top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
فرنسوا بورغا والعالم العربي… سيرة ألف باب وألف إسلامي
في السنوات الأخيرة، كانت كتابات فرانسوا بورغا وغيره من الباحثين الفرنسيين من أمثال أوليفيه روا قد غدت مرجعا رئيسيا لفهم تجربة الإسلاميين والجهاديين المعولمين. وقد ترجمت معظم كتب هذين الباحثين للعربية، ما أتاح تفاعلاً واسعاً معها، لفهم كثير من الأحداث والتحولات الدينية والسياسية، وبالأخص مع تحول المنطقة إلى ملاذ للبداوة الجديدة، وفق تعبير روا، التي أخذت تضرب وتؤسس لولايات هنا وهناك، وتتبنى أحيانا ...
أرثر رامبو في ذكرى رحيله الـ 129 .. أيقونة التمرّد الذي قال كل شيء
في العاشر من شهر نوفمبر الجاري مرّت 129 عاماً على رحيل الشاعر الذائع الصّيت جان نيكولاس أرثُر رَامبُو (1854 ــ 1891) الذي يعتبر من شعراء فرنسا الكبار على الرّغم من أنّ يد المنون اختطفته في سنٍّ مبكّرة بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره بقليل، إنه يذكّرنا ببعض شعرائنا الذين رحلوا في شرخ العُمر، وريعان الشباب أمثال طرفة بن العبد، وأبو القاسم الشابيّ، وأمل دنقل وسواهم. كما يعتبر هذا الشاعر وأعماله الشّعرية على وجه ...
نهاية التاريخ وما بعد الديمقراطية
في عام 1992 وكان الاتحاد السوفييتي قدانهار لتوه، رأى فرانسيس فوكوياما، وهو فيلسوف ومنظر سياسي أمريكي، أن كل ما يمكن أن يقع من نزاعات مقبلة يجد حله ضمن النموذج الديمقراطي الليبرالي السائد في المعسكر المنتصر، وأنه ليس هناك ما بعد لهذا النموذج. لقد انتهى التاريخ. لم يكد يعتنق أحد هذه الدعوى التي بدت انعكاسا لمزاج التيه والطرب، الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة بانتصار التحالف الرأسمالي الغربي. فوكوياما نفسه ...
حيث لا تظهر الهند عن حسنها
«نائب القنصل» الذي تحمل الرواية اسمه، أو صفته، ليس إلا واحدا من شخصياتها. ربما كانت آن ماري ستريتر زوجة السفير الفرنسي أولى منه بحمل العنوان، أو حتى مايكل ريتشارد، عشيقها السابق – الباقي يشاطرها زمن ما بعد الخبز، أو ربما يستحق ذلك كل من أولئك الآخرين الذين تتشكل منهم حلقة العيش والسهر. هؤلاء محكومون بأن يكونوا ملازمين بعضهم بعضا، فهم بِيض كالكوتا، موظفو السفارة الفرنسية وقنصلياتها، ومن يمتّون إليهم ...
لماذا لا يُجرّم الغرب معاداة الإسلام
مع استمرار ازدواجية معايير الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، تتسع موجة معاداة الإسلام وكراهية المسلمين، حتى وصلت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” إلى مستويات خطيرة في الفترة الأخيرة. فمنذ عقود، يتنبى الغرب خطابا يُجرم معاداة السامية وكراهية اليهود بعد “الهولوكوست” خلال الحرب العالمية الثانية. والآن، فإن أجواء العداء السائدة بحق المسلمين، تستدعي إجراءً مماثلا، عبر سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام. لكن ...
ماكيافيللي… فيلسوف شر أم واقع سياسي؟
تم ربط يديّ الرجل البائس، الموثقتين أصلا خلف ظهره، بحبل مرتبط ببكرة مثبتة بالسقف. وتم سحب ذلك الحبل إلى الأعلى رافعا معه الرجل الذي شعر بآلام رهيبة في كتفيه، إلى درجة أنه شعر بأن ذراعيه على وشك الانفصال عن جسمه، لاسيما عندما كان المسؤولون عن التعذيب يتركون الحبل فجأة ليسقط جسده سريعا، ثم يسحبون الحبل مرة ثانية وبشكل فجائي قبل ارتطامه بالأرض. ولكنه مع ذلك لم يعترف بشيء، على الرغم من استمرار هذا التعذيب ...




في السنوات الأخيرة، كانت كتابات فرانسوا بورغا وغيره من الباحثين الفرنسيين من أمثال أوليفيه روا قد غدت مرجعا رئيسيا لفهم تجربة الإسلاميين والجهاديين المعولمين. وقد ترجمت معظم كتب هذين الباحثين للعربية، ما أتاح تفاعلاً واسعاً معها، لفهم كثير من الأحداث والتحولات الدينية والسياسية، وبالأخص مع تحول المنطقة إلى ملاذ للبداوة الجديدة، وفق تعبير روا، التي أخذت تضرب وتؤسس لولايات هنا وهناك، وتتبنى أحيانا عمليات في العواصم الأوروبية. وقد دفع هذا الاهتمام دار الساقي اللندنية، التي كان لها فضل كبير في تعريفنا بالعديد من الباحثين الفرنسيين في عالم الإسلاميين، في السنتين الأخيرتين إلى ترجمة السير البحثية أو الميدانية، لكل من فرانسوا بورغا وأوليفيه روا، ما وفر لنا معرفة أدق بالأجواء والظروف وخلفيات بعض الكتب التي كتباها عن العالم الإسلامي.

في سيرة روا، التي عرضناها في وقت سابق، كنا أمام مشهد سندباد آسيا الوسطى وهو يروي لنا يومياته في أفغانستان وطهران وتركيا وطاجيكستان قبل أن تتنتهي به الدروب مؤقتاً في دير مسيحي سابق، في إحدى المدن الإيطالية، ليبقى قريبا من رياح الشرق. أما مع فرنسوا بورغا، فإننا سنتعرف هذه المرة على سندباد آخر، ولكن ليس في آسيا الوسطى، بل في العالم العربي. ففي كتابه الأخير «فهم الإسلام السياسي» يعود بنا بورغا إلى ذاكرته قليلا، خلافا للعنوان الذي لا يوحي بذلك، ليروي لنا جزءاً من سيرته الميدانية، إذ يؤكد أن هذا الكتاب لا يضم قصصا شخصية عنه، بل عن تجربته البحثية في العالم العربي.
تشكلت عائلته، كما يذكر، وفق طبقات تراكمية ذات طبيعة متنوعة، ففرع من عائلة أبيه كان قد هاجر إلى الجزائر في القرن التاسع عشر، وهناك جمع قسم منهم ثروة كبيرة، وكان أحدهم مسؤولا عن هندسة مدينة الجزائر.. كانت العائلة قد انقسمت بين من يؤيد قمع الجزائريين، وجيل آخر وجد من الضرورة التكفير عن أخطاء أجدادهم، وهنا يقول: «أما أنا فانتميت إلى هذا الفرع الأخير في صباح خريفي 1973».

كان لقاؤه الأول بالعالم العربي في السادسة عشرة من عمره، عندما زار القدس برفقة عمته. ولم يفهم في هذه الزيارة، وكما يذكر، الكثير عن هذا المشرق العربي. سيقال له يومها إنّ الإسرائيليين نجحوا في زرع الورود وسط الصحراء.. بعد ذلك بسنوات، سيعاود هذا الشاب التجوال في أوروبا، قبل أن يقرر السفر مرة أخرى إلى الشرق: بغداد هي وجهته الجديدة. لا يذكر أسباب اختياره لهذا البلد، وربما كانت الأحلام الشرقية التي دفعت أوليفيه روا، كما يذكر في سيرته، للبحث عن الشرق المفقود الرومنطيقي هي ذاتها التي دفعت بورغا للسير في هذا الدرب. في طريقه، أخذ يعبر عشرات البوابات والمخافر الحدودية الجديدة، التي تشكلت قبل قدومه بعدة عقود، كان حراس الحدود يفتحون علب المربى والفول لفحصها، وفي طريقه سيزور حي الحريقة في مدينة دمشق، وهو الحي التي تعرض لقصف فرنسي خلال العشرينيات من القرن الماضي، وفي إعادة تذكره، سيعيدنا إلى مقولة للمؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي، في إحدى مقابلاته الأخيرة عندما عرّف الذاكرة والسير بوصفها عملية اختيارية وحمالة وجوه عديدة؛ ولذلك سيتناسى بورغا باقي الأحياء الدمشقية التي زارها، وبدلاً من ذلك، ركز على قصة الحريقة، وظلم الاستعمار ليدعم سرديته التي بناها لاحقا في كتبه حول صعود الإسلام السياسي، فهؤلاء لم يأتوا من فراغ، بل جاؤوا كردة فعل على الاستعمار، والدول الوطنية اللاحقة لهم. وصل إلى أمام بوابات العراق، لكنه لن يتمكن من الدخول بسبب انتشار الكوليرا، ومن المفارقات أنّ الكاتب سيعود لهذا البلد بعد 44 عاماً على مقعد خلفي من سيارة مصفحة برفقة عناصر مسلحين من السفارة الفرنسية.. بعد أن خاب ظنه، أخذته قدماه إلى حلب، وهناك سيتنبه إلى أنّ قسما كبيرا من أهالي حلب، بشقارهم وعيونهم الزرقاء، لا يختلفون كثيراً عن أهالي فرنسا، ولو أنّ أحدهم سار في مدينته بعد تغيير ثيابه لما جرى تمييزه..

في السبعينيات، سيجول هذا الباحث في بلدان عديدة في الشرق والغرب، قبل أن يعمل نادلاً في أحد المطاعم في أمريكا.. كان من الضروري اكتشاف هذا العالم الجديد، كما يقول، أو ربما كانت الأقدار تقوده إلى الرحلة ذاتها التي قام بها سيد قطب، أحد أبطال كتاباته، في فترة الخمسينيات إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. هناك سيرى بورغا أنّ الأمريكيين لا يعرفون شيئا عن أوروبا العجوزة، كانوا يسألونه إن كانت هناك تمديدات مياه للشرب في مدينته. ما لاحظه في هذه الزيارة هو النظرة العنصرية الأمريكية تجاه العالم الآخر بمن فيهم الأوروبيون.. قرر الشاب دراسة الحقوق، وبعدها بسنوات وجد نفسه أستاذا في جامعة القسنطينة في الجزائر، وإلى هنا، لم يكن الإسلام السياسي قد لفت نظره.
.
إذ يذكر أنّ قدومه هذه المرة لم يكن شغفا بالشرق، بل هربا من الخدمة العسكرية.. في تلك السنوات، ستقوده الدروب إلى بوابة أفكار مالك بن نبي، لتنضج معه أفكاره حول الهيمنة الثقافية والعنف الرمزي الذي يقوده الغرب تجاه هذا العالم، كان مالك بن نبي يرى أنّ المجتمع المسلم في زمنه قد غدا مبتذلاً في الأعلى، وفقيراً في الأسفل، حتى لباس الرجال كان يتأثر ويتراجع أمام الألبسة الأوروبية من مخازن اللباس المستعملة في مرسيليا.. بعد سنوات، ستساعده هذه الملاحظات حول البعد الهوياتي للهيمنة في تشكيل منطلق تأويله لظاهرة الإسلام السياسي، وربما إلى يومنا هذا.. سيقرر، بعد سنوات، السفر إلى ليبيا بعد قدوم القذافي.. وفي أحد الأيام، سيلتقي بهذا القائد، صاحب الكتاب الأخضر، الذي سيطلب منه دراسة المجتمع الليبي، وأن يكون طبيب المجتمع الليبي، الذي يدرسه ويكتب علاجاً لمشاكله، لكن بورغا بدا أحيانا وكأنه يخشى مصير موسى الصدر، الذي غاب نتيجة جدال مع القذافي، ولم يخرج ليومنا هذا. كما سيتمكن بورغا في هذه الفترة من زيارة تونس، وهناك سيلتقي براشد الغنوشي. كان رؤيته عنه في البداية، كما صورته الصحف الفرنسية، رجلا متشدداً، لكن بعد ساعات من اللقاء، سيعيد النظر في فكرة التشدّد والأصولية، لتغدو لاحقا منعرجاً في رؤيته هو وبعض الباحثين الفرنسيين، الذين ما عادوا مقتنعين بمصطلح «الأصولية» وفضلوا عليه مصطلح «الإسلام السياسي».

القاهرة.. كلام الأفلام

مع نهاية الثمانينيات، حطت طائرة في القاهرة وعلى متنها هذا الباحث، كانت الصدمة هي أول شعور اختبره في هذا البلد، فالكثافة السكانية كبيرة، والناس يتحدثون كما الأفلام، لكن الأثر الاستعماري في هذا البلد لم يكن واضحاً، وفي هذا البلد، سيتأثر أيضا ببعض مفكريها من أمثال اليساري عادل حسين وطارق البشري، الذي كان يبوح له أحيانا بهواجسه، (وهي هواجس بقي بورغا مولعاً ومشتاقاً لسماعها) حيال أسباب عدم فهم الغرب للآخر.. لكن بورغا لن يقف عند حدود الأهرامات، بل ستدفعه هواياته في الأسفار إلى زيارة السودان، واللقاء بمؤسس الإسلام السياسي هناك، الراحل حسن الترابي، الذي سيخبره أنّ «الناس في القرية يسألوننا: هل يمكننا الصلاة بالبنطلون؟ يرفض الصوفيون ذلك، أما نحن، فكنا نقول إنها مجرد شكليات»، ويبدو بورغا، في هذا الاستشهاد، وكأنه يود أن يقول بأنّ ما جعل هذه الحركات ذات نشاط وفعالية، أنها بدت في الثمانينيات والتسعينيات أكثر مؤامة لقيم الحداثة ، مقارنة بالحركات الدينية التقليدية.

أبواب اليمن

بعد ذلك بسنوات، ستقلع طائرة أخرى، وعلى متنها هذا المولع بعوالم السياسيين وبوابات العالم العربي، وهذه المرة إلى اليمن الذي بدا له مهمشا على صعيد البحث والاهتمام. في هذه السنوات، سيلعب دورا في تنشيط البحث الفرنسي حول هذا البلد، من خلال إدارته للمعهد الفرنسي للدراسات اليمنية، لكن بورغا، وربما هذا ما يميزه، لن ينسب جميع الجهود له في تعريف الفرنسيين بهذا البلد وتاريخه، بل يذكر اسماء فرنسية أخرى في هذا الشأن، وربما أهمهم، كما يذكر، الأنثروبولوجي الفرنسي فرانك ميرمييه مؤلف كتاب «شيخ الليل وأسواق صنعاء»؛ كان اليمن يقدم مثله مثل السعودية، كما يقول، سمة خاصة تتمثل في غزارة المصادر والمخطوطات غير المقروئة، ورغم أن البلد لم يخضع للاستعمار، كما يذكر إلا في فترة قصيرة، لكن هذه التجربة ستساعده بلا شك على الخوض أكثر في تاريخ هذا البلد، وأيضا في فهم تنامي ظاهرة القاعدة في الجنوب اليمني، غير أن بورغا في هذا الجانب، سيبقى يصر على زاويته «ما بعد الاستعمارية» إن صح التعبير، رغم أنه لا يحبذ عالم المابعديات، إذ وجد أنّ سبب هذا الظهور ناجم عن وجود استعماري بريطاني قصير في جنوب اليمن، وأنّ هذا الوجود هو الذي شكل لاحقاً أو أسس لتراتبيات سياسية، أدت لظهور الجهاديين اليمنيين، ولعله لم يتوقع يومها وهو يقدم هذا التحليل، أنّه بعد قدومه بسنوات، سيأتي باحث بريطاني يدعى جيمس سبنسر ليدرس هذه الظاهرة مرة أخرى، من خلال الاستفادة من الوثائق العديدة التي تحدث عنها بورغا، ولكن هذه المرة، ليس عبر ربطها بالاستعمار، بل بسلسلة من المقاتلين والسيوف اليمنية العابرة للحدود منذ القرن الثامن عشر.


