top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
لماذا يعد ستيفن كينغ أشهر روائيي الرعب في العالم؟
ربما لم تتح لنا الفرصة نحن القراء العرب مطالعة الكثير من روايات الكاتب الأميركي ستيفن كينغ، أحد أهم كتاب الخيال العلمي، لكننا بالضرورة شاهدنا واحدا أو أكثر من أفلام الرعب المقتبسة عن رواياته. أصدر المؤلف الأكثر شهرة بين الكتّاب المعاصرين 63 رواية طويلة و120 قصة قصيرة و20 رواية قصيرة وخمسة كتب غير خيالية، وتلقف غالبية هذه الأعمال صناع السينما وتحولت إلى أفلام لاقت متابعة عالية وتصدرا في شباك التذاكر ...
لماذا العودة إلى الرواقية؟
يتزاحمُ تاريخ الفلسفة بالمذاهب والإتجاهات المتعددة، وينطبعُ كل مذهب بخصائص عصرهِ ويمثلُ ما وصلَ إليه التطورُ الفكري في مرحلةُ تاريخية معينة، إذاً أن الفكر محايثُ للواقع، صحيح أنَّ الفكرة تبدو أكثر تطوراً من المرحلة التي حملت نواتها الأولى، لكن هذا لا يعني إنفصالها العضوي من الوضع الراهن، فإنَّ الفلسفة في كل الأحوال لا تنهضُ إلا من الواقع، والسؤال الذي يفرضُ نفسه إذا كان كل مذهب فلسفي إنعكاساً للوعي ...
لجنة تحكيم برنامج أمير الشعراء .. تستعد للإعلان عن قائمة الـ 20 شاعرا
شهدت الحلقة التسجيلية الثانية من مقابلات المشاركين في الموسم التاسع لبرنامج "أمير الشعراء"، الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، كثافة في عدد المقابلات وتنوعها في جماليات القيم الشعرية والإبداع، ومشاركات مميزة أبهرت الحكام من شعراء قدموا من دول غير ناطقة بالعربية، وقد زخرت الحلقة بأحلام الشعراء الذين غردوا في سماء عاصمة الشعر "أبوظبي" رغم المسافات ...
علماء يونانيون يكتشفون شجرة متحجرة عمرها 20 مليون عام
قال علماء يونانيون في جزيرة ليسبوس البركانية، إنهم اكتشفوا شجرة متحجرة نادرة لا تزال فروعها وجذورها سليمة برغم مرور 20 مليون عام. عثر العلماء على الشجرة أثناء أعمال طرق بالقرب من غابة عتيقة تحجرت قبل ملايين السنين في الجزيرة الواقعة شرق البحر المتوسط، ونقلوها من الموقع باستخدام رافعة خاصة ومحفة معدنية. وقال الأستاذ نيكوس زوروس من متحف التاريخ الطبيعي للغابة المتحجرة في ليسبوس إن هذه أول مرة تكتشف شجرة ...
كيف يحدد علماء الآثار مواقع الحفريات؟
علم الآثار هو دراسة الماضي البشري باستخدام بقايا المواد الذي خلفها القدماء ويستخدم علم الآثار القطع الأثرية والميزات لمعرفة كيف يعيش الناس في أوقاتهم وأماكنهم. يريدون أن يعرفوا كيف كانت الحياة اليومية لهؤلاء الأشخاص، وكيف حُكموا، وكيف تفاعلوا مع بعضهم البعض، وماذا يؤمنون ويقدرون...عن أصل كلمة عالم الآثار وعمليات المسح..والتقنيات الحديثة المستخدمة..وكيف يحدد عالم الآثار مواقع الحفريات ..يدور التقرير ...
شجرة الحياة... المزار الذي أبعدت كورونا عنه الزوار
تعد شجرة الحياة في مملكة البحرين معجزة حقيقة، فهذه الشجرة التي يتجاوز عمرها 400 عام وأكثر، لازالت تقف وسط صحراء الصخير جنوب العاصمة المنامة في بقايا قلعة عمرها 500 سنة، وسط درجات حرارة تزيد على الـ50 درجة صيفاً لتكون معجزة تشمخ وسط الصحراء الجافة الممتدة، حيث تقف وحيدة صامدة في بيئة لا وجود لحياة أو ماء فيها، ويبلغ طولها 10 أمتار، وتبعد عن العاصمة المنامة 10 كيلو مترات وتعرف محلياً باسم شجرة العوسج التي ...


ربما لم تتح لنا الفرصة نحن القراء العرب مطالعة الكثير من روايات الكاتب الأميركي ستيفن كينغ، أحد أهم كتاب الخيال العلمي، لكننا بالضرورة شاهدنا واحدا أو أكثر من أفلام الرعب المقتبسة عن رواياته.

أصدر المؤلف الأكثر شهرة بين الكتّاب المعاصرين 63 رواية طويلة و120 قصة قصيرة و20 رواية قصيرة وخمسة كتب غير خيالية، وتلقف غالبية هذه الأعمال صناع السينما وتحولت إلى أفلام لاقت متابعة عالية وتصدرا في شباك التذاكر العالمي.
ويعد كينغ البالغ من العمر 73 عاما من بين أكثر الكتاب غزارة في الإنتاج، ويواصل نشر الروايات ومجموعات القصص القصيرة بمعدل سريع مع استمرار هوليوود في العودة إلى مكتبته لإنتاج الأفلام، لكن ما الذي يجذب القراء وصناع الفن السابع إلى أعمال كينغ رغم وجود مئات المؤلفين الآخرين.


على الرغم من أن كينغ معروف في الغالب بروايات الرعب، إلا أن عمله يتجاوز مجرد محاولة إخافة القراء والمشاهدين، فقد أظهرت قصص مثل "الخلاص من شاوشانك" و"الميل الأخضر" و"الجثة"، وكلها صدرت في نسخ سينمائية، أنه بارع في سرد القصص الرومانسية التي تمنح الأمل، وقد عرضت بعض قصصه القصيرة الشيء نفسه من خلال الابتعاد عن نوع الرعب لعرض مهارات كينغ الأخرى.

تمزج بعض روايات كينغ مثل "ذا دارك تاور" و"عينا التنين" مزجا غريبا بين الخيال العلمي والرعب والجريمة وخرق الطبيعة والغموض وغيرها، وهذه ميزة ربما لا تتواجد عند كتاب آخرين.

وينفرد كينغ إلى جانب إبداعه في السرد المشوق بالبراعة في التوصيف، فقد ابتكر شخصيات أيقونية لا تُنسى مثل المهرج "بيني وايز" و"جاك تيرانس" و"آني ويلكس"، وكلها شخصيات خيالية ظهرت في الأفلام واستطاعت إثارة الرعب وخلق الكوابيس للمشاهدين والقراء على حد سواء.

ما يثير ويفزع فعلا في أبطال كينغ أننا يمكن أن نرى أنفسنا في شخص مثل جاك تيرانس الذي يعاني من مشكلات حقيقية، وهو نتاج أفعاله، شخص مثل هذا يصبح أكثر رعبا لأنه يمثل الجميع ومن الممكن أن يصبح أسوأ مخاوفهم.


وجاك تيرانس لمن لا يعرفه هو الشخصية الرئيسية في رواية كينغ "البريق"، وتم تجسيده من قبل جاك نيكلسون في فيلم مقتبس من الرواية عام 1980، وستيفن ويبر في مينيير 1997، وبريان موليغان في أوبرا 2016، وهنري توماس في فيلم مقتبس من فيلم دكتور سليب عام 2019.

يستطيع الكاتب الأميركي من خلال شخصياته إظهار جوانب مختلفة من الحياة بما في ذلك الألم والمعاناة والأمل فهو قادر على استكشاف الطبيعة البشرية والأفكار والعواطف أكثر من أي كاتب آخر، ونشعر ونحن نقرأ له أو نشاهد فيلما مقتبسا عن رواياته كما لو أنه ينظر في عقولنا.

في روايتي "مقبرة الحيوانات" و"البريق" اللتين تحولتا إلى فيلمين، ظهرت قدرة كينغ على استكشاف الألم والمعاناة في التعامل مع الموت أو الإدمان، ففي "مقبرة الحيوانات" مثلا، نراقب البطل الرئيسي الذي يتعامل مع فقدان طفل وهو يحاول يائسًا عكس قواعد الموت ونتتبع المشاهد التي تبدو واقعية بشكل مؤلم فيما يتعلق بكيفية رد فعل أحد الوالدين لو كان في نفس الموقف.

أما في فيلم "البريق" فيعرض كينغ لقضية مختلفة فالشخصية الرئيسية تعاني من إدمان الكحول وطوال الأحداث ينحدر جاك تيرانس إلى الظلام في صراعه مع الإدمان، وتمكن كينغ من إضفاء شعور أكثر قتامة ويأسا، ومع ذلك ففي تكملة القصة في فيلم "دكتور سليب" استطاع روائي الرعب من إضفاء المزيد من الأمل على هذه القضية.

بعد قراءة بعض روايات كينغ أو مشاهدة الأفلام المستوحاة من قصصه، يلاحظ القارئ أو المشاهد أن جميع قصصه مرتبطة مع بعضها البعض بطريقة أو بأخرى، في تتداخل مبدع يميزه عن غيره من الكتاب، ونرى شخصياته الشهيرة تظهر في أكثر من عمل في دمج سلس وغير مقحم، وكأن عالم كينغ القصصي عالم واحد، وأبطاله على رف مكتبته يتزاورون ويتحاورون ويعيشون معا، وهذا ما يصنعه كاتب عظيم مثل كينغ.



جواهر رفايعة







يتزاحمُ تاريخ الفلسفة بالمذاهب والإتجاهات المتعددة، وينطبعُ كل مذهب بخصائص عصرهِ ويمثلُ ما وصلَ إليه التطورُ الفكري في مرحلةُ تاريخية معينة، إذاً أن الفكر محايثُ للواقع، صحيح أنَّ الفكرة تبدو أكثر تطوراً من المرحلة التي حملت نواتها الأولى، لكن هذا لا يعني إنفصالها العضوي من الوضع الراهن، فإنَّ الفلسفة في كل الأحوال لا تنهضُ إلا من الواقع،

والسؤال الذي يفرضُ نفسه إذا كان كل مذهب فلسفي إنعكاساً للوعي بمتطلبات حلقة تأريخية وإرهاصاً بشكل المرحلة اللاحقة، فماذا تفيدُ العودةُ إلى المذاهبُ الفلسفية وهي وليدةُ ماضِ سحيق؟

بعبارة أوضح ماذا تضيفُ الفلسفة الرواقية إلى الإنسان المعاصر؟ ونحن نعرفُ بأنَّ أصحاب هذه المدرسة يغلبهم الميل نحو التقشف، فيما أصبحت الأرقام بوظيفتها المادية لغةً للعالم الحديث.

بدايةً لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ الأسئلة الوجودية ركن أساسي في المنظومة الفلسفية لذا لا ينسحبُ عليها ما قد ينطبقُ على النظريات العلمية التي ربما تفقدُ قيمتها بمجرد الإعلان عن الفتوحات الجديدة، بينما طيف الفلاسفة يلوحُ في الأفق كلما حلت الأزمة بالمجتمعات الإنسانية لذا يرى لوك فيرى بأنَّ تاريخ الفلسفة يشبه تاريخ الفن أكثر مما يشبه تاريخ العلوم، ففي المجال الإستيقي يمكن أن نحبَّ رؤى مختلفة تماماً كما هو الأمر بشأن الفلسفة، لا تعوضُ التيارات المعاصرة المدارس الكلاسيكية.


ما يزيدُ من أهمية الفلسفة الرواقية في هذا التوقيت هو إنصراف أقطابها إلى الشؤون الحياتية ومسعاهم الرامي لتحسين المستوى السلوكي لدى الفرد لذلك تصنفُ الرواقية ضمن المدارس الأخلاقية. إذاً فمن الطبيعي بعد الخيبات المتراكمة جراء الإنسياق وراء الوعود الخلاصية والترويج للأيدولوجيات المشحونة بالأوهام المُغلفة بالغائية أن يتمَ البحثُ عن خيار آخر ينفعُ لإدراك التحديات الحياتية، وتفادي الوقوع في مطب الإنفعالات السلبية. وهذا ما ينشدهُ المرءُ من العودة إلى العقلية الرواقية.

تبدأُ مسيرة المعاناة برأي الرواقيين عندما يغيبُ الحاضر لدى الإنسان، ولا يكون نظره إلا على الماضي أو المستقبل. يقولُ سينيكا "فإننا من فرط العيش في الماضي والمستقبل تعوزنا الحياة". إذاً فإنَّ الخطوة الأولى نحو طريق التعافي هي الإقامة في الحاضر. كما أنَّ الأولوية للإنسان يجبُ أن تكونَ لتفريغ قراراته مما يثير الأهواء الحزينة إذا أراد أنْ لا يخسر حريته. وذلك يتطلبُ وجود الحكمة لأنَّ الحرية وفقاً لزينون - وهو مؤسس المدرسة الرواقية - هي امتياز حصري للحكماء. والمرادُ من الإشتغال الفلسفي إنطلاقاً من المبدأ الرواقي ليس إلا إكتساباً للطمأنينة.

ويرى الباحث الإنكليزي أنطوني أرثر لونغ أنَّ المهارة التي ركزَ عليها الرواقيون هي فن الحياة لافتاً في دراسته عن كتاب "المختصر" لـ إيبكتيتوس إلى إمكانية فهم الفن بإعتباره مرادفاً لمعرفة طريقة العيش بانسجام مع الطبيعة الإنسانية ومع البيئة الإجتماعية والمادية. ولا تتحقُ الحياة الخيرة برأي إبيكتيتوس إلا بالحفاظ على إرادة الفرد في إنسجام مع الطبيعة.

ومن المعلوم أنَّ مصطلح الطبيعة يغطي في برنامج الفيلسوف الرواقي ثلاثة مجالات؛ أولاً: هيكل ومحتوى العالم المادي. ثانياً: الطبيعة الإنسانية بما فيها الملكات العقلية والكفاءات والإمكانات. ثالثاً: القيم التي قد تتفقُ أو تفشل مع التفوق الإنساني.
ما يقعُ في الطبيعة ليس سيئاً، ولا يصحُ الإفتراض بأنهُ بالإمكان أن يحدث بطريقة مختلفة. هنا يتمثلُ ذكاء البشر في فهم الطبيعة الخارجية أو الكوسموس والتناغم معها في الأفعال والتصرفات. وهذا يذكرنا بحكمة نيتشوية "يجبُ للإنسان أن يكون جاراً صالحاً للأشياء الأقرب منه". وفي الحال إذا كان الإختيار مناقضاً لهذا المسلك، فلن تكون نتيجته على الأغلب سوى الإحباط.

وما يمكنُ الإنسان من الإدارة بدفة أموره هو العقل الذي يتضمنُ "المحاكمة والدافع والإختيار" وهذا يندرجُ في صنف الأشياء العائدة إلينا، وبالتالي تتراخى سلطة الأشياء الخارجية على الرغبات والمخاوف.

إلى جانب ما سبق ذكره فإنَّ الفلسفة الرواقية تهدفُ إلى التحكم بالإنطباعات والتوهمات التي تغزو الرأس مثل القلق على الصحة والحصر النفسي تجاه حالة العالم إذ ما هو ضروري القيام به مع هذه التجارب هو التآلف النفسي معها وإدارتها وتفسير العوامل التي تقفُ خلفها. والأهمُ في هذا الإطار هو تحديد إيبكتيتوس لمفهوم الخير والشر حسب المنفعة أو الضرر اللذين نكسبهما خلال قراراتنا أو أفعالنا، ما يعني أنَّ الأشياء الخارجية أقرب إلى طبيعة محايدة كما أنَّ تقيد السعادة بالظروف يعني التخلي عن الإستقلال والإتزان العاطفي حسب قراءة أنطوني آرثر لونغ للمذهب الرواقي.

لا يمكنُ إختزال التفلسف في إقتناء المعرفة، بل من الضروري تحويل المفاهيم الفلسفية إلى مجال الممارسة على المستوى المعيشي، لا يجدي ترددُ المفردات المقتبسة من معجم الفلسفة نفعاً دون أن يكونَ ذلك دافعاً لفهم متعمق وتحسين الرؤية للمعطيات والظواهر التي تحيط بنا. يقولُ إيبكتيتوس عن النشاط الفلسفي بأنهُ إستعداد لمواجهة الأشياء التي تفرض نفسها علينا، وهذا النسق من التفكير هو ما يحتاجه العالم اليوم، وتستشفُ ظله في وصف نسيم طالب لتاريخ البشرية "إنَّ تاريخنا سلسلة من الأحداث الكبيرة التي لم يتوقعها أي شخص". و ما يكون مصدر الإزعاج بنظر المذهب الرواقي ليس الأشياء بحد ذاتها بل أحكامنا عنها هي ما يزعجنا. هنا يتقاطعُ سبينوزا مع حكمة رواقية عندما ينصحنا بعدم إطلاق الأحكام على ما نصادفه من الظواهر.

كذلك يوافقُ صاحبُ "اللاهوت السياسي" سلفه الرواقي إيبكتيتوس في زهده الفلسفي مؤكداً أن "من يكون الأكثرُ تعلقاً بكل ضروب الخرافة هم أولئك الذين يرغبون بكل جموح في الخيرات الخارجية" ويصبحُ الإنسانُ أكثر هدوءاً وحرية إذا لم يتبدل مزاجهُ حسب ما يطلقُ عليه الناس من الأحكام. ورد في المختصر "إذا أخبرت أن أحداً يتحدث عنك بالسوء فلا تدافع عن نفسك بل قل من الواضح أنَّه لا يعرفُ بقية عيوبي وإلا لتحدث عنها أيضاً".
إذاً تنظمُ الفلسفة الرواقية شكل علاقتنا بالآخر إذ أنَّ ما يعجبنا ربما يرفضهُ المقابلُ، كما أنَّ البطولات والفضائل التي ننسبها لأنفسنا قد يثيرُ غيظ المستمع ويشعرُ بالملل لذا يقول إيبكتيتوس "لا تطل حديثك عن أفعالك ومغامراتك أمام أصدقائك".

كان الفيلسوف إبيكتيتوس الذي عاش عبدا قبل انعتاقه قد اختار كلمة تفيد معنى "في متناول" أو "اليبد أو "الدليل" عنوانا لكتابه وذلك يؤشر إلى القيمة العملية لمحتوياته. يذكر أن ماركوس أوريليوس يأتي في طليعة من أعجبوا بإيبكتيتوس، إذ يقولُ صاحب "التأملات" مستوحياً من فلسفة أستاذه روح الحكمة "كم تعجبتُ أنَّ كل إنسان يحب نفسه أكثر من أي شخص آخر، بينما يضع رأيه في نفسه موضعاً أدنى من رأي الآخرين فيه".



كه يلان محمد








شهدت الحلقة التسجيلية الثانية من مقابلات المشاركين في الموسم التاسع لبرنامج "أمير الشعراء"، الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، كثافة في عدد المقابلات وتنوعها في جماليات القيم الشعرية والإبداع، ومشاركات مميزة أبهرت الحكام من شعراء قدموا من دول غير ناطقة بالعربية، وقد زخرت الحلقة بأحلام الشعراء الذين غردوا في سماء عاصمة الشعر "أبوظبي" رغم المسافات والتحديات.

واستمعت لجنة تحكيم البرنامج، حارسة الإبداع الشعري في اللغة العربية، إلى مشاركات الشعراء مبحرةً في الصور الشعرية للمتنافسين على لقب الموسم التاسع في الحلقة الثانية من تجارب الأداء خلال الحلقة التسجيلية التي بثت في تمام العاشرة من مساء الثلاثاء 26 يناير/كانون الثاني الجاري عبر قناة بينونة وقناة الإمارات.

وقد جمعت الحلقة مزيجاً شعرياً فريداً ومميزاً، وقدمت من خلال قصائدهم لوحات تنبض بالحياة، حيث تشكل بعضها من زرقة البحر المتوسط أو موسيقى النيل أو من جلسات الأتاي في المغرب وموريتانيا وليبيا، وأضاف البعض فيها جماليات استمدت من دقلة نور الجزائر وزيتون تونس وقمح الحياة في مصر ‏وكنداكات السودان ‏ونفحات الأندلس وإرث الأمازيغ، إلى جانب تفاصيل كثيرة شهدتها الحلقة التي يمكن مشاهدة إعادتها على موقع برنامج أمير الشعراء (www.princeofpoets.ae) وقنوات التواصل الخاصة بالبرنامج.

وأكد أعضاء لجنة التحكيم المكونة من الدكتور صلاح فضل، الدكتور علي بن تميم، الدكتور محمد حجو، أن الموسم التاسع يحظى بوجود شعراء موهوبين وقصائد جيدة، وهذا يبشر بموسم مليء بالمنافسة والعطاء الشعري الثري بمضمونه وأفكاره وصوره، وفي المقابل فإن تلك المشاركات المميزة تضع لجنة التحكيم في موقف صعب أمام تقييم الشعراء للمشاركة في اختبارات الـ 40 شاعراً، وكذلك الشعراء الـ 20 الذين سيعتلون منصة مسرح شاطئ الراحة بأبوظبي ضمن الحلقات المباشرة.

وتوقفت اللجنة عند بعض عناوين القصائد وإلقاء الشعراء، مؤكدين أن ‏العناوين تعتبر جزءا من بناء القصيدة، وهي دالة والعنوان هو العتبة إلى النص.

‏وعرضت الحلقة تقارير سلطت الضوء على عدد من نجوم برنامج أمير الشعراء في المواسم السابقة، والتقت مع الشاعر المصري علاء جانب صاحب لقب أمير الشعراء في الموسم الخامس، الدكتورة حنين عمر "سيدة المطارات" من نجوم الموسم الأول للبرنامج.

‏ شعراء من دول غير ناطقة بالعربية يتنافسون بلسان العرب

اللغة العربية بحر في أحشائه الدر كامن، فكيف لا تميل القلوب نحوها وكيف لا يغري جمالها عشاق العذوبة ‏ليتقنها غير الناطقين بها، بل ويكتبوا الشعر وينافسوا بلسانٍ عربي، وقد استقبل البرنامج في موسمه التاسع شعراء من دول أجنبية منها (الولايات المتحدة الأميركية، إيران، نيجيريا، السنغال، مالي)، ‏دول لا تنطق العربية لكن بعض شعرائها دخل ديوان العرب بلسان مبين.


شعراء غرب أفريقيا يعتلون منصة التتويج

أبهر شعراء غرب إفريقيا أعضاء لجنة تحكيم ‏برنامج أمير الشعراء وجمهوره، ليس فقط بجرأتهم للتقدم للتنافس مع شعراء عرب في عقر دار لغتهم الأم؛ بل كان يمتلك بعضهم مواهب فذة، ‏حيث حط شعراء منهم رحالهم عند مسرح شاطئ الراحة ‏واعتلوا منصة برنامج أمير الشعراء ليعلنوا للعالم أن لأفريقيا من الشعر الفصيح عبقرا آخر.

‏وفي الموسم الثامن حصد شعراء غرب إفريقيا ثلث جوائز البرنامج، حيث جاء في المركز الرابع السنغالي محمد الأمين جوب، ‏فيما نالت مالي المركز الخامس بقصائد شاعرها عبدالمنعم حسن محمد.

وقد حمل في جعبتهم من مالي والسنغال ونيجيريا روح أفريقيا ‏بألوانها وموسيقى إيقاعاتها وسحرها الأسمر، ومزجوها بأوزان الخليل، وحداثة التفعيلة، وصوفية الإسلام الذي دخل قارتهم في القرن الأول للهجرة.

وفي ذات السياق، عرض الحلقة التسجيلية الثانية لقاء مع النجم الشاعر عبدالمنعم حسن محمد، سلطت خلاله الضوء على الشاعر في وطنه "مالي"، حيث تحدث خلاله عن الصدى الكبير الذي حصده من برنامج أمير الشعراء، والأثر الكبير الذي تركه البرنامج لدى شباب غرب أفريقيا.

‏لجنة التحكيم تنهي المقابلات والاختبارات.. وتستعد للإعلان عن قائمة الـ 20
أنهت لجنة تحكيم برنامج شاعر المليون مقابلات الشعراء، وقد أبدع ‏بعض الشعراء في ‏نثر مشاركاتهم، والبعض الآخر لم يكن بحجم التوقعات، واجتمعت اللجنة لتختار من بين مئات القصائد ‏والشعراء قائمة تضم أربعين شاعراً.

‏واجتمعت لجنة التحكيم من جديد، وأجرت اتصالات مباشرة مع الشعراء المعنيين، لتدعوهم إلى اختبارات مكثفة منها "الارتجال"، حيث تقوم لجنة التحكيم بسحب مغلف بداخله بيت شعر ‏بشكل عشوائي، وعلى الشاعر أن يكتب على نفس الوزن والقافية بيتين في مدة لا تتجاوز 3 دقائق.

وبذلك قد انتهت مرحلتا المقابلات والاختبارات، وبدأ العد التنازلي للحلقات المباشرة، والإعلان عن قائمة الـ 20 شاعراً وشاعرة الذين سيتنافسون على مسرح شاطئ الراحة في العاصمة الإماراتية أبوظبي.







قال علماء يونانيون في جزيرة ليسبوس البركانية، إنهم اكتشفوا شجرة متحجرة نادرة لا تزال فروعها وجذورها سليمة برغم مرور 20 مليون عام.
عثر العلماء على الشجرة أثناء أعمال طرق بالقرب من غابة عتيقة تحجرت قبل ملايين السنين في الجزيرة الواقعة شرق البحر المتوسط، ونقلوها من الموقع باستخدام رافعة خاصة ومحفة معدنية.
وقال الأستاذ نيكوس زوروس من متحف التاريخ الطبيعي للغابة المتحجرة في ليسبوس إن هذه أول مرة تكتشف شجرة في مثل هذه الحالة الجيدة بفروعها وجذروها منذ بدء التنقيب في 1995.
وأضاف "إنه كشف فريد من نوعه...ظل في حالة ممتازة، ومن دراسة الخشب الأحفوري يمكننا تحديد نوع النبات الذي أتى منه".
وتمتد الغابة المتحجرة في ليسبوس على مساحة نحو 37 ألف فدان وهي موقع مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، وتكونت نتيجة ثوران بركاني قبل 20 مليون عام غطى الغابة شبه الاستوائية بالجزيرة حينئذ بالحمم البركانية.
يبلغ طول الشجرة الأحفورية نحو 19 مترا وظلت محفوظة أسفل طبقة سميكة من الرماد البركاني بعد سقوطها. وعثر العلماء على عدد كبير من أوراق شجر الفاكهة في نفس المنطقة، مما يضيف إلى التصور العام للمنطقة إلى جانب عظام حيوانات عثر عليها هناك.






علم الآثار هو دراسة الماضي البشري باستخدام بقايا المواد الذي خلفها القدماء ويستخدم علم الآثار القطع الأثرية والميزات لمعرفة كيف يعيش الناس في أوقاتهم وأماكنهم. يريدون أن يعرفوا كيف كانت الحياة اليومية لهؤلاء الأشخاص، وكيف حُكموا، وكيف تفاعلوا مع بعضهم البعض، وماذا يؤمنون ويقدرون...عن أصل كلمة عالم الآثار وعمليات المسح..والتقنيات الحديثة المستخدمة..وكيف يحدد عالم الآثار مواقع الحفريات ..يدور التقرير التالي



"عالم الآثار" كلمة يونانية تعني ..قديم

تأتي كلمة «علم الآثار» من الكلمة اليونانية «arkhaios» والتي تعني «قديم». على الرغم من أن بعض علماء الآثار يدرسون الثقافات الحية، فإن معظم علماء الآثار يهتمون بالماضي البعيد.
علم الآثار قائم على المنهج العلمي. يطرح علماء الآثار أسئلة ويطورون الفرضيات. يستخدمون الأدلة لاختيار موقع الحفر، ثم يستخدمون تقنيات أخذ العينات العلمية لتحديد مكان الحفر في الموقع. يلاحظون ويسجلون ويصنفون ويفسرون ما يعثرون عليه. ثم يشاركون نتائجهم مع علماء آخرين وعامة الناس.
في مقال نشره موقع «ذا كونفرزيشن» (The Conversation) الأسترالي يقول عالما الآثار غابرييل دي روبل وستايسي كامب إن اكتشاف الآثار قد يكون في بعض الأحيان أمراً سهلاً، كأن تمر بجانب موقع بارز للعيان، وقد يكون مهمة معقدة تحتاج إلى استخدام أشعة الليزر وصور الأقمار الصناعية وغيرها من التقنيات الجيوفيزيائية الجديدة للكشف عن الهياكل الأثرية المفقودة منذ فترات طويلة.


عمليات المسح

ويؤكد الكاتبان أن المهارات العالية والأدوات المتطورة تساعد الباحثين في تحديد أماكن وجود آثار الأزمنة الغابرة، وهو الأمر الذي لم يكن متاحاً للعلماء قبل بضعة عقود.
وأثناء الحجر الصحي الذي شهده العالم في عام 2020 بسبب جائحة كورونا أتاحت التكنولوجيا الحديثة للكثير من علماء الآثار والمتطوعين رسم خرائط الطرق والمستوطنات القديمة التي لم تكن معروفة من قبل.
يذكر الكاتبان أن أبسط وأقدم طريقة لتحديد الآثار هي عمليات المسح، أي البحث عن أدلة على وجود نشاط بشري إما عبر جولات استكشاف غير منظمة، أو المشي عبر شبكات طرق محددة، وما لم يكن الدليل واضحاً تماماً -مثل بقايا الأواني المكسورة- عادة ما تحتاج عمليات المسح إلى عين مدربة لقراءة الأدلة.
ويضيف الكاتبان أن فهم تلك الأدلة قد يتطلب الإلمام بالجيولوجيا ومعرفة طبيعة النباتات في منطقة البحث، ويستعين علماء الآثار عادة في عمليات البحث بالسكان المحليين الذين يعرفون مناطقهم جيداً.


تقنيات حديثة

ويقول الكاتبان إن علماء الآثار بدأوا خلال الأعوام الأخيرة يستخدمون طرقاً جديدة لاكتشاف المواقع الأثرية التي لم تكتشف في السابق.
هذه التقنيات أصبحت تعرف على نطاق واسع بتكنولوجيا الاستشعار عن بعد، وهي تسمح بمسح الغابات الكثيفة رقمياً وتصوير التربة بطريقة تكشف كل ما هو موجود تحتها، ويمكن لعمليات المسح عالية الدقة باستخدام الليزر أو الصور ثلاثية الأبعاد اكتشاف كل ما لا تراه العين البشرية.
وعلى سبيل المثال، تطلق تقنية الليدار أشعة ليزر نبضية لتحديد المسافة بناء على النبضات المنعكسة من الهدف ومدى سرعة الانعكاس، وعند استخدامها من طائرة ترسم لنا هذه التقنية خريطة طبوغرافية مفصلة للمكان، وتكشف كل ما تحتويه الأرض.
ومن الأمثلة الحديثة على استفادة العلماء من هذه التقنية اكتشاف مدينة تيكال الأثرية في غابات غواتيمالا المطيرة، ولم يستطع علماء الآثار في السابق الوصول إلى هذا الموقع رغم عمليات المسح التي قاموا بها في مرات عدة.
كما تساعد صور الأقمار الصناعية -بما في ذلك «غوغل إيرث»- على الوصول إلى مواقع أثرية جديدة، وقد أدت موجة الجفاف الأخيرة في إنجلترا إلى ظهور معالم قديمة رصدتها صور الأقمار الصناعية.
ويضيف الكاتبان أن العلماء يستخدمون أيضاً التقنيات الجيوفيزيائية التي تساعدهم على مسح الأرض التي يرجح أن فيها آثاراً، إذ يساعد ذلك على الوصول مباشرة إلى المكان المقصود من خلال تمييز كثافة التربة أو خصائصها المغناطيسية








تعد شجرة الحياة في مملكة البحرين معجزة حقيقة، فهذه الشجرة التي يتجاوز عمرها 400 عام وأكثر، لازالت تقف وسط صحراء الصخير جنوب العاصمة المنامة في بقايا قلعة عمرها 500 سنة، وسط درجات حرارة تزيد على الـ50 درجة صيفاً لتكون معجزة تشمخ وسط الصحراء الجافة الممتدة، حيث تقف وحيدة صامدة في بيئة لا وجود لحياة أو ماء فيها، ويبلغ طولها 10 أمتار، وتبعد عن العاصمة المنامة 10 كيلو مترات

وتعرف محلياً باسم شجرة العوسج التي تنتشر في صحراء السعودية والبحرين، ويعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي...عن تحويل الشجرة إلى مزار سياحي..وكثرة عدد زائريها الذي وصل إلى 50 ألف زائر في العام الماضي..والتي رُشحت لتضاف إلى عجائب الدنيا السبع ..يدور التقرير الآتي..

مزار سياحي

أحبها البحرينيون، وحولوها لمزار سياحي مهم يصرون على زيارته بين الحين والآخر، قبل أن تصبح "شجرة الحياة" مزاراً سياحياً ومعلماً أثرياً عاماً يقصده الكثير من زوار البحرين من الخليج وأوروبا والعالم، ورصدت الأرقام الرسمية عدد السياح الذين يتوافدون لرؤية الشجرة بحوالي 50 ألف زائر في العام الماضي الذي سبق كورونا، ليتم بعدها إنشاء سور دائري لحماية الشجرة من الأضرار الناجمة عن تواجد السيارات وأعمال التخريب، وفي الوقت نفسه لتوفير فرصة للزوار للتأمل الشجرة والاستمتاع بمنظرها من مسافة آمنة، وقد أقيم كذلك على مقربة من الشجرة معرض للتحف الأثرية ومنصة صغيرة لعقد العروض والفعاليات الخارجية المختلفة، وذلك من ضمن المشروع الذي نفذته هيئة البحرين للثقافة والآثار.

شجرة معمرة

الشجرة التي لا توجد أي شجرة مثيلة لها في المنطقة، والتي أبهرت الزوار من كل العالم بسحرها وسرها المدفون في رمال الصحراء، والتي رصدها وصورها كبار الفنانين والمصورين من العالم، تقف الآن، وفي زمن فيروس كورونا "وحيدة" بلا زوار، وتبقى تمد جذورها لمئات الأمتار تحت رمل الصحراء؛ لتحصل على الماء لتبقى صامدة بانتظار زوار ما بعد كورونا، بينما يكتفي البحرينيون باصطحاب أطفالهم أو أسرهم للمرور بالشجرة ورؤيتها ولو من بعيد، وفي عام 2009 رشحت الشجرة لتكون ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.








ما هي أضخم المشروعات التي يمكن للإنسان تصميمها وتنفيذها؟ في السطور القادمة يسعى أندرس ساندبرغ للإجابة على هذا السؤال، عبر استعراض بعض أكثر الرؤى طموحا في التاريخ.
في عام 1603، وضع كاهن يسوعي، يُدعى كريستوف غرينبرغر، تصورا لآلة قال إن من شأنها "رفع كوكبنا بأسره"، باستخدام الحبال والتروس.
وفي تلك الأيام، كان غرينبرغر يتولى مراجعة الأبحاث التي يعدها المؤلفون اليسوعيون في مجال الرياضيات، في دور يشبه ما يقوم به الآن، المسؤولون عن تحرير الدوريات العلمية المتخصصة. وقد كان هذا الرجل لا يقوى على مقاومة الانخراط في حل المسائل الرياضية.
ومن هذا المنطلق، استنبط أن قدرة المرء على رفع أشياء تفوق وزنه أضعافا مضاعفة باستخدام الحبال والتروس، تعني أن بوسعه أن يرفع كوكبنا كله، ولو ببطء شديد، إذا استعان في ذلك بآلة مؤلفة من 24 ترسا أو عجلة عملاقة مرتبطة بطاحونة هوائية.
وكأي أكاديمي معاصر؛ ينزع لتغليب النظرية على التطبيق، لم يعبأ غرينبرغر بالتفاصيل المزعجة، وكتب قائلا: "لن أنسج الحبال، أو أصف المواد التي سيتم تصنيع التروس أو العجلات منها، ولن أتطرق حتى للمكان الذي يُفترض أن تُعلق فيه هذه الآلة، نظرا لأن تلك المسائل ستُترك للآخرين لتحديدها".
لكن طريقة تفكير هذا الرجل ليست مرتبطة بعصره وحده، فوجود مثل هؤلاء الأشخاص أصحاب التوجه المستقبلي في التفكير، بدأ مع نشأة علم الرياضيات ذاته. وطالما حاول المفكرون والباحثون استكشاف أقصى ما يمكن لهم تصميمه وتنفيذه من مشروعات، حتى لو كانت التقنيات المتوافرة لهم، لا تُمَكِنّهم من وضع ذلك موضع التطبيق.
وعلى مدار قرون طويلة، حَلِمَ هؤلاء باختراع آلات شتى؛ لإجراء تغييرات على تربة الأرض، أو حتى إعادة ترتيب الكون.
ويُعرف فرع علم الهندسة المعني بمشاريع طموحة وضخمة مثل هذه، بـ "الهندسة واسعة النطاق" أو "الهندسة العملاقة" أو "الكلية" كما يُطلق عليه في بعض الأحيان.
وتستهدف المشروعات المندرجة في هذا الإطار، إعادة تشكيل ملامح العالم، أو تصنيع أشياء قد يصل حجم كل منها إلى "عالم" مستقل بذاته.
لكن ما الذي يمكن لنا أن نستشفه من "أحلام الهندسة العملاقة هذه"، على صعيد إدراك مدى براعة الإنسان، واتساع نطاق مخيلته؟
قد يتعين علينا في البداية الإشارة إلى أن "الهندسة العملاقة" تلك، ربما تضرب بجذورها في زمن الإغريق القدماء. فمن بين أشهر ما يُعرف به عالم الطبيعة والرياضيات والفيزياء أرخميدس مثلا، تباهيه بالقول "بمقدوري تحريك الأرض، إذا أعطيتني مكانا لأقف فيه". حديث أرخميدس هنا، يتمحور حول الروافع بطبيعة الحال، إذ كان يعلم أن وجود محور ثابت، ورافعة طويلة للغاية، يجعل بإمكان المرء ممارسة "قوة هائلة" على أي شيء يريد رفعه.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الخطوة المنطقية التالية لاكتشاف أن قانونا فيزيائيا ما قابل للتعميم، تتمثل في التفكير في توسيع نطاق تطبيقه، واستكشاف ما سيترتب على ذلك من تبعات، على الصعيد العملي.
فالعالم الإنجليزي إسحاق نيوتن، أدرك مثلا أن قانون الجاذبية ينطبق على ثمرة فاكهة مثل التفاح، وجرم سماوي كالقمر، لذا أشار قبل وقت طويل من نجاح البشر في ارتياد الفضاء، إلى أن تصميم مدفع قوي، سيؤدي نظريا إلى تمكيننا من إطلاق مركبة فضائية إلى المدار المحيط بالأرض.
وقد تم التطرق إلى هذه الفكرة بالتفصيل في أدب الخيال العلمي، وتحديدا في رواية "من الأرض إلى القمر" التي أصدرها الروائي الفرنسي جول فيرن عام 1865.

وخلال القرن العشرين، قامت مجموعات في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم، بمحاولات جادة لتحديد ما إذا كان من الممكن تصميم مدفع على هذه الشاكلة.
ورغم أن هذه المحاولات باءت بالفشل، ما قد يجعل من اليسير على المرء اعتبار أن أفكار نيوتن في هذا الصدد ليست إلا تكهنات لا أساس لها من الصحة، فإنه يجدر بنا تذكر أنه كان يُعتقد في يوم ما أن الصواريخ، وهي الطريقة التي نتنقل بها الآن في الفضاء، ليست إلا أمرا خياليا وغير قابل للتطبيق.
ولعل هناك من يتذكر أيضا، ذاك الموضوع الشهير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في عام 1920، للسخرية من معتنقي أفكار مثل هذه، وإشارتها آنذاك إلى أن هؤلاء الأشخاص، ربما لم يدرسوا حتى منهج الفيزياء الذي يحصلّه طلاب المرحلة الثانوية. وللمفارقة، عادت الصحيفة نفسها، ونشرت في عام 1969؛ تحديدا في اليوم التالي لانطلاق مركبة أبوللو 11 بطاقمها المؤلف من رائديْ فضاء صوب القمر، ما بدا تراجعا بشكل ما عن موقفها الساخر في هذا الشأن.
وبمرور السنوات، قادت قفزات نظرية مماثلة تفتق عنها ذهن البعض بشأن مجال ارتياد الفضاء، إلى التساؤل عما إذا كان بوسعنا تصميم وتصنيع ما يُعرف بـ "المصاعد الفضائية". وتقوم فكرة هذه المصاعد المفترضة، على تثبيت حبل غليظ قوي للغاية في الأرض وربطه من الجهة الأخرى بثقل موازن لثقل كوكبنا لشيء يسبح في الفضاء، ما يجعل لدينا "مصعدا فضائيا" يعمل بالطاقة الشمسية. وبذلك، يمكننا - نظريا - وعبر هذا الحبل الغليظ، إطلاق المركبات الفضائية بأقل قدر ممكن من الوقود، صوب الكواكب الأخرى.
وفي الإطار النظري ذاته، يبدو أن "المصاعد الفضائية" التي يمكن أن تُثَبَت على القمر أو المريخ، ستكون عملية بشكل أكبر، في ضوء ضعف قوة الجاذبية عليهما، ما يسمح بأن تُطلق بواسطتها المركبات نحو الفضاء من على سطحهما، لمسافة أبعد.
ولم تتوقف طموحات البشر في المجال الفلكي عن هذا الحد، فثمة من يتوقع أن يتسنى للإنسان في المستقبل، جعل المريخ صالحا للسكنى، ومن يتكهن بإمكانية أن نضع هيكلا افتراضيا ضخما يُعرف باسم "غلاف أديسون" حول الشمس، لامتصاص الجانب الأكبر من الطاقة المنبعثة منها. بل إن البعض يقطع شوطا أوسع، ساعيا إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى بشدة، من قبيل إطالة عمر الشمس، أو حتى تحريك النجوم بين المجرات.
وبرغم أن أفكارا مثل هذه، تبدو جميعا بعيدة المنال في عالمنا اليوم، فإن مبادئ الرياضيات والفيزياء، لا تستبعد تحقيقها في يوم ما بشكل كامل.
إعادة تصميم الأرض
وقد ألهمت "الهندسة العملاقة"، البعض خططا طموحة ومتنوعة، تنطوي على التفكير في تنفيذ مشروعات مثالية وخيالية، تتضمن إجراء تغييرات على نطاق واسع على البحار والمحيطات والغلاف الجوي للأرض.
من بين هذه المشروعات؛ مشروع تبناه المهندس المعماري الألماني هيرمان زروغيل في عشرينيات القرن الماضي، وحمل اسم "أتلانتروبا"، وكان يتألف من مراحل متعددة، تشمل بناء سد عملاق يغلق منطقة مضيق جبل طارق، بما يستلزم تقليل منسوب مياه البحر المتوسط بواقع 200 متر (نحو 656 قدما)، ما يفتح الباب أمام انحسار المياه عن مساحات من الأراضي، سيتسنى للبشر استيطانها بعد ذلك.
ومن بين مراحل المشروع كذلك، تشييد سديْن آخريْن أحدهما عبر مضيق الدردنيل لاحتواء مياه البحر الأسود، والآخر بين الساحل التونسي وجزيرة صقلية الإيطالية، بهدف إجراء خفض أكبر لمنسوب مياه البحر المتوسط. فضلا عن هذا وذاك، شملت مخططات مشروع "أتلانتروبا"، تمديد مسار قناة السويس عبر حفر بعض الخلجان، وإعادة تصميم نهر الكونغو، لملء المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد بالمياه، من أجل تمكين المزارعين في منطقة الساحل الأفريقي، من ري أراضيهم.
ورغم أن المخاوف البيئية القائمة الآن من شأنها استبعاد التفكير في هذا المشروع الضخم برمته، حتى وإن توافر الدعم السياسي له، فإن وجود الإرادة والأموال اللازمة للشروع فيه، ربما كان سيقود إلى أن يحاول البعض تنفيذه بالفعل.
ومن بين المقترحات الحديثة المماثلة، مقترح يخضع لدراسة متعمقة في الوقت الحاضر؛ بشأن إقامة سدود بين اسكتلندا والنرويج وفرنسا والمملكة المتحدة، بهدف احتواء ارتفاع منسوب مياه بحر الشمال. لكن علينا الإشارة هنا، إلى أن طرح هذا الاقتراح، لم يستهدف في الأصل تنفيذه، بقدر التحذير من تزايد منسوب مياه هذا البحر.
من ناحية أخرى، شهدت الولايات المتحدة بين عاميْ 1957 و1977 مشروعا يحمل اسم "بلوشير"، استهدف تطوير التقنيات الضرورية لاستخدام المتفجرات النووية في المشروعات الكبيرة ذات الطابع السلمي للبناء والإنشاء. (وقد تبنى الاتحاد السوفيتي مشروعا مماثلا، حمل اسم `الانفجارات النووية لخدمة الاقتصاد الوطني`). ومن بين المشاريع التي جرى الانتفاع فيها بهذا البرنامج؛ توسيع قناة بنما، وحفر موانئ صناعية، وشق طرق عبر سلاسل جبلية، فضلا عن تنشيط احتياطيات الغاز والنفط القابعة في جوف الأرض. ولم يكن من المفاجئ، ألا تحظى مشاريع البنية التحتية هذه، باهتمام حقيقي في أي وقت من الأوقات.
غير أن هناك الآن بالفعل فرعا من فروع الهندسة، يرتبط بدوره في تنفيذ مشروعات ضخمة من شأنها تغيير وجه كوكب الأرض، ويحظى في الوقت نفسه بأبحاث ودراسات جدية. ويُشار إلى هذا الفرع عادة باسم "الهندسة الجيولوجية" أو "هندسة المناخ". ويتضمن تصور إقامة مشاريع تنطوي على التدخل بشكل متعمد في منظومة المناخ، لتقليص القدر الذي تمتصه الأرض من الإشعاعات الشمسية، أو لتحجيم كميات ثاني أكسيد الكربون. ومع أن التحكم في هذه الإشعاعات، يبدو ممكنا بل وربما ضروريا، فإنه يشكل بلا ريب فكرة محفوفة بالمخاطر.
لكن ما الدافع وراء هذا النوع من التفكير؟
ربما لا يقتصر الأمر على مجرد شعور المرء بالمتعة، فالمنطق الذي يقف وراء التفكير في تنفيذ مشاريع ضخمة من هذا القبيل، يتمثل في الكثير من الحالات، في "لِمَ نقنع بالقليل من شيء ما، طالما أن بإمكاننا الاستزادة منه؟" فإذا كان من المفيد بالنسبة لنا مثلا أن نحوز أرضا زراعية، فلِمَ لا نحاول أن تكون لدينا أكبر مساحة ممكنة منها؟ وإذا كانت الطاقة ذات قيمة كبيرة، فلماذا لا نسعى لتحديد ماهية القدر الأقصى الذي يمكننا أن نحظى به منها، بواسطة التقنيات المعروفة لنا في الوقت الحاضر؟
وتفيدنا أمور مثل هذه، في أن نتعرف على الحدود المحتملة لقدراتنا، والقدر الذي نستطيع اكتسابه من شيء ما، إذا كنا نريد ذلك بالفعل.
وهكذا فإن الهدف من تبني طرق تفكير على هذه الشاكلة، لا يتمثل في توقع كيف يمكننا الحصول على شيء بعينه أو موعد حدوث ذلك، بل يرتبط في أغلب الأحيان، بتحديد ما إذا كانت نواميس الكون، ستحول دون حدوث هذا الأمر من عدمه، ما يساعدنا في نهاية المطاف، على التمييز بين ما هو مستحيل، وما هو بعيد الاحتمال.
الغريب أن كثيرا من مشاريع "الهندسة العملاقة"، كانت في أعين أصحابها عبارة عن رؤى مثالية إلى أبعد حد، فزروغيل مثلا رأى أن مشروعه "أتلانتروبا"، لن يؤدي فقط إلى تحسين المناخ وتوفير الطاقة والأرض الصالحة للزراعة، بل سيساعد على الجمع بين أفريقيا وأوروبا.
كما أن الفيلسوف الروسي نيكولاي فيدروف، اقترح أن يشكل التحكم في الطقس، الخطوة الأولى على صعيد برنامجه الكوني، الهادف لتوحيد الجنس البشري. وتتمثل الفكرة في هذا الشأن، في تضافر الجهود الإنسانية من أجل تحقيق غايات كبرى، من قبيل "الارتقاء بالبشرية جمعاء، لا رفع الكوكب بشكل مادي".
ومع أنه قد يسهل عليك، أن تهزأ بكل هذه الأحلام والتصورات، باعتبار أنها لا تعدو رؤى خيالية غير عملية، أو مجرد "غرور هندسي"، فإن عليك قبل ذلك أن تتذكر أن الأرض تحفل في واقع الأمر، بنماذج لهذه المشروعات الهندسية الضخمة.
فكوكبنا محاط تقريبا بمنظومة تنقل في إطارها البيانات ثانية بعد أخرى؛ وهي منظومة ربما تكون بصدد استخدامها الآن تحديدا، ألا وهي الإنترنت.
بالإضافة إلى ذلك، تدور فوق رأسك في الوقت الحالي، وبسرعة تفوق سرعة الرصاصة المنطلقة من بندقية، آلات تزيد كل منها في حجمها على حجم ملعب كرة القدم، وهي المحطات الفضائية. كما أن أوروبا تحتوي بين جنباتها، على جهاز يبلغ قطره 27 كيلومترا (17 ميلا) ويتولى تحويل الطاقة إلى مادة غريبة من نوعها، وهو "مصادم الهدرونات الكبير". فلتتخيل ما الذي كان أرخميدس أو نيوتن سيفعلانه إذن، إذا توافرت لديهما أجهزة وآلات من هذا القبيل.
ويكشف ذلك عن أننا نعيش في واقع الأمر، بين هياكل ومشروعات ضخمة، نلاحظها بالكاد. فضلا عن ذلك، تبدو بعض مشاريع "الهندسة العملاقة"، الموجودة في بيئتنا الطبيعية، غير مرئية تقريبا بالنسبة لنا. فهولندا وبقاع أخرى في العالم مثل مقاطعتيْ كامبريدجشير ونورفك الإنجليزيتين، ليست إلا أراض انحسرت عنها المياه وجرى استصلاحها. أما غابات الأمازون المطيرة، فلم تكن بِكرا كما كان يُعتقد في السابق، بل إنها شهدت أنشطة زراعية على مدار مئات السنوات. وبجانب هذا وذاك، يمكن القول إن الحواضر الحديثة في العالم، ليست إلا مشروعات هندسية ضخمة، تجسدت على أرض الواقع.
متى يمكن أن تؤتي هذه المشروعات أُكلها؟
في المعتاد، يشوب مثل هذه المشروعات العملاقة، مزيجٌ من العيوب، التي تشمل تجاوز الميزانية المرصودة لها، والمعاناة من مشكلات في التخطيط والإدارة. لكن لماذا ينجح بعض منها، إذا كنّا لا نتسم بالكفاءة إلى هذا الحد في التعامل معها؟
للإجابة على هذا السؤال، يتعين علينا تأمل بعض ما نُفِذَ بالفعل من هذه المشاريع، من قبيل توفير خدمات شبكة الإنترنت وشق منظومة الطرق السريعة الرابطة بين الولايات الأمريكية، واستصلاح الأراضي التي أصبحت تشكل دولة مثل هولندا في الوقت الراهن.
وبوسعنا أن نستخلص من دراسة النماذج السابقة، أنها كانت كلها عبارة عن مشروعات يمكن تنفيذها على مراحل، بما يسمح لمنفذيها بالتوقف عن العمل ثم استئنافه بعد استخلاص الدروس والعبر الخاصة بكل مرحلة. كما أن نجاحها لا يستلزم أن يكون كل جزء منها يعمل بكفاءة.
لكن التصورات العملاقة المرتبطة بالتصميمات الهندسية والمشروعات الضخمة، والتي يشترك فيها عادة أكثر من باحث ومصمم ومنفذ، تختلف بشكل كبير عن الرؤى الفكرية الكبرى، التي تكون في المعتاد ذات طابع فردي، إذ يتفتق عنها ذهن هذا الأديب أو ذاك، في إطار عمله الأدبي، وهي رؤى تتسم بأنها هشة مهما كانت براقة.
من جهة أخرى، بوسعنا الإشارة إلى أن بعض المشروعات الهندسية العملاقة، ربما تكون أكثر عملية، مما تبدو عليه للوهلة الأولى، وأن عنصر الحجم، قد لا يشكل العامل الحاسم في تنفيذها من عدمه.
فإذا أخذنا هيكل "غلاف أديسون"، الذي تحدثنا عنه من قبل مثالا على ذلك، سنجد أن هذا "الغلاف"، الذي يبدو عسيرا على التنفيذ، تم الشروع في إنجاز مشاريع غير بعيدة في جوهرها عنه. إذ أننا بدأنا في إحاطة الشمس بشكل ما بالفعل، بأدوات لتجميع الطاقة الشمسية، متمثلة في الأقمار الاصطناعية التي وُضِعَت حولها.
ويعني ذلك أن استمرار هذا الوضع لبضعة ملايين من السنوات، قد يؤدي إلى وجود ما يشبه "غلاف أديسون" هذا، حول الشمس.
ورغم أن الخطط التي تُفرض بشكل فوقي، بهدف الارتقاء بالعالم إلى مرتبة أفضل، تتسم بأنها أكثر ضعفا من الحلول التي تتبلور من أسفل لأعلى وتُنفذ بشكل تدريجي وعلى مراحل، فإننا سنظل بحاجة إلى هذه المخططات والرؤى، لتحديد أيُها يمكن أن تكون قابلة للتطبيق في يوم ما. كما أنها تفيدنا في التعرف على المسارات الرئيسية، التي قد نرغب في المضي باتجاهها، على نحو طموح.
ومع أنه قد يجدر بنا - في نهاية المطاف - ترك مثل هذه الخطط المثالية على الأوراق، دون محاولة لتجسيدها على أرض الواقع، فإن ذلك لا يمنعنا من أن ندرك أنه بات لدينا الآن، عدد من الأفكار الطموحة الرامية لتحسين كل ما يحيط بنا، على نحو يفوق كل ما كان بحوزتنا في أي وقت سابق.
وهكذا فرغم أنه لم تتوافر لدينا حتى الآن، تقنيات تتيح لنا "رفع" كوكبنا إلى أعلى كما كان يتصور البعض قبل قرون، فإن أرخميدس ربما كان سيشعر بالسعادة، إذا ما تسنى له أن يعلم، أنه صار لدينا عدد أكبر بكثير، من الروافع في عصرنا الحالي.







أثار مسلسل «الهيبة» في السنوات الأخيرة، بأجزائه الأربعة، نقاشات واسعة حول طبيعة عمل المهربين والقيم التي يعيشون وفقها، ومدى صحة متابعة الجمهور لهذا النوع من المسلسلات، التي تنشر ثقافة العنف، وترسم صورة عن المهربين بوصفهم أبطالا وديعين وأصحاب هموم وطنية؛ إذ تدور أحداث الجزء الثاني من المسلسل حول رفض البطل جبل تمرير أسلحة ثقيلة باتجاه لبنان وسوريا، ليدخل في صدامات مع عصابات أخرى، وهذا ما ينطبق أيضا على الجزء الرابع عندما يرفض توزيع المخدرات، فكأنه يرسل رسالة تقول بأننا مهربون ولكن بشرف، وأنّ التهريب الذي نقوم به، كما يذكر المهرب اللبناني نوح زعيتر (جبل الحقيقي كما قيل) هو أسلوب حياة ناجم عن قرار اجتماعي في منطقته بضرورة التهريب، في سياق غياب الدولة وعدم توفيرها للخدمات وفرص العمل للشباب.

واللافت أنه في موازاة هذا المسسلسل، كان سوق الأغاني الشعبية يشهد إنتاج أغان تثني على التهريب أيضا، وعلى قيم البطولة في هذه المهنة، ولعل أشهرها أغنية وليد الأمير «أسياد الحدود» في إشارة للمهربين، التي تتحدث عن مهربين يقودون سيارتهم بسرعة كبيرة على طريق مدينة الريحانية التركية، باتجاه البلدات السورية، كما نعثر في أغاني مغني آخر يدعى محمد الشيخ، على أسماء عائلات بعض المهربين مثل البري، وأسماء اشخاص يحملون ألقاب الشيخ، ما يدل إما على خلفيتهم الاجتماعية/القبلية، أو على ظهور لاعبين محليين جدد، وعلى وجود مجتمع بأكمله اليوم يعيش من التهريب، وله ثقافته ولغته وشبكاته الخاصة، رغم أنّ إحدى الأغاني تؤكد فكرة أنّ هذا المجتمع ليس وليد الحرب وحسب، بل هو قائم منذ زمن طويل، إذ تقول كلماتها «من صغرنا شيوخ الكار/أي نعمل منذ الصغر في هذه المهنة» ولا شك أنّ تواتر هذه الأغاني قد ترافق مع الفوضى الحدودية التي تعيشها المنطقة منذ عدة سنوات في سوريا والعراق وتركيا وغيرها من المناطق.
عادة ما رسمت صورة عن العاملين في التهريب بوصفهم «زعران/بلطجية» أو خارجين عن القانون، وهو ما يلاحظ من ردة الفعل تجاه مسلسل «الهيبة» مثلا، ففي الوقت الذي يشهد فيه المسلسل إقبالا واسعا على متابعته، وعلى تكرار بعض كلمات بطله «خلصت/انتهت» في إشارة لقدوم أحداث درامية حاسمة، نرى أنّ موجة الكتّاب والنقاد، غالبا ما تحذر من انتشار هذه الثقافة، ومن أضرارها السلبية على الشباب، وعلى طريقة تفكيرهم. لكن خلافا لهذه الرؤية الأخلاقية، هناك من الباحثين والصحافيين من فضّل الاقتراب أكثر من عالم هؤلاء المهربين لفهم منطق عملهم، وطبيعة الأفراد العاملين في هذا المجال، وهذا ما ظهر مثلا من خلال التقرير الذي أعدته جريدة «واشنطن بوست» قبل عام من الآن عن أغاني المهربين على الحدود السورية التركية، كما كان هذا الموضوع محل اهتمام الصحافية الفرنسية ليلى مينانو في كتابها «التضحية بتدمر» الذي تتبّعت في أجزاء منه حياة «علي بابا والأربعون حرامي» في إشارة للمهربين الذين عملوا في تهريب جوازات السفر والدخان والآثار. مع هذا الاهتمام الغربي بعوالم التهريب في سوريا والمنطقة عموما، وفي دراسة مجتمعات الحدود ودورها في دعم هذا الجانب، لا نعثر بالمقابل على شغف مواز لدى الصحافيين والباحثين العرب، وهذا ناجم برأينا عن صورة بقيت تنظر لهذا الجانب بوصفه جانبا مذموما، بدون أن نهمل أيضا أنّ قرار الخوض فيه لا يعدّ يسيرا ويحتمل أخطاراً كبيرة.


وفي سياق هذا الفقر في دراسات عوالم التهريب، بوصفها عوالم أنثروبولوجية، وتاريخية، تأتي مؤخرا ترجمة كتاب المؤرخ البريطاني سيمون هارفي «التهريب: سبعة قرون من نقل الممنوعات» ترجمة ماهر جنيدي/مشروع كلمة للترجمة، لتشكّل أول نص معرفي واسع في العالم العربي حول حيوات التهريب والمهربين وصورتهم في المخيال الشعبي، ودورهم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

هل كان كولومبوس مهربا؟

بهذا السؤال الجريء والمفاجى يبدأ المؤلف كتابه، فهو يؤكد أنّ كولومبوس قد لا تنطبق عليه مواصفات المهرب المعتاد على عبور الحدود، حاملا على ظهره أكياساً مليئة بالملح أو القماش؛ مع ذلك لنا أن نتصور أنّ دوافع كولومبوس الأولى من العثور على طرق أخرى لتوابل الهند، كانت تتعلق بالتهريب ونقل توابل الشرق بطرق سرية تتيح للإسبان تقويض السيطرة العربية والإيطالية على تجارة التوابل.

يرى المؤرخ هارفي أنّ ثمة بحوثا أنثربولوجية واجتماعية وسياسية متزايدة، تتناول تدفقات الممنوعات بجميع أنواعها، وليس فقط الخطرة منها، لأنّ تاريخ التهريب يكشف أهمية دور هذه المهنة والعاملين فيها في صنع العالم الذي نعيش فيه، وتغييره إلى الأفضل أو الأسوأ، وبالتالي فالكتاب هو محاولة لتوسيع تاريخ التهريب وتعميقه. الجميل في هذا الكتاب، أنّ المؤلف يتمكن من مرافقة بعض المهربين في الفترة الممتدة بين القرن السادس وبدايات القرن العشرين، لمعرفة ما الذي كانوا يهربونه ومعرفة خلفية كل شخص منهم، وأسمائهم، لدرجة تثير الدهشة لقدرته على الإلمام بكل هذه التفاصيل، وجمع مئات الوثائق والسجلات عن حياتهم. نكتشف معه مثلا أنه في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كان الفرنسيون يهرّبون الكتان والصابون والشمع، بينما كان الهولنديون يهرّبون الملح لحفظ سمك الرنجة، وهو عنصر أساسي في نظامهم الغذائي. وفي هذه الفترة احتكر الإسبان تجارة البحر الكاريبي، ولذلك كانوا يلاحقون هؤلاء المهربين، حيث قاموا في عام 1603 باصطحاب سفينة التهريب الإنكليزية ماري إلى ميناء في كوبا، وجرت تعرية قبطانها وربطه إلى شجرة قبل أن تقطع أوصاله إربا، مع ذلك بقيت عمليات التهريب قائمة. كما نتعرف أثناء السير في بحور التهريب على يوميات وسير ذاتية لبعض المهربين في بداية القرن العشرين، مثل سيرة المهرب هنري دي مونفريد المعنونة بـ«اللؤلؤ والأسلحة والحشيش» التي يروي فيها أنّ هذا العالم يتموج بين دوافع المغامرة الرومانسية والمقاومة والربح.

تهريب الأفكار والبذور

يناقش المؤلف في أجزاء من الكتاب دور التهريب في صناعة الأفكار، وانتقال الزراعة، ففي عام 1747 أغوى البرازيلي فرانسيسكو دي ميلو باليتا زوجة حاكم فرنسي في الجزيرة العربية لمنحه بذور البن، التي عاد بها إلى الوطن، لتنشأ على إثرها صناعة البن في البرازيل من هذه السرقة. كما نتعرف على قصة تهريب بذور وشتلات الشاي الصيني، عبر عالم نباتات بريطاني يدعى روبرت فورتشن، الذي قام بارتداء لباس من الحرير وأضاف ضفيرة (ذيل حصان) إلى شعره، وهي رمز الخضوع لأحد الشعوب الصينية، ليتمكن من الدخول إلى أحد أديرة المنطقة، والتعرف على أسرار إنتاج الشاي، وقد عدّ عمله يومها شأنا وطنيا، للآثار المترتبة على استيلاء الإنكليز على زراعة الشاي في مستعمراتهم في الهند وشرق افريقيا.

وكان للمهربين دور في إيصال أنبل الأفكار وفق تعبير المؤلف، فقد نقلوا أعمال فولتير عبر جبال جورا من جنيف إلى فرنسا، التي كانت تغلي قبل الثورة. كما قام ألماني يدعى رودولف أكرمان بتهريب كتب إلى أمريكا اللاتينية في زمن حروب الاستقلال، بدءاً من عام 1825 فصاعدا، وساهم أيضا بتزويد متمردي فنزويلا بمطبعتين، وفي هذا السياق أيضا نكتشف أنّ رواية «الدكتور جيفاغو» للروائي الروسي بوريس باسترناك، قد هرّبت في عام 1956 خارج روسيا من قبل الفيلسوف أشعيا برلين، لتفوز لاحقاً بجائزة نوبل للآداب في عام 1958، كما نقلت كتب إيروتيكية مثل رواية «فتاة الملذات».

وربما من المفاجآت التي نكتشفها في هذا الجانب عثورنا على مهرب فرنسي في جيبوتي، وبعد البحث في قصته سنعلم أن هذا الرجل هو آرثر رامبو، الذي كان له مسار رائع ومشرق في الشعر، ومع هذا الاكتشاف، تكون قد حلّت قصة العقدين السابقين الضائعين في حياة رامبو، قبل وفاته في مرسيليا.

يقارن هارفي في سياق آخر بين صورة المهربين وضباط الجمارك، وهنا نلاحظ أن صورة المهرب غالبا ما ارتبطت بالبطولة على مرّ التاريخ، وهو شعور يتغلغل في مجالات واسعة من فنون التعبير، من أدب وأغان وأفلام، كما نعثر على الموقف ذاته في أحد كتب المؤرخ الاجتماعي أريك هوبسبام «قطاع الطرق» عندما يأتي على ذكر مهرب يدعى روبير مندران بالقول، «كان مهربا مهنيا» وعلى النقيض من ذلك، تظهر صورة ضباط الجمارك دائما سلبية، وغالبا ما يصور الرجال الذين يحاولون منع التهريب على أنهم غير أكفاء، أو مملون، أو بائسون، أو كريهون.

جنود ومهربون

في سياق علاقة الجنود بالتهريب، نتعرف على قصص عديدة حول هذه العلاقة، بدءا من حروب نابليون بونابرت، الذي أنشأ في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1811 مدينة للمهربين، وكان يعيش فيها إنكليز وفرنسيون ومن كل الأشكال، ويعملون بتهريب الجنيه الإنكليزي لخلق أزمة اقتصادية في لندن، كما أنهم قاموا أحيانا بتهريب أسرى فرنسيين وصحف إنكليزية. وخلال الحرب العالمية الثانية، أنشئت كتائب سوفييتية بهدف واضح يتمثل في نقل جزء كبير من ثروة ألمانيا الثقافية، وكانت الكتائب مؤلفة من مؤرخي فنون وأكاديميين يبحثون عن قطع فنية، بينما كان هناك جنود يعملون على نقل سلع ثقافية، نظر لها لاحقا بوصفها تمثل خطرا على العامة، ومن بين هذه المهربات نعثر مثلاً على راديو وأجهزة تلفون لاسلكية ودراجات سكوتر، ودرجات هوائية، وآلات موسيقية. كما نعثر في التسعينيات على سوق أريزونا في البوسنة بالقرب من الحدود الصربية، وقد أنشئ هذا السوق بعد أن رأت قوات الناتو الجانب الإيجابي للتداول المرتجل عند مفترق الطريق، ودوره في جعل الناس يتحدثون ويتداولون مرة أخرى، بعد اتفاقات دايتون للسلام في عام 1995، وقد أطلق عليه اسم أريزونا لأنه يقع على الممر الفاصل الذي أقامه الجيش الأمريكي، وقد كان لهذا السوق في السنوات الأخيرة جوانب قاتمة، فقد أصبح مركزا لجمع النساء من البلقان ورومانيا وغيرها والاتجار بهن كرقيق أبيض.
وكما أدهشنا المؤرخ بقدرته على جمع معلومات واسعة حول المهربين في التاريخ، فإنه سيعود في الفصول الأخيرة ليصطحبنا في جولات أثنوغرافية داخل أسواق التهريب اليوم في العالم، كما تطرق أيضاً لتجربة حزب الله اللبناني، قبل أن يكمل طريقه إلى شوارع إسطنبول، بين حي أمينونو والشوارع المحيطة ببرج غَلطة، ليتركنا في نهاية هذه الرحلة العجيبة أمام حيرة حيال أسلوب المؤرخ البريطاني وقدرته على تحويل عوالم هامشية ومخفية، إلى عالم غني من الأحداث والأفراد والقصص.


محمد تركي الربيعو







تفترض عملية الاتصال بين مرسِل ومستقبل المعرفة اللغويّة، فالتواصل يتطلب الوعي بعلوم البلاغة، التي تهدف إلى إبلاغ المتلقي المعنى، وتمكينه في نفسه كتمكينه في نفس المرسِل، بمعرضٍ حسن وصورة مقبولة، من خلال وسائط عدّة، انتظمتها علوم "البلاغة" وساعد في إيصالها علم "التداولية"، على اعتبار أنّه ينظر إلى الإنتاج اللغوي، بوصفه فعل كلاميّ مبني على مقصد معيّن يوجّه ببوصلة الموقف الاجتماعي، الذي يوضحه ويُفسّره.

ضمن هذا الهم المعرفي والأكاديمي ومواكبة لعصر التواصل والاتصال، يأتي اليوم كتاب "الحيلة اللغوية: بلاغة الاتصال بضبط المقال على وجه الاحتمال" لمؤلفه الدكتور محمد كشّاش الذي يتناول فيه دراسة "التواصل اللغوي"، بكافة مستوياته ودواعيه ومقاماته.
بناءً على ما تقدم واستجابةً لمستويات الدراسة اللغويّة، التي تعتبر اللغة ظاهرة، لها مستويات أو جوانب تناول المؤلف في دراسته: المستوى الصوتي، المستوى الصرفي، المستوى النحوي والمستوى الدلالي، كما استند في تحليله على المنهج النفسي في كافة مجالاته "المعرفي، الوجداني والنفسحركي" لضرورته في ربط إنتاج اللغة بالعمليات العقلية ومهارات المرسِل المتكلم، ودراسة الجانب الفردي للغة، وفي محاولةٍ لتبرير بعض الظواهر اللغويّة، وربطها بالسلوك الإنساني... يتم تناول عوامل أخرى في الدراسة أغنت الموضوع وساهمت في إبراز أهميته في عصرنا الحاضر الذي أصبح التفاهم فيه كما يرى المؤلف "عصيّاً بين المخاطبين".

صدر الكتاب عن الدار العربي للعلوم ناشرون، وجاء في 240 صفحة.







بعد تجربتين روايتين، الأولى تحت عنوان "عشق في زمن الغضب" الصادرة عن دار روافد بمصر، والثانية "ذاكرة جدار الإعدام" الصادرة عن دار مدارك للنشر والتوزيع بالسعودية، يطل علينا من جديد الروائي والكاتب المغربي خالد أخازي برواية جديدة تحت عنوان”أسرار أمونة” الصادرة عن دار مركز الأدب العربي بالسعودية، وهي تعد، حلقة أخرى في مشروعه السردي الذي يحتفل باللغة ويؤصل للعربية كلغة قادرة على احتواء المتغيرات والتحولات لفظا وأسلوبا، باستدعاء لغة شفافة شعرية، لكن فصيحة، توليدا تثويرا للفظ.


رواية تؤسس لمشروع سردي يؤصل الحكي ضمن المتن السردي ويعيد للقصة مركزيتها في السرد، للخروج من التيه النظري الذي أقحم السرد في تجارب عطلت الذائقة ومسخت الأسس المعيارية الدنيا للرواية، وأصبحت الرواية جنسا أدبيا مشاعا بين الكتبة.
لهذا فالوعي الجمالي باللغة أسلوبا وبنية ولفظا وصوتا هو مدخل أساسي عند الروائي خالد أخازي، لوضع خرائط واضحة للرواية، فلا رواية بلا حكاية، ولا حكاية بلا مبنى / خطاب، يؤسس المفارقة والدهشة وجمالية النص بمفهومه الجاكسوبسي.

رواية "أسرار أمونة" تنخرط في استكمال هذا المشروع السردي حيث زاوجت بين الواقعية والعجائبية، دون السقوط في فخ الوقائع المتعالية عن التفسير والتأويل ضمن شروط الواقع وسيرورته، فالمتن السردي مفعم بقضايا غرائبية تبدو من الوهلة الأولى، لكن في سياق التحولات الاجتماعية والسوسيو- ثقافية نجد الأجوبة والعلل العقلانية لما يقع أمام أعيننا، فلكل شيء تفسير مهما بدا عجيبا وسحريا.

اعتمدت الرواية لعبة تطويع التاريخ، بالتوهيم وإعادة التفكيك والتدليل، لصياغة الرؤية الترهين وطرح قضايا الحاضر بكل تناقصاته وهمومه، في محاولة للتناص التاريخي التيمي، باستدعاء شخصيات تبدو نمطية، لكنها في بعدها الاجتماعي والسياسي شخصيات مركبة دالة تحتمل سيلا من الدوال الاجتماعية ترميزا ومجازا وتأويلا
.
هي رواية تنشد بلغة راقية شاعرية دون السهو عن الوظيفة الحكائية التي هي جوهر كل برنامج سردي، مقاربة قضايا إنسانية، وأسئلة حضارية وثقافية، كالحرية وعلاقتها بالكرامة، والتسلط على الشعوب بالأسطورة والخرافة، والخرافة وعلاقتها بالسلطة والاستلاب والقهر والهيمنة، عبر تفكيك بنية العقل الكولونياني، ومدى قدرته على استغلال الرموز شبه الدينية الخرافية، وترسيخ الجهل ومحاربة الوعي النقدي، لخدمة وجوده وضمان سيطرته وتمدده.


هي رواية تحتفل كالعادة باللغة وتظهر مفاتنها وسحرها، فالروائي خالد أخازي، يشتغل على مشروع أدبي يقطع مع التتفيه اللغوي والإسقاط التعبيري، ويروم وسط هذا الصخب الإنتاجي، إعادة الاعتبار للنص السردي بكونه بالدرجة الأولى قصة تروى، وبكونه خطابا لغويا راقيا جماليته في "تخطيب" القصة وصيغة عرضها، فهو يزاوج بين جمال اللغة والتأصيل "للفظ" السردي، دون الحاجة لنحت خارج - لساني عربي، أو تعريب يفقد اللفظ شحنته الجمالية ويفقد اللفظ سحنته الدلالية والجمالية وشرف المعنى والقدرة على التجاور المجازي، وفي السياق ذاته يشتغل على سردية ترقى بالذائقة، وتورط القارئ في فعل التأويل وإعادة الإنتاج.

نقرأ في تقديم لها على ظهر الغلاف "هي رواية الصراع بين الأسطورة والحقيقة، بين الفضيلة والرذيلة، في زمن كان فيه الاحتلال الفرنسي للمغرب يوظف الأسطورة والخرافة لترسيخ الجهل وصناعة الوهم الذي يستفيد منه أعوانه ودعاة خوارق مزيفة، بواسطتها يتم تثبيت سلطتهم والسيطرة على العقول والأرزاق. للحب دور فاعل في تذويب التناقضات الإثنية والدينية من أجل حرية البلد ومواجهة سلاح الأسطورة بسلاح الحقيقة. لا بد من العشق. والقضية تحتاج إلى قلوب عاشقة لا عقول حالمة، حيث يمكن القفز على كل المتاريس والعقد التاريخية عرقية كانت أم دينية
.
رواية تمتد أحداثها ما بين السودان والمغرب، ومحطات بمصر، لصوفي مغربي، تزوج من ابنة زاوية سودانية في بداية القرن العشرين، وتم استغلال اسمه بعد موته، في بلدة نائية من لدن امرأة لعبت على العقول والشهوات، وصنعت خرافة خدمت بها نفسها وأعوانها والمحتل، إلى أن يفتح صندوق أسرار السيدة الصوفية أمونة، وتنطلق رحلة إدريس ابنها لتحرير اسم أبيه أولا، ثم البلد ثانيا. وتبدأ رحلة النور والعبور والحرية والكرامة وتحرير العقول من الزيف والوهم."

ولم يتردد مركز الأدب العربي بالسعودية كدار رائدة في مصاحبة ومرافقة المبدعين والمبدعات في احتضان رواية أسرار أمونة، في إطار مشروعه الثقافي والحضاري في خلق دينامية ثقافية عربية ببعد كوني، والكشف عن الأقلام الجديدة الموهوبة، مع اعتماده على مقاربة تجايلية نشرا واحتضانا، فكتاب كبار أوفياء للنشر مع المركز إيمانا منهم بمشروعه الثقافي والإبداعي.

وفي الإصدار الجديد" أسرار أمونة " نحن أمام عمل سردي يكشف قدرة اللغة العربية على تمثل الواقع السيميائي المتجدد، والإحاطة به دلالة ولفظا من خلال ما تملكه من طاقة إبداعية، وقدرة على التقاط المعنى من سياق ثقافي آخر واحتضانه دون تهتك لغوي أو احتواء أجنبي معجمي.

هو ضمن مشروع إستتيقي يعيد للحكاية/ القصة/ fiction/ histoire.. وظيفتها في المتن الحكائي، مشروع يروم الرهان على إعادة الاعتبار " للتخطيب" الجمالي كعنصر يصنع المفارقة الجمالية، مع انفتاح النص السردي دون تردد أو توجس على الشعر والتاريخ والأسطورة والوثيقة الخبر والتراث الشفوي، لكن وفق رؤية جمالية واجتماعية تنخرط في قضايا العصر التحديات الكبرى المطروحة على الفرد والمجتمع، واشتراط لغة مبدعة لفظا وتركيبا، والقطع مع الاستسهال والتتفيه ومواجهتهما بجيل جديد من النقاد مستقلين عن أي سلطة مالية أو سياسية أو مؤسساتية عدا سلطة المؤسسة الأكاديمية.

يحتفل باللغة العربية... ويؤصل للحكاية، ويعي خصوصية الرواية في السياق الأدبي الكوني، منفتح على الأصوات الجديدة، دون السقوط في شهوة المختلف، ولا انتحار لساني بحجة هشاشة المعجم اللغوي والدلالي واللائحي العربي.
أسرار أمونة حلقة أخرى في بلورة هذا المشروع، الذي دشنه الروائي خالد أخازي بروايته ذاكرة جدار الإعدام... حيث الاحتفال باللغة لفظا وتركيبا وموسيقا لا يقل شأنا عن الخطاب السردي ومركزية المتن الحكائي باعتباره مادة الخطاب الأساسية التي بدونها لا توجد رواية








أصدرت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ضمن سلسلة منشوراتها العلمية - كتاباً بعنوان (غريزة الوعي..كشف اللغز الكامن وراء صنع الدماغ للعقل) من تأليف الدكتور مايكل غازانيا وترجمه عبدالرحمن سوالمة، ويتناول كيفية انتظام أدمغتنا من أجل أن تعبر عن الوعي العزيز علينا لحظة فلحظة.

ويتطرق الكتاب - الذي نشرته (التقدم العلمي للنشر) التابعة لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي - إلى العالم الذي تكون فيه (التبديلات) التي يصعب تخيلها والتي تتعلق بما نطلق عليه التجربة الواعية Conscious experience أمراً مألوفاً

ويهدف الكتاب إلى التقدم المهم المحرز في مسألة الوعي، من خلال توضيح الكيفية التي ينتظم بها دماغنا المتطور بشكل متقن، من أجل توليد الوعي أو باختصار اختبار الكيفية التي تصنع بها المادة العقول.

ويشير الكتاب الذي جاء في عشرة فصول وتنشر ترجمته للمرة الأولى في المكتبة العربية إلى تلك الحالات التي تنتشر في أقسام طب الأعصاب في كل مستشفى، والتي تدعى الاختلالات في التجارب الواعية الطبيعية.

ويناقش الفصل الأول موضوع نمط تفكير التاريخ، فيما يخص الوعي، ويتناول الفصل الثاني فجر التفكير التجريبي في الفلسفة، والثالث خطوات القرن العشرين والانفتاح على الفكر الحديث، والرابع صناعة الدماغ.

ويبحث الفصل الخامس في بدايات فهم بنية الدماغ والسادس في مصطلح الجد المصاب بالخرف، والسابع في مفهوم التتامّ باعتباره هدية من الفيزياء، في حين حمل الفصل الثامن عنوان (من غير الحي إلى الحي ومن الخلايا العصبية إلى العقل)، والتاسع (جداول الماء المتدفقة بفاقاعات والوعي الذاتي)، والأخير (غريزة الوعي).

وتصدر (التقدم العلمي للنشر) عدداً من المجلات العلمية المتميزة، إضافة إلى موسوعات، وكتب تتناول كل المجالات العلمية، حرصاً منها على تحقيق أهدافها في تعزيز الثقافة العلمية لدى الجمهور، وترسيخ المعرفة العلمية السليمة لديهم.







تطرح الباحثة والناقدة الكويتية سعاد العنزي في دراستها المقارنة بين الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة، والمعنونة "نساء في غرفة فرجينيا وولف" تساؤلات مهمة من بينها: ما هي نقاط التشابه والاختلاف بينهما؟ ولم تم تجاهل جهودهما في الكتابات النقدية العربية الحديثة بينما يتم تداولهما بشكل شبه يومي بوسائل التواصل الاجتماعي، والثقافة المحكية مع غياب الكتابات النقدية والأكاديمية الحديثة عنهما؟ كيف تأثرت كل منهما بظروف حياتهما الأسرية، وبالظروف السوسيو ثقافية في عصرهما، وأثرت على حياتهما الشخصية وتأثرت سيكولوجيتهما وأنتجت أعراض الصدمة على حياتهما ولا سيما في المرحلة الأخيرة من حياتهما؟ كيف عبرت كل منهما عن قضايا المرأة والمجتمع بروح نقدية متقاربة جعلت من السهل الربط بين أفكارهما الخاصة بالمرأة؟ فرجينيا وولف من خلال أعمال مثل "غرفة تخص المرء وحده" و"القارئ العادي" و"ثلاثة جنيهات"، ومي زيادة في ثلاثيتها النسوية الشهيرة: عائشة تيمور، باحثة البادية ووردة اليازجي وبقية رؤاها النسوية المنتشرة في مقالاتها الصحفية ومؤلفاتها المتعددة.

تشير العنزي في دراستها الصادرة عن دار نينوي أن الأدب النسوي يمثل واحدا من أهم ملامح أدب الحداثة في الغرب والشرق، ويعد أحد منتجات العصر الحديث الذي ظهر متأثرا بالثورات الصناعية، والدخول إلى عالم المدن الذي هيأ للإنسان الحديث الاستقرار، وقدم له فرصة كبيرة للالتقاء بالآخر وتنظيم جماعات أدبية وحلقات فلسفية هيأت للأدباء الالتقاء والاطلاع على المستجدات العلمية والفكرية والفنية.

وترى أنه إذا كان الأمر في الغرب شهد تنوعا واختلافا في الطروحات والرؤى وأنتج مسارات نقدية لافتة ومهمة في تعددها وكثرتها، فإن الوضع في الوطن العربي في مجال الدراسات النسوية تحديدا، لم يزل يعاني من عدد من القضايا الإشكالية منها: أولا: عدم الاتفاق على مصطلح "الأدب النسوي" وعدم تحديد دور الأدب والنقد النسوي والتذبذب بين رفضه وتأييده.

ثانيا: عدم إدراك أن وجود المرأة الكاتبة والحضور الكمي لا يعني أن المرأة قد أنجزت منجزا يمثل قضاياها الخاصة، فلا يزال أمام المرأة طريقا طويلا من تحقيق الكثير من المطالب التي يمكن أن يكون الأدب عالما رحبا لمناقشتها. يظن الكثير من المهتمين بالأدب النسوي أن خروج المرأة للعمل ووجود كاتبات نساء يعني أن النسوية قد وصلت إلى منتهى غايتها، فإذا كان لدينا نساء كاتبات لا يعني هذا أن المرأة قد تم تمكينها بشكل كامل، فثمة نساء من بيئات ثقافية أقل تعليما وثقافة وحرية وتحتاج إلى أن تسمع صوتها للعالم وأن يتم الدفاع عنها ما دامت غير قادرة على امتلاك أدواتها.

ثالثا: تبتعد كثير من الكاتبات النساء عن قضايا المرأة لاعتبارات كثيرة إذ ترى بعض الكاتبات أن لديهن قضايا إبداعية أخرى تختلف عن الطرح النسوي، وأنهن لسن مضطرات لتبني موضوع المرأة ومن حقهن التعبير عن رؤيتهن للحياة من دون الارتباط برؤية فكرية محددة.

رابعا: ثمة نوع من الكاتبات اللاتي يتخوفن من التطرق لقضايا تهميش المرأة لئلا تنسب هذه القصص لهن وتلصق بحياتهن الخاصة أو أن يخسرن مواقعا معينة حصلن عليها بمباركة السلطة الذكورية.

وتؤكد العنزي أنه في خضم هذه الإشكاليات المتعددة نجد فضاء تبعثر كبير في الكتابات النسوية والدراسات النقدية التي تظهر بين فترة وأخرى لسد الفراغ وتسجيل موقف هنا وهناك من دون أن تسجل لنا الدراسات النسوية خطا متصلا من طرح المفاهيم والرؤى النقدية التي تراجع ما سبقها وتضيف عليه شيئا جديدا يتصل بمستجدات الثقافة وتطورات أدب المرأة والنقد الأدبي. حتى الموجة الأولى من النسوية في الوطن العربي لم تجد من يتفحصها ويكتب عنها إذ تم الاكتفاء بما تمت مناقشته وكتابته في الماضي عنهن من دون مراجعة واستعادة هذه الأصوات في الزمن المعاصر. من هنا، يتعين على المهتمين بالنسوية مراجعة الخطاب النسوي وتطوراته وعدم الثقة التامة بمراجعات الماضي، لأنها كانت محكومة بظروف ثقافية معينة تتوجب المراجعة وإعادة القراءة والاستفادة من المعطيات المعاصرة للثقافة والمفاهيم النقدية الجديدة.

وتلفت العنزي إلى أن دراستها لا تهدف لمناقشة جهود الحركات النسائية الغربية والعربية بشكل عام، بل تهدف إلى قراءة جهود ناقدتين تم تجاهل جهودهن النقدية في الوطن العربي لأسباب مختلفة ومتعددة منها ما يتعلق بذكورية الثقافة العربية، وآخر يتعلق بالاهتمامات النقدية للدارسين والمشتغلين في الدراسات الأدبية والنقدية.

وقالت: في هذا الكتاب، أقدم دراسة مقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة على مستوى الحياة الشخصية والجهود النقدية النسوية المبكرة إذ تلتقي مي زيادة بفرجينيا وولف في أكثر من جانب، لعل أهم هذه الجوانب؛ معانتهما الإنسانية، ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة التي لم تجمع في سياق نقدي واحد
.
وتتابع العنزي أن أهم العوامل التي دعتها للمقاربة بين جهود وولف وزيادة تمثلت في:

أولا: إنهما كاتبتان تنتميان لعصر واحد متقارب في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلت كل منهما. ولدت فرجينيا وولف تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 1882 وتوفيت بتاريخ 28 مارس/آذار 1941، أما مي زيادة فقد ولدت في 11 فيراير/شباط 1986 وتوفيت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1941. وهذا يعني أنهما عاشتا في نفس الفترة الزمنية بكل ما تمر به من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية من حروب عالمية، وتغييرات سياسية واجتماعية مهمة سواء في المملكة المتحدة أو في مصر. في هذه الفترة الزمنية، طرأت مفاهيم جديدة على الثقافة أتاحت فرصة التفكير في صورة المرأة والهوية الإنسانية بطريقة مختلفة عن المألوف مستفيدة من معطيات التفكير العلمي الحديث.

من ناحية الطبقة الاجتماعية، نشأت فرجينيا وولف بأسرة غنية من أعلى الطبقة المتوسطة، بينما نجد أن مي زيادة هي كذلك من أسرة ميسورة الحال من الطبقة المتوسطة لرجل مثقف وكاتب أعطاها امتياز أحد الصحف، وهذا ما سيدرس في الفصل الثاني من هذه الدراسة.
ثانيا: تقاطعت ظروف حياتهن وصولا للمرحلة التراجيدية المؤلمة في حياتهما الموت انتحارا بالنسبة لوولف وشبه انتحار بالنسبة لمي. فرجينا وولف أراد قومها إنقاذها من الموت والجنون بكل ما أوتوا من قوة بينما قادت الظروف الاجتماعية والعزلة والتجاهل الثقافي ميا إلى الموت أيضا بكل قوة! وقادتها مشاعر الخيبة والخذلان والصدمة النفسية القاسية إلى الانهيار واعتزال الكثير من المحيطين بها إلى أن وصلت إلى الموت: كانت تحاول قتل نفسها بإهمال حياتها وأخذ جرعات كبيرة من الدواء
.
ثالثا: بحثت كل منهما في تناقضات الثقافة الذكورية، ونقدتاها نقدا عقلانيا أوضح التحيزات الذكورية ضد المرأة ووضع المقارنات والمفارقات الحادة التي أنتجتها أفكار الفلاسفة مثلما قوضتا أفكار أفلاطون وأرسطو حول المرأة. ومن أهم أمثلة التشابه الدقيق بينهما هو أنه كتبت فرجينيا وولف عن أخت شكسبير المتخيلة، بينما كتبت مي زيادة عن فيلسوفة في القرن الرابع الميلادي قامت بدور مشابه فقوبلت بالجحود والنكران، كما قارنت تناقضات رؤية فولتير الدونية للمرأة، وهو الذي فهم الفلسفة عن طريق امرأة.

رابعا: كانت كل من فرجينيا وولف ومي زيادة مهتمتان بتوظيف كتابتهما لخدمة المرأة، وقضايا المرأة لدرجة أنهما تدخلان موضوع المرأة في أي قضية نسائية، وهذا يعني محاولة تأكيدهما على موضوع المرأة في كل سياق. الأمر اللافت أن لا فرجينيا وولف ولا مي زيادة كانتا تتعرضان لأي قهر ذكوري بسبب البيئة المنفتحة التي تنتمي لها كل منهما مما يعطي كتابتهما أهمية إنها ليست نتاج رؤى واقعة تحت وطأة التجربة الشخصية والمعاناة مما يقلل من أهمية نقدهما.

وتقول العنزي: صحيح إن الكاتبتين تنتميان لنفس العصر ولدتا وتوفيتا في نفس السنوات، ولكن الأولى وولف تنتمي لثقافة ولغة وفكر المستعمر، فيما كانت مي زيادة تنتمي لواحدة من الشعوب المستعمرة، الأمة العربية. ومع هذا، نجدهما ناهضتا الاستعمار بكافة أشكاله. أما على مستوى هويتهما الفردية، فكانت نقاط الالتقاء كثيرة، أهمها الصدمة التي عاشتها كل منهما على اختلاف تفاصيلها أدت إلى نتيجة واحدة هي الموت: انتحار فرجينيا وولف، وانعزال مي زيادة عن الفضاء العام وصولا إلى الموت.

بإمكان المرء، القول إن صدمتهما انبثقت من قلب أنوثتهما. عرض الفصل الخاص بالموت، أعراض الصدمة التي أدت إلى موتهما وأحدثت اضطرابات خطيرة على شخصية وولف ومي، التي كان سبها الرئيسي كونهما نساء. عانت كل منهما من أحداث الموت والفقد، وبشكل أساسي عانت فرجينيا وولف من الاغتصاب، ومشكلة العقم والوصول إلى سن اليأس، فيما عانت مي من محاولة ودأها ثقافيا وإنسانيا فتعرضت إلى استلاب كبير، وجسد يقاد بالمؤامرات إلى العصفورية. والمفارقة هنا، إن مجتمع وولف وبالذات زوجها، حاول إنقاذها من الجنون، فيما كانت مي زيادة المرأة التي حاربها مجتمعها حتى أوصلها إلى المرحلة الأخيرة من حياتها بعدما تآمر عليها الأقربون، وتخلى عنها الأصدقاء، وصلت إلى مرحلة الشك والوسواس القهري.

إن محنة مي زيادة تقول بشكل صريح، إن كل امرأة في الوطن العربي هي مشروع وأد ثقافي صريح ورمزي. ولا تزال النساء في الوطن العربي تعاني من أشكال تهميش مختلفة، وتشتيت لهويتها ولرؤيتها لوجودها.


وتوضح أن لم تكن الأحداث سابقة الذكر حاجبة لهن عن ممارسة دورهن الثقافي والتزامهن الفكري وتبنيهن لقضايا مجتمعاتهما والمجتمعات المحيطة بهن. فكتبت كل واحدة منهن عن قضايا المجتمع وأخذتا الدور التنويري في المجتمع برغبة قوية في تنوير المجتمع وحمل شعلة التغيير. لقد اهتمت فرجينيا بضحايا الفاشية والاستعمار، وناقشت قضايا الفاشية والمرأة الألمانية، فيما كتبت مي معلنة رفضها لأي منتج ثقافي ألماني وقت الحرب الألمانية. إضافة إلى كتاباتهما في كثير من القضايا الإنسانية رغم أنها ستثير غضب المؤسسات الثقافية.

وتؤكد العنزي أن دراستها أرادت أن تقول إن الحاجة للدراسة النسوية في الوطن العربي، هي أمر ضروري لأسباب منها: إن وضعية المرأة العربية لا تزال وضعية دونية، وإن شرعت القوانين لخدمة قضايا المرأة، إلا أنه لا يزال البون شاسعا بين التنظير والتطبيق، وليست غالبية النساء في الوطن العربي قادرة على أخذ حقوقها كاملة. وهذا الأمر يكثر في مناطق تغص بمظاهر الحياة البطريركية ويقل في أماكن أكثر انفتاحا وتحررا. السبب الثاني: إن أدب المرأة لا يزال أدبا ناشئا في كثير من البلدان في الوطن العربي، ولا سيما في الخليج العربي مما يعني أن هذا الأدب يحتاج لمراجعة ومناقشة بناءة من حيث اللغة والأسلوب وقدرة المرأة على تمثيل موضوعاتها بحرية من دون خوف من سلطة المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي قد تعرقل الأدب الجاد في معالجة القضايا الإنسانية.

وتخلص العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء السلاطين والخلفاء، أما صورتها في الواقع تبقى صورة تنبئ عن بؤس اجتماعي ظاهر أو خفي. ولأن هناك إمكانية قول أشياء جديدة ترويها المرأة بعد أن تتمكن من لغتها وتثق بموقعها الأصيل في الثقافة الإنسانية، وتضيف شيئا أصيلا للثقافة الإنسانية اليوم، باختلاف الثقافات والمجتمعات الإنسانية بكل ما تحمله من غنى وثراء. لأن معركتنا اليوم كأفراد أن يكون لنا صوتنا الخاص، والدفاع عن حقنا في التعبير عنه، على المرأة أن تستعيد حكاياتها بصوتها وبلغتها تحرر كل الذكريات المسروقة والمستلبة والضائعة عبر فضاءات التبعثر في التاريخ. كل هذا يمكن أن يعيد للكون توازنه، ويسمح للتاريخ بأن يسير على قدميه، ويعدل من صورة الفلسفة التي مارست عنفها المفاهيمي ضد المرأة والملونين وهوامش الثقافات الرئيسية، ويعيد للأدب بريقه الخاص وإنسانيته الحقيقية بتمثيله قضايا الأفراد واحتوائه الجنس واللون والبشرة والطبقة.




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright