيف" قصائد مترجمة إلى الإنكليزية – مؤسسة المعمل للفن المعاصر – القدس 2017.












صدرت حديثا عن منشورات المتوسط في إيطاليا، الطبعة العربية لمجموعة المترجم والشاعر السوري أحمد م. أحمد الجديدة: "أصيدُ طائر كوليريدج"، بالتزامن مع طبعة المتوسط الفلسطينية "الأدب أقوى" والتي توزعها الدار الرقمية في الداخل الفلسطيني. والأدب أقوى هو مشروع أطلقته المتوسط لإصدار طبعة فلسطينية لعدد من كتبها بالتزامن مع صدور طبعتها في العالم العربي، لتكون كتب الدار جزءًا من العمل المقاوم لسلطات الاحتلال، وكسراً للحصار الثقافي المُمارس على القارئ الفلسطيني.
ووفقا للناشر، يعود الشاعر أحمد م. أحمد، بعد سنواتٍ، بكتاب شعري جديد هو عبارة عن نص واحد متقطّع كما جاء في غلاف المجموعة، والذي يُطالعنا فيه طائرُ كوليريدج حقيقي بدل توصيف: الطائر، وليكون فعلُ الصيد هنا دعوة للقارئ بأن يحظى بطائر كوليريدج، كأنَّ الشاعر بتبنيه العنوان – جملة فعلية بضمير المتكلم، ومصمِّم الغلاف برسمه لكلمة "طائر"، يجعلان القارئ يتورَّط في الصيد ويصبح طرفاً منذ البداية في قراءة جديد أحمد م. أحمد الشعري، الذي يهديه: "إلى غير المصدِّقين".
كمن يفتحُ أبواباً حديديةً عتيقة، نسمعُ صرير الكلماتِ الجارحة والمجروحة في آن، منذ الجملة الأولى، والحرف الأول، نصدِّقُ كلَّ شيء، ونتأهَّبُ لقراءةٍ تجعلنا نتعطَّشُ أكثر لما يأتي بعدها:
جنائزيٌّ سِفْرُنا الأخيرُ.
حبيبان كحَدَّيّ شفرة الناسيت
تبتلعين، مذعورةً، ما استطعتِ مِنّي في حمّى الجنسِ الأخير،
وأنا، ألوذُ بالأرضِ اليبابِ - أُدرِّبُ سُعالي
على ألا يشبهَ سعالَ أبي.
*
هذه العشبةُ العطشى التي تشمُّ رائحة الغيم البعيد،
ثم لا يأتي الغيمُ،
اسمها كلمة.
بلغةٍ تنحتُ من الأساطير والقواميسِ المنسية كلماتها، بنفسٍ ملحميٍّ يعيدُ كتابة المأساة الإنسانية في أبشع صورها، بحزنٍ يلفُّه السواد الذي ينزُّ من داخله؛ يكتبُ الشاعر أحمد م. أحمد نصَّهُ الطويل هذا، الموزَّع عبر عناوين تشبه مفترقات طُرقٍ في أمكنة خالية، كما يوجدُ تحت العنوان الواحد عناوين أخرى، كطرقٍ فرعية، وإن تشعَّبت، تؤدي كلها إلى سوريا، حتى أن باباً كاملاً اسمه "سورياليزمات" ينفتحُ أمامنا، ليستولي على الجزء الأكبر من الكتاب، ومن المقطع المعنون "ظلالٌ تتفصَّد بالدَّم في حفل تصحيح الأخطاء"، نقرأ:
كنتُ العسكريَّ في الأرض البعيدة،
لم أعرف مع مَن، أو ضدَّ مَن قاتلتُ!
لم أخشَ أن تنهشني جثّتي في نعشٍ مظلم واحد، بقدر ما خشيتُ من فكرة أن ليس لديّ من يتذكّرني ويبكيني.
*
كنتُ القطّةَ على حافّة سطح الطابق التاسع، ورائي الهاوية، وأمامي يأتي ولدٌ شرير ملوِّحاً بعصاه!
*
حين كان الليلُ طفلاً، كنتُ أتبارى معه مَن يبزُّ الآخرَ بالسَّواد.
كان ذلك في فناءِ المنزل العتيق المهجور.
مجموعةُ أحمد م. أحمد الشعرية الجديدة، هي كتابٌ عن الحرب والجنون والدمَّار والتوحُّش الإنساني وقد بلغ مداه، عن الدبابات آكلة اللحوم، عن المذابح والمجازر والمقابر الجماعية، عن التاريخ والميتافيزيقا والله، عن الواقع الذي تجاوز في بشاعته الخيال، عن جرو يترنَّم بأغنية وموتٍ أنيق بنيران صديقة، عن شاعر يتغطَّى بساعات سلفادور دالي، عن سرَّتها والماء، وعمَّن يتدرَّبُ على الغرق الأكيد، عن الطفل السوري الذي قال: "سأُخبر الله عمّا رأيت".
تتجلَّى واضحةً روافدُ الشاعر المتعدِّدة والثريّة، وهو المُترجم الذي نقلَ عديد الأعمال الأدبية من اللغة الإنكليزية، بما فيها ترجمة الشعر والرواية، ويعيش أحمد م. أحمد لما يقارب العقدين من الزمن متنقلاً بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية، مع ملمحٍ أصيلٍ للغةٍ تنحازُ إلى التجريب والمغامرة الشعرية والأسلوب الخاص، كخطوة تنضاف لحشد الخطوات التي نقطعها في طريقنا لاصطياد طائر كوليريدج، حيثُ "كلُّ Step ملحمةٌ".
أحمد م. أحمد شاعر وكاتب ومترجم من سوريا. صدر له: "جمجمة الوقت"، قصص 1993، و"أحرق سفنه إلا نعشاً"، نصوص 2014. من ترجماته: "رجل في الظلام"، بول أوستر (2010)، "العالم لا ينتهي"، تشارلز سيميك (2010)، "مع بورخيس"، ألبرتو مانغويل (2015)، "المكتبة في الليل"، ألبرتو مانغويل (2015)، "ذلك الشيء الصغير وسيد التبديات" تشارلز سيميك (2015)، "مقدسات ومحرمات وحروب"، مارفن هاريس (2017). كما وترجم لمنشورات المتوسط سنة 2018، آخر رواية للكاتب الأميركي بول أوستر "1234". وقبلها رواية "زومبي" لجويس كارول أوتس. مقيم بين سوريا والولايات المتحدة منذ سنة 2000.












يواصل الكاتب التونسي رياض خليف في عمله السردي "أحاديث جانبية" الصادر عن" دار زينب للنشر 2019، حكايات الإمتاع في وعي جاد بروائح الأمكنة وعجيب الأزمنة فتفوح روائح عفن الشخوص. عفن حددته ذات السارد في نقمتها على واقع ما أرادت له الحضور فبحثت في شعريّة سردها عن نظم جديدة لأمكنته وأزمنته ووجوده.
متخيل القارئ في هذا العمل يسعى لتجميع الممكن من الحكي لبناء أحاديث أخرى يكتبها المشتهى من فعل مكبوت. أحداث يوقّعها الكاتب والقارئ في عمق أزمنة وأمكنة وشخوص أو هي الذوات الساردة والمتخيلة والحالمة والمنسيّة في التفاعل الواضح بين الكل بحثا عن الانصهار في تونس الجديدة أو في شخوص لها العمق السرمدي.
1 - أمكنة الواقع أم امكنة الحلم؟
يبدو جليا تواتر الأمكنة في هذا العمل السردي ضمن رمزية واضحة الأبعاد. رمزية كانت مدينة "سيدي بوزيد" هي جوهرها والمحرك الأساسي لكل أجزائها فهي حاضرة بأسماء وأبعاد سحرية أمكنتها "مقر الولاية – مقهى سمرقند - عربة البوعزيزي ...". فضاءات تبحث لها عن وعي بالحدث دفعا لذات ترى وتتمعن في وجودها قبل أحداث الثورة وبعدها: "بعد أيام قليلة من زيارته إلى سيدي بوزيد وتصريحاته التي فرح بها كثيرون انقلب عفيف وتغيرت مواقفه.

رواية تقول إننا في زحامنا الثوري فقدنا براءتنا، وأن العباءة المهترئة لا قدرة لها على ستر عورتنا

شارك في برنامج تليفزيوني وصرح أنّ تاريخ الرابع عشر من يناير هو التاريخ الحقيقي للثورة التونسية واعتبر أنّ طلب أهالي سيدي بوزيد هو غير شرعي (ص22 -23). مدينة عمق رمزيتها في تحريكها للمدن المركز كتونس العاصمة "شارع بورقيبة - قصر قرطاج ..." أو ريفها أو باقي المدن التونسية أو العربية. (قناة الجزيرة بقطر .. في تفاعلها مع الحدث الزلزال سقوط نظام بن علي).
مدن تتجاوز فعل الآن لتبحث في حركتها عن كيانها الجديد في أعماق شخوصها فتولد أمكنة الحلم حيث يتحرر الفقير من حاجته ويبني الفنان مدنه من ورق آخر وألوان زاهية تنقل المرئي إلى مخيل يعيد رسم الأمكنة ويحوّلها إلى عوالم طمح لها البوعزيزي لحظة حرقه لجسده. أمكنة ساقها رياض خليف عبر سرد تحكمه مرارة المغامرة وخيانة الذات للمنتظر من رسم عمارتها. عمارة تتفاعل مع الشخوص ثرية المتخيل يحكمها العجيب والخارج عن المألوف. أمكنة تدعونا إلى الاستفهام حول المبدأ والرهان والقيمي والممكن في بناء التواصل بين الذات والآخر من جهة وبين الذوات وشعرية الأمكنة من جهة أخرى. أسئلة الهدم من أجل بناء الجديد والمنتظر من خيال يقدس فعل اللعب بالهدم للبحث عن عمارة بديلة لمدن جديدة.
2 - الشخوص والانقلاب القيمي أو سلطة القاع
تتعدد شخصيات العمل أو تتعدد العناوين الداخلية المقسمة لبنية النص فنلحظ بيسر عمق الاشتغال على الأسماء ودلالاتها "قرأتها يا رياض - أوراق ينكرها عفيف - نادية الشرفي - وفيقة بنت عياد تروي حكاياتها - هل كان عثمان وهما - من أوراق همام السمرقندي -. كتابة نهلت من السير وعمدت للدخول لبواطن شخوص العمل فتحفر في الذاكرة لتنقل للقارئ خفايا الذوات وتناقضاتها. شخوص نظيفة السريرة ومبدئية كان "عبدالله المسرحي" أحد رموزها فهو ثوري لإيمان داخلي يحرك كيانه فيسعى لنقد باقي الشخوص الغارقة في النفاق والخيانة للثورة وللشعب ولسيدي بوزيد الواقع والرمز "يخرج سيجارة أخرى من علبته يجذب منها بعض الأنفاس ثم يقول لي: لو "نكتب لها نصا على هذه الشاكلة وبهذا التصور ... أريد أن أرى هذه العباءة وأفضحهم ...أريد عملا مسرحيا كبيرا ...". (المصدر ص 25).
عمل يحكي عن المبادئ في عمق بعض أفرادها مثلما يعري شخوصا متناقضة الملامح عجيبة الأطوار تتلون ما بين الآن والأمس. شخوص تبعث على الضحك والرثاء منافقة في سيرها نادية الشرفي أمّ نادية عفيف عبدالعزيز سعيد.
"سعيد مراسل صحفي كرس مراسلاته لمدح السيد الوالي والكاتب العام. ظل لعقود يفتتح مقالاته بالجملة الشهيرة أشرف السيد. سعيد أيضا انقلب على نفسه في هذا الزمن وأصبح يشيد بالثورة والثوار ولا غياب على محافلهم ومجالسهم ووقفاتهم" (المصدر ص28 و29).
3 - زمن الآن أم زمن الأمس أم تاريخ الفعل؟
The Tunisian novel
أريد عملا مسرحيا كبيرا

"ولكن عباءة التاريخ وصلت ممزقة ومفتضة كامرأة ثيب ..." (ص 24). إنّ الأزمنة في هذه الأحاديث يصعب الإمساك بها لأن الفعل الثوري مرتبك التعبير صعب التحديد والانتماء لأزمنة الموضوع. أزمنة تنشد التعبير عن حضورها فتتشبث بانتمائها للكتابة وما تحمله حروفها من وجوه الإيحاء عبر قصدها لقارئ يستوعب رمزية الحدث فتتواتر الحكايات فيبحث لها عن الانتماء لكيان معلوم غير أنه عند المتابعة لفصولها الداخلية لا يجد لها من ترتيب كرونولوجي. هي زمنية تفترض لمّ شملها في وقائع متابعتنا لها. حكايات صدرت من ماضي الأقوال ومن حكمها "أحبك يا شعب تونس الذي امتحنك الدهر وامتحنك" الشهيد فرحات حشاد ومظفر النواب "يا ملك الثوار أنا أبكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيها والقلب تموت أمانيه ...".
تصديران للعمل يحيلان ضرورة إلى رمزية "الثورة" التونسية خاصة والإنسانية عامة فيتداخل الماضي بالحاضر وتسعى عين المتابع للقص لتأسيس الكيان المراد بالعمل فتحاول اللحاق بالصورة ولكن هيهات. مخاتلة الأزمنة تهزك في هذا العمل فأنت في طرفي الوجود فمن جهة الماضي ونعني به تاريخ وفاة البوعزيزي 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 ومن جهة أخرى ما بعده أي تاريخ تأسيسس الانتماء لحلم جديد حلم دولة الشعب أو دولة القاع.
زمنية لا تستطيع تركيب كيانها إذ أن شخوص اليوم هم حكام الأمس "العفيف علالة..." شخصيات تتوجه نحو السلطة غاية والزمن سرمدي في حضرتها. شخصيات تدفع القص نحو زمن منتظر هو زمن صنّاع الثورة. وأيّ ثورة هي غير ثورة القاع فكلّ الشخوص من طبقات شعبية خائنة لأصلها وبالتالي كانت غريبة عن أزمنة وجودها.
نحن في هذا العمل مع قص يحيل القارئ على باب السير حيث يختلط تاريخ الذات بتاريخ أمكنتها فيتواتر الحضور البينذاتي في أفق الإيحاء. سير ارتبطت فيها كل الشخوص بـ "البوعزيزي" أو بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2010. كلها شخصيات تحاول صناعة حاضرها ومستقبلها من هذا الرجل الرمز. أحاديث تروي بصدق طموح العراة لبناء دولة أخرى في زمنية جديدة متخيلة المعاني ولكن هيهات لقد ازدحم القاع.
"ثورة غريبة افتكها الغرباء عنها .. الثورة الحقيقية التي حلمت بها الأجيال وانتظرتها لم تات بعد" (ص 55 من المصدر).
مع رياض خليف في عمله هذا روح الانتماء لجيل جديد من الكتاب العارفين بفنون القص من جهة وبممارسة الكتابة من جهة ثانية. هو يواصل الحفر في ألم الناس ويتفنن في تخيل حركة شخوصه ويطور وجودها فكانت العودة إلى علالة الزيني (ص 48 وص 55 من المصدر). ورقة بناء جديدة لشخوصه ومحاولة تعهد لها لتأسيس زمانية أخرى. زمانية الانتماء للخاسرين أو الباحثين عن نصر قريب يصنعه المهتمون بالكتابة عن أزمنة القاع أو أزمنة حلم عبّر عنه محمد الجابلي في تقديمه للعمل بالصفحة الثامنة: "رواية تقول إننا في زحامنا الثوري فقدنا براءتنا، وأن العباءة المهترئة لا قدرة لها على ستر عورتنا. أحاديث جانبية من صميم خطاب المغيب". فعلا نحن مع خطاب يلون واقعية الكتابة وأزمنتها وأمكنتها ومتخيلها بما يفجعنا ويضع أسئلة عميقة حول مصيرنا وكينونة الآن والتاريخ والمستقبل.

كتابة لا تتعامل مع المنمط من الأحداث والمألوف فيها بل هي الدخول في مغامرة تطوير الأزمنة وأمكنتها وشخوصها لتدفع القارئ لوعي مبتكر بالمقاصد.

حاتم النقاطي














كشف الأرشيف العثماني عن آثار “المقبرة البريطانية” في محافظة الشمال اللبنانية (طرابلس الشام)، والتي تم إنشاؤها من قبل السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909)، وتعرضت لاحقًا لمحاولة طمس تاريخ الإنشاء.

**
مقبرة الإنجليز

أمر السلطان عبد الحميد الثاني بتخصيص قطعة من أراضي الدولة، لتأسيس مقبرة لجنود إنجليز، فقدوا حياتهم في حادثة تصادم سفينتين تابعتين للبحرية الملكية البريطانية قبالة مدينة طرابلس، أواخر القرن التاسع عشر.

**
نصب تذكاري

جرى تأسيس “المقبرة البريطانية” على قطعة الأرض التي حددها السلطان العثماني، وأقيم هناك نصب تذكاري للتذكير بحادثة غرق إحدى السفينتين المتصادمتين.

بيد أن جميع الآثار والكتابات التي تشير إلى تأسيسها جرى طمسها وإزالتها، خلال عمليات دفن الجنود البريطانيين الذين ماتوا في الحرب العالمية الأولى في المقبرة وعمليات الترميم التي أجريت عليها لاحقا.

وفي مقابلة مع مراسل الأناضول، قال عضو مجلس بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري، إن الدولة العثمانية قامت بإنشاء مقبرة لدفن الجنود الذين ماتوا نتيجة غرق السفينة الحربية “اتش ام اس فيكتوريا” (HMS Victoria) التابعة للبحرية الملكية البريطانية.

وأضاف تدمري، وهو نجل مؤرّخ طرابلس الأستاذ الدكتور عمر تدمري، إن السفينة الحربية “اتش ام اس فيكتوريا” (أكبر سفينة حربية في البحرية البريطانية آنذاك)، اصطدمت في 22 يونيو/ حزيران 1893، مع السفينة الحربية “اتش ام اس كامبيرداون” (HMS Camperdown)، قبالة سواحل طرابلس في البحر المتوسط، ما أدى إلى غرق الأولى.

**
غرق في 13 دقيقة

وأشار تدمري أن فيكتوريا التي كان يبلغ عدد طاقمها 400 بحّارًا، غرقت خلال 13 دقيقة فقط، وهي فترة قصيرة جدًا لم تسعف أفراد الطاقم العثور على طريقة من أجل النجاة بأرواحهم، ما أدى إلى غرقهم مع السفينة عدا حوالي 10-15 منهم، فيما لم تنجح فرق خفر السواحل العثمانية بانتشال سوى 6 جثث من أفراد طاقم السفينة المنكوبة.

وتابع تدمري: ووفقًا للبيانات التي تم الحصول عليها من السفن الحربية البريطانية، فإن هاتين السفينتين أجريتا مناورات عسكرية مع القوات العثمانية في بيروت، وكانتا في طريق العودة إلى إنجلترا، عندما حدث التصادم قبالة سواحل طرابلس الشام، على مرآى ومسمع سكان المدينة.

**
استعراض بحري فاشل

وأشار تدمري أن الحادث وقع عندما حاول قائد السفينة الحربية فيكتوريا، تقديم عرضٍ بحري بالسفينة أمام سكان طرابلس، إلا أنه لم يتمكن من مناورة السفينة البريطانية الأخرى واصطدم بها، ما أدى إلى غرق سفينته.

ولفت تدمري إلى أن السلطات المحلية في طرابلس أخطرت السلطات العثمانية في العاصمة، الآستانة (إسطنبول) بحادثة غرق السفينة الحربية البريطانية.

وأصدر السلطان العثماني وقتها، عبد الحميد الثاني، تعليمات عاجلة لتخصيص قطعة أرض تعود ملكيتها للدولة، من أجل إنشاء مقبرة للجنود البريطانيين الذين فقدوا حياتهم، كما أمر السلطان بتسوير المقبرة بجدار وإنشاء نصب تذكاري داخلها.

وأضاف تدمري أن “المقبرة البريطانية” في طرابلس، ما زالت تحتفظ بالحدود التي وضعها السلطان عبد الحميد الثاني، لكن القصة الحقيقية لبناء المقبرة كانت مجهولة ولا يعرف عنها أحد أية تفاصيل حتى وقت قريب.

وتابع تدمري: عندما كنت طالبًا، وصلت إلى المعلومات المتعلقة بالمقبرة البريطانية في طرابلس، أثناء بحثي في الأرشيف العثماني عام 1992.
وأضاف “حاولت تأكيد المعلومات التي حصلت عليها خلال بحث أجريته في المقبرة البريطانية في طرابلس.. ذلك أن المقبرة تعرضت للترميم عقب الحرب العالمية الأولى وكتب عليها لوحة تشير إلى أن بناؤها تم من قبل بريطانيا لهذا الغرض”.

وتابع “اللوحة التي وضعها البريطانيون لم تشر أن المقبرة تم بناؤها أولًا من قبل السلطان عبد الحميد الثاني. خاصة وأن البريطانيين قاموا بهدم النصب التذكاري، الذي تم بناؤه من قبل السلطات العثمانية وحفظت معلوماته في الأرشيف العثماني، ووضعوا مكان النصب صليبًا كبيرًا”.

العثور على اللوحة المكتوبة بالتركية العثمانية
وأشار تدمري إلى أن لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس، بدأت بأعمال البحث عن اللوحة التي وضعتها السلطات العثمانية والتي تحتوي على معلومات بخصوص تأسيس المقبرة، على ضور المعلومات الواردة في الأرشيف العثماني.
ولفت إلى أن أعمال الحفر والبحث التي جرت في محيط المقبرة البريطانية، أثمرت في العثور على بقايا النصب التذكاري الذي أمر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بإنشائه في المقبرة وقتئذ.

وقال: “خلال أعمال الحفر والبحث، وجدنا اللوحة التي تحمل الكتابة باللغة التركية العثمانية، وتحمل معلومات مطابقة حرفيًا لما وجد في الأرشيف العثماني.. اتصلت على الفور بالمشرف على المقبرة وطلبت منه إبراز المعلومات المتعلقة بتاريخ المقبرة”

وأشار تدمري بأن السلطات المختصة في لبنان، تحركت على الفور وقامت بتعليق اللوحة المكتوبة بالتركية العثمانية، على الحائط الداخلي للمقبرة البريطانية في طرابلس.
وأشار تدمري “أن عدم قدرة الزوار على قراءة اللوحة المذكورة يشكل عائقًا لفهمهم محتواها”، لافتًا إلى ضرورة ترجمة هذه اللوحة إلى اللغتين الإنجليزية والعربية.

وأشار تدمري إلى أن سفير تركيا في بيروت خاقان جاقيل، أجرى قبل فترة وجيزة زيارة إلى المقبرة البريطانية.

واطلع السفير على اللوحة المكتوبة بالتركية العثمانية، وأجرى بعدها لقاءً مع نظيره البريطاني في بيروت، تناولا فيه العمل على تحديث البيانات المتعلقة بتاريخ المقبرة،.

وأعرب السفير عن تمنياته في أن يتم ترجمة اللوحة إلى العربية والإنجليزية وتعليقها في مدخل المقبرة البريطانية بأقرب وقت.










استقبل الهرم المنحني للملك سنفرو بمنطقة آثار دهشور وهرم الكا العقائدي، أمس السبت، الزائرين لأول مرة منذ عام 1965 بعد خضوعهما لأعمال ترميم وتطوير أجرتها وزارة الآثار المصرية.

ويعود الهرم المنحني إلى الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في مصر القديمة والتي حكمت قبل 2600 عام قبل الميلاد. ويبلغ ارتفاعه نحو 100 متر وله زاويتان للميل إحداهما 54 درجة حتى ارتفاع 49 مترا والثانية 43 درجة حتى ارتفاع 52 مترا.

وشهد الهرم العديد من أعمال الحفائر كان أولها في 1839 واستمرت حتى عام 1945 حين تم الكشف عن اسم الملك سنفرو مكتوبا أكثر من مرة على الكتل الحجرية للهرم.

يقع هرم الكا العقائدي على بعد نحو 55 مترا من منتصف الضلع الجنوبي للهرم المنحني، واكتشفه العالم المصري أحمد فخري في 1956. وقد تم غلق الهرم منذ اكتشافه حتى افتتح أمس أمام الزائرين.

وشملت أعمال ترميم وتطوير كل من الهرم المنحني وهرم الكا تركيب سلالم داخلية وخارجية وشبكة إضاءة داخل وخارج الهرمين إضافة إلى تقوية وتدعيم بعض أحجار الممرات وترميم غرفة الدفن بالهرم المنحني.

وعقب افتتاح الهرمين للزيارة أعلنت وزارة الآثار عن كشف جديد في المنطقة الواقعة على بعد نحو 300 متر جنوب شرقي هرم أمنمحات الثاني حيث عثرت بعثة تنقيب مصرية على جدار أثري متعرج يمتد بطول 60 مترا إلى الناحية الشرقية.

كما عثرت البعثة على عدد من التوابيت الحجرية والفخارية والخشبية التي يوجد بداخل بعضها مومياوات في حالة جيدة من الحفظ بالإضافة إلى عدد من الأقنعة الخشبية بعضها غير مكتمل، ومجموعات من الأدوات التي كانت تستخدم في تقطيع وصقل الحجارة.











يكاد يكون من المُتَّفَقِ عليه أن محمد حسنين هيكل هو الصحفي الأكثر تأثيرًا في العمل الصحفي في مصر والعالم العربي خلال الستين عامًا الأخيرة، كما أنه الكاتب السياسي الأكثر تأثيرًا في الفكر والحياة السياسية في الفترة ذاتها، وذلك ليس فقط لإنتاجه الصحفي خلال تلك الفترة، وليس فقط للدور الذي لَعِبَهُ في تحويل مؤسسة الأهرام من مؤسسة خاسرة مُعَرَّضَةٍ للإغلاق إلى صَرْحٍ من أكبر صروح الصحافة؛ وإنما وفقا للباحث يحيي حسن عمر في كتابه "كتابات هيكل بين المصداقية والموضوعية" للمَكَانَةِ المرموقة التي حظي بها إلى جوار الرئيس جمال عبدالناصر - الشخصية الأكثر تأثيرًا في العالم العربي في القرن العشرين حسب رأي عدد كبير من الأكاديميين والعامة - وأَهَّلَتْ تلك المكانةُ هيكل للَعِبِ أدوار سياسية في عهده وعهد خَلَفِهِ الرئيس السادات، كما كفلت له شهرة عالمية باعتباره (موضع الثقة) و(الناطق الرسمي) بلسان عبدالناصر، وهي الشهرة التي دعمها باتصالاته الواسعة مع نجوم الصحافة ووسائل الإعلام العالمية، وهو أيضًا الكاتب الأكثر إثارة للجدل في تلك السنوات وحتى الآن.

كتاب يحيي عمر هو رسالة ماجستير نوقشت وأُجيزت من كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وعنوانها "تاريخ مصر في كتابات محمد حسنين هيكل 1942- 2003"، وقد اختار منها عددًا من فصولها المهمة لتكون عماد هذا الكتاب الصادر عن دار العربي للنشر. حيث رأى أن لهيكل باعا كبيرا في مجال الكتابة التاريخية؛ حيث تتعدد كتاباته ذات الصِّبْغَةِ التأريخية، ومنها رصده للمراحل المختلفة لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، وكذلك تعرض لتاريخ الأقطار العربية، ودول الجوار مثل إيران وتركيا، وهو ما ظهر في كتب كثيرة له مثل: إيران فوق بركان، ملفات السويس، سنوات الغليان، الانفجار، أكتوبر 73 السلاح والسياسة، خريف الغضب، إلى غير ذلك من كتبه.


وفي ضوء ذلك اتبع الباحث مَنْهَجَ البحث التاريخي، الذي يقوم على أساس التحليل والمقارنة والاستنباط، من خلال عَرْضِ الوقائع التاريخية، والرَّبْطِ بين النصوص الوثائقية والروايات المختلفة والشهادات الشفاهية، ومحاولة استنباط الحقائق والاستنتاجات من بينها، من خلال مدخلٍ نقديٍّ يعتمد التحليل والمقارنة والتفسير، ويستهدف الكشفَ عن الأسباب الكامنة وراء النص التاريخي، ويضعُه في سياقاته الزَّمَنية والمجتمعية، مع التركيز على تحليل الخطاب في جوانبه التاريخية والسياسية مع التطرق إلى الأساليب اللغوية.

تناول الباحث الموضوعية والمصداقية في كتابات هيكل، حيث أجاب عن التساؤل المتعلق بمدى الالتزام بالدِّقَّةِ وشمول العَرْضِ وغير ذلك من أَوْجُهِ الموضوعية، وذلك من خلال دراسة محدِّداتٍ وضعتها الدراسة للوقوف على مدى ارتباط كتابات هيكل بمعايير الموضوعية، ومن تلك المحددات الإحاطة بمعظم دقائق ووقائع الموضوع التاريخي، وتشمل الإحاطة بالأطراف المتداخلة فيه، والعوامل الفاعلة فيه

ومن تلك المحددات الدِّقَّةُ في إيراد الوقائع التاريخية، والتحقق من المصادر ذات الصلة والمصداقية، ومنها عدم ظهور (الأنا) الصارخة للمؤرخ، الذي يظهر في إبراز دور الذات ومدح المقرَّبين وتشويه الخصوم، ومنها التوزيع المتوازن للكتابة طبقًا للأهمية، فلا يُسَلِّطُ المؤرخُ الأضواء على أحداث بعينها ويُلْقِي الظلال على أحداثٍ أخرى ليقود القارئ لنتيجة يريدها، ومنها استخدام معايير مُوَحَّدَةٍ – أو على الأقل متوازنة – لسرد وتقييم الأحداث التاريخية، أو بعبارة أخرى مشهورة: الكيل بمكيال واحد، لا بمكيالين أو مكاييل متعددة، تختلف باختلاف الأشخاص أو باختلاف العلاقة مع الشخص الواحد وتغيرها، ومنها الاهتمام بالسياق التاريخي للأحداث؛ فلا يُجَرِّدُ المؤرخُ الأحداثَ التاريخية من سياقها التاريخي مما يقود القارئ لنتائج مغايرة، ومنها عدم الانسياق وراء ميول دينية أو عرقية أو طبقية أو سياسية، أو الانصياع لضغوطات سُلْطَوِيَّةٍ انصياعًا يُوجِدُ فرزًا يُغَيِّرُ وقائع الحدث التاريخي.

درس الباحث تلك المحددات عبر استعراض الكثير من نماذج كتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة، وخلص إلى أنه "ثبتَ وجودُ نقائص موضوعية حقيقية متعلِّقة بعدم شمول تلك الكتابات للمواضيع التي تبحثها، مما يُغَيِّبُ الصورةَ الكلية للقارئ إذا اكتفى بها، وافتقارها للتوزيع المتوازن للكتابة عبر الأحداث المختلفة، واستخدام الكاتب للأضواء والظلال على نطاق واسع، فيُسَلِّطُ الضوءَ على جانبٍ رفيع من المشهد، ويتجاهل حقائق أخرى ويضعها في الظلال، كما يستخدم الكاتب معايير غير مُوَحَّدَةٍ للتقييم التاريخي، ويُسْرِفُ في مَدْحِ المقربين كما يُسْرِفُ في تشويه الخصوم على أسس شخصية".

كما أجاب الباحث عن التساؤل البحثي المتعلق بالتوثيق وطُرُقِهِ في كتاباته التاريخية، وذلك من خلال مناقشة مُوَسَّعَةٍ لمدى توثيق كتابات هيكل، ومناقشة طرق الحصول على الوثيقة، والتعامل مع مصدر الوثيقة، ثم في التعامل مع لغتها، ثم تعامله اللغوي معها في التعليق عليها واستخدامها في توجيه القارئ، ومناقشة عدم التوثيق في بعض كتابات هيكل وأنواعه وأسبابه، ثم دراسة إحصائية تحليلية لمدى توثيق بعض الكتب التَّأْرِيخِيَّة الرئيسية لهيكل، مع تحليل ملاحقها الوثائقية.

وهنا خلص الباحث إلى "أن الملاحق الوثائقية لكتب هيكل تتضخم بلا مبرر توثيقي حقيقي لكثرة ما فيها من وثائق منخفضة الأهمية، في الوقت الذي يعاني فيه مَتْنُ تلك الكتب من وجود الكثير من المعلومات غير الموثقة، ولم تَزِدْ نسبةُ توثيق المعلومات الرئيسية في أيٍّ من كتب هيكل عن 60%، في الوقت الذي لم تَزِدْ فيه نسبةُ الوثائق ذات الأهمية الحقيقية في أي من الملاحق الوثائقية للكتب عن الثلث.

ولعل أوضح ما رَصَده الباحث في دراسته من خَوَارِمِ الموضوعيةِ "يدور حول علاقة هيكل بالسُّلْطَةِ، فحتى في تلك العهود التي عارض فيها كانت لغةُ معارضته وحِدَّتُهَا واتساعها وشمولها تختلف في أثناء العهد وبعد انقضائه؛ ففي أثناء تلك العهود تكون المعارضةُ ذاتَ شكل موضوعي ومحدَّد وتُحَافِظُ على ما أسماه هيكل (مقام الرئاسة)، بينما بعد انقضاء العهد يَزُولُ التحرزُ أو الاعتبار لمقام الرئاسة، وتغدو المعارضة أكثر شراسةً وسُفُورًا شكلًا وموضوعًا، وتصل إلى أوصاف مسيئة للحاكم. كما يؤثِّر الانحيازُ السياسي والأيديولوجي للتجربة الناصرية على قراءة هيكل لتواريخ الحقب التي عاصرها وبعض ما قبلها، فتخرج قراءةً أيديولوجية يَشُوبُهَا التَّحَيُّزُ، تَنْتَقِي وتَحْذِفُ تبعًا لتلك التحيزات.

وتناول الباحث مرحلةَ نقد التجربة التي مَارَسَهَا هيكل عقب النكسة، وأوضح أنها "تَمَّتْ تحت رعاية عبدالناصر وحمايته، لكنها تظل تجربة مهمة ولافتة للنظر وجديرة بالمزيد من الدراسة، وأوضحت الدراسة - عبر أمثلة كثيرة - أن تَرَدُّدَ هيكل بين رغبته في المُضِيِّ قُدُمًا في نقد التجربة الناصرية - من باب سَدِّ ثغرة موضوعية في كتاباته - وبين خَشْيَتِهِ وضِيقِهِ من استخدامها أيديولوجيًّا - ضد الفكرة الناصرية وضده شخصيًّا - هو الذي قاده أحيانًا نحو التخبط في مسيرته النقدية تلك، فما يثبته في موضع ينفيه في آخر، وما ينتقده في موضع يدافع عنه في آخَر".

وأجاب الباحث عن التساؤل البحثي حول مدى المصداقية في كتابات هيكل التاريخية، وذلك عبر نَقْدِ العشرات من مرويات هيكل، ومقارنة مروياته بعضها ببعض، ومقارنتها بروايات الآخرين لها، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في حياة هيكل، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في علاقته بعبدالناصر، ومنها ما يتعلق بمسيرته السياسية والمواقف التي جمعته بالشخصيات السياسية الكبيرة.

وهنا أثبت الباحث عبر استعراض تلك الأمثلة الكثيرة ومضاهاتها إلى "أن كثيرًا من روايات هيكل لا تستقيم، فبعض تلك الروايات ينفي بعضها الآخر بصفة كُلِّيَّةٍ، وفي مواضع كثيرة تُنَاقِضُ بعضها البعض بطريقة يتعذر معها الجمع بينها، ورصدت الدراسة أسباب الحَيْدِ عن المصداقية؛ إذ أُرْجِعَ بعض تلك النماذج إلى الرغبة الجامحة لصحفي ذي حِسٍّ تاريخي في أن يقول إنه كان في موقع الحدث التاريخي، وأُرْجِعَتْ نماذجُ أخرى إلى الرغبة في إعادة تكوين ماضٍ مجيد يكافئ الحاضر المجيد الذي أَحْرَزَهُ من خلال موقعه إلى جوار عبدالناصر وإنجازاته السياسية والصحفية، وبعضها كان للرغبة في التخلص من بعض مشاهد الماضي التي لا يراها مُنَاسِبَةً لما حَصَّلَهُ بعد ذلك من المجد، وتم عزو نماذج أخرى إلى الرغبة في تشويه خصوم سياسيين والحَطِّ من قَدْرِهِم، مثل النحاس باشا، ومحمد نجيب، والسادات، ومبارك، وسامي شرف، ومصطفى أمين، وغيرهم،

وأُرْجِعَتْ وقائع منها إلى الرغبة في التغطية على بعض وقائع الفشل للنظام الذي ينتمي إليه، وبعض تلك النماذج غلب عليها الطابع الروائي، وكان غرضها تكوين جو من الإثارة الصحفية لإيصال الرسالة السياسية، كذلك تَمَّ رَصْدُ الكثير من اختلافات الترجمة بين الطبعات الإنجليزية والعربية لكتب هيكل، التي كانت في جُمَلٍ أو فقرات مُحَدَّدَةٍ، مما ينفي أن حَذْفَهَا في تلك المواضع كان خَشْيَةَ التطويل، وكان لهذا التلاعب في الترجمة أغراض مختلفة.. إلى آخر ما تَمَّ استعراضُه في ذلك الفصل وأجاب عن التساؤل البحثي إجابة تفصيلية".

كما ركز الباحث في كتابه أيضا على أساليبَ التلطيف اللفظي عند هيكل، وعقد المقارنات، والاستشهادات الأدبية والشعرية، والتضفير الديني والاستعارات الدينية، واستخدام الأمثال الشعبية وضرب الأمثلة، واستخدام لغة الغموض، واستخدام الخطاب العاطفي، وعبارات التوكيد، ووضع الحوار على ألسنة الآخرين لتوكيده، والأسلوب القصصي بأنماطه السردية والوصفية والحوارية، واستخدام الأسلوب الإنشائي والمبالغات، واستخدام أساليب التشويق والإثارة الصحفية، واستخدام الاستدلال التاريخي العقلي، والإثبات بنفي الضد، وسَكّ المصطلحات واستخدامها.

وكشف الباحث في ضوء ذلك عن الخصائص التي ظهرت مبكرًا في معظمها في أساليب هيكل الكتابية، واستمرت معه وزادها الزمن ثقلًا وصقلًا، بينما توارت بعض الظواهر عبر الزمن مُفْسِحَةً المكان لغيرها، مثل الأسلوب المباشر والصريح في الهجاء الذي تَرَاجَعَ بعد النكسة مُفْسِحًا المجال لأساليب أخرى غير مباشرة تعتمد على التعريض والإيحاء كما ذُكر آنفًا، كما أوضح أن الاستعارات والتشبيهات هي أكثر الوسائل البلاغية التي استخدمها هيكل لنَيْلِ استحسانِ القارئ من جهة، والتأثير عليه فكريًّا من جهة أخرى، فمعظم استعاراته لها هدف إقناعي، وأن استخدام الاستعارات يؤدي بالضرورة إلى التركيز على حقائق وإلى إخفاء حقائق أخرى؛ إذ ستؤدي الاستعارة إلى التوجيه نحو لوازمها وصرف الانتباه عما عداها.

وألحق الباحث بكتابه أربعة ملاحق، اشتمل الملحق الأول على رصد لمقالات هيكل في مرحلة ما قبل الأهرام، وهو أول رصد من نوعه لتلك المقالات، واشتمل الملحق الثاني على لائحة بكتب هيكل، واشتمل الملحق الثالث على الدراسة التحليلية لتوثيق معلومات كتاب "بين الصحافة والسياسة"، مع تقييم للملحق الوثائقي لذلك الكتاب، كما اشتمل الملحق الرابع على صورة أول مقالة نُشِرَتْ لهيكل بتوقيعه، وكانت بعنوان "كنت أتمنى أن أكون معهم"، حيث نُشِرَتْ في روز اليوسف في 19/8/1943، ولم يُشِرْ أيٌّ من المراجع إلى تلك المقالة قبل هذه الدراسة، واشتمل كذلك على صور عدة وثائق أخرى.

وقد خلص الباحث إلى نتيجةٍ مُؤَدَّاهَا أن "كتابات هيكل لا تُعَدُّ تأريخًا منهجيًّا؛ لافتقارها إلى الأدوات المنهجية حتى في مجال توثيق المعلومات التاريخية التي تَحُوزُ فيها تلك الكتابات شُهْرَةً شَعْبَوِيَّةً بخصوصها، كما لا تُعَدُّ تلك الكتابات شهادةً تاريخيةً يُعْتَدُّ بها؛ بسبب افتقارها إلى الموضوعية في مُحَدِّدَاتِهَا المختلفة التي تم سردها في الفصل الثاني، ولضَعْفٍ في خاصية المصداقية كما ورد تفصيلًا في الفصل الثالث، على أنها تظل ذات أهمية كبيرة باعتبارها المرجعَ الأشهر للقراءة السياسية الناصرية للتاريخ، وهي مهمة للتعرف على الفَهْمِ والتصور الناصري لتلك المراحل والوقائع، فكتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة - حتى في تناولها للعصور القديمة والوسطى - تُعَدُّ قراءةً سياسية أيديولوجية في المقام الأول، تُرَكِّزُ على ما يَدْعَمُ تلك القراءة، وتَنْفِي ما يخالفها وتُبْقِيهِ في الظلام".

محمد الحمامصي













يعتبر هذا الكتاب "المختطفات.. شهادات من فتيات بوكوحرام" وثيقة مهمّة ومناشدة حقيقية من أجل سياسات لجوء أكثر إنسانية. ففيه يعرض لنا المؤلف فولفجانج باور حوارات أجريت في يوليو/تموز عام 2015، ومرة أخرى في يناير/كانون الثاني 2016 مع أكثر من ستين فتاة وسيدة ممن نجحن في الفرار من معسكر رقيق جماعة "بوكو حرام" الإرهابية.. كما يوثق بصورهن التي أخذها المصور الفوتوغرافي أندي سبيرا.


يقول فولفجانج "كان كثير من النساء اللاتي تحدثنا إليهن قد فررن لتوهن قبل أيام قليلة من الغابة غابة سامبيسا، وتوثق شهاداتهن تلك الجرائم التي لا يصدقها عقل، وتمنحنا نظرة على الحياة الداخلية لهذا التنظيم؛ فالأمر هنا يتعلق بجماعة إرهابية قتلت في السنوات الأخيرة أكبر عدد من البشر، ربما أكثر ممن قتلهم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ورغم أنها جماعة قاتلة إلى هذه الدرجة، فإننا لا نعرف عنها سوى القليل؛ فكيفية إدارتها ليست واضحة، وكذلك ماهية أهدافها طويلة المدى

وليس واضحا كذلك من الذي يمولها، ولماذا يتخذ تلك القرارات، كما لا تقدم شهادات النساء المختطفات أجوبة عن هذه الأسئلة، لكنها تساعد على الاقتراب من الإجابة؛ فأقوالهن ليست فقط مصادر معلومات عن بوكو حرام بل هي أكثر من ذلك: إنها شهادات لذواتهن؛ لأنها تصحبنا إلى حياتهن التي ظلت غريبة علينا رغم الإنترنت والعولمة، كما تقودنا أقوالهن إلى حواري القرى التي يقطنها والتي لا نستطيع أن ننطق أسماءها بطريقة صحيحة، والتي لا تظهر إلا على قليل من الخرائط، وكم هي مؤلمة أقوال هؤلاء النساء؛ لأنها من بين أسباب أخرى توضح لنا إلى أي مدى نظرتنا ما زالت محدودة، وإلى أي مدى يعد نموذج إدراكنا ضيقا، كم هو ضئيل فهمنا لهذا العالم، وهذا الزمن الذي نعتبره زمننا".


ويشير فولفجانج إلى أن بوكوحرام تتخذ مقرها الرئيسي في مستنقعات غابة "سامبيسا" لتختفي بها، ويصف الغابة بأنها "الغابة - التي باتت تُسبِّب الذُّعر لدولةٍ حديثةٍ - مُعتمة ويكاد يكون التَّغوُّل فيها غيرَ ممكن، يظن كثير من أهل نيجيريا أن من يطأها لن يجد طريقه للخروج منها أبدًا؛ فهم يقولون إن هناك لعنة من العصور القديمة قد حلَّت عليها؛ فالغابة إذًا قديمة، لدرجة أن أحدًا لا يستطيع أن يؤكد معنى اسمها الأصلي؛ فغابة سامبيسا هي الأخيرة من نوعها؛ إذ لم يتبقَّ سواها من بين كل الغابات الكُبرى في شمال شرقي نيجيريا، وأشجار هذه الغابة ليس بها أي شيء مرتفع؛ فلا يتجاوز ارتفاعها بضعة أمتار قليلة، وهي أشجار معوجَّة ومُتداخلة في بعضها البعض، أدغالها مليئة بالأشواك الحادَّة مثل المخالب، وتيجان أشجارها تعوق التطلُّع للسماء، ونادرًا ما تنجح الشمس في النفاذ إلى داخلها، وصولًا للأرض، كما أن تُربتها ليست ثابتة، والأنهار الضخمة التي تنبع من جبال ماندرا لا تجري لتصبَّ في البحر، بل تنتهي في مستنقعاتها، ويوجد في هذه الغابة كثير من الحيوانات المتوحشة، إلا أن الإنسان هو أخطر قاطنيها، وتحديدًا الرجل".

شهادات النساء التي وثقها فولفجانج تبدأ بسرد حياتهن قبل اختطافهن من قبل الجماعة الارهابية، ثم تتشعب إلى شهادات بناتهن القاصرات وأطفالهن وأزواجهن، وهنا نأخذ جانبا من شهادة بتولا وقد اختصرنا منها الكثير:

لدى "بتولا" البالغة من العمر واحدا وأربعين عاما ثمانية أبناء، إنها سيدة مفعمة بالقوة، تتحدث بسرعة، أتت بصحبة ابنتها "رابي" البالغة من العمر ثلاثة عشر عاما، ترضع "بتولا" رضيعها البالغ من العمر أسبوعين، لقد كانت حبلى به عندما اختطفتها "بوكو حرام"، التقينا بها في مدينة "يولا"، كان زوج "بتولا" يعمل بالزراعة ويشغل لديه عديدا من العمال الزراعيين، حتى وقع هجوم "بوكو حرام"، وما زال مفقودا حتى اليوم، شأنه في ذلك تماما شأن ابنتها الكبرى، في حين لقي سبعة عشر فردا من أفراد أسرتها حتفهم مقتولين، عاشت "بتولا" تسعة أشهر في معسكر "البوابة 1"؛ لا تفصلها عن شقيقتها "سعدية" سوى أشجار قليلة، كما ظلت ابنتها "رابي" قيد الاعتقال في معسكر "البوابة 2" حيث كانت ترى "تالاتو" في مدرسة تحفيظ القرآن، لكنها لم يكن مسموحا لها أن تتحدث معها.

تقول "بتولا":

في صباح اليوم الذي جاءت فيه عناصر مقاتلي "بوكو حرام"، كنا في الطريق إلى حقلنا، سمعنا من خلفنا صوت إطلاق رصاص بندقية، جاءنا صوت طلقات من القرية، قلت لأبنائي إن عليهم أن يختبئوا في الأحراش، قررت العودة إلى القرية لكي أحضر باقي أفراد العائلة، شعرت بخوف شديد، لكنني لم أستطع ان أترك أبنائي وأمضي! رأيت المقاتلين بالفعل في الطريق إلى القرية، كانوا يرتدون زيا عسكريا مموها ويضعون عمامات على رؤوسهم، أطلقوا النيران على جميع الرجال، وحتى العزل منهم، لقد رأيت هذا، رأيت، كيف أطلقوا النيران على الرجال، الذين حاولوا أن يهربوا بالدراجات البخارية، فانقلبت الدراجات البخارية ومات الرجال، رأيت في الطريق 11 قتيلا عندما كنت أحضر الأبناء من المنزل وأسرع معهم إلى الأحراش.

انطلقت طائرة مقاتلة مسرعة من فوقنا، أطلقت الطائرة نيران مدافعها في القرية، ببساطة هكذا، دون أن تستهدف هدفا معينا، لقي تسعة أشخاص مصرعهم في منزل ابنتي الكبرى، أثر قصفهم بالطائرة النفاثة. كانوا ثلاثة من أبناء الزوجة الأولى لزوجها ووالدة زوجها، بالإضافة إلى خمسة أقارب آخرين، كانوا قد نجوا بأنفسهم لتوهم من قرية أخرى متجهين إلى "جوبلا"، كانوا امرأتين وثلاثة أطفال.

عندما تمكنت من الوصول إلى الجبال بصحبة أبنائي، قالت لي سيدة من "جوبلا" إن ابنتي لقيت مصرعها إثر غارة الطائرة المقاتلة، تركت جميع أبنائي لدى هذه السيدة وأسرعت مرة أخرى إلى القرية بالأسفل، انتظرت لحظة لا يقع فيها إطلاقا للنيران، كان المقاتلون قد ذهبوا إلى البلدة التالية على متن دراجاتهم البخارية!، كانت خائرة القوى للغاية، لكنها حية، بكينا واحتضنا بعضنا، كنا نقف أمام منزلها المدمر، رأيت ساقا مقطوعة، كائنة وسط الأنقاض، كان هناك كثير جدا من الموتى في الشوارع، لقد سقط أغلبهم ضحايا لـ "بوكو حرام"، رأيت بعيني ثلاثة وأربعين جثة.

وتضيف بتولا:

بدأنا بعد ذلك في دفن جثامين موتانا، كانت الكلاب تنهش بالفعل فيهم، وكان علينا أن نواري جثامينهم الثرى، لم يكن بإمكاننا أن نسمح للكلاب أن تفترس جثامينهم عن آخرها! كنا خمس نساء جرؤن على العودة إلى القرية، رجوت خالتي أن تترقب ظهور المقاتلين لكي تحذرنا في الوقت المناسب، حفرنا، نحن النساء، خفرة لكل جثمان، آلمتني ذراعاي جدا من كثرة الحفر، كان من بين الجثامين التي دفناها أيضا جثمان جندي، كنا قد وارينا جثامين ستة عشر شخصا، حين باغتنا المقاتلون هنا مرة أخرى، جاءوا على متن دراجات بخارية وسيرا على الأقدام هددونا بالقتل، لم تكن خالتي قد رأتهم، فقد كانت طاعنة في السن.

صرخ فينا رجال "بوكو حرام" قائلين: "من الذي سمح لكن كي تحفرن قبورا؟ "دفعونا وضربونا، قيدوا أيدينا خلف ظهورنا بأحبال بلاستيكية وجاءوا بنا إلى منزل تاجر الخمر، وبالداخل، أخذوا يضربوننا بالسياط، تلقيت ثلاثين جلدة بالسوط، لن أنسى هذا الرقم أبدا، لقد تفتق ظهري بأكمله من الجراح وبلل الدم ملابسي بالكامل، إن ظهري يؤلمني حتى اليوم بسبب هذه الضربات، وبعد ذلك بوقت قليل، توفيت الخالة، التي كان من المفترض أن تحذرنا من قدوم "بوكو حرام"، عقدوا غمامة حول رؤوسنا، كي لا نرى شيئا، ظللنا طوال الليل نجلس القرفصاء في هذا المنزل والغمامات حول أعيننا، توفيت الخالة العجوز؛ لأن رأسها كان مفلوفا بغمامة سميكة أكثر ما ينبغي؛ فلن تستطع التنفس على الوجه الصحيح، كان اسمها "تشام"، سمعنا طيلة الليل صوت تنفسها، ينبعث على نحو متحشرج، حيث قالت لنا بصوت لاهث "فكوا غمامتي"، وكررتها "فكوا العصابة" غير أن أيدينا كانت مقيدة، وافتها المنية نحو الرابعة صباحا.

عندما دخل إلينا المقاتلون مرة أخرى في الصباح التالي، لاحظوا أن الخالة ماتت، ألقوا بجثمانها في بئر تقع أمام المنزل مباشرة، سمعت صوت الجلبة الناتج عن إلقاء جثمانها في الماء، لم أستطيع في هذه اللحظة أن أبكي، لم أستطع أن أفكر، تواصلت المعارك، وبشكل مفاجئ، قرابة الظهيرة، اقتحم الجيش مرة أخرى القرية، لاذ القائمون على حراستنا بالفرار، رتل من الدبابات، كنا قد سمعنا صوتها بالفعل من مسافة بعيدة، صوت طقطقة جنازيرها المخيف، صوت الطلقات، نجحت إحدانا في التحرر من قيودها، ومن ثم نزعت قيودنا جميعا، ركضنا في القرية نحو الجبال، رأينا الجنود قادمين على متن خمس دبابات، كان لدى مقاتلي "بوكو حرام" كذلك دبابات، أطلقت إحدى دبابات مقاتلي "بوكو حرام" النيران؛ فسقطت إثر ذلك إحدى دبابات الجيش في الماء، أطبق المقاتلون الحصار على الجنود، انضم كثير من الجنود عندئذ لنا نحن النساء، وفروا معنا إلى الجبال، طلبوا منا أن نعطيهم ثيابا، كانوا يشعرون بخوف بالغ لدرجة أنهم تنكروا في زي نساء.

هكذا نجونا بأنفسنا ثانية حين فررنا إلى الجبال، التي تبعد عن "جوبلا" بمسافة عشرين كيلو مترا. توجهنا إلى مملكة "سوكور" القديمة، لكننا لم ننعم بالأمن هناك طويلا، فقد كانت "بوكو حرام" تبغض أهل قرية "سوكور"، كانوا وراءنا.

تواصل "بتولا"

اقتادنا المقاتلون، نحن النساء والأطفال إلى الأسفل، نحو "جوبلا"، لم يقولوا لنا ما الذي سوف يفعلونه بنا، كنا قرابة أربعين امرأة، وفي "جوبلا" رأيت بعد ذلك جارنا الذي يدعى "بابالابا"، في محطة الباصات الكبيرة الكائنة في شارع "ناشيونال"، كانت أمي ترتبط بعلاقة صداقة حميمة للغاية مع أمه، لقد أصبح الآن زعيم مقاتلي "بوكو حرام" في المنطقة، لقد رآني، لكنه تظاهر بأنه لا يعرفني، كان هناك 16 رجلا من قريتنا يركعون إلى جانبه في الشارع، كانوا راكعين على هيئة صف طويل، تحدث "بابالابا" إلينا قائلا "لقد جئنا بكم إلى هنا، لكي تروا، كيف نقيم حدود الله".

كان "بابالابا" يعمل في السابق في تجارة جلود البقر والماعز، يبلغ عمره نحو ثلاثين عاما، ويسكن على بعد منزلين منا، أعرف أنه لم يسبق له قط أن ألقى بالا لأسرته، هو متزوج، ولديه ثلاثة أبناء، كان سقف منزله غير محكم، فكان المطر يدخل دائما إلى المنزل، كانت أسرته فقيرة قبل انضمامه لـ "بوكو حرام"، كان نكرة، عندما استولت "بوكو حرام" على القرية، اتخذ لنفسه ثلاث فتيات من البلدة، لقد اختطفهن وتزوج بهن، وأخذهن مع أسرته إلى الغابة.

ضرب مقاتلو "بوكو حرام" أعناق الرجال بسيوف طويلة، كانوا يضغطون عليهم لأسفل، ويمسك أحد المقاتلين بهم ويقطع الثاني رؤوسهم، استمر الأمر وقتا طويلا جدا، لا أعرف، كم استمر، كانوا بعد ذلك يرفعون رؤوس المقتولين إلى أعلى بحيث نستطيع أن نراها جميعا، ويلقون بها في الشارع، ثم يقربون منهم الرجل التالي، الذي حان دوره، كان هؤلاء الرجال قد ظلوا مختبئين في المنازل، وحاولوا أن يلوذوا بالفرار من القرية، هذا ما حكوه لنا، أخذ الدم يتدفق من جذوع الرجال، كانت الأجساد ترتجف، عندما يخرج الدم بأكمله من الجسد، يتوقف الجسد عن الارتجاف، قبل أن يقطع مقاتلو "بوكو حرام" رؤوس الرجال، عصبوا أعينهم، كنت أعرفهم جميعا، كان زوج ابنتي الكبرى واحدا منهم، اسمه "موسى" كان يركع أمامنا أيضا "هارونا" و"عبدالله" و"بابا" و"ماي" و"جورو"، يمكنني أن أخبرك أيضا بأسماء الآخرين.

قتلوهم جميعا، ماعدا رجلا واحد، اسمه "إيجاكرايو"، الذي كان يريد في بادئ الأمر أيضا أن يلوذ بالفرار مع الرجال، لكنه انقلب عليهم بعد ذلك وتعاون مع "بوكو حرام" وأطلع المقاتلين على الدرب المؤدي لقرية نائية صغيرة، كانت القرية تدعى "واكارا"، ولا يسكنها سوى المسيحيين.
في ذلك المساء نقل "بابالابا" ورجاله الفتيات اليافعات أولا بعيدا على متن سيارات نقل، وقد جاءت سيارات النقل ذاتها مجددا في الصباح التالي، ثم أرغمونا نحن الأكبر سنا على البقاء في مكان الشحن في السيارات، نقلونى بصحبة أبى، عرفنا في غضون ذلك، إلى أين سينتهي بنا المطاف، إلى غابة "سامبيسا".

محمد الحمامصي













يضم كتاب "الرواية في زمن مضطرب" بين دفتيه مجموعة من الدراسات النقدية، حيث يقول مؤلفه د. فهمي عبدالسلام: "إنها ليست دراسات بالمعنى الأكاديمي للكلمة، لكنها قراءات في عدد من الروايات التي فُتنت بها، وقرأتها العديد من المرات، ووجدتها في كل مرة تزداد روعة وألقاً، وكتبها روائيون عظام ينتمون إلى جيل عمالقة الأدب، وهم نجيب محفوظ وفتحي غانم ولويس عوض ويوسف إدريس، والساخر العظيم محمود السعدني".

وكان من الطبيعي أن ينال الأديب الكبير نجيب محفوظ اهتماماً فائقاً، حيث يعتبره المؤلف قامة لا تقل عن أساطين الأدب في العالم عبر التاريخ، فهو لا يقل عن شكسبير وديستوفسكي وتشيكوف، فيضم الكتاب أربع دراسات في أدب محفوظ، دراستان عن “المرايا” ودراسة عن “اللص والكلاب”، والرابعة عن رواية “ميرامار” حيث يقول عنها: ”المرايا تحفة أدبية عظيمة، وأحببتها بشكل خاص؛ لأنها سيرة ذاتية لصاحب نوبل، وهي بانوراما وجدارية هائلة تتكون من بورتريهات بديعة لأربع وخمسين شخصية، ونشرها الراحل الكبير في مجلة الإذاعة والتليفزيون في حلقات، ورسم الفنان الكبير سيف وانلي لوحات رائعة لشخصيات المرايا، وتوقف يحيى حقي عند المرايا، وأثنى عليها لنصاعة الفكرة، والتناول الباطني للشخصيات، والقدرة العظيمة للتنقل من السرد إلى الحوار، ووجدت نفسي لا أرتوي من قراءة المرايا.


وقال أحد محبي صاحب نوبل عن المرايا: إن محفوظ قال له عن المرايا: “كنت أنتوي أن أكتب سيرة ذاتية، وكنت أفكر أن عندي مادة كبيرة لشخصيات في ذهني، وعند الكتابة لم أجد سوى سطور قليلة، والعكس صحيح. شخصيات لا أكاد أتذكرها، وعند الكتابة وجدتها تضج بالحياة؛ لهذا ضحيت بالحقيقة وبالسيرة الذاتية لصالح الفن”.

يقول المؤلف: قررت أن أكتب عنها خمسة مقالات بعنوان: “مرايا نجيب محفوظ مرايا صادقة لأحزان الوطن”. وبدأتها بواحدة عن دنيا الوظيفة وعالم الموظفين، واهتمام محفوظ بالموظفين يتجلى في تحفته "حضرة المحترم"، وفي المرايا أعاد محفوظ اهتمامه بالموظفين عندما كتب عن وظيفته والنماذج التي قابلها وزاملها عندما كان يعمل في وزارة الأوقاف.

أما الدراسة الثانية فهي تخص الأدباء والكتاب والمثقفين، فلم يكن من المعقول أن يكتب محفوظ – وهو المنخرط في الوسط الأدبي والثقافي منذ الثلاثينيات – عمّن عرف من الشخصيات ولا يكتب عن المثقفين والكتاب الذي عرفهم، ومن خلال بورتريهات المرايا، قدم لنا الانتهازيين والنبلاء واليساريين ولم ينس أن يقدم صورة قلمية لسيد قطب، اختار لها اسماً مستعاراً (إسماعيل الحلواني)؛ لذا كتب الناقد الدراسة الثانية عن أهم الشخصيات في الوسط الثقافي والأدبي الذي عرفهم عن قرب، والثالثة – لم يكتبها – عن زملاء محفوظ في المدرسة والجمالية والعباسية وقد تجاوروا منذ طفولتهم حتى الوفاة والمعاش، ورابعة عن عشيقات أديبنا الكبير كما كتب عنهم، والخامسة بعنوان شخصيات متفرقة.

المقال الثاني الذي كتبه لمجلة ”الهلال” كان عن رواية “اللص والكلاب”، فهي الرواية الأولى التي كتبها محفوظ بعد توقفه عن الكتابة لمدة خمس سنوات، وكان قد انتهى من نشر الثلاثية، فقامت الثورة وتوقف محفوظ عن كتابة الروايات وانشغل بكتابة السيناريو، وكان توقفه لأنه وجد أن الثورة بتطبيق وبتحقيق المطالب الاجتماعية قد حققت – تقريباً – ما كان يأمل في تحقيقه من العدالة المنشودة، وعاد بعد خمس سنوات ليكتب بعد التوقف الطويل “أولاد حارتنا” ثم “اللص والكلاب”.

ويطالع القارئ عدة دراسات وقراءات في أعمال قامة عظيمة من القمم الروائية من جيل العمالقة، سنجد الأديب الكبير فتحي غانم العديد من الدراسات في أعماله الخالدة، وحيث كتب الناقد عن رواية “الجبل”، التي كانت أول أعماله الروائية، التي نشرتها روزا اليوسف على حلقات، وكانت بداية رائعة تنبئ عن كاتب موهوب قدير، حيث يجد القارئ عمق الرؤية والهم الوطني والالتزام الاجتماعي والصدق الفني، وهي تتناول سكان قرية القرنة (الجرنة) في الصعيد، ويعيشون في الجبل، وتبنى لهم الدولة قرية نموذجية ولكن السكان يفضلون جحورهم في كهوف الجبل، ويقاومون السلطة في عناد، فيذهب المحقق فتحي غانم – الذي كان يعمل بالفعل في إدارة التحقيقات بوزارة من الوزارات – ليحقق في القضية، فيعود لنا برواية فذة لفتت إليه الأنظار.

أما رواية "العنقاء" فهي الرواية الوحيدة التي كتبها المفكر الكبير لويس عوض، وكتبها عام 1954، لكنها لم تصدر إلا في السبعينيات، وتضاربت الآراء بصددها، واعتبرها توفيق الحكيم رواية عبقرية – في المقدمة البديعة التي قدم بها الرواية – لو صدرت العنقاء والكلام مازال لتوفيق الحكيم، بعد كتابتها مباشرة (عام 1954) لكانت غيرت مسار الرواية المصرية، ولغيرت معها توجهات لويس عوض.

وفي الكتاب قراءة في رواية يوسف إدريس الوحيدة الصادرة عام 1958، والتي نشرت في الثمانينيات، وهاجم اليساريون الرواية بضراوة، وهاجموا انتهازية يوسف إدريس، واتهموه بأنه يتنصل من يساريته وانتمائه للتنظيمات اليسارية كيلا يزج به في المعتقل، وأنه باعهم لينجو، وقد يكون كل هذا به شيء من الحقيقة، لكن – كما سيرى القارئ – شخص يوسف إدريس الأمراض الشائعة في ممارسات التنظيمات اليسارية السرية في ذلك الزمان.

أما آخر الأعمال فهي للكاتب محمود السعدني وهي مذكراته عن فترة اعتقاله مع الشيوعيين في ليلة رأس السنة إياها! ويقدم السعدني صورة فكاهية للمفارقات العجيبة في تلك الحبسة، واسمها يدل عليها "الطريق إلى زمش" وكانت المنظمات اليسارية تطلق أسماء التنظيمات بكلمات تتكون من الحرف الأول من كل كلمة فمثلاً "حدتو" هي اسم حركة ديمقراطية للتحرر الوطني، ووحدة الشيوعيين هي "وش"، وطليعة الشيوعيين هي "ط ش". إلى آخره، وكون السعدني تنظيماً أطلق عليه "زمش" وهي اختصار لـ "زي ما انتا شايف"، والسعدني يضحكنا على الشيوعيين وعلى المعتقل، لكنه ضحك كالبكاء.
ويقول المؤلف: "كل مقالات الكتاب نشرت في مجلة الهلال وكلها عن أعمال كتبها عملاق من عمالقة جيل العمالقة، وصدرت كلها منذ ربع قرن – وربما أكثر – من الزمان، ولم يلتفت معظم الأجيال الشابة لها بحكم الزمن، ولعل في القراءات التي قدمتها لتلك الأعمال، ما يدفع الشباب لقراءة تلك القطع الأدبية الفريدة، ومعرفة تاريخ بلادهم السياسي في ذلك الزمن المضطرب، من كبار كتابنا، وليتعلموا – كما تعلمت منهم ومن أعمالهم – أسرار صناعة الكتابة الروائية".

يذكر أن كتاب "الرواية في زمن مضطرب" للدكتور فهمي عبدالسلام، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة
حازم خالد














صدر حدثياً للكاتب المصري ممدوح الشيخ سيرة روائية للفيلسوف اليهودي موسى ابن ميمون (1135 – 1204). وابن ميمون أشهر فلاسفة اليهود في العصور الوسطى وعاش في الأندلس والمغرب وفلسطين ومصر، وترك بعضاً من أهم المؤلفات في التراث اليهودي كله، أشهرها "دلالة الحائرين".

وبلسان "الراوي العليم" يقول ابن ميمون: "قِصَّتي تَبدُو غَريبَةً، وكَذلِكَ كَانَ حَالُ اليَهودِ في مَشَارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبِها، وكَما قَال إِبراهام بن عزرا "التَفَاسِيرُ كَالمَلبُوسَاتِ تَلتَصِقُ بِالجَسَدِ، فَمِنهَا رَقِيقٌ كَالحَريرِ ومِنهَا غَليظٌ كَالوَبَرِ"، وبَينَ الوَقَائَعِ والتَفسيرَاتِ كَانَ اليَهودُ في أَزمِنَةٍ كَثيرَةٍ ضَائِعين". "وفِي عَالَـم الأَندَلُس سَفَكَ الَخوفُ دِمَاءَ مَشهُورينَ ومَغمُورينَ، دِمَاءٌ دَفَعَ أَصحَابُهَا – أَو كَثيرٌ مِنهُم – ثَمَنَ خَوفِ صَاحِبِ تَاجٍ عَلَى عَرشِهِ، فَلمَّا مَلَأَ الَخوفُ ردهَاتِ القُصورِ، وسَدِّ الدَّمُ أَبَوابَ الأَمنِ، صَارَ مَأَلُوفًا استِئصَالُ جَمَاعَةٍ أَو تَحطِيمَ نُفُوذِهَا بِلَا رَحمَةٍ، وشَرِبَ العَرَبُ والبَربَرُ مِنَ الكَأسِ نَفسِهِ".

والرواية تتبنى رؤية لا تعيد إنتاج "الصورة النمطية للشخصية اليهودية" الشائعة في ثقافات عديدة في الشرق والغرب، تعيد الاعتبار – ربما للمرة الأولى – لمعاناة اليهود في دول عديدة خلال الحقبة الزمنية التي تدور فيها أحداثها، وبينها أحداث تاريخية شديدة الأهمية كصعود الموحدين والحروب الصليبية، وعلى لسان ابن ميمون يقول ممدوح الشيخ: "وَهَذِهِ الرِّسَالةُ الَّتي شُغِلتُ بِكِتَابَتها مُنذ أَشهُرٍ، رِوايتي لِـمَا رَأَيتُ وَمَن عَايَشتُ، فِي بِلَادٍ اختَرتُهَا وأُخرَى اختَارَتنِي. "ولا يَخلُو اختيَارٌ من قَسرٍ!"

ويقول ابن ميمون أيضاً: "من يهوديتي يبدأ كل شيء: الفخر، والخوف، والكره، والخطر، والرفعة، والمعاناة، والغربة، والألم؟

كيهودي – بل كمنتمٍ إلى بيت يهودي كبير – كان عليَّ أن أدرك ما لا يدركه كثير من عامة اليهود، وربما كان متوقعاً مني أن أحلَّ ألغازه، أو أن أدرك أسباب تعقيده، أو أن أبني جسراً لليهود الآخرين ليفهموا كيف يجتمع الاختيار الإلهي مع المعاناة وأحياناً المذلة والضعة، وكيف يمكن أن يتحمل اليهودي عبء الشريعة بأحكامها المعقدة والواقع بقيوده المرهقة؟ وكيف يستطيع إنسان أن يبتلع صورة شائعة عنه تنزعه من سياقه الإنساني، بينما هو يرى نفسه عضواً في الشعب المختار؟ وكيف يمكن أن يتعايش اليهودي مع حب جارف لأرض الأجداد، وفي الوقت نفسه مع غربة لا تكاد تتوقف من الشرق إلى الغرب، ومن منفى إلى منفى؟!!"

ومن القضايا المثيرة في الرواية الدور السياسي لـ "الخصيان الصقالبة" الذين يصفهم الروائي بالقول: "وهُم كَانُوا القَويّ الضَعِيف"!

وعن الطبيب ابن ميمون نقرأ في الرواية: "كَانَ أَبِي طَبِيبًا، وفِي صِبَاي كُنتُ أَرَى فِيهِ، وفِي الوَزيرِ حَسداي، أُمنِيةً أَتـَمنَّى أَن أُحَقِّقَ بَعضًا مِنهَا عِندَمَا أَكبر، وسَأَلتُهُ ذَاتَ يَومٍ عَن طَبِيبِ المَلِكِ وكَيفَ يـُمكِنُ أَن أُصبِحَ يَومَاً طَبِيبًا فِي قَصرِ مِن قُصُورِ الـمُلُوكِ. وصَمَتَ أبِي بُرهَةً ثـُم رَبَتَ عَلَى كَتِفِي وقَالَ: "اسمَع يَا مُوسَى .. كُن طَموحًا ولا تَكُن خَامِلاً، وامشِ مُبتَعِدًا عَن كُلِّ قَصرٍ، فَقَدِيمًا قَالَ الحَكِيمُ: "ثَلاثَةٌ لا يَأَمَنُهُن إِلّا غِرٌّ: مُصَاحَبَةُ المُلُوكِ، وائتِمَان النِّسَاءِ عَلَىَ الأَسرارِ، وشُربُ السُّمِ لِلتَجربَةِ". وقَالَت الحِكمَةُ: "السُّلطَانُ مَن لا يَعرِفُ بَابَهُ السُّلطَانُ".

وطَبِيبُ المَلِكِ يَكُونُ قَريبًا مِن المَلِكِ، وتِلكَ مُخَاطَرَةٌ، والأَسوَأُ أَنَّهُ يَرَى المَلِكَ عَارِيًا".

واستَغرَبتُ العِبَارَةَ فَسأَلتُ مُتَرَدِّدًا، تَرَدُّدَ الـخَجُولِ الـمُندَهِشِ: "عَارِيًا؟" فَرَدَّ أبِي: "نَعَم .. .. .. يَرَاهُ ضَعِيفًا ومُتَأَلِمًا، بَل رُبَّمَا عَاجِزَاً ومُشرِفًا عَلَىَ المَوتِ، والمُلُوكُ .. كُلُّ المُلُوكِ يُحِبُّونَ أَن يَرَاهُمُ النَّاسُ بِالتَّاجِ والصَولجَانِ، مُحَاطينَ بِالحَرَسِ تَتَلَألَأ مَهَابَتُهُم بِزِينَةِ المُلكِ". "فَإِن صِرتَ طَبِيبَ المَلِكِ فَاحذَر أَن تُخبِرَ أَحَدًا بِأَنَّكَ تَرَى المَلِكَ عَارِيًا".









كشف قيادة شرطة محافظة بابل جنوبي العراق، عن تحقيق أحد شروط منظمة اليونسكو المتمثل بتأمين مدينة بابل الأثرية وإبعادها عن العسكرة، بالتنسيق مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار.

وقال قائد شرطة محافظة بابل علي الزغيبي في مداخلة تلفزيونية، إن "قيادة الشرطة أخذت على عاتقها بالتنسيق مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار تحقيق شرط منظمة اليونسكو المتعلق بتأمين مدينة بابل الأثرية وإبعادها عن العسكرة".
وأضاف أنه "تم تحقيق الشرط من قبل الأجهزة المتخصصة، واعتماده ضمن المتطلبات المتحققة لإدراج مدينة بابل الأثرية على لائحة التراث العالمي".

وفي فبراير/شباط الماضي دعا الرئيس العراقي برهم صالح، منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) إلى وضع مدينة بابل الأثرية على قائمة التراث العالمي.

وتسعى وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية منذ عام 2010 لضم مدينة بابل الأثرية الى لائحة التراث العالمي، وإزالة كافة العقبات أمام هذه الخطوة.

وتمثل آثار بابل، الحضارة البابلية التي مرت بالعديد من السلالات الحاكمة التي استمرت منذ عام 1880ق.م إلى عام 500 ق.م، وكان أبرز من حكمها القائد حمورابي، والملك نبوخذ نصر.

وأهم آثارها الحدائق المعلقة التي بُنيت عام 600ق.م بأمر من الملك نبوخذ نصر تكريما لزوجته، وسميت بالمعّقة لأنها تنمو وتتدلى من شرفات القصور، وتعد من عجائب الدنيا السبعة حيث بُنيت على عقود الحجر النفيس، وكانت النباتات تزرع على طبقات مختلفة تناسب الأشجار والنباتات.

ومن كنوزها التراثية أيضا مسلة حمورابي وهي حجر الديوريت الأسود الذي دوّنت عليه شرائع الملك حمورابي، والذي يبلغ طوله ثمانية أقدام، وتظهر على هذه المسلّة التي تكسرت إلى ثلاث قطع قوانينه في القضاء والبيع والشراء والسرقة والزواج، والجيش، وأجور الحيوانات وغيرها فهي تشتمل على 300 مادة غطت العديد من أمور الحياة.

كما يعد برج بابل أحد أشهر معالم المدينة الأثرية، ويتكوّن من سبع طبقات دائرية لولبيّة الشكل حتى يصل في قمته إلى المعبد العالي، وكان البرج يحتوي على القصور، والمباني السكنية، والمعابد التي تناسب كافة طبقات البابليين.

وتضم المدينة أيضا أسد بابل وهو تمثال حجري يجسّد أسدا يفترس رجلا من العدو، ويعتبر الأسد رمزا لآلهة عشتار وتتميّز هذه البوابة ببراعة تصميمها فعلى سطوح جدرانها رسمت أشكال مختلفة من الحيوانات الأسطورية من السيراميك، والخزف الملون، وأبرز هذه الرسومات الأسود والعجول والتنين ومردوخ الخرافي والذي يجمع شكله بين جسم كلب والأقدام الأمامية لأسد والخلفية لطير وله وذيل طويل ينتهي برأس أفعى.










"مراجيح الناثر بدر شاكر السياب"، كتابُ ناقد ثائر ومدافع عن إرث بدر شاكر السياب هو الكاتب العراقي جاسم المطير الذي يُسائل بنبرة نقدية من استثمر في منجز السياب الشعري الضخم دون وجل من كتّاب صحافيين انتهازيين وشعراء وبعض دور النشر التي تتغاضى عن حقوق المبدعين العراقيين، ما يؤكد القناعة التي تجعل من النقد مواجهة مستمرة مع نوازع الإخضاع في المجتمع الاستهلاكي المفتقر إلى معيار متوازن للقيم.

يرتكز الكاتب جاسم المطير في كتابه على معلومات شخصية ساعدته كما يقول على الكشف عما فعلهُ بالمراجيح وخيزرانها المشتق من معاناة الشاعر بدر شاكر السياب، المنتمي، رائداً، إلى شمس الشعر الحر، حاملاً أثقال تجربة مريرة ومرض مقطر بالآلام، وجد ضرورة الكتابة عنها وعن فضلها وظلمها، اللذين سهّلا الأمر برأيه على أغلبية الشعراء العرب أن يزينوا قصائدهم برونق أحلام تطورية جديدة.

كما يشير الكاتب إلى أن مقالات هذا الكتاب، لا علاقة لها بدراسة شعر السياب أو شاعريته، وإنما الدافع الأساسي، الذي حفزه على جمع مقالاته في كتابه الوجيز هذا: "هو محاولة كشف (البيئة المحيطة) بالشاعر بدر شاكر السياب وتشخيص بعض عناصرها وتوضيحها، بجلاء، أمام القراء، أعني (البيئة السياسية) التي أحاطت ببعض جوانب حياة الشاعر السياب جاعلة منها مراجيح غير متوازنة، ألحقت الأذى بوضعه الشخصي وأساءت كثيراً إلى وضعه السياسي.

كان لتلك المراجيح وآلياتها أثرٌ كبيرٌ على تاريخه. رأيتُ أن من الضروري الاطلاع والتعرّف عليها، إلى جانب الإشادة بمكانته الشعرية السامية في الأدب العربي الحديث، التي يعجز عنها أولئك الشعراء المنتفعون من وراء إلصاق أنفسهم باسم السياب ومقارنة أو مقاربة أشعارهم بمآثره الشعرية، الزاخرة بسيول الصور الشعرية ومدّها. تلك هي مراجيحه، حرّكته بين خير الشعر وشر السياسة. سأتدرج بمقالات هذا الكتاب، محاولاً تركيز النظر إلى الظواهر الاجتماعية، التي خضعت لمراجيح السياب، المسببة لسُبّة المنافسة والتحاسد والمماحكة والصراع مع أصحابه من الشيوعيين وغيرهم".
يضم الكتاب – الذي جاء في 224 - أربعة عشر مقالاً جاءت تحت العناوين الآتية: "عن الانقسام الشعري وبداياته"، "بعض الحقائق الغائبة أو المعلقة"، "السياب بين الوعي الشعري والضياع الواقعي"، "السياب والثورية اليسارية"، بدر شاكر ظ"، (...) ومقالات أخرى.













"فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال" رواية عربية تغاير كل ما سبقها من روايات تقليدية، رواية لا تقوم على بداية وعقدة ونهاية، بل هي رواية الإمتاع والمؤانسة، والنقد السياسي والحمولة الفكرية الراقية، والجديد فيها أنها تتألف من كشكول يجمع كل لطيف وظريف وطريف ومدهش وجميل وساحر وغريب وضائع ومنسي في حياتنا المعاصرة وفي تراثنا أيضا.

إنها رواية واقعية بامتياز، ولكنها تطلق العنان للخيال المحلق، ليستحضر الروائي من خلالها الجن، وليدخل في باب المستحيلات والممنوعات والأساطير والخرافات، بل ويتوقف لدى فتح البخت وتفسير الأحلام، وحتى دعوات الأمهات يوردها، وقد جاء فيها: "روح إلهي العين ترقعك، وعلى الأرض تلطعك، وتفتتفك وما تجمعك، وتنادي وما حدا يسمعك، روح، إلهي توكل جنابك الفرشات، ويحاكموك عشر خوجات، ما يفهموا شو ما لك، وما يعرفوا جوابك من سؤالك، وما يلقوا إلك دوا، وتظلك تتوجع وما يسمع صوتك غير الهوا! إلهي يخطفك عزرائيل، ويكبسك في البرميل، ويحطوك في جورة أولها شبر وآخرها شبر، وتظلك بعد يوم القيامة في القبر، مع حية بسبع روس، ونار زرقا أحمى من نار المجوس".

ورغم أن ثلاثة أرباع ما في الرواية من أحداث ترتبط بشخصية وسيرة مبدعها الدكتور محمد حسين السماعنة، إلا أن ثقافته الموسوعية، ومطالعته لأجمل ما في تراثنا، جعلته ينسى نفسه، ويتقمّص شخصية بديع الزمان الهمذاني في مقاماته، ويقول ما لم يقله، ومن ذلك قوله: "الباص الذي حملني من الزرقاء إلى عمان، ومشى على صوت: اقصد، قضى يوما أو نصف يوم في الطريق، حتى إنني دفعت للكنترول الأجرة مرتين؛ فقد غفوت وصحوت، ثم غفوت ثم صحوت على صوته وهو يلم الأجرة في ماركا، فدفعت مرة أخرى".

د.السماعنة، الذي مزج في روايته بين اللعب والجد، وبين أدب الكبار وأدب الأطفال، وبين اللغة العربية الفصيحة واللهجة العامية، بين الأدب الساخر والرواية السيكولوجية، بين النص الأدبي والتراث الشعبي بكل ما فيه من أغان وزغاريد وأمثال وحكم وحكايات، الدكتور السماعنة نفسه، ألف روايته من عناصر متنوعة متغايرة، ومنها قصة داخل قصة، وحكاية داخل حكاية، الأمر الذي يذكرنا بروايات ومسرحيات إميل حبيبي، وألف ليلة وليلة، مع التأكيد على أن السماعنة لم يقتبس منهما أو يتأثر فيهما، ولكنه شاركهما في محاولات التغيير والتجديد عبر إدخال مواد تراثية قد تبدو غريبة على السرد الروائي التقليدي، وجعلها عناصر أساسية، ولكنها ممزوجة بتعليقات جانبية، تفصيلات ثانوية، واستخلاصات للعبر والتجارب، قدمها للقراء على طبق من أدب ملتزم بأرق الجماهير، وأفراح وأتراح القاعدة الشعبية.

والسماعنة الذي يدرك أن أمتنا بحاجة إلى منقذ، يستعرض قدراته اللغوية والبلاغية والسياسية في هذا النص الذي أقتطعه من روايته وقد حمل عنوان (المنقذ): "صحوت قبل عامين ونصف، على عبارات التمجيد والثناء والمدح والدعاء، وصارت طريقي، في قريتي الجبلية، المنسية فوق قمة جبل نابلس، مزنرة بالخضرة والمواويل، بين وجوه باسمة، وأيد ملوِّحة، وتسهيل وترحيب، وعبارات مزينة موزونة كثيرة، انتشرت على أعمدة الهاتف وأعمدة الكهرباء، وعلى جدران البيوت

وعلى بكس البندورة وبكس التين، وعلى ضمم البقدونس والملوخية، فظننت أن القوم جـُنّوا فسايرتهم وماشيتهم ووافقتهم، فصرت أرد الابتسامة بمثلها، والتلويحة بأحسن منها، حتى أعجبني هذا الواقع الجديد فركبته، ومن أذنيه شددته، ومن فمه أمسكته، وعلى صدري علقته، وكنت أقلّبه وأقوده إلى جهة أرغبها وجهة أرغب عنها، وأزيد من الابتسام، حتى استوت على التهليل لي الأقلام، ومضت الليالي والأيام، وأنا على فرش منضودة،وزرابي مبثوثة، وثيرة من التقديس والترصيص والتخليل والتخميس، تحملني وتطير بي العشيرة، وأيد مصفقة كثيرة صغيرة وكبيرة، حتى صدّقت نفسي، ورفعت بالأحلام رأسي، فصاروا ينادونني يا أيها المنقذ الملهم الهمام، ويا أيها الفارس المقدام، ويا أيها الحكيم الإمام صاحب الرأي السليم المنجي من الجحيم،فكانوا إن مرضت دجاجاتهم أتوني سائلين، وإن نشزت خيلهم أتوني مستفسرين، وإن ضجت قلوبهم أتوني مسرعين، وإن عوت كلابهم أتوني خائفين، فقد أعطوني الولاية عليهم في أمور حياتهم كلها، واستأذنوني في أمور معاشهم كلها في حلهم وترحالهم، وموتهم وحياتهم، ومأكلهم ومشربهم.

فانقلبت حياتي من نعيم ليلكي باذخ، إلى جحيم صارخ، فوضعت بيني وبينهم حجابا وبابا، ودفاتر ومواعيد، واصطفوا والتفوا، وداروا وحاموا وتحاموا، فعينت لي نائبين؛ نائبا للدفاع ونائبا للهجوم، ونمت في قصر من الفالوذج والمناسف والزبيب والقطايف، يحفني البطيخ والشمام، والدجاج المشوي والحمام، والبط والإوز وأصحاب الأقلام، سدنة الأعلام والإعلام والخرفان والصبيان، وتنقلت بين لياليّ مستسهلا السير مرتاحا هانئا بين راحة وراحة، حتى جاء يوم ظهر في قريتي وحش مفترس أكل دجاجهم وأغنامهم، وكسر أحلامهم فنادوني .. فجمعت مخاتير القرى كلهم، ومعهم السدنة والكهنة والفلاسفة والبلاشفة، وناشدتهم بكل ما يحبون أن ينقذوني أنا البطل..وأن يشيروا علي كيف أفعل، وما أفعل بحالي وحالهم فقد حرت، وأخاف إن أنا كشفت واعترفت أن تموت قريتي ".
رواية "فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال"


السماعنة، بطل الرواية منذ طفولته، وحتى دخوله الجامعة الأردنية من تحت قبابها البيضاء، وتأمله شبابها وصباياها في الكفتيريا وفي المدرجات والقاعات، لم يكن يتوانى عن إشعار قارئه أنه السوبرمان، وصاحب القوى الخارقة التي تمكنه من الانتصار على سكان قرية بأكملها، بل وعلى جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين لم يُشعرهم يوما بضعفه أو خوفه، السماعنة نفسه، كان يعود إلى جذوره البشرية العادية في معظم الأحيان، ولا يتوانى رغم شجاعته وبسالته وما يتمتع به من حيل وفنون، عن إلحاق الأذى بنفسه وبأدوات منزله، وبكل ما على أرض قريته بيت إيبا، والجبل الأبيض في الزرقاء فيما بعد، من أجل إضحاك قارئه وإسعاده، فكم من مرة طرق أبواب القرية في منتصف الليل وهرب، وكم من مرة لدغته خلايا النحل والدباير، وصعقته الكهرباء، ودخلت إلى عبه الأفعى، وتدحرجت به العجلات والسكوترات، السماعنة الذي تحدى المخاتير والوجهاء، والرجال والنساء، كان يقوم بما يشعر القارئ أنه شخصية سلبية وإن كانت محور الوقائع والأحداث، باعثة الضجة في المكان، والقلق في الزمان، كان السماعنة يسعى من خلال توسيع دائرة الحكايات التي يجمع بينها ما يسمى بالسرد العنقودي، وإيراد تعليقاته عليها، وإغراقها بفيض من الحكايات الموازية والأغاني والزغاريد والأمثال، إلى إعادة المتلقي إلى أصل الحكاية، المتمثل في التراجيديا الفلسطينية، وصراع البقاء الذي يخوضه الفلسطينيون على أرضهم بخاصة، وتحقيق أمل العودة إليها لمن غادروها، بجرأة لم يمتلكها ربما المؤرخون الذين يكتبون فقط عن الأزمنة التي تسبق أزمنتهم، أما السماعنة فيقول في روايته عن حاضرنا: "لعل أم شديد لم تنم منذ أخبرها أبوشديد عن عزم ترامب إلغاء حقها بالعودة لقريتها الطنطورة، وأنه أعطى القدس لليهود".

السماعنة ابن واقعه، حلّق ودخل في الأوهام كثيرا، ولكنه ظل ابن بيئته، التي لم تكن تخلو من الغرائب التي تمرّ على كثيرين دون أن تلفت انتباههم، ولكنها كانت تستوقفه باعتباره الروائي والشاعر المبدع، الحسّاس، فحفظها ودوّنها في موقعها الملائم داخل الرواية، ومنها قولهم السلبي:

يلعن أبو المدارس.. غلّن مهر العرايس
يلعن ابو الجامعات.. غلن مهر الطالبات
ويا ثعلب ويا مكار.. وايش دلّك ع باب الدار
ومنها تلك الأغاني المسجوعة، التي تشنف آذان الصغار والكبار، وإن كانت تخلو من المضامين الجادة، فقد كان للسماعنة الفضل في تخليدها في روايته التي تشغل الحكايات الشعبية حيزا كبيرا فيها، على غرار: "بيبوح يا بيبوح، قلب العرب مجروح، أمو وراه بتنوح، بتقول يا ولدي، يا صاحب الزندي، جبلي معك بقرة، بقرة حلابه، تحلب وتسقيني، والرب يعطيني، يعطيني طير اخضر، يمشي ويتمختر.."؟.
ومن مدرسة البنات، أحضر لنا السماعنة قول الطالبات: "أجا البابور البابور، أجا خالي من اسطنبول، حاكاني حكي تركي خلى عويناتي تبكي، أكْل الحصرم يا عيوني، شو ما أكلتو طعموني؟ أكلنا كنافة مئلوبة انشالله تطلع محروأة".
ومن الأمثال أورد السماعنة في روايته: "المره لوطلعت للمريخ.. آخرتها للطبيخ"، "إمش في جنازة ولا تمش في جوازة"،"إرضينا في الهم والهم مش راضي فينا".
تخللت رواية السماعنة العديد من العناوين الفرعية، التي كان الواحد منها يفضي إلى لآخر، بشكل يضفي بنية مقطعية عليها، دون أن تنفصل المقاطع عن بعضها، بل تتسلسل وتتواءم مع الحكايات، ومع شخصية بطلها في طفولته العجائبية وغريبة الأطوار، لتخفي لعبة التهجين التي كان يمارسها بين حكاياته، ومن تلك العناوين: المتسائل، المستذنب، المستحمر، المتقاعد، المتخبط، المغني، المتسحسل، المتنمّر، المدخن، المتفلسف، المتسلق، المجاكر.

أماطت شخصية بطل رواية السماعنة، وهو نفسه، وفي أثناء انتقاله من الخاص إلى العام، اللثام عن تجربة شعبه وأمته، وكوّنت شبكة سردية واضحة عكست الكوميديا السوداء التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.

قلت لمن سألني عن رأيي في هذه الرواية، إنها رواية عظيمة، لم آخذ عليها إلا إيراد الروائي مقطعا من أغنية شعبية جاء فيها: حط امك في الطنجرة.. واطبخ عليها إمجدرة
فقال لي، بل عليك أن تأخذ عليه عدم إكماله الأغنية التي جاء فيها: حط امك في الصينية.. واطبخ عليها ملوخية.


محمد المشايخ




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright