top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
بين فرنسا وايران... ومصلحة لبنان
لا يمكن لحزب الله إلا ان ينظر الى حكومة الاختصاصيين بعين الريبة والرفض المسبق لبّ الازمة وقوع لبنان في اسر ايران التي تتطلّع الى صفقة مع "الشيطان الأكبر" وليس مع فرنسا مؤتمر سيدر كان الفرصة الأخيرة التي لم يوجد في اعلى مواقع السلطة في لبنان من يتلقفها من الصعب قبول "حزب الله" بالمبادرة الفرنسية التي حملها الرئيس ايمانويل ماكرون الى لبنان، بل يستحيل ذلك في غياب ظروف معيّنة ليست متوافرة حاليا لا في لبنان ...
د.شفيق ناظم الغبرا :الصهيونية والمستوطنات الإسرائيلية
تنتشر المستوطنات الإسرائيلية انتشارا سرطانيا في قلب الضفة الغربية والقدس الشرقية. فالمستوطنات عبارة عن تجمعات سكانية يهودية كبيرة بنتها إسرائيل على أراض عربية فلسطينية تم احتلالها عام 1967. ويقطن في المستوطنات الإسرائيلية الآن أكثر من 700 ألف مواطن إسرائيلي الكثير منهم من عتاة المتعصبين والصهاينة المتعطشين للتوسع. وتمثل هذه المستوطنات امتدادا لذات الأسلوب الصهيوني الذي ارتبط بقيام دولة اسرائيل عام 1948 ...
د.شفيق الغبرا :الانتخابات الأمريكية ...حملة الخوف والتوتر
منذ البداية لم ينو الرئيس الأمريكي ترامب أن يكون رئيسا لكل الأمريكيين، بل كان يصر في انتخابات 2016 كما وفي خطابه في مؤتمر الحزب الجمهوري الأسبوع الماضي بأنه رئيس لفئة من الأمريكيين وهي قاعدته المكونة من المؤمنين به من سكان المناطق البعيدة عن المدن الرئيسية. لم يخف مؤتمر الحزب الجمهوري، الذي استمر لثلاثة أيام، مدى انجراف الحزب الجمهوري نحو اليمين الأكثر تطرفا والذي يعلن على لسان ترامب موقفه من نخب الساحل ...
صحيفة عبرية: كيف سيكون المشهد الإقليمي بصعود قيادة خليجية جديدة؟
من عُمان ومع بداية هذه السنة، بدأ تبديل قيادة الخليج برحيل الزعيم الذي صمم السلطنة على شخصيته، قابوس. فخلفه ابن عمه هيثم بن طارق، ذو الـ 65، الذي شغل منصب وزير الثقافة والتراث، ويبدو أنه يحظى بتأييد العائلة، ولكن توقيت تعيينه سيكون الأكثر تحدياً عشية أزمة مزدوجة لانخفاض أسعار النفط ووباء كورونا. في سلسلة قرارات اتخذها، حوّل هيثم عُمان، في آب 2020 إلى مملكة عائلية مثل جيرانها. لأول مرة في تاريخ عُمان ...
هل يتدرج السيسي برفع مستوى العلاقات مع إسرائيل حفاظاً على الزعامة المصرية؟
الرئيس المصري السيسي هو أحد الزعماء العرب الأوائل الذين رحبوا بالاتفاق الثلاثي للولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، فما إن صدرت بشرى الاتفاق حتى غرد على “تويتر” مرحباً بالإنجاز. وإضافة إليه، كانت في مصر أصوات أخرى، مع وضد، ممن يطرحون الأسئلة حول الإحساس الحقيقي لمصر تجاه التطبيع الكامل لعلاقات إسرائيل مع دولة عربية أخرى. البرلمان المصري الذي درج على الإعراب علناً عن تأييده لموقف الإمارات في تصديها ...
تركيا ترى في الاتفاق الليبي تجسيداً لنظريتها تدخلنا العسكري سيفرض السلام
حتى بداية العام الجاري كانت ميليشيات حفتر تسيطر على أجزاء مهمة من العاصمة الليبية طرابلس وكان داعموه يقدمون له كافة أشكال الدعم لكي يتمكن من حسم المعركة عسكرياً والسيطرة على كامل طرابلس وما تبقى من مناطق صغيرة جداً كانت لا تزال تحت سيطرة حكومة الوفاق التي افتقرت إلى حلفاء حقيقيين وكانت على وشك الانهيار نتيجة الضربات المتلاحقة التي تلقتها على يد حفتر الذي تمتع بدعم واسع بالسلاح والمال والمرتزقة. لكن ...



منذ أن رجع آية الله الخميني إلى إيران قادماً من فرنسا محمولاً على الأكتاف من ملايين المواطنين الإيرانيين بدون أن تحاول واشنطن حماية حليفها الاستراتيجي الشاه محمد رضا بهلوي، ثارت الشكوك حول الثورة الإيرانية وأهدافها وخصوصاً بعد أن رفع الخميني فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، وهي مرحلة تباينت المواقف والرؤى في تحليلها، فبعض الأنظمة العربية تعاملت مع الثورة الإيرانية كحليف وصديق للعرب، وبعضها الآخر وخصوصاً العراق ودول الخليج انتابتها الشكوك بل نظرت للثورة الإيرانية كخطر يهددها بل ويهدد "المشروع القومي العربي" واستقرار الدولة الوطنية ووحدة نسيجها الاجتماعي.

حتى الشعارات التي رفعها قادة الثورة الإيرانية حول معاداة الامبريالية الأميركية (الشيطان الأكبر) وإسرائيل وتحويل السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين ثم احتلال السفارة الأميركية ولاحقاً دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين الخ، كل ذلك لم يُقنِع كثيرين من العرب وخصوصاً القوميين وبعض الخليجيين بصدق نوايا قادة إيران الجُدد. وفي واقع الأمر، كما وظفت إيران الشعارات حول الإسلام والقدس ومعاداة إسرائيل وواشنطن لخدمه مصالحها القومية، فإن أغلب الأنظمة العربية التي ناصبت إيران العداء وظفت قضية العروبة والمشروع القومي وحماية الدولة الوطنية لتحافظ على كراسي الحكم والحفاظ على مصالحها.

كانت دول الجوار، التي بها أعداد كبيرة من المواطنين الشيعة، أكثر الأنظمة العربية قلقاً من الثورة الإيرانية وخصوصاً بعد أن لوَّح قادة الثورة بتصدير الثورة وتحدثوا عن المظلومية الواقعة على الشيعة العرب. وكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون الشيعة العرب الأكثر سعادة بالثورة الإيرانية وأن تبرز بوادر تفكك في رابطة الانتماء والولاء، من الانتماء للدولة الوطنية أو للأحزاب العقائدية القومية أو الأممية إلى انتماء وولاء للمذهب الشيعي ولمرجعيته السياسية في إيران، وهذا ما اعتبرته العراق ودول الخليج تهديداً مباشراً يستدعي مواجهته قبل أن يتعاظم خطره.

كانت حرب الخليج الأولى التي استمرت لثمان سنوات (من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988) وأدت لمقتل حوالي مليون شخص وخسائر مادية تقدر بـ 400 مليار دولار أول مواجهة مسلحة مباشرة بين الثورة الإيرانية ومعسكر عربي قاتل تحت عنوان قومي عربي سني بقيادة عراق صدام حسين. وفي هذه الحرب اصطفت دول الخليج العربي إلى جانب صدام حسين ودعمته بالمال والسلاح وكان موقف واشنطن والغرب عموماً داعماً بطريقة غير مباشرة للاصطفاف العربي المؤقت الذي لم يستمر طويلاً، حيث انقلبت دول الخليج على صدام حسين بعد احتلال الأخير للكويت، وكان موقف دول الخليج في الحرب الأميركية على العراق أكثر سوءاً من موقف إيران.

بغض النظر عن صحة الأقاويل بأن إيران تريد نشر المذهب الشيعي في المنطقة ولها أطماع في دول الجوار وخصوصاً العراق والبحرين والسعودية، فإن الثورة الإيرانية أحيت بقصد أو بدون قصد النزاعات والحروب المذهبية، كما شجعت الشيعة على التمرد على السلطة القائمة مطالبين إما بحقهم في السلطة والحكم لأنهم يمثلون الأغلبية كما هو الأمر في العراق والبحرين، أو لحقوق مساوية لمواطنيهم السنة. كما أن الثورة الإيرانية وظفت الشعارات التي رفعتها حول معاداة إسرائيل والولايات المتحدة لكسب مزيد من الأنصار والمؤيدين في أكثر من بلد عربي وإسلامي بل وساعدت بالسلاح جماعات مقاومة في فلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق واليمن، وفي كثير من الحالات كان يتم توظيف هذه المساعدات والدعم العسكري ليس لمواجهة عدو خارجي بل لمواجهة السلطة القائمة والحلول محلها.

هذا الموقف الملتبس للسياسة الإيرانية تجاه الدول العربية أثار، كما سبقت الإشارة، شكوكاً فيما إن كانت إيران صديقاً للعرب أم عدواً لهم، وخصوصاً أن كثيرا من سياساتها كانت تتقاطع مع السياسة الأميركية بل وتخدم هذه السياسية ولو بطريقة غير مباشرة.

مثلاً موقف إيران أثناء حرب الخليج الثانية ثم احتلال العراق 2003، ففي هذه الحرب كان الخاسر الأكبر الدولة الوطنية العراقية الواحدة والموحدة بينما كان الربح صافياً لإيران وواشنطن وإسرائيل. كذا الأمر في الحروب الأهلية في سوريا والعراق واليمن، فهذه الحروب عززت من حضور إيران في هذه الدول مقابل إضعاف الدولة الوطنية بهويتها العربية، كما أنها استدعت تواجدا عسكريا أميركيا وتركيا وروسيا فيه انتهاك لسيادة هذه الدول، بالإضافة إلى استغلال واشنطن ما تعتبره الخطر الإيراني لاستنزاف الموارد المالية لدول الخليج بشكل فج ووقح.

ويمكن القول بأن شكلاً من توازن المصالح أو تقاطعها كان يحكم العلاقة بين إيران والغرب وعلى رأسه واشنطن.أحياناً يكون توافقاً ضمنياً في بعض القضايا مثل، عدم المس بأمن إسرائيل بشكل مباشر وعدم الاستهداف المباشر للقواعد الاميركية في المنطقة وعبر البحار والقبول بحروب محدودة بالوكالة، وحيناً آخر يتم التصعيد لدرجة حافة الهاوية كما جرى بالنسبة للملف النووي أو المواجهات البحرية والمواجهات في سوريا، والملاحظ أن كل هذه المواجهات كانت تجري خارج حدود الدولة الإيرانية وخارج حدود الولايات المتحدة وقواعدها المنتشرة عبر العالم، وفيها كان العرب والمشروع القومي العربي الخاسر الأكبر.

إقدام طائرات حربية أميركية صباح يوم الثالث من يناير على اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني قد يكون نهاية مرحلة ملتبسة في العلاقات بين الطرفين منذ الثورة الإيرانية الخمينية في فبراير 1979، وقد تؤدي إلى الانزلاق من حالة "حافة الهاوية" إلى الحرب إن ردت إيران عسكرياً ومست بأرواح جنود أميركيين، وإن كنا نعتقد أن الأمور لن تصل لحالة حرب مباشرة ومفتوحة لأن المصالح الاستراتيجية المشتركة غير المعلنة بينهما أكبر من نقاط الخلاف الظاهرة، وبغض النظر عن طبيعة وحدود الرد الإيراني والرد الأميركي المقابل فإن العرب وخصوصاً دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر، وقد يتم تهدئة الأوضاع وحل قضايا الخلاف على حساب العرب، من أموالهم وأراضيهم.

د. إبراهيم أبراش






خلال أقل من 24 ساعة تراجعت منابر إيران عن التهديد برد مزلزل ساحق انتقاما لمقتل الجنرال قاسم سليماني، وباتت تهمس برد "مدروس" قد يجري الاتفاق حوله بالرعاية المعلنة للوسيط السويسري.

وفيما تهدد وستهدد الميليشيات التابعة لإيران في العراق ولبنان واليمن بالرد الموعود، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاجل بالإعلان عن خطط واشنطن برد ساحق داخل إيران نفسها (52 هدفا مرصودا). وعليه فإن واشنطن تستعيد برشاقة زمام المبادرة، فيما تبدو طهران متخبطة مرتبكة، تستعين بترسانتها اللغوية، علّها تعوض ما نال من هيبتها خلال الساعات الماضية.

تفوقت الولايات المتحدة على العالم في ما تمتلكه من قوة اقتصادية هائلة، تقلق دولة عظمى كالصين وتجمعا دولي كالاتحاد الأوروبي، حين تلوّح بعقوباتها الاقتصادية. ذهبت الصين إلى اتفاق تجاري مع العملاق الاقتصادي الأميركي، فيما دول حلف شمال الأطلسي تذعن لمطالب ترامب برفع نسب مساهماتها في ميزانية الحلف العسكري الغربي، وتسعى دول أوروبية لإيجاد أرضية ترفع عن منتجاتها رسوم ترامب الجمركية الصاعقة.

لم يكن باستطاعة إيران أن تواجه العقوبات الأميركية المفروضة عليها. انهارت المكابرة، وبدأت كافة منابر النظام في طهران تعترف بأن العقوبات القاسية تخنق البلد. بدا أن طهران تخسر في هذه الساحة وبدا أنها تبحث للرد والدفاع في ساحات أخرى.

عملت إيران على استجداء مواجهة عسكرية ما مع الولايات المتحدة. اعتقدت أن إسقاط طائرة مسيرة أميركية من أحدث طراز في العالم ومن أغلاها ثمنا بصاروخ بخس فوق مياه الخليج (يونيو الماضي)، سيستدرج رداً أميركيا يتيح لإيران الاستمتاع بنعمة الأزمة العسكرية مع الدولة الأكبر. كان الهدف هو تحويل السجال من جدل حول برنامجها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية ونفوذها "المزعزع للاستقرار في المنطقة"، وفق التعبير الأميركي الغربي، إلى انهماك دولي في كيفية إنهاء المواجهة العسكرية الثنائية على نحو يرفع إيران إلى مستوى الندية مع الولايات المتحدة، وبالتالي الذهاب إلى طاولة المفاوضين كمقاتلين يبحثون وقفا لإطلاق النار.

حاولت إيران تحقيق الأمر في الأشهر الأخيرة من خلال هجمات متعددة قامت بها ميليشيات عراقية موالية لطهران ضد القواعد الأميركي في العراق دون أن تحظى طهران بالمواجهة الأميركية الإيرانية الموعودة. بدا أن أذرعها في سوريا ولبنان مكبّلة بقرار دولي عام (تشارك به روسيا) يتيح لإسرائيل التعامل بحزم وحسم مع أي أخطار إيرانية تظهر هناك.

ويجوز القول أن طهران كانت تسلك منهجا صحيحا متكئة به على قواعد لعبة اعتادت عليها خلال العقود المنصرمة.

منذ أزمة الدبلوماسيين الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، مرورا بخطف الرهائن وتفجير ثكنة المارينز في بيروت، انتهاء بتمدد النفوذ الإيراني في ميادين المنطقة، كانت إيران تلاحظ بتلذذ سلوكاً أميركيا يتراوح بين الانسحاب والتراجع والصمت البناء. حتى أن الولايات المتحدة التي لطالما وُصفت بـ "الشيطان الأكبر" في أدبيات "الثورة" الإيرانية، سعت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما إلى عقد صفقة الاتفاق النووي مع إيران، والتي تشكل في خفاياها تسليماً بقدر جمهورية الولي الفقيه، وتحضّر لشراكة أميركية إيرانية لمّح إليها أوباما نفسه.

ليس ذنب قاسم سليماني أنه كان واثقا بالثوابت الأميركية التي تربى عليها منذ أن قامت الجمهورية الإسلامية عام 1979. الرجل كان يتحرك بكل حرية يرسم خرائط الصراع في اليمن وسوريا والعراق ولبنان دون أي اعتراض من واشنطن. كان أمر الصمت الأميركي يشبه الرعاية الكاملة للتمدد الإيراني في كل المنطقة. ولطالما قيل إن التواطؤ الأميركي الإيراني بات أكبر وأكثر صلابة منذ أن أفتى منظرو المحافظين الجدد بأن السنّة، بعنوانيهم المتعددة، باتوا إثر اعتداءات 11 سبتمبر منتجين للعداء الدائم للولايات المتحدة، فيما أن الشيعة، بعنوانهم الوحيد في إيران، هم حلفاء كامنون. سقط نظاما العراق وأفغانستان بالتعاون الكامل مع إيران، وهيمنت طهران على بغداد بتواطؤ كامل مع واشنطن.

بدا أن الولايات المتحدة أنهت "التعاقد" مع إيران. تغير الزمن وبات متجاوزا لحضور سليماني ومهماته. صار العالم بأجمعه يريد تجاوز "الاستثناء" الإيراني، وبالتالي تجاوز واقعة سليماني وميليشياته. يكفي تأمل مواقف الصين وروسيا، المفترض أنهما حليفان لإيران، كما تأمل موقف أوروبا، المفترض أنها متعاونة مع إيران، لنفهم أن مقتل سليماني هو قرار دولي نفذته مسيرّات أميركية.

نعم سيكون رد إيران مزلزلاً. لكن ذلك الرد سيكون مزلزلا بالنسبة لكل الحالة الإيرانية التي تمددت في المنطقة. ستذهب إيران إلى طاولة المفاوضات التي يمعن ترامب في مدّها بعد اغتيال سليماني. لا تملك إيران، بعد رفع الرعاية الأميركية الدولية لتمددها، إلا الذهاب مهرولة لعقد اتفاق مع إدارة ترامب، بالذات، صونا لنظام بدا أن تصفية سليماني تمثل أعراض تهديد لبقائه.

كانت إيران تعوّل على عامل الوقت علّ المرشح دونالد ترامب يفشل في الانتخابات الرئاسية المقبلة لصالح منافس ديمقراطي يعيد إحياء إرث أوباما و"حنانه" تجاه إيران. كانت إيران تهدد ترامب المرشح بخيار عسكري لطالما وعد ناخبيه بتجنبه. بيد أنه وفي ليلة اغتيال سليماني، بدا أن واشنطن هي التي تستدرج طهران للحرب، وبدا أن ترامب المرشح بات يعتبر أن معركته مع إيران هي حصانه الرابح داخل حملته الانتخابية.

شيء ما حصل في واشنطن لم يعلمه سليماني فاجأ النظام، بحرسه ومحافظيه ومعتدليه في طهران.هو انهيار إيراني بامتياز. ولى عصر الثورة الإيرانية. من يقتل سليماني يملك أن يقتل كافة الرؤوس التي كانت تعمل تحت إمرته في كل المنطقة. ومن يقتل أكثر الجنرالات قربا من الولي الفقيه، يبلغ طهران بأن ما زعمته واشنطن من عدم وجود خطط لاسقاط النظام قد يصبح متقادما، وأن هيبة الولايات المتحدة في صراعها الطويل الأمد مع الأخطار الاستراتيجية الكبرى، لاسيما تلك التي تمثلها الصين مثلا، يستدعي إزاحة بيدق عن رقعة اللعب الكبرى.

محمد قواص










من الصعب اعتبار ما أقدمت عليه الولايات المتحدة من اغتيال حدثا عارضا يمكن تجاوزه قياسا على عمليات أمنية أو عسكرية سابقة، وما يعزز ذلك اعتبار طهران أن واشنطن ارتكبت خطأ استراتيجيا مميتا في غرب آسيا، وبالتالي إن إيران سوف ترد كما أعلنت في الزمان والمكان المناسبين بالنسبة إليها. وعليه ما هو حجم الرد وكيفيته وما هي السيناريوهات المحتملة وما هي تداعياته إقليميا ودوليا؟

في المبدأ رغم فداحة الهدف المنفذ، إلا أن الاستناد إلى السوابق في ارتفاع منسوب التصعيد الإيراني الأميركي، يشي بلجوء الطرفين إلى سياسة حفة الهاوية في إدارة الأزمات الثنائية أو المتعددة الطرف في المنطقة. ورغم ذلك ستحاول طهران الرد بمستوى عالٍ، لكن دون طابع استفزازي كبير يجبر واشنطن على توسيع الرد أيضا، وبالتالي سيكون الرد مدروسا بعناية، وهو أمر يناسب الطرفين مبدئيا؛ فطهران ليست من مصلحتها الدخول بمواجهات إقليمية واسعة تؤدي إلى حرب إقليمية كبرى في ظل عقوبات اقتصادية قاسية، وفي وقت تمتلك أدوات ووسائل تقيها خيار الحرب المباشرة وتداعياته، وهي وسائل مجربة واتت بنتائج يعتد بها إقليميا.كما يبدو الأمر متطابقا مع واشنطن فهي تمتلك أدوات ووسائل مؤثرة بشكل وازن في بعض الدول التي تعتبرها طهران دولا ضمن محورها السياسي كاليمن والعراق وسوريا ولبنان، وقد لعبت هذه الورقة مؤخرا عبر دعم الحراك في كل من لبنان والعراق مثلا، وتشكيل بيئة ضاغطة على الفئات المعادية لواشنطن، وبالتالي لقد استفاد الطرفان من هذه المعادلة ولفترات زمنية طويلة نسبيا وتمكنا من جني مكاسب يُعتد بها.

إلا إن الدخول الإسرائيلي مثلا على خط التصعيد الأميركي الإيراني أعطاه بعض الصور غير القابلة للضبط أحيانا، بل عمدت تل أبيب في كثير من الأحيان على تأجيج الظروف المحيطة بهدف توجيه ضربات عسكرية مباشرة ضد إيران إن لم يكن القيام بها، وهذا ما ستحاول دعمه مبدئيا في الأزمة الحالية.

إن الخروج عن هذه السياقات المعتادة، يعني أن ثمة تحوّلات كبرى من شأنها إعادة رسم معادلات جديدة، تنتج قواعد اشتباك لطالما حاولت واشنطن وتل أبيب تكريسها عبر عمليات أمنية أو عسكرية في الساحتين السورية والعراقية ومحاولة مدّها إلى لبنان في فترات سابقة، وهو أمر لطالما تمت مواجهته وعدم القبول به بسهولة ودون إجراء عمليات مقايضة في ملفات ذات صلة بينها.

وفي العودة إلى الصور المحتملة، فإن تمَّ ضبط التصعيد بضربات محددة النتائج ومقبولة لدى الطرفين، فيعني أن مجمل عملية الاغتيال ستؤدي إلى فتح آفاق جديدة لمراحل تسووية في المنطقة، وبذلك تكون بمثابة انتقال من وضع إلى وضع آخر. وإما إن تكون الردود العسكرية المتبادلة من النوع المفتوح والتي يمكن أن تصل إلى حرب إقليمية واسعة وعندها ستكون النتائج كارثية إقليميا وستمتد بطبيعة الأمر دوليا بحكم التحالفات القائمة أو ما يمكن أن ينتج عن تحالفات مستقبلية.

ثمة وقائع ثابتة في المشهد الإيراني الإقليمي والدولي، مفادها أن طهران لم تنتصر في أي حرب دخلت فيها، لكنها في المقابل لم تخسر أي مفاوضات قامت بها. لذا هي ميالة لسلوك خيار التفاوض في إثناء وضع الإصبع على الزناد، وهو رد الفعل الأول الذي اعتمدته، الاجتماع الأول كان في وزارة الخارجية الايرانية لتدارس الخيارات الدبلوماسية والذي تم فيه رفض عدة وساطات لعدم الرد، أعقبه اجتماع لمجلس الأمن القومي الإيراني الذي رفع منسوب الرد، وفي كلتا الحالتين ثمة ما يُقرأ بين السطور، ثمة رد لن يكون عاديا ويتناسب مع حجم الاغتيال، إلا انه لن يكون في المستوى الذي يستفز الطرف الآخر، إلا إذا تمكنت إسرائيل من الدخول إلى قلب صنع القرار بإعلان الحرب وهو ما حاولت مرارا وتكرارا القيام به سابقا. فإسرائيل من مصلحتها التصعيد رغم الخوف والتوجس، فيما إدارة الرئيس دونالد ترامب تترقب بحذر وخوف شديدين تداعيات الاغتيال على انتخابات الرئاسية، فيما طهران تتحضر لرد مدروس.

د. خليل حسين








هناك اخطر من كلام حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" على لبنان، وهو كلام قيل من بيروت بالذات عن اخراج القوات الاميركية من كلّ المنطقة انتقاما لتصفية الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني. الأخطر هو لامبالاة القيمين على "عهد حزب الله" في مواجهة التدهور الاقتصادي. ليس في لبنان من يريد تحمّل مسؤولياته واستيعاب معنى الازمة الاقتصادية العميقة وتداعياتها، بما في ذلك احتجاز المصارف لاموال اللبنانيين والعرب والأجانب الذين اودعوا مبالغ كبيرة او صغيرة فيها. انّه اعتداء لا سابق له على لبنان اوّلا وعلى حقوق الناس، كلّ الناس، وذلك منذ ما قبل الاستقلال. يعود ذلك الى انّ المصارف، والثقة بها، تشكّل احد الأعمدة التي تؤمن بقاء البلد على قيد الحياة.

ما يدلّ على حجم اللامبالاة تجاه الوضع اللبناني الخطير الاتيان بشخص مثل حسّان دياب لا يمتلك ايّ مؤهلات من ايّ نوع لتشكيل حكومة جديدة. لعلّ اوّل ما تحتاجه هذه الحكومة أشخاصا مستقلّين يمتلكون كفاءة في المجال الذي يديرونه. كذلك، تحتاج مثل هذه الحكومة الى رئيس يوفّر غطاء سياسيا للبنان الذي عزل نفسه عن محيطه العربي. معنى ذلك ان أي رئيس للحكومة الجديدة في لبنان يجب ان يمتلك شبكة علاقات عربية ودولية إضافة الى مدخل الى واشنطن. هل يكفي ان يكون حسّان دياب شغل موقع نائب رئيس الجامعة الاميركية في بيروت حتّى يصبح في وضع يمكّنه من زيارة ايّ عاصمة عربية او أوروبية او ان تقبل واشنطن باستقباله رسميا وليس كمجرّد زائر يحضر احد المؤتمرات كما حال جبران باسيل وزير الخارجية في الحكومة المستقيلة وصهر رئيس الجمهورية...

من الطبيعي ان يقول الأمين العام لـ"حزب الله" الكلام الذي قاله في ضوء العلاقة الخاصة التي تربطه بايران عموما وبقاسم سليماني خصوصا من جهة، ووضع الحزب على خريطة لبنان والمنطقة من جهة أخرى. لم ينكر نصرالله ان علاقة قويّة تربطه بقائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. كذلك، لم يخف يوما انّه "جندي" في جيش الوليّ الفقيه أي في جيش علي خامنئي الذي يشغل موقع "المرشد" في "الجمهورية الإسلامية".

ما لا يخفى على احد ان "حزب الله" ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الايراني. وعندما يزور سليماني بيروت واي منطقة في لبنان، انّما يأتي لتفقد قوات صديقة تعمل ضمن الاطار نفسه الذي يعمل فيه "فيلق القدس". من هنا، ليس مستغربا ان يتحدّث حسن نصرالله عن مفهومه لـ"القصاص العادل" ردّا على اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" في العراق. لا يأخذ هذا المفهوم، الذي يدعو الى "اخراج القوات الاميركية من كلّ منطقتنا"، في الاعتبار أي مصلحة لبنانية. يبقى الاقتصاد اللبناني وارزاق اللبنانيين آخر همّ لدى "حزب الله". كلّ ما هناك ان الأمين العام لـ"حزب الله" ينفّذ اجندة إيرانية ولا شيء آخر. ينفّذ هذه الاجندة بغض النظر عن طبيعة العلاقة القائمة بين ميليشيا حزبه، او الحزب – الميليشيا، و"فيلق القدس" وما اذا كانت العلاقة مجرّد تنسيق بين طرفين تابعين لايران يشاركان في حروب عدّة تدور في المنطقة، خصوصا في سوريا واليمن... او اكثر من ذلك بكثير.

المؤسف ان "عهد حزب الله" في لبنان استحقّ اكثر هذه التسمية بعد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس. لم يظهر كبار المسؤولين اللبنانيين، باستثناء سعد الحريري رئيس حكومة تصريف الاعمال، أي شعور بالمسؤولية، اقلّه من اجل حماية لبنان وتمكينه من تجاوز المرحلة الصعبة المصيرية التي يمرّ فيها. لم يكن هناك أي استيعاب لواقع يتمثل في انّ لا مصلحة، من ايّ نوع، للبنان في الظهور في مظهر التابع لإيران، خصوصا ان المواجهة هي بين الولايات المتّحدة و"الجمهورية الإسلامية". يستطيع أي لبناني ان يسأل نفسه ما الذي فعلته ايران للبلد غير تصدير السلاح والغرائز المذهبية اليه وما الذي فعلته الولايات المتحدة التي يكفي انّها بنت الجامعة الاميركية في بيروت.

في النهاية، من غير الولايات المتحدة او المؤسسات المالية الدولية التي تؤثّر عليها تأثيرا كبيرا يستطيع مساعدة الاقتصاد اللبناني والمصارف اللبنانية التي ستفقد كلّ أهميتها ودورها في حال بقي الوضع الراهن على حاله؟

ما تقوم به السلطة اللبنانية، على اعلى المستويات، يتناقض كلّيا مع مصلحة لبنان المقبل على انهيار كبير، انهيار ثمّة من يعتقد، عن حقّ، انّه حصل فعلا في اليوم الذي توقّفت فيه المصارف عن توفير العملة اللبنانية والعملات الأجنبية لعملائها.

يحصل هذا كلّه من دون ان يوجد من يسأل عن قيمة الوقت الذي ضاع او عن الفائدة من الاتيان بشخص لا وزن له ولا خبرة ولا علاقات لتشكيل حكومة. لا يوجد من يسأل ما الفائدة من الدخول في بازار وزاري مبني على محاصصة من نوع جديد بين قياديين في مجموعة معينة، هي "التيّار الوطني الحر" والثنائي الشيعي.

هل في استطاعة حكومة تشكّل عن طريق هذه المجموعة وتعتمد المحاصصة في ما بينها الاقدام على ايّ خطوة تؤدي الى تغيير في الموقف الاميركي من لبنان او الى إعادة مدّ الجسور مع الدول العربية القادرة على توفير مساعدات للبلد كما كان يحصل في الماضي؟

حسنا، يمكن ان ننسى اميركا، كما يمكن ان ننسى أوروبا التي أبدت في الماضي استعدادا لمساعدة لبنان. كذلك يمكن ان ننسى الدول العربية القادرة. لكن ما لا يمكن نسيانه هو سؤال في غاية البساطة. من البديل من اميركا وأوروبا والدول العربية القادرة على مساعدة لبنان شرط ان يعود الى ما كان عليه، أي الى دولة عضو في جامعة الدول العربية وليس صوت ايران في اجتماعات مجلس الجامعة؟...

في غياب أي جواب مقنع عن هذا السؤال، باستثناء كلام "حزب الله" عن الصين او السوق العراقية، أي عن أوهام ليس الّا، يبدو لبنان في طريقه الى كارثة حقيقية. من كان في حاجة الى تأكيد لذلك لم يعد في حاجة الى مثل هذا التأكيد بعد الخطاب الأخير لحسن نصرالله وبعد تصرّفات رجالات "عهد حزب الله" من كبار المسؤولين اثر تصفية الاميركيين لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفع صور قائد "فيلق القدس" على طريق مطار بيروت. باختصار شديد عاقب لبنان نفسه عندما فات كبار المسؤولين انّ الانضمام الى "محور الممانعة" يعني بين ما يعنيه تعرّض لبنان لقصاص قد يكون عادلا كما قد لا يكون، لكنّه قصاص فعلي يطال مستقبل كل لبناني.

خيرالله خيرالله






بالرغم من التصريحات والتنديدات والضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي إلا أن سعر برميل النفط لم يتجاوز معدل 70 دولار.
وليبدأ الجميع في مختلف أرجاء العالم بالدعوة نحو التهدئة والدعوة إلى المفاوضات وبوقف استخدام الأسلحة وإفساح المجال للحوار، إلا أن بعض المحللين يتوقعون ارتفاع في سعر النفط إلى معدلات كبيرة قد تصل إلى 80 و85 دولار للبرميل الواحد.

ولكن الواقع النفطي يفرض علينا بأن سعر البرميل سيكون في نطاقه الحالي ولن يتجاوز معدل 70 دولار، وستكون حتما متقلبة لكن في نطاقه الحالي بوجود المضاربين في الأسواق والعوامل السياسية المتضاربة والحادة والتهديدات المختلفة تتجه نحو التصعيد إلا أن عامل التهدئة والهدوء هو المؤثر الأكبر.

والواقع النفطي واضح وصريح بأن الأسواق النفطية مشبعة وأن الطاقات النفطية الفائضة لدى دول منظمة أوبك تفوق ما بين 6 إلى 7 مليون برميل جاهزة للتصدير ومنها الآن وحالا أكثر من 5ر2 مليون منها 1.700 نتيجة الخفض المباشر من أوبك وروسيا وكميات إضافية أخرى من دول الخليج العربي.

ولن ترتفع الأسعار أكثر من المعدل الحالي بسبب أساسي كبير لأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد بحاجة إلى نفط الخليج العربي علي الأطلاق حيث تنتج حاليا أكثر من 13 مليون برميل من النفط الخام وتصدر أكثر من 4 ملايين وتستورد تقريبا 5ر1 مليون برميل من النفوط الثقيلة والتي بإمكانها استيردها من الدول القريبة منها مثل المكسيك وفنزويلا والبرازيل بدلا وعوضا عن الخليج العرب.

وغياب المؤثر واللاعب الأكبر في الأسواق النفطية أمريكا كأكبر مستورد للنفط والتي كانت بسببها تؤثر مباشرة علي أسعار النفط عادت في أقل من 5 سنوات تنافسنا في التصدير والإنتاج ولتهدئ من أسعارالنفط وأن تستعمل مخزونها الاستراتيجي أن تعدت الضرورة لخفض سعر البرميل عند الرقم المريح لها وبدون تردد، وليصبح سلاح النفط من دون ذخيرة حية .

واي انفلات في أسعار النفط لن يكون لصالح الدول الآسيوية مثل الصين وكوريا والهند وهي التي ستضرر وتتاثر اقتصادياتها وهذا ليس لصالح دول اوبك وزيادة النمو ووالطلب العالمي علي النفط.

وهو الآن عمل مهم يجب ان يضع في الأعتبار مصالح الدول الأقرب صديقة للمنظمة البترولية ونموها.

كامل الحرمي

محلل نفطي مستقل






يفرض اعتراف غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا بأن مصداقية المنظمة الدولية على المحك؛ أن تتبنى قوى مختلفة موقفا حازما حيال الانتهاكات التركية المتتالية، بعد تعمد أنقرة خرق القوانين والأعراف وتصعيد التحركات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وردع حكومة الوفاق الوطني التي هيأت الأجواء أمامها لتكشف عن صلفها في التعامل مع الأزمة.

قدم تحذير سلامة في حواره مع جريدة "لوموند" الفرنسية الاثنين الماضي صرخة قوية على أن هناك مخاوف كبيرة من خروج الأزمة من عقالها، عقب توقيع مذكرتي التفاهم البحري والأمني بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

ولذلك من الضروري تغيير الآلية القديمة العقيمة، ووضع رؤية دولية محكمة تتناسب مع التطورات المتسارعة، وتتخلى عن الإجراءات الفردية التي تقوم بها بعض الدول وفقا لما يناسب خططها المرحلية. فهناك جهات خارجية وجدت مصالحها في دعم الطرفين المتحاربين لضمان عدم الخسارة في النهاية.

فرضت الصراعات الإقليمية الجديدة هذا النمط من التدخلات. هناك دول تدعم فصائل وخصومها، وحكومات ومعارضيها. ودول تتصارع مع أخرى في قضية وتتفاهم معها حول أخرى في الأزمة الواحدة. شاعت هذه الظاهرة في سوريا وحافظ البعض على الكثير من التوازنات بموجبها.

بدأت العدوى تنتقل إلى ليبيا، ما ينذر بطول أمد الصراع الذي لن تُنهك فيه بسهولة أطرافه الرئيسية، بل تتغذى على ذلك الميلشيات والعصابات المسلحة والمرتزقة وجميع العناصر المتشددة التي تعلم أن ساعة الحساب سوف تأتي عندما تسكت المدافع.

وأخذت الأزمة الليبية أسوأ ما في نظيرتها السورية، من تدخلات مستترة لبعض القوى، وتمركز أعداد كبيرة من الإرهابيين، وحرب بالوكالة تحولت إلى ملمح خطير. ودول كبرى تقف عاجزة عن الحل. وأخرى تريد الهيمنة بطرق ملتوية. وثالثة غير مكترثة بالتطورات الدرامية التركية. ورابعة تتدخل كنوع من إبراء الذمة. وما لم ينتبه كل هؤلاء لطبيعة الخطر المحدق قد تنفلت الأزمة وتزداد عملية السيطرة عليها صعوبة.

تستغل تركيا هذه التناقضات، وتتصرف بجرأة وصلت إلى درجة عدم الممانعة في مناطحة قوى كبرى. فقد مرت باختبار قاس في سوريا. وتلقت تهديدات بعقوبات غالبيتها بدت مثل الدخان في الهواء. وظهرت كأنها تتحدى الولايات المتحدة، ولم تجرؤ الأخيرة على لجمها، وتوافقت معها في شمال شرق سوريا ضمن لعبة دقيقة لتوزيع الأدوار.

وتتجاوز ممارسات أنقرة الأفكار التي يرددها البعض بخصوص استعادة أمجاد عثمانية غابرة، أو المطالبة بحقوق تركمانية وهمية، وتصل إلى حد المساومة والابتزاز والضغط لعقد صفقات، مستغلة حالة نادرة من الوهن تجتاح بعض الدول الغربية.

استقر في يقين أردوغان أن معظم القوى الكبرى باتت تشبه البطة العرجاء، ولن تستطيع استخدام الوسائل الخشنة لردعه، ولن تتمكن من التصدي لجموحه. فعدد كبير مكبل بأزمات داخلية، أو لديه ممانعات سياسية بشأن استخدام الحلول العسكرية.

كما أن التشابكات الإقليمية في منطقة شرق البحر المتوسط، وارتباك المواقف الدولية، وما يكتنف الأزمة الليبية من تعقيدات. كلها عوامل وفرت لأنقرة مساحة للحركة والطرق بقوة في اتجاهات متباينة.

تحارب تركيا على جبهات عدة في الآن نفسه، وهي مدفوعة برغبة عارمة في الحصول على مكاسب اقتصادية من كعكة اكتشافات الغاز. وتعلم أن هناك خطوات حثيثة اتخذت أفضت إلى خروجها من منتدى شرق المتوسط الذي بات نواة للتعاون والتنسيق في مشروعات الغاز بالمنطقة.

وفشلت دبلوماسية البوارج الحربية في فرض أمر واقع يمكنها من المشاركة كطرف إقليمي محرك للأحداث، ولم تجد آذانا صاغية لها، ولجأت إلى تفجير معركة الحدود البحرية مع ليبيا كقفاز، ربما يحميها من ضربات خصومها.

وتظل الجبهة الثانية، وهي ليبيا، محكومة بالدفاع عن مشروع أيديولوجي، إذا نجحت في تثبيت نفوذ أصحابه كرست وجودها في شمال أفريقيا. وبعث أردوغان برسائل عقائدية واضحة عندما زار تونس مؤخرا، ويعمل على الاستفادة من وجود كتلة حرجة من الإسلاميين في كل من الجزائر والمغرب، سواء كانوا في قلب السلطة أو على هامشها. ويدرك أن محطة ليبيا هي الفيصل في النفوذ أو تلاشيه، ما جعله يرمي بكل أوراقه غير المشروعة في ساحتها.

قدمت تركيا براهين تثبت أنها محرك رئيسي للعنف في ليبيا، وأهم جهة تقوم بتصدير الأسلحة والمرتزقة والمتطرفين إليها، ودعم الجماعات الإرهابية من كل صنف ونوع. ووفرت أدلة دامغة على قيامها بعدم احترام حظر تصدير السلاح المفروض من قبل مجلس الأمن. وما كان يدور في الأروقة السياسية والمراكز البحثية همسا وتخمينا صار علنا وواقعا. ومع ذلك لم يستطع المجتمع الدولي الوقوف في وجه أنقرة.

يحاول الرئيس عبدالفتاح السيسي حث القوى الرئيسية على التعاون لوضع حدود للانتهاكات التركية والسعي لإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية. وأجرى أخيرا اتصالات برؤساء دول وحكومات، الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا واليونان وقبرص.

لم تتوقف الجهود الدبلوماسية على الصعيدين الإقليمي والدولي لمنع نقل سيناريو سوريا إلى ليبيا، والبحث عن وسيلة ناجحة تحافظ على حقوق الشعب الليبي، وتمنع انزلاق بلاده إلى حرب أشد دمارا.

أخرجت التصرفات التركية الأزمة من إطارها المحلي إلى فضاء أوسع وأعقد قابل لمزيد من التصعيد، ويهدد مصالح قوى إقليمية ودولية عديدة لن تقف طويلا مكتوفة الأيدي، لأن ما تخطط له أنقرة يمثل اعتداء صريحا، ولن تكفي معه بيانات الشجب والتنديد والغضب المعتادة، ويلحق أضرارا مباشرة بمكاسب استراتيجية راكمتها ويصعب التفريط فيها.

إذا أخفق المجتمع الدولي في التعامل بحسم مع أردوغان لن يتورع عن تخطي المزيد من الخطوط الحمراء. وقدم الرجل ما يكفي من أدلة لتأكيد أنه داعم مركزي للإرهاب في المنطقة، ما يستوجب التحرك للعقاب، إلا إذا كانت هذه النوعية من التصرفات تحظى بمباركة من قوى كبرى، وقتها لا يلومن أحد نفسه عندما تزحف القوى الإرهابية من جنوب المتوسط إلى شماله.

ويتضخم أردوغان ويصبح رجل أوروبا القوي. وهو ما ترفضه التطورات الشعبوية التي تجتاح الغرب وتفرض على قادته تحركات تكبح جماح تركيا وذيولها في ليبيا أو غيرها.
محمد أبو الفضل







لن نصدّق أن الأمور ذاهبة إلى الصدام الكبير بين إيران والولايات المتحدة في العراق. لا تقوى إيران على ذلك، ولم يسبق لها أن ذهبت بعيدا في تحدي "الشيطان الأكبر" إلى درجة المواجهة المباشرة مع أقوى دولة في العالم. بالمقابل لا تريد الولايات المتحدة تلك المواجهة، وليس لواشنطن مصلحة في تصعيد غير محسوب، فيما عقوباتها على طهران تعطي مفاعيل كارثية خانقة لم تعد منابر طهران تنفيها.

عراق ما بعد عام 2003 هو عراق الصفقة الخبيثة التي تمت بين الولايات المتحدة وإيران. لم يكن مطلوباً آنذاك إلا إسقاط نظام صدام حسين دون أي مصلحة استراتيجية أميركية بعيدة المدى. كان الهدف هو صيد فريسة كبرى داخل حفلة صيد تنتعش لها إدارة الرئيس جورج بوش جونيور، ذلك أن الاكتفاء باسقاط نظام طالبان في أفغانستان لم يكن كافياً للانتقام من فاجعة 11 سبتمبر الأميركية.

قدمت واشنطن العراق على طبق من فضة إلى طهران. لم تستطع جحافل جيش الخميني أن تفعل ذلك طوال سنين الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، إلى أن تقدم جيش الولايات المتحدة يتبرع بتعديل مسار التاريخ، فيحول كأس سم الهزيمة التي تجرعها الخميني في العراق إلى كأس عسل ما زال نظام طهران يتلذذ به حتى يومنا هذا.

وفي ما شهده العراق من تصادم بين أجندتي إيران والولايات المتحدة في العراق هذه الأيام ما يُبقي الأمر، رغم مشهديته الدراماتيكية، تحت السيطرة، ومتسقا مع الأجندة الدقيقة للولي الفقيه في إيران وللرئيس المرشح في الولايات المتحدة. تقدم واشنطن ما تملكه من أوراق لرسم خطوط الممكن واللا مقبول، فيما تستعرض طهران ما تملكه من نفوذ داخل العراق لرسم ملامح توازن القوى فوق أي طاولة مفاوضات كامنة.

حين أغار تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن كان بإمكان واشنطن ضرب قواعد تنظيم أسامة بن لادن في أفغانستان أو في أي مكان في العالم. هكذا فعلت قبل ذلك حين استهدف التنظيم سفارات الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998 أو بعد ذلك حين ضرب المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" في ميناء عدن في اليمن عام 2000، واللائحة تطول. لكن واشنطن، حينها قررت تفكيك نظام طالبان في كابول وتفكيك نظام صدام حسين في بغداد. كان الرد مباشراً داخل تلك الدول، ولو أن واشنطن وكل الحلف الغربي اعترفوا لاحقا ببرودة الخبثاء أن ما كيل لبغداد كان كماً مدبراً من الأكاذيب.

لم تذهب الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة إلى حد اتهام إيران مباشرة بالوقوف وراء الهجوم الذي استهدف مواقعها العراقية. اتهمت ميليشيات عراقية تفاخر بالولاء للولي الفقيه في طهران، فأطلقت نيرانها على مواقع تلك الميليشيات مكتفية برد موضعي على اعتداء موضعي. وواقع الحال أن واشنطن حين تقرر يوماً أن العلة في طهران وأن مصالحها مهددة من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، فإنها لن تعدم وسيلة لاكتشاف الأدلة والوثائق البراهين التي تثبت أن نيران الميليشيات العراقية ضد مواقعها إيرانيةُ المصدر والمضمون عراقيةُ الشكل والإخراج.

لا يبدو أن للولايات المتحدة مصلحة في إحداث أي تغيير جذري في العراق. فالبلد بالنسبة لواشنطن، ووفق ما كان جليا في نظر الرئيس دونالد ترامب، لا يعدو كونه حقول نفط "علينا أخذها". هكذا باع ترامب للأميركيين تميزه الكبير فانتخبوه رئيسا، وهكذا يجب أن يبقى. والولايات المتحدة، بهذا المعنى، غير معنية بتشجيع أي تغيير مجهول في العراق على ما يطالب به الحراك الشعبي العراقي منذ شهور. بدا أن واشنطن مرتاحة للعناوين التي تعرفها في العراق منذ قيام النظام السياسي هناك غداة غزو بغداد، وقلقة من موجة الاحتجاجات التي تجتاح مدن العراق، والتي يهدد طابعها الشيعي، إضافة إلى طابعها العابر للطوائف، نظام الفساد والمحاصصة الذي أتاح لواشنطن ما تريده من هذا العراق.

يكرر ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو لازمةً مُملّة حول عدم وجود أي خطط لدى الولايات المتحدة لإسقاط النظام في إيران. تؤمن طهران بهذا الثابت في سياسة الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتؤمن بصدقية ذلك أكثر في عهد ترامب الحالي. وفق ذلك الثابت الصلب تتحرك إيران شاهرة برشاقة أوراقها في المنطقة، تاركة العنان لمغامرات قواها البحرية في مياه الخليج. فمن لا يخطط لإسقاط النظام في إيران لا يفكر حتماً باسقاط نظام يوفر لواشنطن مصالحها دون تأخر أو تردد.

تعرف طهران فن اللعبة الدولية. تدرك حدود المحرمات فتبتعد عنها فورا إذا حدث أن مسّتها خطأً. جرى أن أحد منابر الحرس الثوري (اللواء مرتضى قرباني) هدد قبل أسابيع بالرد من لبنان ضد إسرائيل إذا ما تعرضت إيران لأي هجوم أميركي. جرى أن طهران تبلغت أو أدركت أن في ذلك خطيئة لا تساهل معها. سارع مستشار المرشد، علي أكبر ولايتي في طهران إلى التبروء من التهديد وتصويبه واعتباره شططا انتزع من سياقه. فيما خرج أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله من بيروت ليصحح "الخطيئة" ويبشر العالم أن الرد على أي اعتداء يصيب إيران سيصدر من إيران.

وفق قواعد هذه اللعبة تختار إيران منافذ التعايش مع الولايات المتحدة. تستخدم ميليشياتها في العراق تارة وفي سوريا تارة أخرى وفي لبنان واليمن تارة ثالثة لتسجيل المواقف. لا يهم أن يأتي الرد ضد هذه الميليشيات فيسقط عراقيون وسوريون ولبنانيون ويمنيون وأفغان... إلخ، فتلك عدّة اتفق على استخدامها بين المُرسل والمتلقي. وفي ما تقوم به ميليشيات إيران في العراق من استعراض أمام السفارة الأميركية في بغداد تمرين لا تملك واشنطن الرد عليه ضد السفارة العراقية أو الإيرانية في واشنطن.

تريد إيران استدراج الولايات المتحدة إلى نزال ما في ميدان ما. لا تخسر إيران من زادها الإيراني بل من زاد الآخرين، لكنها مع ذلك تعوّل على امتلاك مفاتيح الخروج من أزمة النار المحتملة بين واشنطن وطهران. نجحت طهران في استدراج رد أميركي أزهق أرواح عراقيين. نجحت طهران في إعادة فرض منطق الميليشيات بصفته روح العراق المدافع عن مواطنيه وسيادته.

تعوّل إيران بتواطؤ أميركي، يجري مقصوداً أو مدفوعاً، لمصادرة ثورة العراقيين وتجريدها من شرعيتها المتنامية. كان أن احتل طلبة إيرانيون سفارة الولايات المتحدة في طهران واحتجزوا العاملين فيها رهائن لمدة 444 يوماً (4 نوفمبر 1979 - 20 يناير 1981). أراد نظام طهران حينها إشغال العالم بورشة خارجية فيما أجهزته تفتك بأي معاندة داخلية وتثبت جذور نظام الولي الفقيه. قد تذهب إيران بعيدا هذه المرة لاستعادة عراقها من أمام السفارة الأميركية في بغداد.

ترامب اكتشف في تغريدة أن إيران وراء الهجوم على قوات بلاده. ولا نعتقد أن اكتشافه سيغير من قواعد اللعبة، وحدهم العراقيون من بيدهم يوما ما تغيير اللعبة واللاعبين.

محمد قواص







السؤال في غاية البساطة، العراق في العراق ام ايران في العراق؟ السؤال يطرح نفسه بعد حصار السفارة الاميركية في بغداد ردّا على مهاجمة الاميركيين مواقع لميليشيات موالية لإيران داخل الاراضي العراقية والسورية. أسوأ ما في الامر كان انكشاف النظام العراقي الذي وقف متفرجا على الميليشيات الايرانية تهاجم بقيادة "الحشد الشعبي" و"حزب الله العراقي" السفارة الاميركية في بغداد. هناك نظام عراقي لم يعد موجودا. اثبتت الاحداث المتلاحقة في العراق انّ ايران حلت مكانه وانّها صارت الحاكم الفعلي للبلد. المفارقة ان الذين هاجموا السفارة الاميركية، انّما أتت بهم دبابة أميركية من طهران الى بغداد!

فشلت الإدارات الاميركية المتلاحقة منذ العام 2003 في بناء نظام عراقي جديد كانت تظنّ انّه سيكون نموذجا لما يُفترض ان تكون عليه دول المنطقة. ما يشهده العراق اليوم هو نتيجة فشل المحاولات الاميركية الهادفة الى تحويل العراق الى بلد ديموقراطي. كلّ ما فعلته الإدارات الاميركية السابقة، وهو ما تحاول إدارة دونالد ترامب إصلاحه، صبّ في مصلحة ايران التي ترفض التراجع عن مكاسبها من منطلق ان العراق ورقة مهمّة لديها، بل الورقة الاهمّ، في المواجهة مع الإدارة الاميركية الحالية.

ما لا يمكن تجاهله ان ردّ الفعل الاميركي القويّ جاء بعد هجوم إيراني على قاعدة أميركية في كركوك قتل نتيجته متعاقد اميركي. من الواضح ان ايران تريد حربا أميركية – إيرانية في العراق تكون بديلا من حرب أميركية على ايران تُشنّ حاليا بسلاح العقوبات. الأكيد ان ايران لم تعد تدري ما الذي عليها عمله من اجل التخلّص من هذه العقوبات التي اثّرت عليها تأثيرا كبيرا باعتراف الرئيس حسن روحاني نفسه. المضحك ان روحاني ما زال يطرح شروطا من اجل قبول التفاوض مع الاميركيين. لا يريد اخذ العلم ان هناك إدارة تعرف ايران جيّدا. الدليل على ذلك ان ترامب لم يتردّد في تحميل طهران مسؤولية ما تتعرّض له السفارة الاميركية في بغداد.

لعلّ اوّل ما تفاجأت به ايران هو ردّ الفعل الاميركي الذي تمثّل في رد سريع وقاس استهدف ميليشياتها في العراق وفي سوريا. على رأسه هذه الميليشيات الايرانية "حزب الله العراقي" الذي يسعى الى ان يكون مثل "حزب الله" في لبنان. كانت النتيجة انّ هناك حاليا مواجهة أميركية - إيرانية حقيقية في العراق وما يتجاوز العراق. تطورت المواجهة الى سعي ايران الى احراج الولايات المتحدة عن طريق تطويق سفارتها في بغداد وتحطيم احدى بواباتها. هذا يعني بكلّ بساطة ان لدى ايران ما يكفي من الادوات العراقية للقيام بهذه المهمّة. الاهمّ من ذلك كلّه، اثبتت طهران انّ لديها عناصر موالية لها في العراق تسمح باحراق احدى بوابات السفارة، وربّما السفارة نفسها، التي تحتلّ مساحة 420 الف متر في بغداد والتي كلّف بناؤها ما يزيد على 750 مليون دولار. الرسالة الايرانية واضحة كل الوضوح. فحوى الرسالة ان العراق ارض إيرانية وان كلّ ما قامت به اميركا في العام 2003 هو تسليم العراق الى ايران.

استغلت ايران الهجوم الاميركي على قواعد لـ"حزب الله العراقي" في العراق وسوريا كي تضرب عصفورين بحجر واحد وكي تبعث برسالة مزدوجة. هناك العصفور الاوّل المتمثّل في اثبات السيطرة على العراق وانّ لا رجعة عن تحويله الى جرم يدور في الفلك الايراني. امّا العصفور الثاني فهو يتمثّل في انّ الثورة العراقية التي رأس حربتها شيعة العراق ليست ثورة حقيقية، اقلّه من وجهة النظر الايرانية. الدليل على ذلك ان لا وجود لعراقيين يعترضون على تطويق ايران، عبر ادواتها، للسفارة الاميركية في بغداد. تريد ايران ان ينسى العالم ان هناك ثورة شعبية عراقية ضدّها وان القنصلية الايرانية في النجف أحرقت ثلاث مرات في غضون شهر واحد. ليس تطويق السفارة الاميركية ثمّ التراجع تلبية لطلب الحكومة العراقية سوى تهديد مباشر للعراقيين المنتفضين على الوجود الايراني لا اكثر.

استطاعت ايران ان تقول لهؤلاء العراقيين انّ "الحشد الشعبي" هو مستقبل العراق وان تجربة "الحرس" الثوري في ايران تنطبق على العراق أيضا. هل يرضخ العراقيون للقدر الايراني الذي يعني بين ما يعنيه ان "الجمهورية الإسلامية" لم تنس حرب 1980 – 1988، وهي تعتبر هذه الحرب مستمرّة ولن تغفر يوما للشيعة العرب وقوفهم في وجه الزحف الايراني على العراق، وهو زحف بدأ مباشرة بعد انتصر الثورة التي أطاحت الشاه في العام 1979.

برسالتها المزدوجة الى الإدارة الاميركية والى الداخل العراقي، تعتقد ايران انّها استعادت المبادرة، خصوصا بعدما تبيّن ان النظام القائم في العراق صار مجرد أداة للزينة لا تستطيع حماية سفارة اجنبية في بغداد.

لن تنقذ الرسالة الايرانية المزدوجة النظام الايراني من ضرورة مواجهة الحقيقة والواقع. الحقيقة والواقع يقولان انّ ازمة النظام الايراني عميقة من جهة وهي مع الايرانيين انفسهم من جهة أخرى. لا ينقذ النظام الايراني سوى التصالح مع الواقع والحقيقة مع ما يعنيه ذلك من اعتراف بفشله على كلّ صعيد وفي كل المجالات، خصوصا انّ ليس لديه ما يصدّره سوى ميليشيات مذهبية تنشر البؤس حيثما حلّت، بما في ذلك العراق. اذا كان من معركة إيرانية يمكن ربحها، فانّ ساحة هذه المعركة هي ايران، حيث ارقام مخيفة عن الفقر والتخلّف، وليس ايّ مكان آخر.

في النهاية فشل الجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" (قتل بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال في غارة أميركية قرب مطار بغداد) في بناء نظام عراقي بديل موال لإيران بعدما عجزت اميركا عن جعل البلد يقف على رجليه مجدّدا. كان عادل عبدالمهدي الواجهة الأخيرة التي استخدمها. استقالت حكومة عادل عبدالمهدي ولم توجد بعد شخصية صالحة تحلّ مكانه. كلّ الشخصيات التي طرحتها ايران مرفوضة.

لن يحل حصار السفارة الاميركية، من قريب او من الضفّة الأخرى لنهر دجلة، أي مشكلة إيرانية. لن تكون فائدة تذكر من الرسائل الايرانية عبر العراق.

عاجلا ام آجلا ستستعيد الثورة الشعبية العراقية على ايران نشاطها وحيويتها... فيما ستستمر العقوبات الاميركية على "الجمهورية الإسلامية"، بل ستزداد. الى متى يستمر الهرب الايراني من الحقيقة والواقع؟ الم يكتف النظام في ايران بما تسبب به في لبنان وسوريا والعراق واليمن... ام يريد مزيدا من البؤس والخراب في هذه البلدان العربية خدمة لوهم اسمه المشروع التوسّعي الايراني؟

خيرالله خيرالله









هذا نتاج الخارجية الكويتية التي أرست وإلى الأبد اتفاقية تقسيم المنطقة المحايدة بملكية وتبعية الزور إلى الكويت في الاتفاقية التي وقعت يوم الثلاثاء الماضي.
وبتوثيق وإيداع الاتفاقية ومذكرة التفاهم والملاحق في الأمم المتحدة، نبدأ مرة أخرى صفحة جديدة بإعادة إنتاج وتصدير النفط من الخفجي و الوفرة المقدرة بطاقة إنتاجية تفوق 600 ألف برميل في اليوم بالمناصفة وكذلك إنتاج الغاز الحر من الدرة والحاجة الماسة للطرفين.

من المتوقع أن يبدأ الإنتاج من النفط في خلال 12 شهرا من الآن بالرغم من التزام المملكة العربية السعودية والكويت بسقف وحصة الإنتاج، إلا أن الأسواق العالمية بحاجة إلى هذا النوع من النفط الثقيل بدلا من النفط النوع الخفيف الفائض الوفير.
وقد نحتاج إلى إغلاق بعض الحقول النفطية الأخرى المنتجة بواجب الالتزام بسقف الإنتاج اتجاه منظمة أوبك.
ووجهت الأوامر إلى المختصين في شركة أرامكو ونفط الخليج بالإسراع في تطوير واستغلال حقل الدرة البحري الغني بالغاز بأسرع ما يمكن ولتكون من الأولويات حيث تقدر الكميات الموجودة من الغاز بحوالي 1 مليار قدم مكعب ما يعادل 170 ألف برميل من النفط المكافئ.
وتمتلك شركة شيفرون الأمريكية الشريك لشركة أرامكو العربية أحدث التقنيات لتطوير الدرة.
وستستمر شركة شيفرون الأمريكية في استخدام الأرض و المنشآت والمباني الإدارية والسكنية الحالية في الزور في نفس مواقعها لحين الانتهاء من بناء منشآتها ومكاتبها في موقع آخر في الخفجي، وستخلي هذه المنشآت بشكل نهائي في خلال 5 سنوات من تاريخ دفع الكويت مبلغ التعويض للشركة الأمريكية تكلفة استبدال لشيفرون لبناء المرافق و المباني الإدارية والسكنية وبمواصلة عملها من المواقع الجديدة في الأراضي السعودية،ولكن سيبقى استعمال المنشآت البحرية في الزور حتى نهاية 2046 مع انتهاء عقدها مع ارامكو السعودية.

وستدفع شركة نفط الخليج حصتها بخصوص خزانات النفط و ميناء التصدير لحصة شركة شيفرون وسوف يتم تقييم هذه الأصول ودفع نصف القيمة لتصبح منشآت مشتركة مملوكة لشركتي نفط الخليج الكويتية وأرامكو الخفجي السعودية.
ولن يكون هناك أي تعويض بخصوص وقف الإنتاج خلال الخمس سنوات الماضية لأي طرف سواء الكويتي أو الطرف السعودي وهو الحل الأمثل الذي منع فشل المفاوضات والعودة إلى نقطة الصفر.
ويبقي التساؤل الأخير حول إمكانية منع التصدير و التحكم من طرف واحد في توزيع الغاز والنفط مثلما حدث في الماضي والآليات المطلوبة بدلا من الدخول في باب المنازعات والشكاوي.

طبعا هناك أسئلة واستفسارات من هنا وهناك والدخول في مناقشات دقيقة وحساسة وهذا سيناقش في مجلس الأمة لأخذ الموافقات النهائية من المجلس.
الاتفاقية وقعت وتمت والزور أرض كويتية ونفط "المقسومة" يعود للإنتاج ولنبدأ صفحة جديدة من النفط يصاحبه تدفق كميات من الغاز المطلوب، والدبلوماسية الكويتية حققت ما تريد.

كامل الحرمي







في حلقة مثيرة للاهتمام، قدم الاعلامي الأردني علاء الفزاع تحليلا في غاية الأهمية لما يجري على الساحة الأردنية والإقليمية، موضحا أن إسرائيل باتت في مأمن من أي مقاومة عربية لمخططاتها، فالدول التي حولها في حالة كارثية، كسوريا ولبنان والأردن، ولا يمكنها التصدي للتوسع الإسرائيلي، فالأردن أصبح مستودعا بشريا يئن تحت وطأة الجوع والفساد، وبات الظرف مهيئا لابتلاع غور الأردن وضم الضفة الغربية وتفريغها من سكانها الفلسطينيين على دفعات من خلال تحويل حياتهم الى جحيم، وعندما تبدأ بعملية التفريغ ستدب الفوضى وربما يقتتل الشعب داخليا، ويطيحون بنظام الحكم، ثم تندلع حرب أهلية بين مكونات السكان.

نوه الفزاع إلى أن التوسع التدريجي هو خطة إسرائيل منذ أن عقد مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897 ولن تتخلى إسرائيل عن تحقيق هدفها في إقامة إسرائيل الكبرى على مراحل في المستقبل، ومما يؤسف له أن الأوضاع الراهنة في الأردن مهيئة تماما لضم الضفة الغربية بعد أن ضمت الجولان، بمعنى أن ما شجع على هذا التوسع هو الأوضاع الداخلية في الدول العربية التي ينتشر فيها الفساد والفقر والاحتجاجات. وأضاف الفزاع، أنه لا يوجد خطة اسمها الوطن البديل، لأن إسرائيل لا يهمها من يحكم الأردن أو حتى تغيير اسم الأردن الى فلسطين فيصبح الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، فهذا آخر همها، وما يهمها بالدرجة الأولى هو ضم الضفة الغربية وتفريغها من أهلها وليكن ما يكون في الضفة الشرقية، فإذا قتل الأردنيون الفلسطينيين فهذا خير لها وإذا قتل الفلسطينيون الأردنيين فهذا خير أيضا وإذا جلس الجانبان ينحبون ويلطمون فهذا خير عظيم، بل كلما ساء وضع الأردن كان ذلك أفضل لها، ولن تحتاج الى حاكم يكون في جيبها لكي يحرس حدودها.

عزا الفزاع سهولة تنفيذ التوسع الى الفساد والفقر والتفكك الاجتماعي في الأردن جراء تراكمات منذ عقود، وليس في الماضي القريب، ولا يمكن لدولة مفككة داخليا أن تدافع عن وطنها، أي أنه "من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام" وبما أن إسرائيل أصبحت القوة العظمى الوحيدة في المنطقة، فلن يهمها من يحكم هذه الدول المنكوبة، ولا تحفظ معروفا ولا ودا لأحد.

إن التحليل الذي قدمه الفزاع موضوعي ومنطقي فقد أصبحت إسرائيل القوة الوحيدة في المنطقة، بينما الدول العربية في حالة شلل، وإذا لم تستغل إسرائيل هذا الواقع وتتوسع فإن شعبها سيحاسبها، فإسرائيل دولة ديمقراطية وقوية وتأتمر بأوامر الشعب، وهو شعب صهيوني ويدرك أن لديه مهمة مقدسة وهي إعادة بناء إسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل.

إذا كان الأردن لا يقوى على فعل أي شيء وسوريا مدمرة ولبنان غارق في الفوضى، فإن مصر على أجندة إسرائيل، وهي معرضة لكارثة مائية عندما تنتهي أثيوبيا من بناء سد النهضة بدعم من إسرائيل وقطر، وعندما يقوم أردوغان بضربها من الأراضي الليبية، وإذا ما نجحت إسرائيل بإصابة مصر بالشلل فسوف يكون سهلا عليها تفريغ غزة من أهلها وايجاد وطن لهم في سيناء. وهكذا نرى أن السبب الجذري الأول في إتاحة فرصة التوسع لإسرائيل هي حالة السخط عند الشعوب العربية، أي أن المسؤول الأول عن الكوارث التي تصيب الدول العربية هو سوء الأنظمة الحاكمة فيها وعدم فعاليتها في تحصين التماسك الداخلي والتأييد الشعبي لأنظمة الحكم من خلال القضاء على الفقر والفساد.

سهى الجندي









قد يكون مطلوبا مراجعة شعارات تم ارتجالها على عجل عند بداية الحراك الشعبي في لبنان في 17 اكتوبر الماضي. بدأ الحراك عفويا انفعالية، وتمدد دون أي خطط مسبقة، وبرزت له واجهات مختلفة متعددة متباينة في هوياتها وطباعها وطرق تعبيرها. لم يجر كثيرا التدقيق في تعريف طبيعة هذا الحراك، واتفق أنه ثورة تطالب بما تطالب به أي ثورة في العالم في الحاضر والماضي.

والثورة هي دينامية تتحرى استبدال واقع سيء بواقع مثالي. وعليه لم تطالب ثورة اللبنانيين بتعديلات وإصلاحات، لكنها طالبت برحيل الطبقة السياسية برمتها، بصفتها مسؤولة عن الوضع المزري الذي وصلت إليه البلاد. وشعار "كلن يعني كلن" (كلهم يعني كلهم) تحوّل من مجرد هتاف تهكمي، إلى مشروع تغيير شامل له منظّريه وكتّابه ودستورييه، دون أن يتمكن كل هؤلاء من إنتاج خريطة طريق واقعية تقنع المنتفضين أنفسهم.

لم يقبل "جمهور المقاومة" أن يكون "السيد واحد منهم". ولم يقبل جمهور حركة أمل أن يكون زعيمها نبيه بري جزءا من "كلن يعني كلن". والمسألة لم تكن بالنسبة للثنائية الشيعية وجهة نظر، بل خطاب تخوين لهذا الحراك، اقتضى اتهامه بالعمالة للعواصم الخبيثة وتنفيذ أجندات خارجية مشبوهة. وأمر كهذا يبرر هجمات القمصان السود وحاملي رايات "شيعة شيعة شيعة" ضد الحراك المدني جهارا وأمام كاميرات العالم أجمع.

على هذا لا يجوز وضع الخونة والوطنيين في سلة "كلن يعني كلن" وفق أبجديات "المقاومة" وبيئتها. وعلى هذا يأخذ الحراك علماً بأمر تلك "الخصوصية" فيروح في شعاراته يصوب على الفاسدين وعلى منظومة الفساد دون تكلف عناء تقديم أي تشريح سياسي يوضح كيف يترعرع الفاسدون وما هي منظومة الحماية المطلقة التي يتمتعون بها داخل بلد تهيمن "المقاومة" على مداخل السياسة والأمن فيه.

ورغم أن شعار "كلن يعني كلن" نال نصيبه من غضب التيار العوني وخطاب التخوين الذي أطلقه أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله وهجمات "شباب الخندق" وما يمثلون، إلا أن هذا الشعار في حد ذاته يعاني من وهن بنيوي وتناقض جواني قد يطرح أسئلة على أهل البلد كما أهل الانتفاضة نفسها.

قد يجوز التنبه إلى أن الشعار بليد لا يتجشم عبء التفريق بين الصالح والطالح داخل الطبقة السياسية اللبنانية. كما أن في الشعار سذاجة تعتبر أن الفساد مرادف للسياسي وأن نظافة الكف مرادف لغير السياسي. علماً أن الفساد ارتكبه بعض من مارس السلطة وهذا لا يعني أن الفساد لن يصيب من سيمارسه قريبا. ثم أن بعض الطبقة السياسية أنتج وزراء أكفاء يشهد لهم بالنزاهة والمهارة، وأن التخلّص من هذه الطاقات السياسية لصالح نماذج مجهولة في خبراتها مجهولة في خلفياتها وارتباطاتها فيه تسطيح صبياني لا يمكن أن يغطيه ضجيج شعبوية "كلن يعني كلن".

وعلى الرغم من خلافهما السياسي الحاد، اعترفت منابر في حزب الله بكفاءة وزراء حزب القوات اللبنانية ولم يستطع خصوم "القوات" أن يسجلوا غبار فساد على وزرائه. الأمر قد ينسحب على وزراء حزب الكتائب في حكومات سابقة، ناهيك عن أن تمسك "الكتائب" وزعيمه سامي الجميل بعدم المشاركة في حكومة الصفقات والتسويات، يحصّن الحزب من سهام "كلن يعني كلن". والأمر نفسه قد ينسحب على وزراء هم جزء من أحزاب السلطة وهم أصحاب شعار "غير مطابق للمواصفات"، ولطالما اصطدموا مع حزب الله المدافع عن ممارسات فاسدة معادية للبيئة ولا تطابق أي مواصفات مالية.

وليست هذه السطور متطوعة للدفاع عن هذا وذاك، بيد أن أمر البلاد يستحق منا تأملاً يذكّر الرأي العام أن في لبنان، ولا سيما منذ اغتيال الرئيس الرفيق الحريري ورفاقه، مرورا بسلسلة الاغتيالات اللاحقة، من قُتل دفاعا عن هوية لبنانية تنظم الدولة يومياتها، بما يعنيه ذلك من توق لبناء منظومة رقابة سياسية وقانونية تقود إلى الرقي باتجاه أعلى مستويات السيادة والشفافية واستقلالية القضاء بديلا عن وصاية الخارج ووصاية الدويلة على الدولة. وأنه للتذكير أيضا فإن قوى سياسية متهمة بالقتل (تلاحق قتلتها محكمة دولية) فيما بقية الطبقة الحليفة كانت تبرر وتبارك كل عملية قتل. فهل يجوز وضع القاتل والقتيل في قالب "كلن يعني كلن".

يغفل الشعار كل ذلك، ويعتبر أن ما مر به البلد سابقا تفاصيل هامشية. لا يأخذ الشعار بعين الاعتبار الطبيعة الطائفية للمنظومة السياسية اللبنانية الناظمة للعقد الاجتماعي اللبناني منذ الاستقلال. فلا يكفي أن تكون الثورة عابرة للطوائف لكي نصدق أن البلد بات لاطائفيا، ولا يجوز أن يتم التغاضي عن مشاعر الغضب التي اعترت الطائفة السنية جراء فرض رئيس حكومة لا ترتضيها مراجع الدين والسياسة فيها، في وقت يحفظ مقام رئاسة الجمهورية ومقام رئاسة المجلس النيابي وفق ما يقتضيه مزاج طوائف أخرى.

يطرح الأمر سجالا داخل الطائفة السنية هذه الأيام لصالح التطرف والابتعاد عن نظرية "أم الصبي". السجال قد يتجاوز الحريرية السياسية نفسها باعتبارها مرة أخرى تتراجع عن حقوقٍ إرضاءً لميثاقية الآخرين دون أي اعتبار للميثاقية الخاصة بالطائفة، وبالتالي فإن اللعب بالتوازنات يهدد الحراك المدني ويعيد البلد إلى مربع الجدل الطائفي التقليدي.

ليس لبنان اللاطائفي الذي خرج في 17 اكتوبر يرسم أنبل انتفاضة عرفها تاريخ البلد منذ استقلاله. هو لبنان الطائفي الذي خرج أبناءه مغادرين أسوار طوائفهم متوسلين وطنا يتجمعون داخل أسواره. هي ثورة الطوائف على طبقتها السياسية الحاكمة وإعلان جهوزيتها لسلوك سبل جديدة خلاقة للعبور نحو لا طائفية سياسية تحرم زعماء الطوائف من امتيازاتهم.

بيد أن ذلك التحول يحتاج إلى حكمة وحنكة وحصافة، يحتاج إلى توفر ظروف خارجية مساعدة وعوامل دولية ضاغطة، ويحتاج إلى قراءة الحدث اللبناني داخل مشهد إقليمي دولي واسع يجيد عدم العبث في طرح الشعارات، خصوصا حين يتم التقاطها وطبخ مفرداتها والخروج بحكومة عتيدة تفرزها قوى الأمر الواقع، التي ليس فقط هدفها حماية هذا الواقع ومحرماته، بل أخذ البلد إلى مرحلة خطيرة تحت شعار "كلن يعني كلن".

إذا ما قيّض لحكومة حسان دياب أن ترى النور فإن قبول أصحاب شعار "كلن يعني كلن" بها تحت مسوغ "امنحوها فرصة"، يسقط لبنان برئاساته الثلاث وحكومته العتيدة داخل حضن إيران. المسألة ليست تحليلا بل تصريحا علنيا لمستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، يعتبر المعترضين على الرئيس المكلف وجهوده هم عملاء للسعودية وأميركا.

من يصلي متعبدا شعار "كلن يعني كلن" سيكتشف سريعا أن الشعار سيعني في النهاية أن أمر البلد لهم وليس للمصلين.

محمد قواص







من الواضح انّ المؤسسة العسكرية في الجزائر سجلت أخيرا نقاطا مهمّة. أظهرت كم هي قادرة على الصمود في وجه أي تغيير من ايّ نوع. ولكن هل التغيير عيب، خصوصا اذا كان نحو الأفضل واذا كان مطلبا شعبيا؟

في مقدّم النقاط المهمّة التي سجلتها المؤسسة العسكرية تأكيد انّها لا تزال اللاعب السياسي الأساسي والمحوري في الجزائر. يدلّ على ذلك النجاح في اجراء انتخابات رئاسية في الثاني عشر من كانون الاوّل – ديسمبر الجاري من منطلق انّها المؤتمنة على الدستور. تسلّحت بالدستور كي تفرض ارادتها وتحول دون تغيير كبير او حتّى صغير في طبيعة النظام كما كان يشاء مئات آلاف الجزائريين الذين نزلوا الى الشارع منذ شباط – فبراير الماضي وحالوا دون ولاية خامسة لعبدالعزيز بوتفليقة. وهي ولاية كانت تمديدا لحكم الجزائر عن طريق رجل مقعد لا يستطيع الكلام تديره المجموعة الضيقة المحيطة به، على رأسها شقيقه سعيد.

اسفرت الانتخابات الرئاسية التي أجريت في الثاني عشر من كانون الاول- ديسمبر عن فوز شخصية تابعة للمؤسسة العسكرية منذ الدورة الاولى، مع ما يعنيه ذلك من كشف للنفوذ الذي يتمتع به العسكر من جهة ورغبتهم في المحافظة على نظام هواري بومدين القائم منذ العام 1965 من جهة أخرى.

كانت النقطة المهمّة الثانية التي سجلتها المؤسسة العسكرية تعيين اللواء سعيد شنقريحة، قائد القوات البرّية رئيسا للاركان بمجرد الإعلان عن وفاة نائب وزير الدفاع رئيس الأركان اللواء احمد قايد صالح الذي ادار مرحلة التخلّص من عبدالعزيز بوتفليقة ومجموعته وصولا الى انتخاب عبدالمجيد تبون رئيسا للجمهورية من الدورة الاولى.

ما لا بدّ من الاعتراف به ان احمد قايد صالح، الذي تجاوز الثمانين عاما، ادار مرحلة التخلص من بوتفليقة واجباره على الاستقالة، وصولا الى انتخاب تبّون رئيسا بطريقة جدّ معقولة، بل بجدارة. تحدّث الى الجزائريين من موقع الاب الحنون والصالح الذي لا يريد سوى الخير للبلد. لم يكن لديه سوى شرط واحد هو شرط التمسّك بالدستور وتنفيذه مواده التي تفرض انتخاب رئيس جديد للجمهورية اثر استقالة بوتفليقة، او اقالته. ما ساعده في ذلك ان الجميع كان يعرف انّه لا يمتلك ايّ طموحات سياسية بعدما تجاوز الثمانين من العمر. فالرجل خلق صورة مقبولة لدى كثيرين نظرا الى انّه لم يكن يريد شيئا لنفسه. على العكس من ذلك، لعب دور حامي المؤسسة العسكرية والناطق باسمها وذلك تحت مبرّر حماية الدستور وتطبيق مواده.

لا يمكن الاستخفاف بالدور الذي لعبه احمد قايد صالح في عهد بوتفليقة وفي عملية انهاء هذا العهد. كان في مرحلة معيّنة غطاء للهجمة التي شنّها بوتفليقة على المؤسسة العسكرية بهدف اخضاعها. بلغت هذه الحملة ذروتها لدى اقالة الجنرال محمد مدين (توفيق) الذي كان رجلا غامضا يعمل في الظل من خلال سيطرته على المخابرات العسكرية. كان "توفيق" يمثل السلطة البديلة، أي السلطة الحقيقية التي لا تمس. تجرّأ عليه بوتفليقة، او المحيطون به، فيما بقي احمد قايد صالح صامتا. هناك من حسب ان الولاية الخامسة لبوتفليقة ستكون نزهة. عرفت المؤسسة العسكرية، على الرغم من كلّ ما تعرّضت له المحافظة على تماسكها. وعندما وجد احمد قايد صالح الفرصة المناسبة انقضّ على الرئيس الجزائري وما صار يعرف بـ"العصابة". استغلّ العسكر الحراك الشعبي المستمر منذ نحو 45 أسبوعا. وظفوه في خدمة الانتقام من بوتفليقة، كما وظّفوا احمد قايد صالح جنرالا برتبة قناع يكسبون من خلاله الوقت.

لكنّ هذه النقاط التي سجلتها المؤسسة العسكرية ستظلّ انتصارا مؤقتا محفوفا بكل المخاطر على بلد مهمّ من نواح كثيرة، في غياب القدرة على الخروج من حال الجمود السائدة والعناد. تعني حال الجمود، التي يرافقها العناد، اوّل ما تعني رفضا للتطلع الى المستقبل والخروج من اسر عقد الماضي، بما في ذلك الاعتراف بانّه لا يمكن بناء اقتصاد على الدخل الاتي من النفط والغاز فقط. هناك حاجة الى تنويع الاقتصاد الجزائري واستغلال ثروات البلد، بما في ذلك ثروة الانسان الجزائري الذي لا ينقصه شيء، باستثناء انّه سقط ضحيّة نظام امني قضى على كل إمكانية لانطلاق البلد نحو آفاق جديدة بعدما قام هذا النظام الامني بكل الثورات الفاشلة. من ثورة بناء صناعة ثقيلة، الى الثورة الزراعية... الى التعريب الاعتباطي الذي جعل الجزائريين ينسون الفرنسية ولا يجيدون من العربية باستثناء ما علّمهم ايّاه الاخوان المسلمون والبعثيون الذين استُوردوا من مصر وسوريا والعراق!

جعلت هذه العقد من العناد سياسة ومن اللجوء الى المنطق بمثابة خيانة لـ"ثورة المليون شهيد". ورقم المليون اقرب الى الخيال الخصب والاساطير الشعبية والشعارات الطنانة من أي شيء آخر. بل هو غطاء لتبرير العجز عن إقامة نظام منفتح يتمتع بحدّ ادنى من القيم الديموقراطية والانسانية والرغبة في الانتماء الى العصر بعيدا عن المتاجرة بمرحلة الاستعمار الفرنسي. كانت هذه المرحلة الطويلة بغيضة بالفعل. لكن فرنسا تجاوزتها وتلت فعل الندامة. كان في استطاعة الجزائر تجاوزها لو قام نظام جمهوري افضل من ذلك الذي كان قائما ايّام الاستعمار بسيئاته الكثيرة.

يوحي انتخاب عبدالمجيد تبون رئيسا ثم تعيين اللواء سعيد شنقريحة رئيسا للاركان خلفا لاحمد قايد صالح بان الجمود يظلّ سيد الموقف في الجزائر. ليس كافيا ان يكون اللواء شنقريحة قائدا للقوات البرية كي تكون خلافته لاحمد قايد صالح امرا طبيعيا. ما حصل يدلّ على رغبة في البقاء في اسر الجمود وفي رفض أي تطور حقيقي على الصعيد الداخلي. كلّ ما في الامر ان المؤسسة العسكرية تكرّر نفسها بعدما نجحت في صدّ الهجوم الذي شنّه عليها عبدالعزيز بوتفليقة والمجموعة المحيطة به.

ما يستحقّ التوقف عنده انّ هناك تطورات تجري على صعيد المجتمع الجزائري، خصوصا الجيل الشاب الذي لا علاقة له باسطورة "ثورة المليون شهيد". هذا المجتمع يريد التغيير ويريد تغييرا في العمق. الى متى تستطيع المؤسسة العسكرية مقاومة التغيير عن طريق سلاح الجمود؟

يفترض في المؤسسة العسكرية طرح هذا السؤال على نفسها، خصوصا انّه لم يعد في العالم رؤساء للاركان تجاوزوا الخامسة والسبعين من العمر مثل اللواء شنقريحة الذي يرفض فكرة الابتسام أصلا. لماذا لا تصبح الجزائر في يوم من الايّام دولة مبتسمة، لماذا لا تقتنع المؤسسة العسكرية بانّ التغيير ضرورة وانّ لا امل يرجى من إعادة انتاج نظام فاشل في بلد يستحقّ ان يكون بلدا طبيعيا مبتسما من دون عقد.

خيرالله خيرالله




arrow_red_small 6 7 8 arrow_red_smallright