يخصص بورغا فصلا واسعا لبوابات بلاد الشام، وبالأخص تجربته في سوريا عندما أدار المركز الفرنسي للشرق الأدنى الواقع في بدايات شارع أبو رمانة الدمشقي الشهير، الذي شكل في السنوات السابقة للثورة منطقة يحج إليها الدمشقيون الباحثون عن سلع وأجواء حداثوية، وبالأخص في شارع الشعلان القريب من هذا المركز.. في هذا البلد، كان الأمن يحكم سيطرته بشكل كبير لدرجة أنهم كانوا يستجوبون خادمة منزله، مع ذلك أتيحت له فرصة اللقاء بسوريين كثر، والذهاب أيضا إلى بعض شوارعها وأبوابها القديمة مثل باب الصغير، وتذوق الشاورما السورية في مطعم الصديق، الذي لم يكن مطعما للجميع، بل كانت تزوره فئات محددة، كما تمكن من زيارة مخيم اليرموك. ومما سجله بورغا في جولاته، أنه «ثمة تصدعات اقتصادية واجتماعية في هذا البلد»، وهنا يرى أنّ التصدعات الطائفية كانت موجودة، وأنّ المسيحيين السوريين كانوا يعبرون عن تخوفاتهم من قدوم السنة للسلطة، وربما هذا ما أدى برأيه لاحقاً إلى وقوفهم بجانب النظام؛ وعلى الرغم من وجود هذه الصور التي ذكرها، إلا أننا نرى أن بورغا قد بالغ قليلاً في هذا التصور للمجتمع السوري، بوصفه مجتمعا منقسما طائفياً، وهذا ما وقع به كثيرون ممن سبقوه ومن بينهم ميشيل سورا، التي بقي صائغ النسخة الخلدونية الجديدة/ارنست غلنر مرشده في رسم صورة المدينة العربية، الأمر الذي لم يتح لهم أحيانا قراءة العلاقات البينية واليومية بين هذه الجماعات، وبالأخص في السنوات العشر الأخيرة ما قبل الثورة، إذ كنا نعثر على ولادة رؤى وتصورات مختلفة حول العلاقة بين الطوائف، وأيضا حيال علاقة الدين بالحياة اليومية، ولذلك نرى أنّ الإنقسامية الطائفية التي حكمت رؤية بورغا للمجتمع السوري تبقى رؤية غير مكتملة، أو لم تكن بتلك الحدية، أو ربما عززت الأحداث اللاحقة من هذا التصور. وبغض النظر عن هذه القراءة، ومدى حديتها، تبدو دمشق بالنسبة لبورغا بمثابة غصة وحرقة كبيرة في القلب، صحيح أنه لا يذكر ذلك بشكل مباشر، لكن مشاعره ومشاهداته وألمه حول ما حدث، كلها تقول إنه قد أصيب بهوى دمشقي، كما أصاب كثيرين من قبله.

الغريمان التقليديان

في باقي فصول الكتاب (تقريبا الثلث الأخير) يخصص بورغا الحديث عن المسلمين في فرنسا وأحداث «شارلي إيبدو»، وما قيل حولهما، وبالأخص ما قاله غريماه التقليديان أوليفييه روا، وجيل كيبل.. كان روا في كتابه «الجهاد والموت» قد لمح حول قصور تحليلات بورغا حول الجهاديين وربطها بالاستعمار وأزمة الشرق الأوسط، بينما وجد أنّ «الهجمات التي شهدتها فرنسا لا علاقة تذكر لها بنزاعات الشرق الأوسط». وفي هذه الفصول يبدي بورغا تقديراً كبيرا لروا، بعكس كيبل، لكنه يرى أنّ تحليل روا وقع أيضا في التعميم للإسلاميين أحياناً، من خلال إسقاط نتائج دراسته حول الإسلاميين في بلدان آسيا الوسطى على باقي التجارب الإسلامية، بينما لم تتشكل لديه معرفة ميدانية موازية في العالم العربي، ليتفحص مثلاً مدى صحة استنتاجاته السابقة، ولعل ما يدعم رأي بورغا هنا هي مذكرات روا نفسها، إذ نكتشف في هذه المذكرات أنّ معرفته بالعالم الإسلامي قد تركزت على آسيا الوسطى، بينما لم يزر العالم العربي إلا في مرات نادرة وقليلة، مع ذلك بقي يعمم نتائجه، ولذلك يبدو بورغا هنا على حق فعلا، وصاحب خبرة أو شرعية أوسع في تحليل العالم العربي بحكم تجربته الميدانية الطويلة. مع ذلك، لا يرى تناقضا كبيرا مع روا، خلافا لجيل كيبل، والذي برأيه يجيد العلاقات العامة والقدرة على تأليف الكتب، لكن رؤيته بقيت تنطلق من فكرة تحليل النصوص الإسلامية ونتائجها العنيفة، بدءاً بسيد قطب ومقتل أنور السادات، مروراً بكتابات أبو مصعب السوري والجهاديين الفرنسيين، وهو تحليل يراه بورغا غير صائب، فالإسلاميون لا ينطلقون فحسب من النصوص، بل تحركهم أيضا الوقائع والأحداث الاجتماعية والاقتصادية، كما يشكك في مكان آخر بنزاهة كيبل الميدانية، فهو في زيارته للعراق مثلاً، كان يركب سيارات دبلوماسية، ولم تستغرق جولاته الميدانية سوى ثلاثة أيام فحسب، خلافاً لما يتوهمه القارئ وهو يقرأ عن رحلاته. وإن كانت هناك من فضيلة لكيبل، كما يؤكد بورغا، فهي تمكنه من تأهيل عدد من الباحثين الشبان من أمثال توماس بيريه وستيفان لاكروا ولولوة الرشيد.
يختتم بورغــــا كتابه بسؤال ذو نكهة شامية «وهلأ لوين/إلى أين الآن» في إشــارة لكيفية التعامل مع الإسلاميين، وضرورة الانفتاح عليهم بدلاً من القطيعة، وفسح المجال لمزيد من الرعب في فرنسا والمنطقة عموما

محمد تركي الربيعو








في العاشر من شهر نوفمبر الجاري مرّت 129 عاماً على رحيل الشاعر الذائع الصّيت جان نيكولاس أرثُر رَامبُو (1854 ــ 1891) الذي يعتبر من شعراء فرنسا الكبار على الرّغم من أنّ يد المنون اختطفته في سنٍّ مبكّرة بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره بقليل، إنه يذكّرنا ببعض شعرائنا الذين رحلوا في شرخ العُمر، وريعان الشباب أمثال طرفة بن العبد، وأبو القاسم الشابيّ، وأمل دنقل وسواهم. كما يعتبر هذا الشاعر وأعماله الشّعرية على وجه الخصوص في نظر النقاد والدارسين من المغامرات النادرة والمُحيّرة التي تميّز إبداعات الأدب العالمي خلال القرنين الفارطيْن.

كثيراً ما يتساءل قرّاء أرثر رامبُو ومعجبوه أنْ كيف يمكن أن يصدر شعر في هذا المستوى من الرقّة، والصّخب، والبلاغة، والسّحر، والجمال، عن شاب لم يكن قد بلغ العشرين من عمره؟! كيف يمكن أن يشكّل من حياته وأعماله أسطورة في ظرف سنوات معدودات من حياته القصيرة؟ إنّ مثل هذه الأسئلة تتبادر إلى الذهن عندما نتصفّح ما كتبه وخلّفه لنا هذا الشاعر المُحيّر، أو ما كُتِب عنه من دراسات، وكُتُبٍ، وتآليف، وأطروحات، ذلك أننا نجد أنفسنا أمام حالة إبداعية خاصّة وخارقة، ونوعية متميّزة وفريدة فى بابها فى الخلق الأدبي الخالص الذي لا تشوبه شائبة، بل إنّه يعتبر المادّة الأساسية ذاتها للشّعر كصوتٍ مُدوٍّ في الآفاق، أو كرجع يُسمعُ صداه في عمق الصّحراء وفيافيها .

إبداعاته المُبكّرة

الأصول والمصادر والمظانّ التي استقى منها رامبو كمراجع لشعره وإبداعاته متعدّدة ومتنوّعة، بدءاً بمحيطه الدّراسي المبكّر في المدينة التي كانت مسقط رأسه «شارلفيل» الواقعة بين باريس وبروكسيل، حيث كان لمُعلمه «جورج ايزامبارد» الذي أقام معه صداقة مبكرة عام (1870) بعدما لمس أمارات النبوغ، ولاحظ علامات الابداع المبكّر في الصّغير رامبو خلال تدريسه إيّاه لمادّة البلاغة، أو لموادّ أدبية ولغوية أخرى. كان أستاذه يُعيره كتباً كثيرة، وكان رامبو يلتهمها بشراهة، كِتاباً تلو الآخر، مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو، حيث قرأ هذا الكتاب خفية عن أمّه.

قال عنه مدير مدرسته بعدما تقدّم رامبو لمسابقة أكاديمية أدبية عام (1869) وحصل على الجائزة الأولى في هذه المسابقة: «عجباً إنه حقّاً لأمر غير عادي يتولّد في عقل هذا الفتى الصّغير … عمّا قريب سيتفتّق هذا العقل النابض عن عبقريّ الشرّ أو عن عبقري الخير»!

تأثيرات طبعت شعرَه

كذلك تأثّر رامبو تأثيراً بليغاً بالشّاعر الفرنسي الكبير «شارل بودلير» صاحب «أزهار الشرّ»، حيث كان يطلق عليه لفرط إعجابه الكبير به لقب «ملك الشّعراء». أمّا «فيكتور هوغو» فقد كان يطلق على رامبو الصغير بعد أن تعرّف عليه وأعجب به بـ «شكسبير الطفل». وأمّا صديقه الشاعر «بول فيرلين» فقد كان أوّل من أطلق عليه إسم «الشاعر الملعون»، والذي كان يرى في شعر رامبو «سيرة ذاتية تتّسم بحالة نفسية تثير الدهشة»، ويرى في نثره «كتلاً من الماس البسيط كغابةٍ عذراء، أو كنمر جميل»، كان يرى فيه أيضاً أسطورة الرجل الذي «ينتعل الرّيح»، وقال عنه الشاعر الفرنسي الكبير «ستيفان مالارميه» إنه «ومضة متّقدة، شهاب مُشعّ ينبعث وينطفئ من تلقاء نفسه».

هذا ومن مصادر تأثيراته كذلك المبكّرة بشكل خاص العلوم الغيبيّة التي علقت به، والتي كانت تشكّل بضاعة رائجة لنشاطه الفكري في مقتبل عمره. فضلاً عن الحياة المتقلّبة والغامضة التي عاشها، وقد غرف وتغدّى شعرُه بمختلف هذه التأثيرات التي ضمّنها مختلف قصائده، ورسائله، ووثائقه، وكتاباته، وإبداعاته على وجه العموم .

ويغفل غير قليل من النقاد في معرض الحديث عن التأثيرات التي كوّنت قريحة رامبو، وصقلت موهبته الشعرية تأثير دانتي أليجيري، صاحب «الكوميديا الإلهية»، فضلاً عن أقطاب الشّعر الرومانسي والإنجليزي مثل كولريدج وبليك، وسواهما من الشّعراء الفرنسييّن.



حياة قاسية

لم تكن حياة «رامبو» في طفولته وشبابه حياة عادية، بل إنّه عاش هذه المراحل من عمره بمرارة وقسوة وجفاء على مضض نظراً للصّراع العائلي الحادّ الذي ميّز حياته، حيث كان كثير الفرار من منزله، وكانت أمّه لا تتوانى ولا تنقطع عن ضربه وإهانته، وتعنيفه، إذ كانت امرأة غير عادية، لدرجة أن رامبو نفسه كان يصفها بـ «فم الظلام». والتي كانت تعاقبه مُرغِمةً إيّاه على استظهار قصائد مُطوّلة من اللّاتينية والفرنسية. أضف إلى ذلك هجران والده لأمّه، وعدم الإكتراث بها، يضاف إلى ذلك مرحلة خروجه إلى باريس وتعرّفه على الشاعر النّزِق «بول فيرلين»، ثمّ أخيراً هروبه من العالم المتحضّر!
.

كان رامبو يتميّز بطبع فوضوي، قلق، ثائر، وناقم ، وكانت به طاقات معرفية هائلة، وإمكانات كبرى لتقبّل العالم. ففى خريف (1871) وصل «رامبو» إلى باريس بدعوة من «فيرلين» الذى فوجئ عندما وجد نفسه وجهاً لوجه أمام شّاعر غضّ الإهاب، طريّ العود، لم يكن يتجاوز سنّه 17 ربيعاً، وهو يرتدي رثّ الثياب وبالي الأسمال، ولا يبعث منظرُه على الرضى والإطمئنان. لقد تنكّرت الأوساط الإبداعية، والأجواء الأدبية في باريس لرامبو ولأشعاره وأعماله. بل لقد تنكّر له فيما بعد حتى «فيرلين» نفسه، ولم يجد رامبو بدّاً ولا ملاذاً لإنقاذ نفسه وشعره وعبقريته سوى الفرار.

هروبه إلى المشرق العربيّ

المرحلة الأخيرة من حياة رامبو قضاها وهو يجوب جبال الألب مشياً على الأقدام عدّة مرّات، مسافراً ومتنقلاً بين ربوع أوربا وأصقاعها، منضمّاً تارةً إلى الجيش الإسباني الكارلى، وطوراً إلى الجيش الهولاندي، وفارّاً مرّةً أخرى منهما. وتأتى بعد ذلك مرحلة انتقاله إلى المشرق العربي (القاهرة، الإسكندرية، حيفا، اليمن ) بل إنّه وصل حتىّ الى بلاد الحبشة .
كان رامبو يتمتّع بقابلية غريبة فى تعلّم اللغات حيث تعلّم عدداً منها، من بينها اللغة العربية، وظلّ متنقلاً بين البلدان، وقد زاول عدّة أعمال منها تهريب الأسلحة، وبيع البنّ، فضلاً عن مزاولته لأنشطة تجارية ولأعمالٍ أخرى.
حاولت الكاتبة «انيد ستاركي» إعادة هيكلة، أو بناء حياة هذا الشاعر المُعنّى خاصّة منذ اللحظة الأولى التى يغادر فيها أسرته، ومنزله ووسطه. حيث تلجأ إلى تحليل دقيق، وتمحيص عميق لبعض الظواهر الحياتية، والملابسات التاريخية، والظروف البيئية التى عاشها رامبو، إلاّ أنّها تقع في أخطاء فادحة وتجاوزات لا تغتفر فى حقّ الشعوب، حيث تتحدّث مثلاً عمّا تسمّيه بـ (الفترة البطولية للإحتلال الفرنسي للجزائر)!، وبالمقابل تسمح لنفسها بالإشارة إلى مصادر الأخلاق الكاثوليكية التى تترى في الكتاب، فضلاً عن تعرّضها لحياة المُجون والمروق التي عاشها كلّ من فيرلين ورامبو بشكل فاضح، حيث تصف الأوّل بـ «الفاسق»، والثاني بـ « المتوحّش» !
عندما بلغ صاحب رواية «الغريب» الكاتب الفرنسي «ألبير كامو» العشرين من عمره، علم وفهم لماذا قرّر رامبو يوماً مّا التوقّف عن الكتابة، لقد فعل ذلك لسببٍ بسيط حسب رأيه، وهو أنّه كان قد قال كلَّ شئ، لذا كثيراً ما قورنت معاناته بحالة رامبو في مكابدته، وتعاسته، وشقائه.

«الأيّام الهشّة» وأعمال أخرى

الشاعر رفعت سلام، مترجم الأعمال الكاملة لرامبو ــ الهيئة العامة للكتاب 2012 ــ يقول عنه: «رغم أنه كان معاصراً لبودلير وكان قد قرأه بشكل جيّد، فإنه لم يرتدِ مِعطفَه بل قدّم تجربته المختلفة، وصوته المنفرد». لقد تعرّف قرّاء الضّاد على سيرة رامبو قبل أن يتعرّفوا على شعره عن طريق الناقد السوري صدقي إسماعيل في كتابه «قصة شاعر متشرّد» (1952). كما ترجم الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا قصائد من شعره في مجلة «شعر»، وفي صيف 1959 صدرت الترجمة التي وضعها مؤسّس السيريالية فى مصر الفنان رمسيس يونان لديوان رامبو «فصل من الجحيم»، وبعد مرور عام نشر المترجم السّوري خليل الخوري كتاباً بعنوان «رامبو، حياته وشعره». وفي عام 2000 أصدر المخرج المسرحي عصام محفوظ كتاباً يحمل عنوان «رامبو بالأحمر دراسة ومختارات». ويشير الكاتب والمترجم العراقي كامل عويد العامري «أنّ الرّوائي الفرنسي فيليب بيسون يروي لنا في روايته (الأيام الهشّة) على لسان إيزابيل رامبو، شقيقة الشاعر آرثر رامبو الذي عاد إلى وطنه من إفريقيا، والذي كان يعاني في مارسيليا من مرضٍ خطير جعله يخضع لبتر ساقه. فيأتي إلى بلدته الأصل آردين، البلدة التي لم يحبها أبداً ويرفضها دائماً، مثلما يرفض أصوله، كما يأبىَ أن يكون إبناً «لصغار الناس» ويتّخذ من مزرعة الأسرة التي لا تزال والدته تعيش فيها مكاناً للنقاهة، في صمتٍ مصحوب بالاستنكار والنفور، بينما كانت شقيقته إيزابيل، هي الوحيدة المتعاطفة معه التي كانت محبطة وموزّعة بين حبّها لأخيها وغضبها من بعده». ويضيف العامري .. «إنّ أخته إيزابيل تتهم أخاها بإحراق حياته، وتقف في مواجهة مأساته ومعاناته الحالية، ومع ذلك، فإنَّ آرثر حريصٌ على العودة إلى إفريقيا، بحثاً عن حبّ عظيم وآخر ضائع، ليستسلم إلى شياطينه ويعترف باعترافات صادمة لشقيقته.

باختصار، فإنّ هذه الرّواية عبارة عن تفريغ غريب للمشاعر الجيدة والسيئة في آنٍ بين أخٍ وأختٍ فضلاً عن الأم … آرثر، ذلك الوجه الخفيّ للشاعر الباحث عن الشمس، الذي تعرفه إيزابيل مبتور الأطراف، تاجر أسلحة، عاد من عدن، وأُجبِر على التعفن في مكانٍ كان يفرّ منه دائماً. وهو الذي كتب في «فصل من الجحيم»، كنبوءة قاتمة: «تعالج النساء هؤلاء المُعاقين الشرسين العائدين من البلدان السّاخنة»، عندما يعود آرثر تصريحاً أو تلميحاً إلى وقائع معيّنة من حياته، تظلّ إيزابيل مذهولة. إمّا أنَّ الكلمات غير مفهومة بالنسبة لها، أو أنَّ الاكتشافات مروّعة للغاية عندها. هكذا تسعى من دون تعليق إلى تدوين كلماته التي يظلّ الربّ فيها مُستبعَداً، على الرّغم من عدم قدرته على الاعتراف بنهايته الوشيكة».
وتجدر الإشارة أنّ حياة رامبو تلقفها الفنّ السابع، فنقلت لنا عام 1995 المخرجة البولندية «أنيسكا هولند» الى الشّاشة الكبيرة فيلمها «كسُوف كليّ» عن نصٍّ مسرحيٍّ للكاتب البريطاني «كريستوفر هامبتون»، حيث قام بدور رامبُو الممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريُو، وقام ديفيد ثيوليس بدور بول فيرلين.


محمد الخطابي









في عام 1992 وكان الاتحاد السوفييتي قدانهار لتوه، رأى فرانسيس فوكوياما، وهو فيلسوف ومنظر سياسي أمريكي، أن كل ما يمكن أن يقع من نزاعات مقبلة يجد حله ضمن النموذج الديمقراطي الليبرالي السائد في المعسكر المنتصر، وأنه ليس هناك ما بعد لهذا النموذج. لقد انتهى التاريخ. لم يكد يعتنق أحد هذه الدعوى التي بدت انعكاسا لمزاج التيه والطرب، الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة بانتصار التحالف الرأسمالي الغربي. فوكوياما نفسه غير رأيه بعد سنوات، محيلا إلى تطورات تكنولوجية بصورة خاصة.
لكن رغم ما يبدو من إجماع كلامي على لانهاية التاريخ، يبدو أن التاريخ انتهى فعلا في الممارسة، وأنه لم يعد ثمة مستقبل متصور يُلمح خارج الديمقراطية الليبرالية في الغرب. الاعتراضات اليسارية في الغرب لم تنجح في تصور مستقبل مختلف بعد سقوط الشيوعية السوفييتية وأشباهها، وانتقاداتها تنصب على إفراط الليبرالية الجديدة و«أصولية السوق» وتراجع وظائف الدولة الاجتماعية، وليس على رؤية أو مشروع مغايرين. يبدو اليسار الغربي هو المدافع الأوفى عن الديمقراطية الليبرالية، وإن مع مسؤولية اجتماعية أكبر.
لكن بدل أن تكون نهاية التاريخ إقامة سعيدة في الحرية، تبدو في الواقع دخولا بعينين مفتوحتين إلى سجن مؤبد، سجن اللابديل. مبدأ اللابديل الذي كانت صاغته مارغريت ثاتشر في ثمانينيات القرن العشرين، يبدو ساري المفعول، وإن لم يحظ بقبول أكثر مما كان نصيب نهاية التاريخ من القبول. نحن هنا حيال رفض أيديولوجي جامع لفكرة اللابديل ولانتهاء التاريخ، لكن مع تسليم فعلي جامع بالقدر نفسه. الديمقراطية نفسها تتآكل مع ضمور أبعادها المعيارية المتصلة بالعدالة من جهة، والتعمم العالمي من جهة أخرى. كان كولن كراوتش، وهو أكاديمي بريطاني، قد تكلم منذ عام 2004 على ما بعد الديمقراطية في مجتمعات الغرب، حيث تبقى الآليات والإجراءات الديمقراطية، لكن مع أزمة في الأحزاب والنقابات، وتراجع مستوى التعبئة السياسية، واغتراب متصاعد لقطاعات من الجمهور عن النظام السياسي. صدر الكتاب بين هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية والأزمة الاقتصادية في عام 2008، وكان لكليهما مفعول من الخوف وفقدان الأمان لدى قطاعات متسعة من الجمهور الأمريكي والأوروبي. وإذ صب الخوف لمصلحة تيارات اليمين الشعبوي في هذا البلدان، فإنه قاد كذلك إلى ما قد تصح تسميته بالمنعطف الجينوقراطي، أعني الحكم الأهلي، أو حكم الأكثريات الثقافية، الإثنية أو الدينية أو القومية أو العرقية (ما يؤهل الجينوقراطية لأن تكون بنية تحتية للجينوسايد، تجمعهما مركزية الجينوس، العرق أو السلالة…). ظواهر مثل التفوقية البيضاء، وسنوات ترامب في أمريكا والبركسيت وصعود بوريس جونسون في بريطانيا والهندوتفا والقومية الهندوسية في الهند، في ظل ناريندرا مودي والقانون الأساسي في إسرائيل، كدولة للشعب اليهودي، ومزيج القومية الروسية والمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وحكومة فكتور أوربان القومية المسيحية المعادية للمهاجرين في هنغاريا، والتركيب القومي الإسلامي لرجب طيب أردوغان، والإسلامية في عمومها، كلها تندرج ضمن مناخ من ثقفنة السياسة والتحول من الأكثريات السياسية إلى الأكثريات الثقافية.
يبدو مضمون ما بعد الديمقراطية هو الجينوقراطية، ضرب من القومية الجديدة تؤكد على الجذور الثقافية والعرقية والدينية. ولعل ما جعل ذلك ممكنا هو أن الانتصار المزعوم للديمقراطية الليبرالية، لم يكن انتصارا لها على اللاديمقراطية واللاليبرالية، على الديكتاتورية أو الشمولية أو الاستبداد، بل هــــو أساسا انتصار للغرب على غيره، أي أن هناك عنصر جينوقراطي سلفا في هذا الانتصار. لذلك، ورغم ما يبدو من تعارض بين أطروحة فوكوياما الخاصة بنهاية التاريخ وأطروحة صاموئيل هنتنغتون الخاصة بصراع الحضارات، فإن ما يجمعهما من تمركز حصري حول الغرب، وضع الأولى، الفلسفية والعامة، في خدمة الثانية عمليا، الثقافية والخاصة.
.

ثقفنة الديمقراطية تجردها من قواها وروحها القتالية، بتسهيل مطابقتها مع الغرب على ما يقول البوتينيون صراحة، أو مع هذا البلد أو ذاك، بدون حضور فاعل للديموس (الشعب) أو لصراع من أجل حقوق أكبر ومساواة أكبر. ما كان يمكن أن ينقذ الديمقراطية هو تقوية بعدها المعياري، ما يتصل بمزيد من العدالة الاجتماعية ومن الحرية، وهو تعممها العالمي، وهو كذلك الدفاع عن حريات أكبر وحقوق أكثر ومزيد من العدالة للمحرومين منها في كل مكان.
هناك اليوم مناخ من الأزمة العالمية، متصل بمشكلات عالمية في تكوينها مثل التدهور البيئي والأوبئة، وكذلك المنعطف الجينوقراطي والمسألة الإسلامية، فضلا عما يبدو من أزمة اقتصادية اجتماعية مستمرة، والاحتمالات الدستوبية لتطور كل من تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا البيولوجية، وقد أقام يوفال نوح هراري شهرته على قراءة احتمالات تطورهما. ومن غير المحتمل أن تجد الأزمة العالمية حلولا لها في غير نطاق عالمي. يمكن التفكير في مجتمع عالمي كوجهة أو وعد، يخرجنا من أزمة اللابديل والدوران حول الذات، ومن العودة إلى الماضي مثلما يريد الإسلاميون واليمين الشعبوي في الغرب وغيره. الكلام على مجتمع عالمي مكون من فوق سبع مليارات من البشر يمكن أن يبدو هروبا إلى الأمام، نحو طوبى يائسة، بينما نحن نلاحظ صعوبة تماسك مجتمعات محلية، لا يتجاوز سكانها ملايين أو عشرات قليلة منها. لكن عدا أن تداعي المجتمعات وتماسكها اليوم هو «وظيفة» للوضعية العالمية بقدر كبير، وليس لمجرد ديناميكيات داخلية تجري فيها (وإن بنسبة قوى كل منها: الأضعف أكثر انكشافا وعالمية) عدا ذلك هناك سلفا مجتمع عالمي، تشهد على ذلك وقائع لا تحصى، من أحدثها أزمة كورونا و«حالة الاستثناء» العالمية المتصلة بها، ومؤخرا المتابعة الدولية الواسعة للانتخابات الأمريكية، وقبلها بقليل الجرائم الإرهابية في باريس وفيينا، التي وثقت ربط عالمي المسلمين والغرب للمرة الألف. وهناك فضاءات عامة حديثة نسبيا، متصلة وعالمية، تتمثل في «وسائل التواصل الاجتماعي» تغير طبيعة الفضاءات العامة المحلية في كل مكان. المجتمع العالمي آخذ بتشكل متسارع، لكن لا يزال نظام العالم يتراوح بين نظام دول سيدة، على ما هو متمثل في الأمم المتحدة، واحتكار للسيادة من قبل أوليغارشية متجسدة في مجلس الأمن، بل يمكن فهم المنعطف الجينوقراطي كتراجع أمام ظهور المجتمع العالمي وكالتصاق بالقومية والماضي.
يميز زغمونت باومان بين القوة – السلطة التي يراها عالمية أكثر وأكثر والسياسة التي لا تزال محلية، ولذلك تفشل أكثر وأكثر في مواجهة ما هو عالمي. وهذا وضع متجه لأن تكف الدول عن كونها مقرات السياسة في المجتمعات، وهي كفت من قبل عن كونها مقرات السيادة. ما نتبينه من تدهور في مستوى النخب السياسة في كل مكان قد يكون منشأه هنا: الخيال السياسي المشدود إلى الإطار الوطني لا يؤهل لظهور نخب سياسية أرفع وقيادات سياسية كبيرة. بالعكس، يبدو هذا الإطار الوطني هو الحاضنة الأبرز لنخب جينوقراطية، ولميل الحكومات إلى الاقتراب منها، على ما يظهر بتسارع في فرنسا مؤخرا. هناك رفض في بلدان أوروبا والغرب لأخذ العلم بواقعها كمجتمعات ما بعد هجرية (أستعير المفهوم من ورقة لماريا روكا ليزارازو:
Postmigrant renegotiations of Identity and
Belonging in Contemporary Germany)


والميل إلى الاستجابة لضغوط اليمين الشعبوي في تعريف الاندماج، وليس للانفتاح على هذا التعدد الجديد، وإعــــادة تعريـــف النفس والعالم بدلالته. تظهر الجينوقراطية هنا ليس كحــــركات يمينية شعبوية فقط، وإنما كمكون لسياسة الدولة القومية التي تعرف نفسها بهوية مكنونة في اسمها: ألمانيا، فرنسا، تركيا إلخ.
نهاية التاريخ بالديمقراطية الليبرالية ولدت من داخلها بالذات الجينوقراطيات الشعبية التي لا تبدو حدثا عارضا، رغم سقوط ترامب في الانتخابات الأمريكية. ما يمكن أن يكون إنقاذا للديمقراطية، هو الاضطلاع بتحدي ظهور مجتمع عالمي والعمل على إعادة بناء النظام الدولي حول ذلك، أي التحول إلى ما بعد الدولة الأمة والسيادة، والأرجح أن دون ذلك عواصف وأهوالا

ياسين الحاج صالح







«نائب القنصل» الذي تحمل الرواية اسمه، أو صفته، ليس إلا واحدا من شخصياتها. ربما كانت آن ماري ستريتر زوجة السفير الفرنسي أولى منه بحمل العنوان، أو حتى مايكل ريتشارد، عشيقها السابق – الباقي يشاطرها زمن ما بعد الخبز، أو ربما يستحق ذلك كل من أولئك الآخرين الذين تتشكل منهم حلقة العيش والسهر. هؤلاء محكومون بأن يكونوا ملازمين بعضهم بعضا، فهم بِيض كالكوتا، موظفو السفارة الفرنسية وقنصلياتها، ومن يمتّون إليهم بصلة.
كل منهم إذن يستحقّ أن تسمى الرواية باسمه، طالما أنهم حاضرون فيها بالتساوي. أما فتاة الرابعة عشرة، الكمبودية الهاربة أو المطرودة من بيتها، فتبدو كما لو أنها استُبعدت بعد أن كانت احتمالا أول للتسمية. لقد بدأت الرواية بها وحدها، مرافقة إياها في الرحلة التي كانت المسافات فيها تقاس بحدود البلدان واتساع جغرافياتها. من كمبوديا إلى سيام (تايلند) إلى بورما إلى كلكوتا في الهند، مشت سائرة على قدميها. وحدها، بلا معرفة بالطرقات، ولا ماذا يؤكل منها، وأي الأماكن لا يشكل النوم فيها خطرا. كانت تسعى إلى الوصول إلى أبعد ما تستطيع، إلى حيث تنتهي الأرض كما تقول وهي تخاطب نفسها. وقد تابعت مارغريت دوراس هذه الرحلة، ليس بوصف مراحلها، بل باتساع قدرتها الكتابية ورهافتها الأسلوبية.
حملت الفتاة من دون زوج، ولذلك تركتها أمها تتحمل عارها وحدها. كان شكلها يتغير كلما طالت الرحلة، تساقط شعرها واحترق وجهها وشقّت الصخور قدميها. لم تستطع إرضاع وليدتها إذ بعد قطرات قليلة فقط جفّ ضرعها. كان عليها أن تنجّيها بالتخلّص منها. المرأة البيضاء نقدتها قطعة مال معدنية، مفهمة إياها أن هذا أكثر ما تستطيعه. لكن الكمبودية، التي لم تُعطَ اسما في الرواية، ردّت القرش الذي أخذته لأنها، هذه المرة، تريد أن تعطي لا أن تأخذ. في واحد من أكثر مشاهد الرواية دراماتيكية وكتابية، تُقنع ابنة تلك المرأة أمها أن تأخذ الرضيعة، فحملتها هذه الأخيرة إلى داخل الفيلا التي تقيمان فيها. مثل دمية، وإن بشعة، كانت الأم البيضاء وابنتها يبدآن إزالة ما علق على جسم الوليدة. أما والدتها فكانت تراقب ذلك من مسافة. ولم يطل بها الوقت حتى علمت أن ذلك الاتفاق قد تم، وها هم أصحاب البيت يرسلون لها وجبة طعام، عربون الموافقة، سرعان ما أتت عليه كله.

تقسم مارغريت دوراس روايتها إلى قسمين عريضين. وهما قسمان مختلفان حتى في اللغة المستخدمة لكتابة كل منهما. فإزاء رحلة الفتاة الهاربة ترتفع أدبية الوصف وتتمهل الصياغة، كما في حالات الاقتراب من الشعر. أما في القسم الثاني فننتقل إلى الجمل القصيرة، المتقطعة، وإلى المزج بين الحوار وتأويل ما حكي في الحوار.
إذن، في القسم الأول تختفي الفتاة الكمبودية الهاربة، ويحل محلها أولئك الرجال الأربعة أو الخمسة، الدائرون جميعهم في فلك أن ماري ستريتر، زوجة السفير، ذاك الذي لم يحضر في الرواية إلا مرة سريعة واحدة. وما عدا نائب القنصل، كلهم في مرحلة ما بعد الشباب. آن ماري المعشوقة الجاذبة أنظار الجميع، والتي يدور كل شيء في السهرات حولها، اقترابا أو ابتعادا، تعرضا أو تلطفا، هي في العمر الذي من المفترض أن تكون الفتنة قد أضحت شيئا من ماضيها. لكن هنا لا مجال للتسليم بأن الحصص التي تتيحها الحياة كافية، فينبغي أن يؤخذ منها، عنوة أو سرقة، ما لم تعد تتساهل قوانينها بإعطائه. هي حياة رتيبة، مطفأة المشاعر التي تدعو أعضاء الشلة هؤلاء إلى أن يلتقوا كل ليلة، حيث لا يحدث إلا القليل، حيث لا مفاجأة منتظرة، ولا شيء سيستجد عن مجريات الأمس. انفلات أعصاب نائب القنصل، جراء السكر واليأس، سيثير كلاما كثيرا في السهرات التي تلت وسيبدو كأنه الحادثة التي كشفت مدى البؤس الذي يغرق فيه الجميع. ذلك الانفلات الذي يمكن أن يتكرر حدوثه في أي مكان، ليس كذلك هنا، فأن يتمادى نائب القنصل برفع صوته، وبكائه من ثمّ، ومحاولته الاقتراب من ماري آن، فيما هي تراقص رجلا سواه، فذلك قد يعني إدانة شاملة للحياة، ما يمكن للرواية أن تنتهي به.
كانت الفتاة الهاربة قد قطعت كل هذه المسافات لتكون هنا في مكان قريب من المكان الذي يلتقي هؤلاء فيه. يلاحظونها، بل في مرات يذكرونها في أحاديثهم، لكن من دون أن يلقي أحدهم كلمة لها. مع أن ما تعيش منه هو تلك البقايا التي ترمى في الخارج كل صباح. لكنها لا تعرف شيئا مما يجري في الداخل، كما أنها لا تختلط بمن تعيش بينهم، أولئك المجذومون الذين يزدحمون صفوفا على ضفة نهر الغانج. لا هؤلاء ولا أولئك. تؤثر ألا تكلمهم، وهي لن تستطيع أن تفعل على كل حال، طالما أنها لا تحسن الكلام بلغتهم. هنا، معهم، هي مبتعدة قليلا، لا لخوفها من الجذام، فهي لا ترى نفسها أكثر تشوها مما يحدثه.
رواية مارغريت دوراس «نائب االقنصل» نقلها إلى العربية مبارك مرابط في 206 صفحات وصدرت عن دار الجمل لعام 2021.

٭ روائي لبناني

حسن داوود






مع استمرار ازدواجية معايير الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، تتسع موجة معاداة الإسلام وكراهية المسلمين، حتى وصلت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” إلى مستويات خطيرة في الفترة الأخيرة.

فمنذ عقود، يتنبى الغرب خطابا يُجرم معاداة السامية وكراهية اليهود بعد “الهولوكوست” خلال الحرب العالمية الثانية.

والآن، فإن أجواء العداء السائدة بحق المسلمين، تستدعي إجراءً مماثلا، عبر سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

لكن ازدواجية معايير الغرب تطرح تساؤلات حول الموقف من حرية التعبير في الإعلام عند الإساءة للإسلام، مقابل تجريم من يعادي السامية.

فلماذا لا يتم أيضا تجريم من يعادي الإسلام، خاصة وأن الإسلام واليهودية ديانتان سماويتان، وعدد المسلمين يفوق مليار ونصف المليار في أنحاء العالم.

تساؤلات ودعوات عديدة أُطلقت مؤخرا للتمييز بين حرية التعبير والإساءة للأديان، وبينها الإسلام، وهو ما دفع خبراء إلى الدعوة إلى سن قوانين تُجرم معاداة الإسلام.

كما أن السامية مصدرها واحد بالنسبة لشعوب المنطقة، إذ سُمِّي الساميّون بهذا الاسم نسبةً إلى سام، الذي ورد اسمه في كتاب التوراة في الإصحاح العاشر من سفر التّكوين؛ للدلالة على مجموعة من الأنساب المنحدرة من سام بن نوح.

وتضمّ المجموعة الأراميّين، والآشوريّين، والعبريّين، الذين كانوا يقيمون في شبه الجزيرة العربيّة، وبلاد الرّافدين، وسوريا، وفلسطين. ويتفق الباحثون على أن الساميّين أقاموا في البداية بالجزيرة العربيّة، ثمّ بدأوا بالهجرة منها بسبب الجدب.

وقُسِّمت اللغات السامية، حسب التوزيع الجغرافي، إلى شمالية شرقية تضم اللغة الأكاديّة وهي البابليّة والآشوريّة، وأخرى شمالية غربيّة وهي الأوغاريتية، والكنعانيّة التي تضم العبريّة، والفينيقيّة، والمؤابيّة، بينما قُسِّمت الجنوبية إلى عربية جنوبيّة وهي لغة أهل اليمن، وعربيّة شمالية هي اللغة العربية الفُصحى.

مكافحة معاداة الإسلام

خلال قمة حول الإبادة الجماعية التي وقعت في مدينة “سربرنيتسا” البوسنية عام 1995، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في رسالة مرئية الأحد: “يجب مكافحة معاداة الإسلام اليوم على غرار مكافحة معاداة السامية في أعقاب كارثة الهولوكوست، فالمسلمون الأوروبيون يتعرضون لتمييز ممنهج، ويتم انتزاع حقوقهم وحرياتهم”.

وتابع: “يجب أن يتوقف هذا المسار الخاطئ؛ نظرا لتهديده مستقبل البشرية وثقافة التعايش بين المعتقدات”.

“اللا إسلامية” وجهة نظر!”

فيما قال عمرو موسى، الأمين السابق لجامعة الدول العربية، عبر تدوينة على حسابه بـ”فيسبوك” الأحد: لا أفهم أن تكون “اللا سامية” جريمة، بينما “اللا إسلامية” وجهة نظر!”.

وأضاف: “ازدواجية المعايير آفة كبرى، والسياسات المنبثقة عنها وردود الفعل المترتبة عليها تدفع إلى أجواء من الصدام المتصاعد”.

وشدد على أنه “إذا استمر الموقف إزاء الإسلام شرقا وغربا، نكون في مواجهة تفسير أوسع، بل تأصيل وتأكيد لصراع الحضارات؛ ينتقل من طرح يتعلق بصراع بين الإسلام والغرب، إلى صراع مع مختلف الحضارات الأخرى”.

ودعا موسى إلى تجاوز الصراع عبر “إعادة تأهيل الفكر وتمكين صياغة محدثة للخطاب الإسلامي تتوجه إلى كافة الحضارات الأخرى وتتفاعل مع منطقها”.

وزاد بقوله: “طلب عاجل من الأجهزة الدستورية والقانونية في مختلف البلاد التي يعاني فيها المسلمون من التفرقة وسوء المعاملة، من السياسات مزدوجة المعايير، لرفع الظلم عنهم، وكذا تجريم إهانة الرمز الأعظم للدين الإسلامي ورموزه الكبرى”.

ذريعة حرية التعبير
أعرب علي باكير، كاتب وباحث لبناني، عن اعتقاده بأن “المشكل الأساسي في تعامل الغرب، وفرنسا تحديدا مع الإسلام كدين والمسلمين، هو المعايير المزدوجة، التي يتم تطبيقها من قبلهم تحت ذرائع مختلفة”.

وأضف باكير: “لا نرى مثل هذا الشيء مثلا عندما يتعلق الأمر بالديانات الأخرى أو إسرائيل”.

وأردف: “فأي انتقاد لإسرائيل (رسم، كاريكاتور، شعر، فن، كتابة، تاريخ، سياسة…إلخ) يتم تصنيفه تلقائيا على أنه معاداة للسامية ويتم مهاجمة صاحبه ومحاكمته، ولا يتم طبعا إدراج هذا النقد ضمن حرية التعبير أو حرية المعتقد أو حرية القيم”.

وتابع: “إذا كانوا صادقين في دعواهم، فعليهم أن يكونوا متسقين مع أنفسهم وأن يسنوا قوانين تحترم جميع الأديان والمعتقدات، وتجرّم التعدي عليها، بدلا من النيل من المسلمين تحت ذريعة حرية التعبير، لاسيما مع صعود التيارات النازية والفاشية واليمين المتطرف في أوروبا من جديد، بعد أن تسبب هذا الفكر بمقتل عشرات الملايين من البشر في حربين عالميتين”.

وزاد بقوله: “سن مثل هذه القوانين سيحد من تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب، ويمنع استغلال السياسيين لمعاداة الإسلام والمسلمين كورقة انتخابية، لكسب المزيد من أصوات المتطرفين، وتحريض الناس على بعضهم البعض، وزعزعة أمن المجتمع والدولة”.

إهانة المقدسات
أما نظير الكندوري، كاتب وباحث عراقي، فقال إن “العالم الغربي تعامل بإيجابية مع مطالبات اليهود بسن قانون يجرم معاداة السامية بعد الحرب العالمية الثانية، حينها شعر القادة الغربيون بأن سن مثل هذا القانون سيقلل من مشاعر الكراهية في المجتمع، ويحد من مشاكل اجتماعية عديدة”.

وأردف: “نجحت تلك التجربة في إعادة الاعتبار للأقلية اليهودية في الغرب، وساهمت في انخفاض مشاعر الكراهية التي كانت تكنها الشعوب الغربية لليهود، وقللت من المشاكل الاجتماعية”.

وأكد أن “المسلمين يتعرضون لشتى أنواع المضايقات في الدول الغربية، ما أدى إلى نشوء مشاكل اجتماعية كبيرة، بالإضافة إلى أن الاعتداء على المسلمين وعلى مقدساتهم لم يؤذ مشاعر المسلمين في الدول الغربية فحسب، وإنما جرح مشاعر المسلمين في العديد من البلدان الإسلامية، والتي يقدر عدد أفرادها بأكثر من مليار ونصف المليار”.

وحذر من أن “الاستمرار في تلك المضايقات وتعمد إهانة مقدسات المسلمين سينعكس سلبا على العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الغرب، سواء سياسيا أو اقتصاديا”.

واستطرد: “يجب على قادة الغرب أن يعيدوا التفكير ويعملوا جديا على سن قانون يجرم الإساءة للإسلام، كما هو الحال مع تجريم الإساءة للسامية ومعاداتها”.

تحريض متعمد
تطرق الكندوري إلى الحديث عن حرية التعبير في الغرب بقوله: “هذا ادعاء أكثر مما هو حقيقة، والدليل هو أنهم يدافعون عن الإساءات المتواصلة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم)، ويدافعون عمّن يتعمد هذا الفعل، وفي الوقت نفسه يغضبون حين يتعرض الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) للسخرية”.

واستطرد: “هذا ما رأيناه حينما سخر الرئيس أردوغان من الرئيس الفرنسي بسبب تصريحاته المسيئة للإسلام والمسلمين، وقال إنه يحتاج لمعالجة عقلية.. هذا يعني أن السخرية من نبي الإسلام كانت متعمدة ولا علاقة لها بحرية التعبير، فهم لم يتحملوا ما اعتبروه إساءة لرئيسهم”.

ويدافع ماكرون عن رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم) نُشرت في فرنسا مؤخرا، معتبرا أنها تندرج ضمن حرية التعبير. وهو ما أثار موجة غضب بين المسلمين في أنحاء العالم وأطلق حملات لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

وتابع الكندوري: “نعتقد أن حرية التعبير والحرية الشخصية يجب أن تنتهي حينما تصل إلى حد الإساءة لمقدسات الآخرين، حينها لا تعتبر حرية، إنما تحريض متعمد على أمة كبيرة، مثل الأمة الإسلامية”.

واختتم حديثه بأن “هذا التحريض سيكون سببا لزيادة الخلافات الطائفية والعرقية والعنصرية في بلدان الغرب نفسها، وبالتالي فإن إقرار قانون يجرم معاداة الإسلام أو السخرية من مقدساته، يصب تماما في موضوع حق حرية التعبير واحترام المقدسات لجميع أفراد المجتمع”.(وكالة الأناضول)








تم ربط يديّ الرجل البائس، الموثقتين أصلا خلف ظهره، بحبل مرتبط ببكرة مثبتة بالسقف. وتم سحب ذلك الحبل إلى الأعلى رافعا معه الرجل الذي شعر بآلام رهيبة في كتفيه، إلى درجة أنه شعر بأن ذراعيه على وشك الانفصال عن جسمه، لاسيما عندما كان المسؤولون عن التعذيب يتركون الحبل فجأة ليسقط جسده سريعا، ثم يسحبون الحبل مرة ثانية وبشكل فجائي قبل ارتطامه بالأرض. ولكنه مع ذلك لم يعترف بشيء، على الرغم من استمرار هذا التعذيب لمدة ثلاثة أسابيع، فأما أن الرجل كان بريئا من التهم الموجهة إليه، أو أنه كان شجاعا وصلبا إلى درجة غير عادية. ولم تكن هذه الطريقة المفرطة في التعذيب نادرة، بل كانت منتشرة في أوروبا القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحتى السابع عشر.
خرج هذا الرجل من السجن الواقع في مدينة «فلورنسا» الإيطالية، التي قضى حياته دفاعا عنها. والغريب في الأمر أنه لحسن الحظ بقي سالم الكتفين، حيث سرعان ما بدأ بتأليف كتاب أثار لغطا عالميا نراه يتزايد حتى اليوم، هو كتاب «الأمير»، الذي كان أول وأشهر كتاب في مجال العلوم السياسية. ولم يكن هذا الرجل الذي تعرض لذلك التعذيب البشع سوى الفيلسوف والكاتب الإيطالي الكبير ماكيافيللي، الذي اعتبر فيلسوف الأساليب الممكنة المستندة إلى الخيانة والخداع والقسوة المفرطة، وغير الأخلاقية في عالم السياسة، حتى أن تلك الوسائل في عالم السياسة أخذت تسمى بالوسائل «الميكيافيلية». ويعتبر ماكيافيللي مؤسس علم السياسة. ولكن هل فهم كل من قرأ الكتاب ما كان يقصده الكاتب فعلا؟

إيطاليا في زمن ماكيافيللي

لم تكن إيطاليا في القرنين الخامس والسادس عشر مشابهة لإيطاليا اليوم، حيث كانت منقسمة إلى خمسة دويلات صغيرة رئيسية متحاربة في ما بينها. وكان منها «فلورنسا»، والمناطق التي حكمها البابا التي شملت «روما»، ومناطق أخرى حيث كان للبابا جيش خاص به. وكان قائد الجيش البابوي في تلك الفترة سيزار بورجيا، الابن غير الشرعي للبابا (لم يكن الابن الوحيد له)، الذي كان الأكثر قسوة والأسوأ سمعة بين جميع القادة في إيطاليا. ولم تكن هذه الدويلات تملك جيوشها الخاصة، بل اعتمدت على جيوش متكونة من المرتزقة الذين كانوا يقاتلون لمن يدفع فقط. ولذلك كانت تلك الجيوش تغير ولاءها في أكثر اللحظات سوءا وحرجا. ومما زاد الطين بلة، تحالف بعض الدويلات مع القوى العظمى في تلك الفترة مثل، إسبانيا وفرنسا، التي أصبح لجيوشها حضور في الساحة السياسية في إيطاليا وتتلاعب بموازين القوى.

فلورنسا

كانت فلورنسا في تلك الفترة جمهورية بقيادة سياسيين منتخبين، ولكنها كانت في الواقع تحت سيطرة العوائل الثرية، وعلى رأسها عائلة مديتشي، التي كانت الأكثر ثراء (كان نصف سكان المدينة يعملون لدى عائلة مديتشي في إحدى الفترات) ودهاء حيث سيطرت على السياسيين عن طريق الرشوة. وبهذه الطريقة حافظت هذه العائلة بالذات على نفسها من انتقام بقية العوائل الثرية منها، ومن حالات الشغب الكثيرة التي كانت تعصف بالمدينة بين الحين والآخر. ولكن حظ هذه العائلة تغير عام 1494 عندما واجهت صعوبات مالية، وقام الجيش الفرنسي المتحالف مع دويلة ميلان باقتحام المدينة والإطاحة بالنظام القائم. وطُرِدَت العائلة من المدينة التي سيطر عليها رجل دين متطرف وزاهد سمي بحارق الكتب. ولكنه لم يمكث طويلا، حيث سرعان ما أطيح به بعد أربعة اعوام، وتعرض لتعذيب شديد، وكانت نهايته الإعدام حرقا في مركز المدينة.

ماكيافيللي

ولد نيكولو ماكيافيللي عام 1469 في مدينة فلورنسا لعائلة محترمة ومتعلمة. ووفر له والده أفضل تعليم ممكن في تلك الفترة ليكون موظفا في الدولة. واستطاع ماكيافيللي بدراسته المتواصلة وذكائه، أن يكون ناجحا في مسيرته المهنية حتى دخل مجال العمل الحكومي مباشرة، بعد الإطاحة برجل الدين الذي حكم المدينة. وعين ماكيافيللي أمينا عاما لمجلس العشرة الذي كان مسؤولا عن السياسة الخارجية والدفاع، وبقي في منصبه أربعة عشر عاما. ومكنه هذا من مقابلة أشهر رجال عصره من الملوك والأمراء، إذ سافر إلى عدة عواصم حتى أنه مكث في البلاط الفرنسي عدة أشهر وهو يتفاوض مع رجال البلاط. وكان حلمه أن يكون سفيرا، إلا أنه لم يفلح في هذا لعدم كونه من عائلة ارستقراطية. وعبّر عن امتعاضه من كون فلورنسا ضعيفة وضئيلة الشأن في إيطاليا، ولذلك حاول كل جهده تجنيب فلورنسان أي مواجهات مسلحة قدر الإمكان. وبسبب عدم ثقته بجيوش المرتزقة، بادر بتأسيس جيش محلي عام 1506 مكونا من أربعمئة فلاح محلي، حتى أنهم قاموا باستعراض عسكري في مركز المدينة في العام التالي. ولم يكن ذلك بالأمر الهين، حيث خشي الفلاحون من احتمال تعرضهم للضرائب في حالة انخراطهم في صفوف الجيش، كما لعبت العداوات بين القرى المتجاورة دورا في رفض الفلاحين للانضمام. وفي البداية كانت نتائج هذا الجيش مشجعة، حيث انتصر على إحدى المدن المجاورة الصغيرة. إلا أنه لم يكن شيئا يذكر في مواجهة القوات الإسبانية، التي أطاحت بالطبقة الحاكمة، بتشجيع من البابا، وأعادت عائلة مديتشي إلى الحكم بقيادة لورينزو مديتشي، الذي قام بطرد ماكيافيللي من منصبه، ثم سرعان ما أمر بالقبض عليه بتهمة التآمر على النظام الجديد.

وتعرض ماكيافيللي إلى تعذيب شنيع (كما ذكر أعلاه) توقف بعد ثلاثة أسابيع حيث تم العفو عنه، عندما تولى أحد افراد العائلة منصب البابا في روما. وانتقل ماكيافيللي إلى مزرعته ليقضي أياما صعبة فيها، بعد أن كان في قمة الطبقة السياسية في المدينة. وبعد نجاته من التعذيب والسجن بعشرة أشهر كتب إلى أحد اصدقائه أنه يقوم بكتابة «عمل صغير». وكان في الواقع يتحدث عن كتاب «الأمير» الشهير.

كتاب «الأمير»

يعتبر كتاب «الامير» مدخل إلى دراسة العلوم السياسية مع الأخذ بنظر الاعتبار، أنه كان أول كتاب من هذا النوع في العصر الحديث. والكتاب في الحقيقة شرح مفصل عن كيفية استعمال الحاكم للقوة لتحقيق الخير، حتى إذا اضطر أن يستعمل أساليب شريرة للحفاظ على السلطة، ومؤسسات الدولة والاستقرار. ويشرح ماكيافيللي بإسهاب أن على الحاكم أن يكون محبوبا ومخيفا في الوقت نفسه، ولكن في حالة فشل الحاكم في أن يكون محبوبا، فعليه أن يكون على الأقل مخيفا. والسبب أن كونه محبوبا يعني أن طاعة المواطنين له ستكون اختيارية. ولكنه إن كان مخيفا، فستعني عدم طاعته التعرض للعقاب حيث يقول «إن الخوف هو الخوف من العقاب، وهو شيء لا ينساه الناس أبدا». ومع ذلك يقول ماكيافيللي، إن الطريقة الأمثل للحفاظ على النصر هي مصاحبته ببعض الاحترام، خاصة احترام العدالة، حيث أن الحاكم عليه أن يحاول أن يكون محبوبا ومحافظا على المصلحة العامة. ويوضح ماكيافيللي أن الحليف ليس بصديق، حيث أن التحالف يخدم مصالح محددة، وما أن تنتهي هذه المصالح يتم إلغاء التحالف. ولذلك، على الحاكم ألا يخدع نفسه بالاعتقاد أن حلفاءه أصدقاء، مهما كانوا مخلصين في مظهرهم، حيث أنهم سيتحولون إلى أعداء فور اقتضاء مصالحهم.

ويذكر ماكيافيللي أن الحاكم يجب أن يكون قويا وحازما وسريع القرار، ولكن عليه كذلك ملاحظة أن هذا القرار، مهما كان، لا يمكن أن يكون آمنا تماما، حيث يبقى احتمال المخاطرة موجودا دائما. وبالتالي، فعليه استخدام القوة والخداع ضد كل من تسول له نفسه ويحاول تحدي السلطة القائمة، فالعالم مليء بالسيئين الذين لا يعرفون لغة الأخلاق والفضيلة. وبذلك، فإن ماكيافيللي يعري عالم السياسة من أي غطاء أخلاقي، أو نظريات إنسانية تجمله، حيث أن الغاية تبرر الوسيلة دائما. ولكن ماكيافيللي لم يقدم هذه الأفكار كهدف بحد ذاته، بل كوسيلة تستخدم عند الضرورة فقط، إذ كانت حماية الدولة بجميع الوسائل المتاحة هدفه الأوحد، فالدولة المستقرة تعتمد بشكل خاص على القوة والخداع أكثر من عمل الخير، والأخلاق في رأيه. ولذلك فإن ماكيافيللي، ربما كان الفيلسوف المستقيم الأول (وربما الوحيد) الذي فضح واقع عالم السياسة، الذي ليست الاستقامة بالضرورة من سماته.
وركز الكتاب على أن النظام الحاكم يجب أن يعرف قدر نفسه، حيث أن حكام فلورنسا كانوا يعطون لمدينتهم أهمية ومكانة مبالغ بها، بينما كانت في الحقيقة ليست ذات شان يذكر بالنسبة للقوى العظمى. اعتمد ماكيافيللي في كتابه على أمثلة كثيرة مأخوذة من التاريخ الروماني والإغريقي، وكان إعجابه واضحا بالملك اليوناني الإسكندر المقدوني، والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، وبالغ في تقدير فضائلهما. ولكنه كذلك ذكر أن الامبراطورية الرومانية، ازدهرت لأنها كانت قادرة على إعلان الحرب عندما كان ذلك ضروريا، معتمدة على جيوش تكونت من مواطنين رومان، ولكنها انهارت بعد ذلك عندما أخذت تعتمد على المرتزقة من القبائل الألمانية. ومن القادة القدماء الذين خصهم بالذكر كان هنيبعل حيث ذكر أنه قام بقيادة جيش مكون من عدة قوميات، بدون أن تحدث أي مشاكل أو محاولات تمرد بسبب قسوة هنيبعل في فرض النظام. وذكر عيوب حكام عصره، حيث اتهم أحدهم بعدم الكفاءة، وآخر بعدم القابلية على اتخاذ القرار، بينما امتدح آخرين. وخص في مدحه سيزار بورجيا الذي عرفه جيدا، فقد امضى ماكيافيللي شهورا طويلة في إقناعه بعدم مهاجمة فلورنسا. وأوضح أن سيزار بورجيا كان بمنتهى القسوة عندما دعت الحاجة، وعرف كيف يثير الخلاف بين أعدائه، فهو بالنسبة لماكيافيللي الحاكم المثالي.
لم ينشر ماكيافيللي كتابه، ولكن الكثيرين اطلعوا عليه كمخطوطة، ما أثار استياء البعض، حيث اعتبروه دعوة إلى الشر والظلم، ولكن آخرين اعتبروه محاولة من ماكيافيللي لتوضيح الواقع السياسي الذي يرفض الكثيرون الاعتراف بوجوده. و لكن الكتاب نشر عام 1532، اي بعد وفاته بخمس سنوات. وقام البابا بمنع الكتاب، ووصفه أحد القساوسة بأنه كتاب كتبه إصبع الشيطان. ولكن كل هذا لم يمنع انتشاره ليصبح أحد أكثر الكتب إثارة للجدل حتى الوقت الحاضر.
أهدى ماكيافيللي كتابه الشهير للورينزو دي مديتشي، الذي كان من أمر بسجنه وتعذيبه أصلا. ووصف عائلة مديتشي في إهدائه بالأمراء، على الرغم من أنهم لم يكونوا كذلك، ولم يصفوا أنفسهم بهذا الشكل. والظاهر أن هدف ماكيافيللي كان إقناع لورينزو مديتشي، بتوظيفه في النظام الجديد، بدون جدوى، حيث أنه يذكر في الإهداء بأن الكتاب هو نتيجة دراسته لخبرات الرومان واليونانيين، بالإضافة إلى الخبرة العظيمة، التي اكتسبها من خلال عمله الحكومي السابق، ووصف حياته البائسة بعد خروجه من العمل.

السنوات الأخيرة لماكيفيللي

من غير المعروف إن كانت عائلة مديتشي استلمت كتاب «الأمير»، ولكنها تجاهلت محاولاته للحصول على وظيفة، على الرغم من اتصاله بكل من يعرفهم. وكان كل ما حصل عليه ماكيافيللي بضع مهمات صغيرة جعلته يسافر إلى بعض الدول الأوروبية. وحاول جاهدا مرة أخرى للحصول على وظيفة حكومية مرموقة مرة أخرى، عندما أطيح بعائلة مديتشي عام 1527، ولكن بدون جدوى حتى توفي في السنة نفسها.
مهما كان رأي النقاد والمهتمين في كتاب «الأمير»، فإنه كتاب يشرح بإسهاب وجهة نظر أحد أكبر المثقفين والدبلوماسيين في القرن السادس عشر. ولا يزال أحد أهم الكتب في تاريخ الحضارة.

زيد خلدون جميل

٭ باحث ومؤرخ من العراق







يغري كتاب "جهاد في الفن" بأكثر من قراءة ممتعة، لأنه يسرد على لسان الكاتب المصري الكبير يحيى حقي، تجربته الغزيرة في مجال السرد القصصي والروائي، وفي كتابة اليوميات، والدراسات، والمسرح، والترجمة، فضلاً عن عمله الدبلوماسي في السفارة المصرية في أكثر من بلد عربي وأجنبي، ونشاطه هناك.

الكتاب جاء عبر حوار طويل أجراه معه الصحفي والكاتب المصري البارز مصطفى عبدالله، بذل فيه جهدًا بالغًا ليكشف لنا قارة هذا الكاتب الكبير، وبتفاصيل ثرية في الحياة والإبداع والفكر والسياسة والعلاقات والأخلاق، لم نكن عرفناها بهذا الشمول من قبل.

يصدّر الكاتب عبدالله صفحات كتابه، بمقطع صغير على لسان الكاتب الكبير يحترس فيه من "قولة أنا" التي سترد ما دام الحديث يصب في التجربة الشخصية: "أنا مع احترامي والتزامي بالحكمة القديمة، أعوذ بالله من قولة أنا" (ص5).

بدأت تجربة عبدالله مع حقي عندما سافرا معًا عام 1984الى إيطاليا، بمناسبة الاحتفالية بتوفيق الحكيم التي أقامها المكتب الثقافي المصري هناك، وأناب الحكيم عنه حقي لمرض طارئ ألمّ به، فكانت اللقاءات هناك؛ اللقاءات التمهيدية للاستمرار فيما سوف يؤلف هذا الكتاب.

يقسم الكاتب كتابه إلى أقسام تبدأ بالحوار الذي استغرق مائة وخمس عشرة صفحة من القطع الكبير، وموضوعات أخر؛ هي عبارة عن: ملاحق وشهادات بدأت بشهادة نجيب محفوظ، وانتهت بشهادة محمد روميش وهو كاتب مصري كبير وغزير الإنتاج، مرورًا بأسماء مهمة في عالم الثقافة والأدب مثل؛ فؤاد دوارة، د. لويس عوض، إدوار الخراط، فتحي غانم، سعيد الكفراوي، وجمال الغيطاني... وأسماء كبيرة أخرى.

إنّ ما يحفز على القراءة الممتعة والنافعة في آنٍ واحد، الآراء النقدية والفكرية التي تتعلق بموجهات الكتابة الأدبية، والجانب الذي ينبغي أن تنتهجه الكتابة المصرية والعربية، وهو هنا حسب منطق الكاتب الكبير؛ الجانب الاجتماعي تحديدًا، مع إيمانه بمتطلبات الكتابة الحديثة وتقنياتها المتجددة.

وبرغم أن الحوار وما تخلله من أفكار ورؤى ولغة كان ارتجاليًا، قائمًا على آلة تسجيل، فلقد كان يؤشر على البعد الثقافي واللغوي للرجل الذي كان من دعواته للمثقفين الشباب، إتقان لغة ثانية ولاسيما الإنكليزية، من أجل قراءة الكتاب بلغته الأم، وليس مترجمًا ترجمة ركيكة في أغلب الأحوال.

لذا فإن إجادة لغة ثانية للشباب العربي "إنما هي مسألة حياة أو موت" (ص73)، وهو يجيد ثلاث لغات أو أكثر كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية، وله في ذلك ترجمة عدد من المسرحيات والروايات.

يولي الكاتب الكبير عربيته عناية فائقة، ولعل من طريف ذلك أنه أعاد صياغةَ جملةٍ ذات مرةٍ، أكثر من خمس وثلاثين مرةً على سبيل المثال. فهو له جهاد مع اللغة، ويتمنى ألّا يجور أحد على جهاده معها، فما "قنديل أم هاشم" إلّا اللغة التي أحاطت ميدان السيدة زينب، بعيون ثلاث؛ "عين محايدة، عين غاضبة، وعين راضية وكيف انعكس هذا على الأسلوب" (ص43).

ثم أنه في فقرة أخرى من حواره يربط بين اللغة والنهضة الأدبية فيضيف: "وذلك لأن اللغة هي وعاء الفكر، فإذا ما كانت "مبهوقة"، أو ضيقة سيتأثر الفكر بالضرورة، لأننا يجب علينا لكي نتبادل أفكارنا أن نستخدم لغة دقيقة. وأنا مؤمن بأنه لا يمكن أن تنمو عندنا نهضة أدبية حقيقية، إلا إذا توجه الاهتمام إلى ضبط الأسلوب، وإحكامه بحيث يعكس نصاعة الفكر..." (ص100).

ومن إنسانيته وتواضعه ورقّة قلبه وقوفه مع الكومبارس ضد الأبطال، أو بعبارة يمكن تعديلها لسعة دلالتها أنه مع الكومبارس أكثر من الأبطال مستعينًا على موقفه هذا بالمثل الشعبي "العين لا تعلو على الحاجب"، ثم يقول: "أنا لم أجرِ وراء الأبطال، لكنني مددت من قلبي خيوطًا من الود تربطه بكل كومبارس أقابله، أو حتى أشاهده من بعيد على المسرح أو في الشارع...." (ص 109).

ويجمع حقي بين عمله الدبلوماسي والصياغة الفنية لأدبه، حينما يردّ على السؤال عن إفادته فنيًا من حقله الدبلوماسي، إذ يقول؛ ".. ومن الدبلوماسية يتعلم الإنسان حسن التصرف، وكيف يتعامل مع المواقف والبشر بلباقة، وهذا كله ينعكس على أسلوب الكاتب عند الكتابة". (ص78).

وحين يستعرض بعض صفحات حياته يشير، من حيث يدري ولا يدري، إلى بعض أوجه الشبه بعميد الأدب العربي طه حسين، إذ كلاهما تزوج من فرنسية، وكلاهما أفاد أو استعان بعينيها، الأول منذ اقترانه بزوجته، والثاني منذ أن كلّ نظره قبل أكثر من عشر سنوات قبل رحيله.

وهو وطني ونزيه الروح، لم يركض عمره "خلف الفلوس" (ص 95) ويضرب أمثلة محلية على ذلك، ثم يفضل عرضًا بإعادة طبع أعماله في الهيئة المصرية العامة للكتاب، على عرض السفارة الأميركية في القاهرة على الموضوع عينه، برغم تفاوت المقابل المادي بين العرضين!
ويبرر ذلك بقوله "لأن علاقتنا مع أميركا لم تكن على ما يرام في ذلك الوقت" (ص 96).
ويدافع عن نجيب محفوظ أمام المتشككين بأدبه "والله العظيم أنا أعتبر نجيب محفوظ من معالم مصر الأثرية، لأن هذا الرجل منذ بدأ يكتب عبّر عن عبقرية وأصالة لا حدّ لهما، كما عبّر عن فكر ليبرالي لم يتحول عنه طوال مراحل إبداعه" (ص 101).

لقد كانت الرحلة مع الكاتب الكبير فيما أفاض به فسحة طويلة عريضة متصلة، أتاحت لنا معرفته من قرب، بقلم كاتب صحفي كبير هو الآخر كان لصبره وجهده ما عرّفنا على شرف العمل الصحفي حينما يكون إبداعًا، يضاف إلى ذلك الشهادات الكريمة والصادقة والممتعة معًا التي صدرت بحق الكاتب الكبير، فدلت دلالة جلية على مكانة الكاتب، ونبل الشهود وكرامة الساحة التي توزعت عليها أعماله الخالدة.

الكتاب من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2005 وعدد صفحاته مع الصور 221 من الحجم الكبير.

حنون مجيد








في ندوة فكرية من السينمائيين والنقاد الألمان موسومة "حاضر النقد السينمائي"، الموضوع الذي يتعلق بواحد من أهم فنون الفيلم الفنية والإنتاجية والتسويقية، نظمها في منزله أحد الاصدقاء الصحفيين لغرض الحوار وتبادل الآراء بعد أن أصبح تعطل العديد من المهرجانات والفعاليات السينمائية العالمية في أغلب البلدان التي تقيم عادة مهرجاناتها السينمائية السنوية في مواعيدها، أمراً لا يمكن تحمله على المستويين الحرفي والمادي، بسبب تفاقم جائحة Covid -19 وتأثيرها على نشاط الصحفيين لاسيما النقاد، بسبب الالتزام بقوانين التواجد المباشر. إذ لم يحالف الحظ الكثير من الصحفيين إلا أعداداً محدودة، ومتابعة أحداث المهرجانات عبر منصات الأرقام الافتراضية.

بالطبع لم يكن الهدف من هذه الندوة التي أتيحت لي فرصة المشاركة فيها مناقشة الأمور السالفة، إنما ظاهرة ممارسة النقد غير الرصين في وسائل الإعلام المرئي والمقروء، المتعلق بمواضيع السينما حصراً، على أساس أن النقد السينمائي من ناحية "المقاربات الحرفية" لم يعد يقتصر على نخبة من النقاد المحترفين المتخصصين، إنما دخل على هامشه ممن يجهلون تعريفه وحتى مناهجه البليغة. وكان من بيننا ناقد سينمائي، كتب النقد وهو في الثامنة عشرة من عمره وأصبح محترفاً حين أسندت إليه وهو في الخامسة والعشرين مهمة الكتابة في صحيفة يومية لتحرير قسم الأفلام المعاصرة، ثم عمل محرراً وناقداً في مجلة سينمائية في باريس. إلى جانب ذلك عمل مستشاراً لمهرجان سينمائي أوروبي، وكتب النقد السينمائي في الكثير من المهرجانات العالمية وله العديد من الإصدارات والمنشورات المهمة.

الحديث في موضوع النقد ونحن نتحدث هنا حصراً عن النقد السينمائي، موضوع مهم، سيما وإن دراسات علمية حول تعريفه بشكل دقيق، نادرة، أو تكاد أن تكون في أغلب الأحيان قاصرة. وأن ثمة اعتبارات لا تزال تقف عائقاً أمام تطور أساليبه. على المستوى العربي مثلاً، هناك افتقار إلى أقسام تخصص عصرية ومراكز أبحاث ومعاهد وأكاديميات سينمائية وندرة المحترفين في هذا المجال وإناطة مكاتب خاصة بهم في دور الصحافة والإعلام، الأمر الذي أتاح لغير الحرفيين الذين يجهلون الفرق بين النقد والتحليل ولا يملكون مهارات، يمارسون النقد دون أن تكون لديهم الكفاءة والاختصاص.

طرح في مستهل الندوة سؤال: هل لا يزال النقد السينمائي العالمي (أنا أضيف ـ أو العربي) ضرورياً في عصر التكنولوجيا ولماذا؟. وهل النقد إبداع ـ أم ليس إبداعاً؟. أجاب أحدهم: بأنه لا يستطيع أن يحكم على ذلك، بقدر ما يجزم بأنه خط فاصل بين الفيلم والجمهور. ثم عرج، لإيجاد مقاربات لتفسير فلسفة النقد السينمائي، وإشكالية تعريف مصطلح النقد؟ ومن هو الناقد؟ فكلا التعريفين كما يقول ما زالا يثيران جدلاً فكرياً متصاعداً بين نقاد السينما في وسائل الإعلام.

كلمة "نقد" كما هو دارج في اللغة العربية، تعريف غير متوازن، ولا يتواءم مع دلالات المصطلح في اللغات الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، حيث لا توجد مثل هذه المشكلة اللغوية، بين المصطلح ومصدر الكلمة. إذن ما هو النقد ككلمة، ومن ثم كمفهوم؟ أصل الكلمة لا يعني ما تعنيه اليوم. ليست هناك كلمة مرادفة والصياغة المعمول بها تعني الإشارة إلى ما هو سلبي ـ حسب الكلمة ذاتها.. نقده بالعربية أي دفع له، ونقده بالدارجة أي انتقد ما عليه. أما الناقد؟ كما يفسره علم السينما، هو مَن يقوم بقراءة الفيلم قراءة معرفية تتجانس مع اختصاصات مهنية وفكرية من حيث الدقة والموضوعية. كذلك هو من يؤول على نفسه مشاهدة كل الأفلام بصرف النظر عن هويّتها ونوعها وما يعجبه وما لا يعجبه. من يتبحّر في ماضي السينما كما في حاضرها، ويفهم في العناصر المكوّنة للفيلم، الفنية والتقنية والفكرية، ويستطيع قراءة الفيلم ليس بطروحاته الفكرية أولاً بل بما يتألّف الفيلم مهنياً وفنياً.

والمهم من يتمتّع برؤية إنسانية من النوع ذاته، يراها أساسية للحياة البشرية على الأرض.
إذن ما هو النقد السينمائي؟ هل هو عملية إبداعية؟ هل هو عملية ضرورية؟ من يحتاج إلى الناقد والنقد؟ على هذه التساؤلات كلها تتمحور الإجابة حول حقيقة أن العمل النقدي عمل في الأصل غريب وغير منخرط بين الأعمال الثابتة والقائمة على حرفيات محددة كالإخراج والتمثيل والتصوير الخ.. لكنه عمل قائم بلا ريب يرتاده حالياً عديدون ولو أن معظمهم لا يعرف الكثير عن السينما لينقد فيها.. إذا ما كان ضرورياً فإنه ليس ضروريا بمجرد طرحه، بل باستكشاف وظيفته التي هي، اتخاذ خط وسطي يقع على مسافة واحدة من العمل الإبداعي والجمهور، ويوفر المعلومات الكاملة للمشاهد وتركه يختار المناسب لذائقته وثقافته. بذلك، يكون مشاهداً أفضل وناقداً مستقلاً.

لكن هل النقد رأي؟ أعتقد بأنه أبعد ما يكون عن مجرّد رأي. هو علم ومعرفة يفلترهما الناقد "مع تحفظي على كلمة فِلتر" حيث لها مرادف بالعربي "غرْبَله، وصفّاه، واختار لبابَه"، في صياغة عليها أن تتوجه إلى جميع القراء بمختلف مستوياتهم بوضوح مهما كان الفيلم خاصاً. كل إنسان لديه رأي، ما يميّز الناقد أن لديه المعرفة، لكن علينا أن ندرك ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بالنقد السينمائي؟ ما فعلته هنا هي ما تفعله في كل مكان تذويب الهوية الفردية إلى ذات تستطيع أن تشترك في الكتابة وإبداء الرأي من دون مرجعية أو معرفة، وبالتالي تذويب الهويات الثقافية والوطنية إلى مفهوم القرية الكونية. هذا دفع بالعديد من الكتبة الحديثين إلى الانتشار مما أسهم في تعميم النقد الناقص مقابل النقد الصحيح والتشويش على استيعاب الجيل الجديد لماهية المطلوب والدور المناط بالنقد.

من كل ما ورد، نفهم بأن تحليل الفيلم في إطاره النقدي هو إجراء مختبري لتفكيك الصور المتحركة، أي كل تفاصيل عمل الكاميرا، بمعنى تفسير نقاد السينما لأحداث الفيلم وصناعته، لا إعدادهم بروتوكولات.. أو بمعنى آخر هو اللحظة الحرجة لتقييم جودة الفيلم والتركيز على عوامل الجذب فيه.

مع بداية النهضة التجريبية الأولى لإنتاج الأفلام، كان النقد السينمائي في بداية القرن العشرين لم يصل بعد إلى مستوى من الأهمية. لكن عندما بدأت الأفلام الدرامية تظهر وتكون من الناحية الفنية والتقنية أكثر تعقيداً، ونزوع الفيلم بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية للانتقال من لغة الخطاب إلى الاهتمام بالجوانب الجمالية، حيث كان انتقاد الفيلم في كثير من الأحيان أداة للفكر السياسي والعقائدي، أصبح المشروع النقدي للأعمال السينمائية مع موجة التغيير الجديدة لمفهوم الفيلم بشكل عام أكثر رواجاً، كما أفرز على المستوى العالمي نخبة من الكتاب للتخصص باتجاه ممارسة هذا النوع من العمل الصحفي ليصبحوا نقاد سينما محترفين في وسائل الإعلام. لكن ما الذي قادهم لمثل هذه المهنة التي تتطلب الكثير من المتابعة والجهد؟ أعتقد السبيل كان غايته ثلاثة أهداف رغبة الناقد بناء علاقة ثنائية بين الفيلم والمتلقي، إيجاد تمايز بين توثيق الفيلم وأوجه المقارنة في أساليب الإنتاج، صحفياً كشف معايير الفيلم الفنية القيّمة وأهمها اللغة البصرية والنص والحركة لإشباع فضول المتلقي إبداعياً.

إذن مهمة الناقد الرئيسة عند تناول الفيلم بالمستوى اللفظي والنقد السينمائي المثالي، بالإضافة إلى تفسير خصائصه الجمالية والتعبيرية والبنيوية المتنوعة، التصدي لمعلومات الفيلم وبياناته الإنتاجية والمرجعية ـ البلد المنتج، نوع وطول الفيلم، رجال الكاميرا، أسلوب التصوير، المخرجين والممثلين والمنتجين، علاوة على الخبرات والمهارات التي يمتلكها طاقم الفيلم من ألفه إلى يائه، وبالتالي، وهو المهم، ستصبح هذه التفسيرات والتقييمات وسيلة لتواصل الفيلم مع الجمهور وسوف يكون ناقد الفيلم وسيطاً بين المنتج والمستهلك وانتقاد الفيلم جزء من الصفقات بين المجتمع والسياسة والاقتصاد.

والنقد السينمائي من وجهة نظري، بالإضافة إلى كونه حرفة وحلقة الوصل بين السينما واندفاع الناس إليها. فهو وسيلة لتقييم مقومات الفيلم الأساسية السيناريو والتصوير والمونتاج، أيضاً إضاءة جوانب الفيلم البنيوية على قاعدة الدفع باتجاه الإثارة والتأمل، كما يُعتبر النقد أحد مكونات صناعة السينما "الفيلم" وتسويقه. وإذا كان النقد السينمائي يعتمد الموهبة، فعلى الناقد ألا يوغل في وصف النقد للناقد عندئذ يصبح النقد من الناحية المعرفية والإعلامية لا قيمة له ولا ينسجم مع رغبات المتلقي واهتماماته. عليه أن يقوم بترتيب الوصف وتفسير قيّم الفيلم المفصلية، الفنية والجمالية، كجاذبية الظل والحركة أو الرمزية والانفعالات النفسية والاجتماعية والسياسية، ليتسع النقاش ليس بين الحرفيين وأصحاب الاختصاص وحسب، إنما بين القراء أيضاً.. ويبقى النقد السينمائي بما في ذلك الحديث أو استعراض فيلم في وسائل الإعلام كالصحف والمجلات أو الراديو والتلفزيون، عمل صحفي اختصاصي له من الأهمية التنويرية في الحياة السينمائية والمجتمع.


عصام الياسري







بيعت رسالة كتبها مسافر على متن سفينة تيتانك،في مزاد بمبلغ 42 ألف جنيه استرليني. المسافر وصف بالبطل الذي ضحى بحياته لإنقاذ الآخرين.

قدّم الواعظ القس جون هاربر سترته للنجاة إلى مسافر آخر، وغرق مع السفينة المنكوبة في المحيط في نيسان/أبريل 1912.

بيعت رسالة كتبها هاربر على متن "تيتانك" في مزاد على الإنترنت لبيع تذكارات من السفينة الشهيرة، في ويلتشاير في جنوب غرب إنجلترا.

في نيسان أبريل 1912، كتب هاربر مستخدماً أدوات مكتبية من "تيتانك"، رسالة إلى رجل دين زميل.
ونشرت الرسالة في "كوبه" في إيرلندا، المدينة التي كانت تعرف باسم "كوينستون" حيث رست تيتانك قبل أن تبحر عبر المحيط الأطلسي.

وتحدث في رسالته عن حياته على متن السفينة وشكر صديقه الزميل على مودّته.
وقال مدير المزاد العني أندرو ألدريدج:" ربما كان جون هاربر واحد من أكثرالرجال شجاعة على متن القارب".

وكان الواعظ هاربر يبلغ آنذاك 39 عاماً، ويعظ في كنيسة "والوورث رود بابتيست" في لندن. كان أرملاً وكان مسافراً برفقة ابنته آن جيسي وشقيقته جيسي دبليو ليتش إلى شيكاغو، ليقدم عظة في كنيسة "مودي".

ورفض أن يأخذ مكاناً في قارب النجاة إلى جانب ابنته وشقيقته، وبقي على متن السفينة لتقديم عبارات الدعم للمسافرين.
وأعطى سترة النجاة الخاصة به لمسافر آخر نجى بحياته. ونقل ناجون آخرون أنه استمر بالتبشير بالإنجيل خلال غرق السفينة.
أصوله من غلاسكو، بدأ واعظاً في كنيسة "بايزلي رود بابتيست"، التي سميّت عام 1921 باسمه تخليداً لذكراه.
وتوفيت ابنته آن جيسي عام 1986 بعد أن كانت الأكبر سناً من بين الناجين من غرق "تيتانك".

وقال ألدريدج من شركة المزادات في ويلتشاير إن أعمال هاربر تذكّر بصورة "ذلك الجيل البريطاني في أوقات الشدّة".

وأضاف أن الرسالة بحالة "رائعة" وأنّ أحد هواة الجمع احتفظ بها 25 عاماً وقرّر نقلها إلى الجيل التالي.

نصّ الرسالة

"أخي العزيز يونغ. أكتب هذه السطور قبل أن نصل إلى كوينزتاون لأؤكد لك أنني لم أنسك ولا سيما كل اللطف الذي أبديته بينما كنا في الشمال.

كنت أنوي إرسال تذاكر القطار الخاصة بالسيدة برات قبل مغادرتي مباشرة، لكن في العجلة، كان الأمر استثنائيًا بعد أن كان لدي 11 أو 12 خدمة في نهاية الأسبوع ، لم أتمكن من إنجازها

سأرسلها من شيكاغو. لقد حظينا بموسم رائع من البركة خلال الأيام القليلة الماضية في والوورث.
لا أعرف كيف يمكنني أن أشكر عمتي العزيزة وأشكرك على لطفكما الكبير. سيدفع لك الرب مقابل كل هذا.
ثق بأن الأمور تسير على ما يرام في طريق بيزلي. المحاربون معي هنا وهم يقومون بذلك بشكل جيد حتى الآن خلال الرحلة.
مودتي الكبيرة ، القس الذي يحبّك ، جون هاربر".








كشف علماء آثار ، عن بناء محصن في هضبة الجولان المحتل، قالوا إنه يعود لثلاثة آلاف عام في عهد الملك داوود.

ويّعتقد العلماء أن الحصن الذي يعود لنحو 3000 عام، والذي تم العثور عليه بالقرب من مستوطنة هيسبين الإسرائيلية خلال التحضير لأعمال بناء جديدة، ينتمي إلى قبيلة الجشوريين الذي كانوا حلفاء للملك داوود.

وتشكل صخور البازلت المستخرجة محليا، جدرانا بسمك متر ونصف.

وأشار باراك تزين الذي أدار أعمال التنقيب لصالح سلطة الآثار الإسرائيلية، إلى أن المساحة المكتشفة تغطي أكثر من ألف متر مربع.

وعثر الحفارون على حجر كبير، نقش عليه شكلان لهما قرنان وقد مُدت أذرعهما، بالإضافة إلى تمثال صغير لامرأة تحمل آلة موسيقية، قد يكون طبل إيقاع.

وأضاف تزين «يرتبط ذلك أيضا باكتشافات تعود إلى العصر الحديدي»، خصوصًا وأن قطعا أثرية مشابهة تم اكتشافها في مدينة بيت صيدا، لموقع يرتبط بعاصمة مملكة جشور" التي تقع غرب هيسبين على الشاطئ الشمالي لبحيرة طبريا.

وبحسب تزين، هناك مصدر يشير إلى وجود «روابط عائلية» بين مملكة جشور ومملكة داوود.

ويرى المشرف على عمليات التنقيب أن قلعة هيسبين وهي الأولى من نوعها التي يتم اكتشافها، تضيف «قطعة نادرة إلى أحجية» الآثار في الجولان.

وقال «هذه الظاهرة قد تكون أكثر انتشارا مما نعرف، الأبحاث في الجولان حتى الآن ليست على مستوى عال.. لقد بدأنا للتو في إعادة اكتشاف الجولان».

ويتوقع تزين أن تساعد الاكتشافات المستقبلية في رسم حدود مملكة الجشوريين على نحو أفضل.









يُسلّط فيلم جديد الضوء أخيرا على شخصية جاسوسة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الأنظار. ويشكل هذا الفيلم، كما تقول كارين جيمس في السطور التالية، واحدا من بين مجموعة من الأعمال السينمائية التي أُنْتِجَت مؤخرا، وتناولت شخصيات نسائية حقيقية ودورها في مقاومة النظم الاستبدادية أو المؤسسات التي أهدرت حقوق العاملين فيها.

كانت الأمريكية فيرجينيا هول تعمل لحساب الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانت قد فقدت إحدى ساقيْها في حادث صيد وقع قبل ذلك بسنوات. وخلال فترة الحرب، أصبحت فيرجينيا، التي أطلقت على ساقها الاصطناعية اسم "كَثْبرت"، أول عميلة ميدانية تُرسل إلى فرنسا، قبل احتلالها من جانب النازي وأثناء فترة الاحتلال أيضا. وقد أقامت هناك شبكات تجسس ومنازل آمنة، وكانت العقل المدبر لعملية تهريب أحد السجناء، ولتفجير خط إمدادات للقوات النازية كذلك.

ورغم أن النازيين أطلقوا عليها ساخرين اسم "السيدة العرجاء"، فإنهم كانوا يرهبونها، إلى حد أن كلاوس باربي، وهو من بين أكثر قادتهم وحشية، أمر بإطلاق عملية بحث عاجلة عنها، واصفا إياها بأنها من بين أكثر الجواسيس العاملين لصالح الحلفاء خطورة. لكنها لم تسقط في يد النازيين قط، وهربت من فرنسا كلها، بعد رحلة شاقة سارت فيها لنحو 56 كيلومترا (35 ميلا) عبر جبال البرانس التي تكسوها الثلوج، وهي تئن من الآلام المستمرة التي سببتها لها ساقها الصناعية.

وقد جُسِدّت كل هذه الأحداث - بأسلوب درامي بالطبع - في فيلم "آيه كول تو سباي" (دعوة للتجسس)، وهو عمل سينمائي جديد يندرج ضمن مجموعة من الأفلام التي أُنْتِجَت في الآونة الأخيرة، ونفضت الغبار عن تفاصيل حياة شخصيات نسائية، لم يلقين التقدير الملائم لهن في التاريخ.

وقد أخرجت "دعوة للتجسس" ليديا دين بليتشر، التي شاركت أيضا في إخراج فيلم "ريديم غيرلز" (فتيات الراديوم)، وهو عمل درامي آخر، يستند في قصته إلى أحداث حقيقية، ويدور حول شقيقتين تعيشان في ولاية نيوجيرزي في عشرينيات القرن الماضي، وتقاضيان مصنعا أصيب العاملون فيه بالتسمم، بسبب استخدام مادة الراديوم.

ويشكل هذان الفيلمان جزءا من توجه سينمائي، ينضوي تحت لوائه كذلك، فيلم "هيدِن فيغرز" (شخصيات مخفية)، وهو عمل أُنْتِج عام 2016 وحقق نجاحا كبيرا، وتناول قصة النسوة ذوات البشرة السمراء، اللواتي أسهمن في صياغة ملامح برنامج الفضاء الأمريكي. وكذلك فيلم "آمونايت"، وهو من إنتاج العام الجاري، وتقوم ببطولته كيت وينسلت، مُجسدة دور ماري آنينغ، تلك السيدة التي توصلت إلى اكتشافات رائدة في مجال الحفريات والحياة في عصور ما قبل التاريخ.

وهكذا ففي وقت تثير فيه حركة "أنا أيضا"، التي تُعنى برفض واستنكار أي اعتداءات جنسية على النساء، اهتماما متجددا بحقوق النسوة واستقلاليتهن، تتفاعل قصص السيدات اللواتي ظهرن في هذه الأفلام مع واقعنا في الوقت الحاضر، عبر المعارك المتواصلة التي خُضْنها مع المؤسسات التي كانت قائمة في الحقب التي عشن فيها، ومارست آنذاك التمييز ضد المرأة. لكن للحق، ليس هناك من بين هؤلاء النسوة، من عاشت حياة أكثر إثارة في أحداثها، مما فعلت فيرجينيا هول.

وتجسّد سارة ميغان توماس في الفيلم دور فيرجينيا، كما كتبت سيناريو العمل الذي يتطرق أيضا إلى حياة شخصيتيْن أخرييْن، لعبتا كذلك دورا خلال الحرب العالمية الثانية. أولاهما فيرا أتكينز، السيدة رومانية المولد، التي كانت جزءا مما عُرِفَ بـ "منظمة تنفيذ العمليات الخاصة"، التي كان يُطْلِقَ عليها كذلك اسم "جيش تشرشل السري". وقد تولت فيرا (التي تجسّد شخصيتها الممثلة ستانا كاتيك) تجنيد النساء للعمل كعميلات للاستخبارات، في وقت كان ذلك فيه أمراً غير مألوف بشدة.

أما الشخصية النسائية الثانية، فكانت سيدة إنجليزية - هندية من بين من جندتهن فيرا، وتُدعى نور النساء عنايت خان (أدت دورها الممثلة راديكا آبتي). وقد أُرْسِلَت نور إلى فرنسا لتصبح عاملة لاسلكي، وهي أخطر المهام التي كانت تُسند للعملاء في ذلك الوقت.
ورغم تعدد الشخصيات التي يتناولها الفيلم، فإن قصة حياة فرجينيا تشكل محور أحداثه، بداية بالكفاح الذي خاضته لتصبح عميلة استخباراتية رغم إعاقتها الجسدية وكونها امرأة كذلك. المفارقة أن هذين الأمريْن تحديدا شكلا "الغطاء المثالي" لها، كما قالت شخصية فيرا في العمل، عندما كانت تتحدث عن ضرورة توجه فيرجينيا إلى ليون، تحت ستار العمل كصحفية. وقالت في هذا الصدد: "لن يشك أحد في أن مراسلة أمريكية جميلة تعاني من العرج؛ مذنبة في أي شيء".

على أي حال، لا يُدخل الفيلم تغييرات جوهرية على الطابع الذي تصطبغ به عادة أفلام الجاسوسية، لكنه يستفيد من سمات هذا النوع من الأعمال لخلق أجواء من التشويق والترقب لمواجهات تبدو دانية في كل مرة يقترب النازيون من بطلاته. وبحسب الأحداث، تصل فيرجينيا إلى فرنسا، وتشرع على الفور في ترتيب رحلة ليلية خطيرة، يُعاد بها عميل بريطاني جريح إلى لندن. بعد ذلك، نرى هذه السيدة وهي تستجمع شجاعتها على نحو هائل، وتسير واثقة وهادئة، في وقت يطلق فيه النازيون النار على أحد أعضاء خليتها، على قارعة الطريق.

ويركز "دعوة للتجسس" على السنوات التي حققت خلالها فيرجينيا أبرز إنجازاتها، وذلك سيرا على درب غالبية الأعمال السينمائية، التي تُسلّط الضوء على بعض الشخصيات النسائية البارزة، وما مرت به في حياتها. ففي مقابلتها الأولى مع فيرا، تروي فيرجينيا ببساطة ما مرت به في سنواتها السابقة، مثل محاولاتها للعمل لحساب الاستخبارات الأمريكية، وفشلها في ذلك، بسبب استعانتها بساق صناعية، وهو ما حدا بها للتوجه إلى فرنسا، للعمل سائقة لسيارة إسعاف في زمن الحرب، قبل أن تعمل في مقر السفارة الأمريكية في لندن.

ورغم التزام الفيلم بالحقائق التاريخية الأساسية في حياة بطلاته، وتطورات مسار كل منهن في العمل السري، فإنه لا يفعل ذلك بالصرامة نفسها، عندما يتناول تفاصيل العلاقات التي ربطت بينهن. فمع أن فيرا عَرِفَت فيرجينيا بالفعل، لكنها لم تجندها كما ظهر في العمل. من جهة أخرى، فرغم أن نور النساء عنايت عَمِلَت تحت إمرة فيرا، فإنها لم تشترك مع فيرجينيا في الإقامة في غرفة واحدة خلال فترة تدريبهما على العمل الاستخباراتي، ولم تلتقيا بعد ذلك في فرنسا، كما ظهر على الشاشة.

وبررت الممثلة وكاتبة السيناريو ميغان توماس هذه التغييرات، بأنها أتاحت لها الفرصة "لوضع نور وفيرجينيا في المكان والزمان نفسيهما، مثلما حدث في فيلم `شخصيات مخفية`". وأضافت بالقول: "أنا أعتبر نساء مثل هؤلاء، الشخصيات الخفية لعالم الجاسوسية".

من جهة أخرى، أدى ربط قصص البطلات ببعضها بعضا، إلى جعل الفيلم وثيق الصلة بشكل أكبر، بعالمنا اليوم الذي تسوده العولمة. وتقول ميغان توماس في هذا الشأن إنها كانت مهتمة بفكرة "توحيد نساء من جنسيات وخلفيات مختلفة جهودهن لمقاومة شر مشترك". وعلى مدار الفيلم، نلاحظ كيف كانت الشبهات تحيط بـ "فيرا" في داخل قِسمها نفسه، لأنها يهودية من جهة ومولودة في دولة أجنبية من جهة أخرى. كما رأينا كم كان القلق يساورها، من إمكانية عدم حصولها على الجنسية البريطانية، وأن تتعرض للترحيل كذلك. أما نور المولودة لأب هندي وأم بريطانية، فنعلم من الأحداث، أنها مسلمة وناشطة من أجل السلام، تصر على أن لديها دورا يتعين عليها الاضطلاع به، على صعيد محاربة النازية.

الدراما والخطر

وتمثل فكرة المقاومة العنصر المشترك، الذي يربط بين فيلميْ "دعوة للتجسس" و"فتيات الراديوم"، الذي شاركت بليتشر في إخراجه مع جيني مولر، تلك السيدة التي كانت من بين كُتّاب السيناريو للعمل أيضا. وتبدأ أحداث "فتيات الراديوم" في عام 1925، في أروقة مصنع تعكف فيه العاملات على كتابة أرقام تتوهج في الظلام، على قاعدة الأرقام والرموز الموجودة في الساعات. ونرى هؤلاء العاملات، وهن يلعقن الفراشي المليئة بالطلاء، الذي يحتوي على الراديوم، كي يتسنى لهن رسم الأرقام بشكل أكثر دقة. بجانب ذلك، تبيع الشركة المالكة للمصنع، والتي تحمل اسم "أميركان ريديوم" المياه المُشبّعة بالراديوم إلى زبائنها، باعتبارها "إكسيرا سحريا".

وتتناول الأحداث قصة حقيقية لشقيقتيْن لجأتا للقضاء ضد الشركة التي عملتا لحسابها، بعدما اكتشفتا أن أصحابها كانوا على علم مسبق، بالخطر المميت الذي يشكله الراديوم على صحة من يستخدمونه، لفترة تستمر سنوات.

وعلى غرار ما حدث في "دعوة للتجسس"، تخلق بليتشر عالما سينمائيا ذا طابع مميز، وشخصيات يمكن للمشاهد التعاطف معها. وتُدعى الشقيقتان بطلتا العمل بيسي وجوزي. وتجسد جوي كينغ شخصية بيسي، التي تحلم بأن تصبح من بين نجمات هوليوود، فيما تؤدي آبي كوين دور جوزي، التي تتوق لزيارة مصر للقيام بالتنقيب عن الآثار. وبحسب الأحداث، تبدو جوزي أسرع عاملات المصنع وأفضلهن كذلك. لكنها سرعان ما تسقط فريسة للمرض. ورغم أن طبيب الشركة يقول لها إنها على ما يرام، نجد أنها تسعل دما، وتفقد أسنانها أيضا.
ويشكل إبراز الفيلم لطلاء الأظافر المتوهج المُشبّع بالراديوم الذي تستخدمه بيسي، نموذجا على قدرة العمل على الاستفادة بشكل فعال، من تفاصيل الفترة الزمنية التي تدور أحداثه فيها. اللافت أن نضال بطلتيْ الفيلم من أجل الكشف عن الحقيقة، لم يكن ليُعرض في وقت أكثر ملائمة لذلك من عصرنا الحالي، ما يظهر كيف يمكن أن يكون لحياة الشخصيات التاريخية، صدى في حاضرنا. ورغم أن تصوير "فتيات الراديوم"، انتهى قبل أن يجتاح العالم وباء كورونا، فإن بليتشر ترى أن قصته "تماثل ما يحدث في العالم حاليا، حيث يتم إنكار العلم، ويعتبر البعض شيئا ما آمنا، وهو ليس كذلك، وحيث نرى الناس يحتضرون ويموتون".

ورغم الحيوية التي تُقدم بها شخصيات هؤلاء النسوة على الشاشة، فإن أفلامهن لا تخبرنا سوى بجانب واحد، مما مرت به كل منهن في حياتها. فأحداث "دعوة للتجسس" - مثلا - تنتهي، والحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، دون أن يتطرق العمل إلى باقي مراحل حياة فيرجينيا، التي لا تُقاوم من فرط إثارتها. وتشكل تفاصيل مسيرة هذه السيدة بمختلف جوانبها، موضوعا لكتاب سيرة ذاتية ضخم نُشِرَ العام الماضي، واختارت له مؤلفته سونيا بورنيل عنوان "سيدة عديمة الأهمية: القصة المسكوت عنها للجاسوسة الأمريكية التي ساعدت على الانتصار في الحرب العالمية الثانية".

فبعد الحرب، أصبحت فيرجينيا واحدة من أوائل السيدات اللواتي عَمِلن في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي آيه) الوليدة وقتذاك. لكن حتى مسؤولي الوكالة يعترفون الآن، بأنهم لم يستفيدوا من قدرات تلك السيدة على الوجه الأمثل. وقد استشهدت بورنيل في الكتاب بتقرير سري، قال إنه تم تعطيل مسيرة فيرجينيا "لأنها كانت ذات خبرات كبيرة للغاية، يشحب في ظلها نجم زملائها الذكور، ممن شعروا بأنها تشكل تهديدا لهم".
وفي عام 2016، أطلقت (سي آي آيه) اسمها على أحد المباني. ورغم أن ذلك لا يشكل إعادة اعتبار لها بشكل كامل، فإنه خطوة ذات مغزى على أي حال. كما أن من شأن استعراض تفاصيل حياتها على شاشة السينما، جنبا إلى جنب مع قريناتها من النساء اللواتي لم يحظين بالتقدير على نحو كاف من قبل، أن يشكل تقديرا فعالا ونابضا بالحيوية لهن بشكل أكبر، من إطلاق اسمائهن على أي مبنى مهما كانت أهميته.






بلا شك أن الوقت هو أثمن ما في الوجود، فالوقت هو حياتنا، فنحن نحيا عدة سنوات لو قارنتها بعمر كوكب الأرض تصبح لا شيء (أقل من غمضة عين) وإذا قارنت عمرك بعمر الكون يطلع صفر، وأغني ملياردير سواء بيل جيتس أو جيف بيزوس أو سليمان الحكيم، مهما أوتي من ثروة فلن يستطيع شراء يوم أمس، وبالطبع أول أمس يكون أصعب، حتى الثانية التي مرت من عمرك لن تستطيع إسترجاعها، إلا أذا كان لديك آلة الزمن والتي كتبت عنها رواية هربرت جورج ويلز.

كل هذا مقبول ومعروف، ولكن أن يعلمونا في المدارس ونحن أطفالا صغارا: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك!" ففي هذه العبارة كلمتان تشكلان عقلية طفل "داعشي" السيف والقطع! تعلمنا هذه العبارة وحفظناها عن ظهر قلب حتى قبل أن نرى السيف، ثم أن العبارة لا معنى لها كيف يكون الوقت كالسيف؟ هل هو حاد هل هو صديء هل هو يقتل، وكيف سوف يقطعني السيف؟ هل سوف يقطع رقبتي مثلا؟

أما إذا جئنا للشعر، فحدث ولا حرج عند الكلام عن السيف، وسوف أضرب أمثلة للشعر العربي الذي تعلمناه وحفظناه في المدرسة ونحن في سن المراهقة، والأمثلة من أعظم شعراء العرب؛ أبو الطيب المتنبي وعنترة بن شداد العبسي وأبو تمام:
يقول المتنبي في أشهر أبياته:
السّيف أصدق إنباءً من الكتبِ
في حده الحدّ بين الجدّ واللّعبِ

يبدو أن المتنبي كان من جبهة الرفض وكان لا يؤمن بالسلام لأنه يرى أن الحرب هي أفصل وسيلة لإنهاء المشاكل مع الأعداء، والحرب هي الجد، أما السلام فهو اللعب! ولو عاش المتنبي حتى شاهد السادات يعقد معاهدة سلام مع إسرائيل لأعتزل الشعر ثم انتحر بالسيف لأن في حده الحد بين الجد واللعب.

ويقول أيضا المتنبي:
أجبته معلناً بالسّيف منصلتاً
ولو أجبت بغير السّيف لم تجبِ

وطبعا واضح بأن المتنبي كان ناصريا وآمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد ألا بالقوة.
أما عنترة بن شداد العبسي فكان حكايته حكاية، فقد أدخل السيف في كل شعره بما فيه شعر الغزل: فها هو يرسل رسالة على الواتس إلى حبيبته عبلة يقول فيها:

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعتْ كبارق ثغرك المتبسِّمِ

يعني هو في عز المعركة والسيوف تقطر من دمه تذكر حبيبته لأن لمعة السيوف ذكرته بابتسامتها، ما هذه الرومانسية التي تقطر دما، واضح إن عنترة كان ينافس أبو لمعة في المبالغة في القصص والحكي!

ويقول في موضع آخر:
أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُيوفِ القَواضِب
وَأَصبو إِلى طَعنِ الرِماحِ اللَواعِبِ
وَأَشتاقُ كاساتِ المَنونِ إِذا صَفَت
وَدارَت عَلى رَأسي سِهامُ المَصائِبِ
وَيُطرِبُني وَالخَيلُ تَعثُرُ بِالقَنا
حُداةُ المَنايا وَاِرتِعاجُ المَواكِبِ
تَطيرُ رُؤوسُ القَومِ تَحتَ ظَلامِها
وَتَنقَضُّ فيها كَالنُجومُ الثَواقِب

أتخيل عنترة ينام على ظهره في الصحراء يحاول أن يعرف عدد النجوم في السماء الصافية، ولكن فجأة يأخذه الحنين إلى ضرب السيوف وطعن الرماح وسهام المصائب والرؤوس تطير في الظلام، يعني الشخص الطبيعي يحن إلى الحبيب أو إلى الأهل والأصدقاء، أو على الأقل يحن إلى ساندويتش فول وطعمية أو طبق كشري، ولكن يحن إلى طعن السيوف والرماح والسهام وطيران رؤوس القوم، فهذا خيال شخص مريض بالقتل، ويبدو أن الشاعر الشهير أبو تمام أيضا انضم إلى جبهة الرفض فها هو يقول:

بيض الصّفائح لا سود الصّحائف
في متونهنّ جلاء الشّك والريب
فهو يكرر ما قاله المتنبي بأن السيوف أهم من الكلام،

وكل هذا الشعر الذي تعلمناه في فترة المراهقة غرس في نفوسنا تقدير وتعظيم السيف والحرب وتحقير السلام والمفاوضات، واعتبار اللجوء إلى السلم هو دليل الضعف والخنوع، وأن السيف يحل كل المشاكل وكل المسائل، لذلك لا تتعجبوا إذا ظهرت بيننا "داعش" أو "القاعدة" تقطع الرؤوس بالسيوف لأنها تحقق أحلام عنترة العبسي!

سامي البحيري




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright