top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
محمد السنعوسي:الشعوب لا تحيا بالدساتير.. ولكن بتطبيقها
إذا كان الدستور هو الوثيقة الأكثر سموّاً التي تصوغ فيها الأمة إرادتها لتنظيم العلاقة بين السلطات وبين الحكام والمحكومين، فإنه ليس بالدساتير وحدها تحيا الشعوب. ولكنها تعيش وتزدهر، وتقوى وتبقى، ويستقيم عودها، ويشتد بنيانها بقضاء دستوري مستقل يبعث الروح في نصوص الدستور، فلا يصيبها الموت أو الوهن أو الصدأ لتظل مفعمة بالحيوية متّقدة بوهج التأثير والتغيّر. ولا يكفي أن تكفل النصوص الدستورية في صياغتها ...
د. موضي الحمود:عالم الغد العجيب!
يَعج عالمنا الإسلامي، والعربي خاصةً، بالصراع والقتل والدم! بينما يَعج عالمُهُم المُتقدّم بالتطور والأبحاث والاكتشافات العلمية التي تفيدهم بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة.. ففي معرض جميل في إحدى الدول الأوروبية، عُرضت بعض تلك الاكتشافات، خصوصا ما يتعلق بالتطور الكبير في عالم «الروبوت» أو الإنسان الآلي.. وقفتُ مذهولة أمام تلك الزوجة «الآلية» الجميلة، وهي تقوم بجميع الأعمال وتحاور المتحدث بلباقة.. وقد ...
د. خالد محمد بودي:العمالة الفائضة في الكويت
تعاني الكويت من أعداد كبيرة من العمالة الهامشية، وهي تتمثّل في عمّالٍ لا يقومون بأعمال منتظمة، وإنما يعملون بشكل متقطع، وقد يكون الكثير منهم عاطلين عن العمل معظم الوقت. تقدّر بعض المصادر أن العمالة الهامشية تتجاوز مليون شخص في الكويت، أي حوالي %20 من عدد السكان. هذا النوع من العمالة يمثل مشكلة لها جوانب اجتماعية واقتصادية وأمنية، ولا شك في ان زيادة أعداد هؤلاء تعود بشكل رئيس إلى تجارة الإقامات، التي لم ...
كامل الحرمي: الأسواق النفطية هشة وزيادة معدل الخفض غير واعدة
من الصعب جدا ان نتوقع بوصول سعر البرميل عند 60 دولارا وحتى نهاية العام الحالي، بالرغم من التزام دول أوبك بلس بتمديد وخفض الأنتاج بمعدل 2 ر1 مليون برميل في اليوم حتي نهاية الربع الأول من العام القادم. ومع غياب النفطي الأيراني و الفنزويلي ما يعني طاقة انتاجية تفوق أكثر من 5 ملايين برميل جاهزة للتصدير الفوري الى الخارج. من المؤكد بان المعركة التجارية القائمة ما بين الصين والولايات المتحدة حاليا تؤثر على نمو ...
مبارك الدويلة:هذا الإسلام لا يريدونه
بعد سقوط الخلافة العثمانية في مطلع القرن العشرين، أيقن الغرب الذي استعمر الدول العربية بعد حكم العثمانيين أن هذا الدين (الإسلام) خطر على وجودهم ومصالحهم إن وجد من يفهمه الفهم الصحيح ويسعى إلى تطبيقه التطبيق السليم! لذلك قرروا منذ ذلك الوقت السعي الى تشويه هذا الدين، وأنه لم يعد صالحاً للحياة المدنية الحديثة، ونجحوا مؤقتاً، وتمكنوا من نشر الرذيلة في بلاد المسلمين، بعد أن حولوها الى بلاد فقيرة ومتخلفة ...
علي البغلي:كفانا مزايدات!
أحد النواب قدم اقتراحا بتعديل قانون برأينا يقطّر مزايدات لدغدغة مشاعر من أتى به لكرسي البرلمان، خصوصاً من ملتزمي الحزبين الأصوليين الذين ابتلينا بهم. والقانون الذي اقترح المذكور تعديله هو القانون السيئ الذكر المعروف بـ«قانون منع الاختلاط الجامعي».. وهو قانون أملته القوى الأصولية في التسعينات من القرن الماضي، ولم تعترض عليه أو ترده الحكومة الرشيدة في ذلك الوقت! وقد عوتب زميلنا الراحل الدكتور أحمد ...





لا مجال للمقارنة بين المنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي، الرئيسين السابقين لتونس.

مَن يجد في السبسي هفوات كبيرة يمكنه أن يقفز عليها حين يكون المرزوقي هو واجهة الحديث.

المرزوقي الذي كان أشبه بأحمدي نجاد الإيراني على مستوى الهيأة الخارجية حمل كل معاني الرثاثة إلى قصر قرطاج.

لقد صارت تونس رثة وبائسة في خيال مَن يرى رئيسها.

في عهد الباجي قائد السبسي استعادت تونس رونقها وأناقتها وعلو شأنها الدبلوماسي. كان السبسي رجلا يليق بقصر قرطاج.

مشكلة المرشحين للرئاسة التونسية اليوم أنهم سيشغلون الحيز الذي كان السبسي يشغله قبلهم وليس المرزوقي.

لذلك تبدو الأمور صعبة. فليس في الإمكان العودة إلى الوراء. وهو ما يعرفه راشد الغنوشي الذي لم يرشح نفسه لرئاسة تونس خوفا من الفضيحة. يوم كان الرئيس السبسي حين يستقبله ضيفا مزعجا في قصر قرطاج يبدو كالنغمة النشاز. فكيف به إذا أصبح رئيسا؟ الرجل يعرف قدره.

غير أن الغنوشي قد يخطط للوصول إلى الموقع الذي يجعله قادرا على التحكم بقصر قرطاج عن بعد. ذلك الموقع هو رئاسة مجلس النواب إذا ما استطاعت حركة النهضة أن تفوز بأغلبية مواقعه. وهو ما يجب أن يحذره التونسيون في الانتخابات النيابية القادمة وعليهم أن يعملوا على أن لا يقع.

العيون كلها على قصر قرطاج. وهي لعبة ليست مقصودة من الغنوشي وحركته ولكنها تخدمهما. ذلك لأن الغنوشي سيدفع بمرشحين مستقلين إلى انتخابات الرئاسة غير أنه سيكون حريصا على أن يمثله في مجلس النواب أعضاء من حركته. سيكون هو في مقدمتهم.

إذا ما تمكن الغنوشي من رئاسة المجلس النيابي فإن كل إنجازات الثورة ستنقلب رأسا على عقب. ولكن كيف؟

لقد ثار الشعب التونسي على الفساد الذي تخلل حقبة حكم بن علي ولم يثر على الدولة التونسية التي أسسها الحبيب بورقيبة وقامت على أساس القانون. اما الغنوشي فسيصب كل اهتمامه على إلغاء القوانين التي تم تشريعها في زمن بورقيبة. وهي في مجملها تدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة.

لذلك سيكون خطأً قاتلا بالنسبة للشعب التونسي أن ينشغل بالانتخابات الرئاسية من غير أن يلتفت إلى الكارثة التي تنطوي عليها الانتخابات النيابية. وهي كارثة قد تقضي على حلمه بتأثيث قصر قرطاج بزعامة جديدة.

الخوف من الوصول إلى قصر قرطاج بين المرشحين ينبغي أن يقابله خوف الشعب من وصول حركة النهضة إلى مجلس النواب. ذلك لأن تلك الحركة لا تبيت لتونس إلا الشر. وهو شر مستلهم من جذورها الإخوانية.

فإذا ما تمكنت حركة النهضة من السيطرة على مجلس النواب فإن قصر قرطاج سيكون أشبه بالمزار السياحي، بغض النظر عن شخصية الرئيس. فذلك الرئيس سيكون محكوما بإملاءات الحركة التي ستكشف يومها عن وجهها الحقيقي الذي سبق للتونسيين أن رأوه جليا ولثلاث سنوات.

وليس صحيحا ما يشيعه الغنوشي من أن حركته قد غادرت الإسلام السياسي وتحولت إلى حزب وطني. تلك كذبة يُراد من خلالها خلط الأوراق من أجل كسب الأصوات التي أزعج أصحابها ضعف حكومة الشاهد في تنفيذ برنامج تنموي من شأنه أن يحسن من الأوضاع المعيشية.

فـ"النهضة" لا تملك سوى برنامج واحد ووحيد يقوم على الانتقال إلى الدولة الدينية التي هي هدف كل حركات وأحزاب الإسلام السياسي. الوصول على ذلك الهدف من وجهة نظر تلك الأحزاب والحركات انما يشكل الخطوة الأولى في طريق العدالة التي لا صلة بينها وبين حاجات المجتمع الدنيوية.

لذلك فإن الخطر، كل الخطر يكمن في أن يلتفت التونسيون إلى قصر قرطاج مديرين ظهورهم لمجلس النواب.

لن يكتب قصر قرطاج رفعته وعلو شأنه إلا إذا كانت الغلبة في مجلس النواب لصوت الدولة المدنية.

فاروق يوسف








طغت احداث السودان على قضايا افريقية أخرى، بما في ذلك قضيّة الجزائر. جاء الاتفاق الموقّع بين العسكر وممثلي الحراك الشعبي السوداني تتويجا لرغبة مشتركة في قيام دولة مدنية تؤسس لسودان جديد. هناك فهم لدى الأحزاب والقوى السياسية، باستثناء تلك التي تعيش في الاوهام، لصعوبة عودة العسكر الى الثكنات بين ليلة وضحاها. وهناك لدى كبار الضباط السودانيين استيعاب لضرورة اخذ الشارع السوداني، الذي اظهر انّه لن يستكين من دون تحقيق القسم الأكبر من مطالبه، في الاعتبار.

بكلام اوضح، لم يعد في استطاعة كبار الضباط تجاهل الشارع، كما لم يعد الشارع يراهن على الاستغناء عن كبار الضباط الذين لعبوا دورا أساسيا في اخراج عمر حسن البشير من السلطة بعدما امضى ثلاثين عاما رئيسا ولعب كلّ الاوراق التي تمكنه من البقاء في هذا الموقع، بما في ذلك ورقة انفصال الجنوب عن الشمال.

ليس معروفا بعد هل يمكن للسودان ان يعود في يوم من الايّام بلدا يحلو العيش فيه، بلدا يحلو الاستثمار فيه، خصوصا في المجال الزراعي؟ ستتوقف أمور كثيرة على مدى التزام كبار الضباط الاتفاق الذي وقعوه مع ممثلي الحراك الشعبي والذي سميّ "وثيقة الإعلان الدستوري". المهمّ مستقبلا ان تتوقف شهية العسكر الى السلطة بسبب فشل المدنيين في إدارة شؤون الدولة. المهمّ ان لا يظهر فجأة إبراهيم عبود آخر او جعفر نميري آخر او عمر حسن البشير آخر فيسقط السودان مجددا في فخّ الانظمة التي يديرها ضابط لا همّ له سوى الاحتفاظ بالكرسي الرئاسي.

هناك إشارات سودانية تدعو الى التفاؤل، لكنّ هناك إشارات أخرى تدعو الى الحذر الشديد، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ان مجازر حصلت على يد ضباط متهورين في الايام التي تلت التخلص من عمر حسن البشير. كشفت تلك المجازر وجود عقلية ما زالت تتحكّم بعدد لا بأس به من كبار الضباط. في أساس هذه العقلية فلسفة القمع والتخلّص من الآخر لمجرّد ان لديه رأيا مختلفا.

لا شكّ ان الفضل في النجاح السوداني، الذي لا يزال نجاحا نسبيا، يعود الى الدور الذي لعبته قوى عربية فاعلة ترغب في تفادي التدهور في هذا البلد الذي يعتبر الاستقرار فيه جزءا لا يتجزّأ من الاستقرار في كلّ منطقة القرن الافريقي كما في مصر. ما لا يمكن تجاهله ان نهر النيل يظل شريان الحياة بالنسبة الى مصر والسودان وان التفاهم بين البلدين يبقى افضل ضمانة لمواجهة الاخطار المشتركة ان على صعيد النيل او على صعيد الامن في البحر الأحمر.

لا شكّ أيضا ان الفضل في النجاح السوداني يعود أيضا الى الدور الذي لعبه رئيس الوزراء الاثيوبي آبي احمد اذي اظهر انّه يمتلك فهما مختلفا للعلاقات بين دول المنطقة فضلا عن عقل استراتيجي يقوم على التنمية والاستثمار في كلّ ما من شأنه نقل دول القرن الافريقي الى وضع جديد بعيدا كلّ البعد عن حساسيات الماضي وعقده، وهي حساسيات وعقد تحكّمت طويلا بالعلاقات الاثيوبية – الاريترية، على سبيل المثال وادّت الى حروب عبثية بين الجانبين.

في استطاعة الجزائر الاستفادة بدورها من الحدث السوداني بدل الدوران المستمرّ في حلقة مقفلة. اظهر الشعب الجزائري في السنوات الأخيرة وعيا كبيرا. تفادى السقوط في فخّ "الربيع العربي" الذي أطاح زين العابدين بن علي وتكفّل بالتخلّص جسديا من معمّر القذافي. مارس الجزائريون ضبط النفس ولم يقدم الجيش على أي عمل طائش في مواجهة التظاهرات التي كانت تنطلق بين حين وآخر. عرف الجيش كيف يضبط تلك التظاهرات وتفادي سقوط قتلى. اكثر من ذلك، عمل الجيش على وضع حدّ للمهزلة التي كان اسمها الولاية الخامسة لعبدالعزيز بوتفليقة الذي لم يكن يستحقّ تلك النهاية المحزنة لولا جشع افراد الحلقة الضيّقة المحيطة به.

ما الذي ستفعله المؤسسة العسكرية الجزائرية في المرحلة المقبلة؟ هل تعتقد انّ في استطاعتها العودة الى عهد هواري بومدين الذي لم ينته الّا في العام 1999 عندما انتخب عبدالعزيز بوتفليقة، بدعم منها، رئيسا للجمهورية؟

سيتوقّف الكثير على ما اذا كان هناك وعي لدى الذين يتحكمون حاليا بالمؤسسة العسكرية للواقع الجزائري الجديد. صحيح ان الحراك الشعبي في الجزائر لم يستطع انتاج قيادات سياسية قادرة على الذهاب الى ابعد من الكلام عن شعارات عامة من نوع الدولة المدنية، لكنّ الصحيح أيضا ان ليس ما يشير الى انّ الحراك الشعبي في الجزائر سيتوقف. هذا الحراك مستمرّ منذ 24 أسبوعا. الناس لا تزال تنزل الى الشارع كلّ يوم جمعة وتتظاهر بشكل حضاري.

أي دروس ستستخلصها المؤسسة العسكرية من الاحداث التي بدأت برفض الشعب الجزائري استمرار مهزلة انتخاب بوتفليقة رئيسا على الرغم من انهّ فقد كلّ قدرة على النطق منذ العام 2013، أي منذ ما قبل انتخابه رئيسا لولاية رابعة؟

امام المؤسسة العسكرية الجزائرية فرصة لا تعوّض كي تنقل البلد الى مرحلة جديدة بعيدا عن الاوهام التي تحكّمت بها منذ العام 1965. في حال لا تستطيع الجزائر المصابة بعقدة المغرب الاستفادة من التقدّم الذي تشهده المملكة، خصوصا في السنوات العشرين الاخيرة، لماذا لا تستفيد من التجربة السودانية فيكون هناك انتقال تدريجي الى عهد جديد، عهد الدولة المدنية التي لا تسيّرها الاجهزة الأمنية، بل دستور عصري يحظى بدعم شعبي حقيقي.

تعني الفرصة المتاحة امام الجزائر الابتعاد كلّيا عن ممارسات الماضي التي تقوم على تصفية الحسابات مع دول الجوار والاعتقاد انّ الابتزاز يمكن ان يبني سياسة خارجية. يكفي ان تتذكر المؤسسة العسكرية ان اوّل ما فعله المتظاهرون الذين انتفضوا في تشرين الاوّل – أكتوبر 1988 على نظام هواري بومدين الذي كان يمثله وقتذاك الشاذلي بن جديد، هو تحطيم مكاتب "حركات التحرير" في شارع ديدوش مراد في العاصمة. لم تكن تلك الحركات، التي على رأسها "بوليساريو" سوى أدوات تابعة للأجهزة الجزائرية. كانت أدوات ابتزاز من مستوى رخيص ولا شيء آخر غير ذلك. المواطن الجزائري العادي يعرف ذلك قبل غيره

نعم، هناك فرصة امام الجزائر. لا عيب في الاستفادة من تجربة السودان، التي قد تنجح وقد لا تنجح، لكنّها تبقى دليلا على وجود مؤسسة عسكرية، تضمّ من دون شكّ ضباطا متهورين، لكنّها قادرة على التعاطي مع الاحداث بواقعية. مثل هذا التعاطي مع الاحداث بواقعية لا يزال ينقص المشرفين على المؤسسة العسكرية الذين يفترض بهم ان يعرفوا ان العودة الى النظام الذي أسس له هواري بومدين صارت من رابع المستحيلات وان الخيار الوحيد هو الدولة المدنية ودستور عصري.

خيرالله خيرالله








يجهض مشهد وضع السقالات سريعا على مبنى معهد الأورام بالقصر العيني الكثير من الأمنيات التي راودت من وقفوا وراء عملية إرهابية بشعة وقعت مساء الأحد الماضي. وتؤكد التبرعات السخية من الداخل والخارج، لإعادة المبنى لما كان عليه وربما أفضل، ارتفاع درجة التكاتف ضد التنظيمات الإرهابية ومن يقفون خلفها، وباتت كل عملية إجرامية تقوي ظهر مصر ولن تؤثر على رؤيتها الشاملة.

لم تستوعب قوى مختلفة الدروس التي قدمتها السنوات الماضية، ولا تزال تصمم على ممارسة كل أشكال العنف وبضراوة وفي أي مكان تصل إليه أياديها، لتقول إنها موجودة ولن تتخلى عن عاداتها السيئة، مع أن أهدافها لم تتحقق سابقا ولن تتحقق لاحقا، بل تزيد من درجة التلاحم حول القيادة السياسية وتعزز الثقة في الدور الحيوي الذي تقوم به المؤسسة العسكرية.

قطعت الأجهزة الأمنية المختلفة شوطا كبيرا في مكافحة الإرهاب، وقضت على القوة الضاربة له في سيناء، ولم ينل المحرضون والمخططون والمنفذون شيئا مما أرادوا. وعلى العكس أدت عملياتهم المتعددة إلى تماسك المواطنين وتلاحمهم في الدفاع عن بلدهم وتفويت الفرصة على من سعوا حثيثا للنيل منها. الأمر الذي ظهرت تجلياته عقب الإعلان رسميا أن عملية إرهابية وقعت في شارع القصر العيني بوسط القاهرة.

يجب أن نهتم بالمعاني التي تنطوي عليها العملية في زمانها ومكانها وهدفها النهائي، أكثر من الاستغراق في تفاصيل المعلومات المتضاربة التي رشحت في البداية ولها دلالات مهمة، لأن غاية المراد حدوث بلبة في الشارع المصري.

إذا كانت العملية لم تصل إلى غايتها فيجب عدم اتاحة الفرصة لأصحابها لتحقيق غرضهم الخفي. ربما يكون هناك غموض في التقديرات الأولية، لكن في النهاية العالم اطلع على جزء معتبر لحقيقة ما جرى، لأنه من الصعوبة الانكار أو الاخفاء. فمصر التي دحرت الإرهاب وهو في أوج عنفوانه قادرة على متابعة ذيوله وتجفيف منابعه.

أثبتت التجارب أن الحرب ضد الإرهاب عملية معقدة لتداخل الأبعاد الداخلية مع المكونات الخارجية، وتشابك المحتويات الفكرية والثقافية مع الدينية. وقد يستغرق القضاء عليه وقتا طويلا، بعد تنوع أشكال وتباين أهداف الأطراف التي تقف خلفه. ناهيك عن اتساع المحيط الذي يفرخ الإرهاب في المنطقة، وأصبح يحتل أولوية مصرية، لأن التخلص من المتطرفين كمصدر أساسي للإرهاب يتطلب مطاردتهم باتقان في الخارج، والتنسيق والتعاون مع قوى لديها قواسم مشتركة مع مصر في هذا الفضاء.

نجحت أجهزة الأمن في سد الكثير من الثغرات وكشفت عورات مجموعات كبيرة من الخلايا الإرهابية، وحصلت على معلومات ثمينة تتعلق بتحركاتهم في الداخل. وتبذل جهدا كبيرا لقطع جذورهم في البؤر التي يتجمعون فيها، والمنابع التي يتشربون منها، والمراكز المتفرقة التي تأويهم في الخارج.

ويحاولون استعادة قوتهم لتوجيه ضربات في العمق من حين لآخر، على أمل أن تتوقف الملاحقات بعد تزايد معدل التعاون مع قوى كبرى ضجت من العمليات الإرهابية، وشعرت أنها ساهمت في رعاية أخطبوط لم تعد تعرف معالم تمدده جيدا، وتأكدت أن الخطر لن يستمر بعيدا عنها.

جاءت عملية القصر العيني في أجواء إقليمية بالغة الحساسية، ما جعلها على صلة ليست بعيدة عنها، ولو بصورة غير مباشرة، أكثر من علاقتها بتطورات في الداخل أو استغلال ثغرة أمنية هنا أو منطقة رخوة هناك. وهدفها يتعدى الصدى الإعلامي الزاعق والتأثير على الاشادات المتتالية بارتفاع مستوى الأمن والاستقرار في مصر، إلى إرسال إشارة بأن تقويض الإرهاب في ليبيا والسودان سوف يكون مكلفا، وروافده البغيضة قد ترتد إلى صدر مصر.

يسعى أصحاب هذا التقدير منذ فترة إلى الترويج لهذه الفكرة بصور وأشكال عديدة، تنامت منذ بدء الجيش الليبي الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر عملية تحرير طرابلس من قبضة الكتائب والعصابات المسلحة في أبريل الماضي، ومواجهته الحاسمة للجماعات الإرهابية، وقطع الطريق مبكرا على من يحاولون الاستفادة من المساحة الحدودية الواسعة بين البلدين، وتهريب الأسلحة والعبوات الناسفة والمجرمين.

تزداد الحلقات ضيقا حول رقاب المتشددين في المنطقة، فبعد تصاعد حدة مواجهتهم في ليبيا، بدأت مقدمات تقليص حضورهم في السودان رسميا تظهر معالمها، عقب عزل الرئيس عمر البشير الذي لم ينكر انتماءه للحركة الإسلامية، واحتضان قيادات متطرفة مطلوبة للقضاء. ودخلت الخرطوم في مناورات وألاعيب متباينة لتفويت الفرصة على تسليمهم لمصر.

يتفق المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان حاليا على أنه لا مكان لأتباع البشير من كيانات حزبية وشخصيات إسلامية، ومن الضروري قطع جذورهم في السلطة. وهذه واحدة من النقاط التي أجمع عليها الطرفان وغالبية فئات الشعب السوداني، لتكون ثابتا خلال المرحلة الانتقالية التي تبدأ عقب تشكيل المجلس السياسي والحكومة مع نهاية الشهر الجاري.

أربكت معلومات متداولة في السودان بشأن تسليم مطلوبين خطط قيادات متشددة وقوى إقليمية تتحالف معها، وحضتها للعمل على تخريب العلاقة بين المجلس العسكري والحرية والتغيير من خلال إحداث فتنة سياسية بينهما وزيادة التقتيل في صفوف المواطنين وتفعيل الأذرع المسلحة أو ما يسمى بكتاب الظل التابعة لجماعة الإخوان وغطاءها العام المعروف بالحركة الإسلامية.

مرجح أن تتمادى في تصدير الإرهاب لدول مجاورة لتوصيل رسالة، مفادها أن اقصاء التيار الإسلامي ستكون له مردودات سلبية على المنطقة، بالتالي على المجتمع الدولي تسهيل مهمة استيعاب هذا التيار في اللعبة السياسية الجديدة بالسودان.

فشل الإرهاب تماما في إثناء مصر عن خوض معركتها في الداخل والخارج. على المستوى الأول لم تنل العمليات السابقة في سيناء من إرادة وعزيمة وقدرة الأجهزة الأمينة. وعلى المستوى الثاني يتأكد كل يوم صواب الرؤية التي قدمها الرئيس عبدالفتاح السيسي لمكافحة الإرهاب في المنطقة، وتنطوي على محددات واضحة وشاملة، تبتعد عن التعامل مع المسألة بالقطعة، والتفرقة بين متشددين ومعتدلين، فالكل في الهم أصحاب أفكار خطيرة على المجتمع. ولذلك لن تفلح محاولات إرهابي ليبيا والسودان في كسر إرادة مصر.

محمد أبو الفضل








بعد ما يقرب من قرن على تأسيس دولة العراق بمملكة شاء فيها البريطانيون وشركاؤهم الفرنسيون واتباعهم من بقايا دولة ال عثمان ومجاميع من المشايخ، أن تكون كياناً سياسياً رغم أنف ساكنيها، وبالشكل الذي اختاروه وبالملك المستورد من دولة أخرى، لعدم توفر الشروط التي طلبوها في المرشحين من الولايتين اللتين تشكلت منهما مملكة العراق في 1921، بعد كل هذا الزمن وأحداثه وما رافقه من تولي أكثر النُّظم فشلاً في العالم، قياساً بما تمتلكة هذه الأرض من ثروات ومكونات بشرية مختلفة، لم تستطع مكونات هذه المملكة ومعارضاتها بمختلف مشاربها وتوجهاتها وانقلاباتها من إسقاط النظام الشمولي وإحداث تغيير نوعي وتأسيس كيان جديد يرضيها ولو بالحد الأدنى لشكل الدولة، حتى قررت الولايات المتحدة وحلفائها وبذريعة امتلاك الإدارة السياسية فيها لأسلحة مفترضة في مجالي الذرة والكيمياء، اللتين تشكلان مساساً بالخطوط الحمراء لمجال تلك الدول الحيوي، رغم إن الأسباب الحقيقية لا علاقة لها البتة بتلك الهياكل الاسطوانية لما يسمى بالصواريخ أو مسرحيات امتلاك العراق لمشاريع طموحة في صناعة قنبلة نووية بائسة على غرار ما تستنسخه إيران اليوم لتلك المسرحيات الهزيلة!

وعشية إسقاط هيكل نظام حزب البعث ومؤسساته الإدارية، كان العراقيون يحلمون بنظام على النمط الأوروبي لكون الأميركان هم أصحاب مشروع التأسيس الثاني للدولة العراقية بعد انهيار مشروعي بريطانيا وفرنسا، ولكن الأحداث التي تلت عملية الإسقاط أثبتت إن الأمر لا يتعلق بأصحاب المشروع فقط، وأن المؤسسين مجرد منفذين لآلية التأسيس، بمعنى أن البَناء غير مسؤول عن نوعية مواد البِناء ومكوناتها، وبذلك ربما يتحمل جزء من المسؤولية، وتبقى المسؤولية الأكبر لنمط ونوع وشكل أدوات ومواد البِناء.

وبالعودة إلى مدى تأثير الزمن، وهو أكثر من ثمان عقود بعد التأسيس الأول على شعوب ومكونات العراق تحت ظل أنماط مختلفة من الحكام والنظم السياسية ومقارنتها بالحقبة الثانية، نكتشف أن لا تغيير نوعيا أو فرق مهما بين الحقبتين، إلا اللهم بالعناوين والأسماء والمظاهر، وبقي الأصل محافظاً على نوعيته ونمط تعاطية وتعامله وسلوكياته، ما يؤكد أن التأسيسين كانا بعيدين عن أصل المشكلة التي يعاني منها هذا الكيان السياسي والاجتماعي، والذي ينحصر تماماً بطبيعة الولاء والشعور بالانتماء لدى المكونات والمجاميع البشرية في هذه البلاد، وهي حصراً مكوناته القومية والدينية، المذهبية منها تحديداً، بعد الفشل الذريع في إنتاج مفهوم رابط لمواطنة جامعة.

لقد فشلت الطبقة السنية الحاكمة طيلة ثمانين عاماً في التأسيس الأول من أن تقنع الشيعة بأنها خيارهم الأخير، بينما فشلت الطبقة الشيعية الحاكمة من إقناع السنة والكرد بأنها خيارهم الأخير في التأسيس الثاني، وكذلك الحال في كردستان، حيث يصرّ شعبها على الانعتاق والاستقلال في التأسيسين، رغم كل ما فعلته الحاكمة السنية والحاكمة الشيعية بمحاولاتهما في تجميل نظاميهما السياسي بإشراك ممثلين من كليهما ومن الكرد في الحكم، إلا أن النتائج كما نراها اليوم ويدركها المواطن تسير من سيء إلى الأسوأ، خاصة خارج إقليم كردستان الذي تمتع باستقلالية نسبية منحته تميزاً عن بقية أجزاء الدولة وكانت سبباً في ازدهاره وتطوره، ورغم اعتراف كل النخب السياسية الحاكمة بنجاح الإقليم إلا أنهم يصرون على نظام مركزي شمولي وضعت لبناته في التأسيس الأول، رغم إلغائه في الدستور في التأسيس الثاني واستبداله بالنظام الفيدرالي، إلا أنه يتعرض اليوم إلى حرب شعواء من قبل الشموليين القوميين والمذهبيين المصرين على ذات الأدوات والوسائل التي أفشلت دولة الثمانين عاماً من الشمولية.

خلاصة القول ما نشهده اليوم يؤكد بأنه لا خيار بعد الفيدرالية أو الكونفيدرالية إلا العودة إلى الشمولية. وهذا يعني بداية التَفتت وعودة دويلات الأندلس من جديد.

كفاح محمود كريم








لا عجالة داهمة تبرر اندفاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتجاه التهديد والتهويل بشنّ عملية عسكرية لإقامة المنطقة الآمنة التي تطالب بها أنقرة في شمال سوريا وخصوصا في شرقها.

شيء آخر يقف وراء همّة الرجل لإطلاق حملة تجييش يراد لها النهل من عصبية قومية تركية ضد الأكراد من جهة، وشدّ عصبية "وطنية" في التلويح بأن قرار تركيا مستقل وسينفذ بغض النظر عن رأي الولايات المتحدة وأنشطتها في سوريا. وما تعبق به جلبة أردوغان ما يشبه شعبوية تُطلق عادة في الحملات الانتخابية. فهل نحن على أبواب انتخابات قادمة؟

في تركيا من بدأ يتوقع أن يلجأ رجل تركيا القوي إلى انتخابات تشريعية مبكرة. ومنطق هذا الرأي أن أردوغان قرأ جيدا تحولين.

الأول متعلّق بصدمة الانتخابات المحلية الأخيرة التي خسر بها حزب العدالة والتنمية عددا لافتا من المدن الكبرى وفي مقدمها اسطنبول التي خسر فيها الحزب مرتين. انتقلت إدارة المدينة، التي تعني الكثير لأردوغان شخصيا، إلى يد المعارضة.

والثاني أن التصدّعات داخل الحزب الحاكم لم يعد بالإمكان إخفاؤها وأن الانشقاقات التي قامت بها شخصيات تاريخية حزبية كبرى (أهمها عبدالله غول وأحمد داود أوغلو) تنذر بأن الأمور ذاهبة إلى مزيد من التدهور في شعبية أردوغان وفي مكانة حزبه داخل المشهد السياسي التركي العام.

الذهاب إلى انتخابات مبكرة، إذا صدقت التحليلات في هذا الاتجاه، قد يكون هدفه التخفيف من خسائر أكبر قد تكون موجعة إذا ما تركت الأمور وفق المواعيد الانتخابية العادية. لا يريد أردوغان للخصوم والمنشقين عن حزبه أن يتحضروا في الوقت المتبقي للانتخابات المقبلة لإلحاق هزيمة وجودية ضد حزبه. وهو في احتمال مسارعته إلى انتخابات مبكرة يريد الاستفادة مما يملك والبناء عليه لضبط خسائره ومنع الانقلاب عليه في صناديق الاقتراع.

على هذا يمكن أن نفهم الغبار الذي يثيره أردوغان حول تلك المعركة وتلك المنطقة الآمنة في شمال سوريا "شاء من شاء وأبى من أبى". وعلى هذا يمكن قراءة مسلسل التصريحات النارية التي يطلقها في بازار مفتوح لاقتناص أقصى المغانم التي يمكن أن توفّرها له واشنطن في تجارته هذه.

ارتفعت وتيرة الكلام التركي حول المنطقة الآمنة شمال سوريا عشية وصول وفد عسكري أميركي إلى تركيا لبحث هذه المسألة. كان سهلا أن يُفهم أن الجلبة التركية مملة في آلياتها تهدف إلى تصليب أوراق أنقرة داخل غرف المفاوضات العسكرية مع وفد واشنطن. والظاهر أن أردوغان يشتغل داخل هامش غموض يتيحه صمت واشنطن ورمادية سلوكها فيما يتعلق بسوريا كما بذلك المربك المتعلق بأزمتها الراهنة مع إيران.

يشعر الرئيس التركي أنه على الرغم من ارتكاب تركيا لـ "المحرم" بشراء منظومة أس 400 الصاروخية الروسية، فإن الأمر قد يمر ولن يؤثر على علاقة بلاده مع الولايات المتحدة. لم تفرض واشنطن حتى الآن عقوباتها الموعودة وأرسلت إشارات لا تقلق أردوغان.

أخلت محكمة أميركية في ولاية بنسلفانيا، سبيل نائب المدير العام السابق لمصرف "خلق" التركي محمد هاكان أتيلا، بعد توجيه اتهامات له في وقت سابق، بخرق العقوبات على إيران. عُدّ ذلك في أنقرة إشارة ودّ أميركية لأردوغان شخصيا الذي لطالما استنكر اعتقال الرجل وطالب بإخلاء سبيله.

لكن من يصغي إلى مطالعة ترامب في استنكار اقتناء أنقرة لمنظومة الصواريخ الروسية، يسمع مرافعة دفاعية عن سلوك تركيا و"اضطرارها" مُجبرة إلى اللجوء إلى الخيار الروسي بعد أن سدت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما سُبل اقتنائها لمنظومة الباتريوت الأميركية. وفي ذلك ما يقرأه أردوغان ودّاً له شخصيا وتمسكاً أميركيا بتركيا حليفا أطلسيا لا استغناء عنه.

حتى الآن بدا أن مداولات ما قد تتيح لواشنطن والحلف الأطلسي معاً ابتلاع الحدث التركي المرّ أو على الأقل الحدّ من مضاره.

هنا فقط يجد أردوغان أن بإمكانه الذهاب بعيدا في دلالهِ لعلّه يَلقى من تسامح واشنطن رعاية لطموح تركيا في النفاذ لأكثر من 30 كلم داخل الأراضي السورية. تود تركيا القضاء بذلك على الجيب الكردي الذي تسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردية شرق الفرات والتي تعتبرها أنقرة ذراعا سورية لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا. يعوّل الرجل على ذلك وهو يعلم جيدا أن واشنطن لن تمنحه في سوريا ما يتجاوز مصالحها وما يتجاوز خصوصا الاتفاقات المضمرة مع روسيا.

لن تجاري الولايات المتحدة في أهواء أردوغان السورية كاملة في السعي لاستعادة حكم له يتصدع في تركيا. وضع وزير الدفاع الأميركي مارك اسبر حدأ لما هو مسموح ومتاح وما هو محرم لا تساهل به: "الأمر غير مقبول". بيد أن الصامت الروسي يخفي في ثنايا غياب القول امتعاضا من طموحات أردوغان داخل بلد يفترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه بات جزءا أصيلا من الفضاء الروسي الاستراتيجي العام.

يهم بوتين أن تتعمق الهوة التي تتوسع بين تركيا والعالم الغربي. يهم موسكو أن يتفاقم التوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي وأن تشتد ريبة الحلف الأطلسي من توجهات تركيا. ويهم روسيا أن يشوب العلاقات التركية الأميركية تصدعات بنيوية نهائية كبرى.

نفخت موسكو مؤخرا هواء كثيرا في أشرعة عمليات التنقيب عن الطاقة التي تقوم بها تركيا في شرقي المتوسط. أبدت موسكو، على لسان وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك استعدادها، للمساهمة في تلك الأعمال بما مثّل دعما سياسيا لتركيا ضد المعترضين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (لاسيما اليونان وقبرص) ومصر وإسرائيل. يبحث بوتين عن توسيع استثمارات بلاده في مجال الطاقة، وينشد تعاونا تركيا أفضل في منطقة إدلب، لكن ذلك لا يعني أن يدخل أردوغان إلى "ميدان بوتين" في سوريا.

يمتلك أردوغان رشاقة كبرى لإطلاق وعود "انتخابية" كبرى تَعِدُ بحملة عسكرية واسعة في شمال سوريا والعودة عن تلك الوعود او الاكتفاء بما هو أقل منها (وفق ما يتم التفاهم عليه مع الأميركيين). لن تسمح واشنطن بذلك، وقد يصطدم الجيش التركي بسلاح نوعي يمتلكه أكراد سوريا بما سيعدُّ تعبيرا عن رفض واشنطن لطموحات أردوغان. لن تسمح موسكو أيضا بأن تصبح تركيا شريكا لروسيا في تقرير مصير سوريا في المستقبل، خصوصا إذا ما أتى أي تغلغل تركيا باتفاق ورعاية من الولايات المتحدة.

تمتلك موسكو قرار الحرب والسلم في سوريا. تتوقف هجمات قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران بإرادة موسكو وتستأنف بضوء أخضر روسي. يعرف أردوغان أن حراك قواته العسكرية داخل أي عملية عسكرية شاملة يلوّح بها هذه الأيام يحتاج إلى استخدام أجواء تسيطر عليها روسيا، ولا شيء يوحي أن قاعدة حميميم الروسية قرب شواطئ اللاذقية ستفتح هذه الأجواء للفتك بالأكراد، حلفاء واشنطن وأصدقاء موسكو.

ومع ذلك فإن أردوغان يتمتع هذه الأيام بحنان بوتين الذي يمعن في استمالته نحو موسكو وبتفهم ترامب الذي لا يريده أن يبتعد كثيراً عن فضاء واشنطن. بيد أن الرئيس التركي يدرك أن لهذا الدلال صلاحيات مؤقتة تنهيه فوراً أية تفاهمات حتمية حول سوريا بين رجلي الكرملين والبيت الأبيض.

محمد قواص









تمر هذه الأيام ذكرى الغزو العراقي للكويت في أغسطس من عام 1990. حيث هاجمتنا نحن العرب سحابة غربية مليئة بالمياه الآسنة، أمطرت في منطقة الخليج وهبت ريحها من الأراضي العراقية باتجاه شقيقتها الكويتية.

فانهارت المنظومة الأيديولوجية، كما نحر مفهوم الأمن القومي العربي، وانتشر الاضطراب والخلل في موازين القوى. وهكذا سقطت أول أوراق شجرتنا العربية، واستمرت في التساقط واحدة تلو الأخرى لمدة تسعة وعشرين عامآ إثر القرار الأحمق الذي اتخذه صدام حسين بغزو الكويت وضمه إلى العراق على أنه المحافظة العراقية التاسعة عشرة.

لطالما رسمت التيارات القومية العربية مجموعة من النظريات والفرضيات التي تتحدث عن قدسية علاقة العربي بأخيه العربي.

فالعربي لايقاتل أخيه العربي تحت أي ظرف، ولايجوز الاستقواء بالأجنبي ضد الشقيق العربي، والأهم هو اتفاقهم على العدو المشترك وأقصد هنا اسرائيل. وتجلت هذه الفرضيات في الثمانينات من القرن الماضي أي في السنوات القليلة التي سبقت الغزو العراقي للكويت.

فشهدت العلاقات العربية-العربية انتعاشة حقيقية وحلت فيها مجموعة من القضايا الشائكة، كانتهاء الحرب العراقية-الايرانية واتحاد شطري اليمن الشمالي والجنوبي بسلام، وانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وغيرها من القضايا الشائكة.

وبكل الأحوال هذه النظريات لم تكن دقيقة، ولكنها لاقت ترحيبآ على المستوى الشعبي وخلقت نوعآ من الوحدة والتآلف بين الشعوب العربية.

أثبت قرار غزو الكويت للغرب وخصوصآ الولايات المتحدة أن ضرب الأمن القومي العربي من الداخل هي فكرة مثمرة وناجحة وأقل تكلفة اقتصادية من الدخول بحروب مباشرة لاحتلال الدول. فأخذت الادارة الأمريكية على عاتقها اختبار نجاح التجربه بتقديمها الى طارق عزيز مايشير الى أن الكويت نهبت نفط العراق مؤكدة على حق العراق باسترداد حقوقه وبأنه سيحصل على كامل الدعم لاسترداده. وفعلآ نجحت في خرق وتفتيت المنظومة العربية، وفي نفس الوقت تمكنت من تثبيت قواعدها العسكرية التي ازدادت وتوسعت مع مرور السنوات في الخليج العربي وخصوصآ في المملكة العربية السعودية، وهكذا تحولت منطقة الخليج الى نقطة انطلاق للولايات المتحدة إلى جميع الدول العربية.

لم تنته المكاسب الأمريكية من الغزو بماسبق ذكره، فالحلم الأمريكي بتثبيت اسرائيل كقوة اقليمية وضمان أمنها وايجاد ميزان جديد للقوى في منطقة الشرق الأوسط كان حاضرآ في مخطط الغزو. ففي الوقت الذي كان قادة العالم العربي يعيشون الصدمة ويبحثون عن مخرج لهذه الكارثة، تم تسديد ضربة قوية للقضية الفلسطينية التي كانت مركز اهتمام العالم العربي وقتها على المستوى السياسي والشعبي، فشهدت تراجعآ قويآ بسبب فشل العمل العربي المشترك وعدم القدرة على قيادة الأزمة، واستغلت اسرئيل وحلفائها حالة الفوضى الهدامة فتمكنت اسرائيل من ايجاد مكانها كقوة اقليمية في المنطقة عن طريق تعبئة الفراغات التي خلفها الغزو والأحداث التي تلته.

أما المكسب الرابع لهذا الغزو فكان بعد تحرير الكويت، حيث حوصر العراق اقتصاديآ وسياسيآ وشدد الخناق عليه مما أدى الى انهياره، فتدمرت المنظومة التعليمية والصحية وعاش الشعب العراقي في ظل كارثة انسانية بسبب نقص الغذاء والدواء. بمعنى أن الولايات المتحدة لم تستهدف النظام فقط وانما استهدفت العراق بمقدراته وبشعبه وثقافته وأصالته.. وبعد إنهاك العراق وفي عام ٢٠٠٣ تمكنت أمريكا من احتلاله والسيطرة على موارده والتحكم بها.

ومن ثم نقلت السلطة الى حكومة فاشلة قامت على أساس المحاصصة الطائفية، فنشرت الجهل والطائفية والجوع والجريمة. فقال محمد حسنين هيكل يشرح مأساة العراق بعد الاحتلال الأمريكي ” العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة من اللصوص، ليس لهم علاقة لابالسياسة ولا بحكم ولابإدارة دولة”.

وهكذا استطاعت الولايات المتحدة أن تلغي القوة العراقية من الخريطة العربية، تمهيدآ لمراحل جديدة من الصراع في المنطقة ألا وهو الصراع الطائفي الذي وصل ذروته في العراق عام ٢٠٠٧، ومكن “داعش” من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية ومن ثم سوريا بعد أحداث مايسمى ب “الربيع العربي” الذي تمم بدوره المخطط الغربي للمنطقة، وفتح أبواب التدخل الخارجي على مصراعيه في الدول ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية في العالم العربي.

تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة العربية وفقآ لرؤية استراتيجية اتضحت معالمها بعد الغزو العراقي للكويت، ولو دققنا في تسلسل الأحداث نجد أن مايسمى ب”الربيع العربي” كان المولود المنتظر لهذه الاستراتيجية. فاستطاعت أن تخلق بيئة سياسية غير مستقرة، وتمكنت من نشر الفكر التطرفي الذي نشر سمومه في المنطقة وتمكن من تقسيمها وتفتيتها.

لقد أنجزت حرب الخليج الأولى الأهداف الأمريكية بسهولة بالغة، وكأن ما نراه هو عقد فرطت أولى حباته في غزو العراق للكويت في عام ١٩٩٠، واستمرت باقي الحبات بالتساقط إلى تاريخنا هذا. كشفت هذه المراحل الطويلة عن هشاشة النظام العربي برمته، وعدم قدرة قادته على تجاوز الأزمات عن طريق توحيد الصفوف التي تحد بدورها من خطورة التدخل الأجنبي في المنطقة.

كما أنهم فشلوا في صياغة أطر جديدة لانقاذ العمل العربي المشترك وتوثيق العلاقات العربية- العربية، فكانت الخلافات هي سيدة الموقف للسنوات التسعة والعشرين الماضية.


عبير الحيالي

باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

لندن









كثير من المطالبين بدفع قروضهم الشخصية من المال العام وغير ذلك من المطالب الشعبوية المتعلقة بالتأمينات وديوان الخدمة يحتجون بما ينشر باستمرار عن الفساد والهدر ومبالغ المناقصات الخيالية والتبرعات والمنح الخارجية، ويرفعون شعار أن المواطن يستحق وهو أولى بثروة البلاد.

وتلاقي مطالباتهم هذه قبولاً وتأييداً شعبياً لا يمكن أن تجده في أي بلد آخر رغم عدم جواز بعضها شرعاً ومخالفته للمصلحة العامة وضرره على مصلحة المواطن الحقيقية، والسبب هو أن ما ينشر لا يقابله أي رد أو توضيح.

فقد اطلعت على كثير مما يحتج به هؤلاء المطالبون، فوجدت أنها ليست مبنية على قناعة، بقدر ما هي مستندة إلى ردود فعل على ما ينشر ويشاع عن الفساد والهدر الحكومي والمنح والرواتب الفلكية لبعض الجهات، فالحكومة رغم أجهزتها الهائلة ومناصبها الكبيرة ومستشاريها ورواتبهم الفلكية غير قادرة حتى الآن على توضيح موقفها مما يطرح وينشر ويتداوله الناس من أمثلة الفساد، وهي تخسر يومياً منازلة الصلة بالجماهير أمام مافيا وسائل الاتصال.

ومثل موضوع الفساد، تعتقد الجماهير أن ما ينشر عن أرقام القروض والهبات الخارجية والهدر والتنفيع في المناقصات هو حقائق راسخة، وبالتالي تتخذ ذلك مبرراً إضافياً لكل مطالبها المالية والشعبوية.

وهذا الوضع الخطير نتج إما عن فساد وهدر وتنفيع حقيقي، أو أن ما ينشر هو أكاذيب أو مبالغات أو شائعات، لذلك فإن على الحكومة أن تجيب بصراحة عن السؤال المهم، وهو: هل كل ما ينشر ويشاع صحيح؟ وهل إجراءات الحكومة كافية ومقنعة للشعب؟ فمثلاً عليها أن تثبت أنها تصدت وكافحت الفساد بالأدلة والأسماء وأن ترد على كل ما ينشر، سواء كان حقائق أو شائعات، مثل موضوع الرجعان وإلى أين وصلت خطوات استعادته؟ وما سبب التأخير؟ ومثل موضوع الروسية المتهمة، وكذلك موضوع ضيافة «الداخلية» بكل صراحة وبدقة وبالمبالغ والأسماء المتورطة، وأن تجيب عن السؤال المطروح، وبالأرقام: «هل ما ينفق على الهبات الخارجية أكثر مما ينفق على المواطن؟».

إن إقناع الجماهير يتطلب إعلاماً نشيطاً بكل الوسائل الحديثة، وندوات توضيحية مستمرة وردوداً مقنعة يساهم فيها ممثلون عن «المالية» و«التأمينات» وصندوق التنمية وجهاز المناقصات و«الداخلية» أيضاً، فإما أن ينجحوا في إقناع الشعب بصحة عملهم وسلامة إجراءاتهم، وإما أن يتم استبدالهم وإصلاح وتصحيح عمل الحكومة في التصدي للفساد وتوجيه المنح والتبرعات وإرساء المناقصات.

من الواضح أن الحكومة بأجهزتها وقيادييها ومستشاريها لا يستطيعون أو لا يأبهون بتوجهات الرأي العام، لذلك لا ينشرون ردودهم ولا يقيمون النشاطات والندوات ومختلف البرامج الحديثة التي تبين عملهم وتدافع عنه، وحتى الناطق الرسمي الذي تم تعيينه لا يمكن أن ينجح بسبب بعده عن القرار وملابساته في جميع الوزارات، فهو مجرد وسيط أو مندوب يقوم بعمل من كان واجبهم الأصيل القيام به.

صحيح أن بعض الكتاب ساهموا بأقلامهم في تشخيص وبيان خطأ المقترحات الشعبوية، ومنهم د. وائل الحساوي ود. محمد عقيل العوضي، والأستاذ خليل حيدر في مقاله المهم بـ«الجريدة» يوم الخميس الماضي، وكذلك جهود الوزير السابق بدر الحميضي الذي قام بتعيين الدكتور فهد الراشد لتتبع شبهات الرجعان في «التأمينات»، وفي الوقت نفسه شارك في المقابلات الصحافية والندوات والمناظرات التلفزيونية التي تدافع عن موقفه من المقترحات الشعبوية المدمرة أمام أعضاء المجلس... وأيضاً ندوات الاقتصادي جاسم السعدون، وتقارير «الشال» الأسبوعية التي تحذر من الاختلالات الهيكلية المالية والاقتصادية الخطيرة.

ولكنها تبقى جهوداً فردية يظل تأثيرها محدودا، ونال أصحابها مثل ما نالني شخصياً من التجريح والأذى ممن لا يخافون الله، والجهلة، نتيجة دفاعنا عن قناعتنا بالأدلة والأرقام التي تحقق في النهاية مصلحة المواطن الفعلية، ولكن جميع هذه الجهود لم تحقق الوعي المطلوب، وذلك لأن الحكومة لم تقم بدورها ولم تُساند هذه الجهود من قبل أجهزتها بالإصلاحات المطلوبة، لاسيما في قضايا الفساد والهدر، وأيضاً بالمعلومات الكافية المقنعة للجمهور، وكذلك لا ننسى أن لجمعيات النفع العام والجماعات السياسية دوراً كبيراً في هذا الصدد، ولكن أصاب الكثير منها الخمول أو الانضمام إلى الطروحات الشعبوية أو الاكتفاء بالمناصب الزائلة، بينما كان يجب عليها أن تقدم مصلحة الوطن على مصالحها الانتخابية، ويمكنها أن تحقق الاثنتين معاً إذا نجحت في إيصال رسالتها الإعلامية الدعوية إلى الجماهير.

ولتأخذ هذه الأجهزة درساً من الأخ صالح الفضالة والجهاز المركزي الذين ملأوا وسائل الاتصال بشكل مستمر بإحصائياتهم وبينوا أعمالهم وردودهم على كل ما ينشر في وسائل الاتصال عن القضية التي حملوها، حيث أحدثوا فرقاً ملموساً في قضية شعبية وحساسة جداً.

ولو أخذت هذه الجهات ما نُشِر خلال الأيام القليلة الماضية فقط، وصنعت منه حملات التوعية المطلوبة لأحدثت فرقاً في التوجه الجماهيري. فقد تم نشر الأرقام التالية:

وزارة المالية: العجز الفعلي في ميزانية 19/2018 بلغ 3.346 مليارات دينار. الإيرادات النفطية الفعلية بلغت 18.428 مليار دينار، (يخصم منها 10% لاحتياطي الأجيال القادمة)، بينما بلغت الإيرادات الفعلية غير النفطية 2.130 مليار. (لاحظ الفرق)، المصروفات الفعلية بلغت 21.849 مليار دينار (لاحظ العجز).

وزارة المالية: يسدد عجز السنوات الأربع الماضية من الاحتياطي العام!

وزارة المالية: المرتبات والدعوم يستهلكان 75% من الميزانية.

وكالة «فيتش»: الاحتياطي العام سينفد في عام 2021.

«القبس»: 50% من موظفي الحكومة بلا عمل.

التعليم التطبيقي يقبل أكثر من 16 ألف طالب للفصل الأول، بينما تقبل الجامعة أكثر من 5 آلاف، هذا عدا الجامعات الخاصة والدارسين في الخارج (كلهم سيدخل سوق العمل ويطلب وظائف خلال 2-4 سنوات).

ديوان الخدمة: 80% من شهادات الدارسين حالياً غير مطلوبة في سوق العمل.

«القبس»: إنفاق الكويتيين في السفر 36 مليون دولار يومياً.

«الشؤون»: تبرعات المواطنين في رمضان بلغت 58 مليون دينار (تكفي لسداد فوائد المعسرين الحقيقيين).

«الأوقاف»: إيرادات قانون الزكاة هذا العام بلغت 30 مليوناً (تكفي لمساعدة الغارمين الحقيقيين).

وزارة العدل: 537 قضية مال عام خلال السنة الماضية.

عجز «التأمينات» بلغ 12 مليار دينار.

وزارة النفط: النفط الكويتي ينخفض إلى 62 دولاراً للبرميل بينما سعر التعادل المطلوب للميزانية هو 80 دولاراً.

هذه الأرقام التي نُشِرت خلال الأيام الماضية كان يجب أن تكون الشغل الشاغل لإصلاح شامل من قبل المجلس والحكومة، وتكون الأساس لحملات توعية تقوم بها الحكومة، وكل مخلص في المجلس والإعلام والسياسة، وإلا فسيستمر التقصير


أحمد يعقوب باقر









سأتحدث هنا عن شيء في العلاقات الكويتية- العراقية بعد احتلال عام 1990 الكارثي، وأقصد العلاقة الثنائية، طبيعتها وميزانها وشكلها.

هناك رأي شعبي كويتي لا يُستهان به يرى أن تلك العلاقة غير متكافئة من الناحيتين السياسية والاقتصادية، بمعنى أن المُبادر إلى تلطيف الأجواء (أو كما يرى البعض لاتقاء الشر) هو الطرف المتضرر، الكويت، إذ تقدم المساعدات دون انقطاع، وتدعم الحالة السياسية العراقية، تصمت عن إساءات بعض الساسة العراقيين، وكذلك أدوات إعلامية بعينها، تبذل الكثير من الوقت والصبر على ملفات قديمة كالأسرى والمفقودين والمسروقات الكويتية.

هنا نحن نتحدث عن بلد عريق غني كبير، وهو العراق، لكن دائماً ما يُراد طمس هذه الميزات بالقول: نعم... ولكن القوى السياسية فيه فاسدة!

في ظني أن الاستمرار في هذا الشكل من العلاقة لن يؤدي إلى حالة سياسية طبيعية بين البلدين رغم أن الطرفين بحاجة ماسة إلى تلك الحالة، فإلى الآن لا يظهر الاتصال إلا بين القيادات العليا (رئاسة الدولة – البرلمان – قادة أحزاب)، لكنه شبه معدوم في الجانب الأكاديمي والرياضي والفني والأدبي والتجاري، الشعبي والإعلامي والمدني، وهذه الجوانب من علامات صحة العلاقات بين الدول. العراق جار مُعَطَّل بالنسبة إلى الكويت، لم يتم الاستفادة من الفرص الموجودة فيه من أجل تدعيم الاستقرار في شمال الخليج العربي.

لا يُعقل أن نُقنع الشعبين الكريمين، بعد مضي 29 عاماً على خطيئة الغزو الغادر، بأن ما يعطل تشكيل علاقات جيدة وحميمية بين البلدين هو وجود الفساد في الإدارة المحلية العراقية، فالفساد موجود في كل بلد، لكن عناصر بناء علاقة سياسية واقتصادية واجتماعية موجودة فعلاً، وأولها النوايا الطيبة التي تبديها الكويت نحو العراق، وثانياً الامتداد الاجتماعي للعائلات بين البلدين، والفرص الاقتصادية والتجارية التي يمنحها كل طرف للآخر، وخصوصاً العراق بسبب امتداده الجغرافي وتنوع مصادر ثرواته.

لا أعلم إن كان التواصل الأهلي الكويتي العراقي قد يساهم في تحريك ما يعجز الساسة عن تحريكه من خلال لجان وجمعيات شعبية وما أكثرها، لكن أين هذا الحراك الأهلي بين الشعبين؟ هل ينتظر إشارة انطلاق من حكومتَي البلدين؟

أسئلة كثيرة، الإجابات عنها مفقودة، لكن المؤكد أن تقدم الزمن بلا إنجاز سيزيد الكراهية وسيعيد توليدها بصور لا نُحبها، والمؤكد أيضاً أن صرف الوقت بلا عمل على تقوية العلاقات يُعَد غباء سياسياً من نوع آخر بعد كارثة الغزو.

مظفّر عبدالله









منذ أسبوع علَّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الوضع المتوتر في مياه الخليج، مشيراً إلى أن دول الخليج قادرة على توفير الحماية لسفنها التي تحمل النفط للتصدير إلى دول خارج مضيق هرمز، معللاً تلك النصيحة بأنها دول غنية مثل الكويت وقطر وغيرهما من الدول المستوردة مثل بروناي.. جاءت هذه النصيحة بعفوية اعتاد عليها العالم وصارت قاعدة في رصد ملامح السياسة الخارجية الأميركية، وفيها الكثير من الظرافة التلقائية، وأيضا الكثير من الغلاظة المزعجة. وينتقل الرئيس ترامب في تعليقاته مصوباً أسهم السخرية تجاه حلفائه في أوروبا ويحلق في «مسجاته» على «تويتر» نحو الصين وأفريقيا ويلوح باللوم لتقاعس هذه الدول ويختتم عادة بالثناء على إسرائيل وديموقراطيتها وترابطها مع الولايات المتحدة. اعتدنا على هذه الولائم السياسية الفكاهية التي يقدمها الرئيس يومياً للعالم، غير عابئ بردود الفعل وغير مهتم بجديتها وبإسقاطاتها على الآخرين، وحل هذا التقليد بدل البيانات الرسمية التي كانت تخرج من البيت الأبيض. لم يأت في تاريخ الولايات المتحدة رئيس خرج عن قواعد التقاليد الرسمية المتبعة، مثل ما فعل الرئيس ترامب فهو قادم من بيئة رجال الأعمال الذين لهم نهج مختلف في التعامل مع شؤون الحياة، فلا التزام سوى بحسابات الربح والخسارة، ولا هدف سوى الكسب، فلا يوجد ولاء لضوابط العمل إلا سرعة التحرك لقنص الفرص وحصاد الأرباح. ويهمني في هذا المقال استحضار التفاهمات العالمية التي حددت تصنيف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في سلم التطور، وأعطت تعريفاً للدولة الغنية، وآخر للدولة النامية، وثالث لدولة السيولة liquid State، فجاءت الترتيبات الأولى في أوروبا وأستراليا ونيوزلندا واليابان، وهي الدول المتقدمة التي تملك التكنولوجيا والمواد الخام وتتمتع بطبيعة فيها أنهار وغابات وتملك قاعدة واسعة من الفنيين والمتخصصين في مختلف العلوم، وهذه شريحة تسمى الدول المتقدمة Developed State، والشريحة الثانية هي الدول النامية في أفريقيا وآسيا ومعظم الدول اللاتينية، وهي دول تملك مواد خام وأنهارا وغابات لكنها لا تملك التكنولوجيا التي تسخر هذه الإمكانات ولا تملك البنية التحتية التي تساهم في استغلال الإمكانات، وأكثر من ذلك لا تملك رؤوس الأموال لكي تستثمر فيما تملك، ومن هذا الممر دخلت الشركات العالمية إلى اقتصاديات الدول النامية وأدارت مواردها الطبيعية وصدرتها وحددت أسعارها وفق ما تراه هذه الشركات في حق الدول النامية. وعن الكويت وقطر ودول الخليج الأخرى، جاء التصنيف أنها دول ذات فائض Surplus State، وهذا الفائض من حصيلة مصدر غير دائم يتآكل دوره مع التكنولوجيا، وهي فوق ذلك دول لا تملك لا مياه ولا غابات ومواردها الطبيعية محصورة في النفط، وهي دول نامية وفق القواعد التي وضعتها الأمم المتحدة. وهناك شروط لا بد أن تراعيها دول الفائض لكي تستمر في قدرتها على مواكبة أعباء الدولة، وهي أن تستثمر وتدخر وتدير حسب إملاءات الضرورة، وتضع أهم استثماراتها في التعليم لخلق ثروة من عقول وطنية والإسراع في بناء بنية تحتية تمكنها من تقديم أحسن فرص التعليم وفنون الإدارة، كما أن عليها مسؤوليات في الإسهام في برامج التنمية العالمية في الدول النامية وفي المؤسسات المالية العالمية، وفق مفهوم تداول الثروة Recycling of Wealth، وما زالت الكويت بعيدة عن الوفاء بشروط الالتحاق بضرورات الدخل الثابت من استثماراتها ومن تعاظم ثروتها البشرية، وتظل دولة سيولة وليست دولة الدخل المستديم، وهذه الحقائق تنطبق على جميع دول مجلس التعاون، فخياراتها في الدخل البديل ما زالت في فصل التجارب والبحث والتفكير، وهنا يخرج علينا الرئيس ترامب بتصنيف من دفاتر رجال الأعمال، من يملك الكاش يملك منطقياً القرار، وهذا غير صحيح في بناء الدول. ولدت الأمم المتحدة من قرار جاء من الولايات المتحدة، بدعم بريطاني وتردد سوفيتي، بعد الانتصار على النازية وبعد تجربة عصبة الأمم المتحدة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى من مؤتمر فرساي 1919، فشلت لأن الكونغرس الأميركي رفض العضوية فيها، ومنها جاء التصميم من إدارة روزفلت وبعده ترومان على أن يكون مقر الأمم المتحدة في الولايات المتحدة لإزالة موجات المعارضة الانعزالية. واختيرت نيويورك موقع الثروة والقوة كمقر للمنظمة، التي خصصت مكانة فريدة في ميثاقها للدول المنتصرة، الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا والصين، على أن تتحمل هذه الدول مسؤوليات خاصة وفريدة في الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، ويعني ذلك أن تعالج مواقع التوتر بالأسلوب الجماعي من خلال مجلس الأمن، بالدبلوماسية، وبالقوة إذا فشل الحوار. ولأن الاتحاد السوفيتي اعترض على دور اللجنة العسكرية التابعة للأمم المتحدة وخشي من استغلالها لمصلحة الغرب، فقد تولت الولايات المتحدة بالمبادرات وبقوة الدبلوماسية التدخل لإزالة التوترات، واحترام قواعد السلوك الدولي، كما حدث في عام 1951 في كوريا، وفي 1956 في السويس، وفي تحرير الكويت، وفي الكونغو. وعندما تتخلى الولايات المتحدة عن مسؤولياتها تجاه الميثاق وتضحي بموقعها المتميز، تنتشر الفوضى ويسود التوتر وتتضخم المخاطر كما نراها الآن في بحر الخليج حيث تستفيد إيران من بيانات الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة غير معنية بواقع الخليج لأن دول الفائض تملك الوسائل، ففي هذا الموقف تجاهل مسؤوليات الدولة العظمى وفق الميثاق للمبادرة بالتشاور بحثاً عن آلية تطوق التوتر، ولا يمكن قبول الطرح الذي ينادي بعدم مسؤولية الولايات المتحدة عن الوضع المتوتر، هناك مصالح أميركية بارزة في استمرار الأمن الخليجي، دون اضطراب، وهناك ثروات أميركية سياسية ومادية وإستراتيجية توجد على تراب دول مجلس التعاون، وأكثر من ذلك فالحلفاء المقربون من واشنطن هم اليابان وشرق آسيا يعتمدون على نفط الخليج المؤمن استمرار تدفقه وفق قاعدة المنافع المتداخلة بين المنتجين والمستهلكين وهذا التداخل في المنافع يشكل أحد أعمدة الأمن العالمي. لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحرر من عضويتها في شبكة التداخل الأمني العالمي ولا من مسؤولياتها في تحمل أثقال هذه الشبكة، وأخطر ما سيواجهه العالم الدعوة إلى الانعزالية الأميركية في الدبلوماسية العالمية. وهنا تكمن خطورة تغريدات الرئيس ترامب.

عبدالله بشارة








نتناول في هذا المقال بعض الملاحظات على رأي اتحاد مصارف الكويت المنشور في القبس بتاريخ 28 يونيو 2019 في ما يخص تعديلات قانون الشركات، ونتوقف عند المقترح الاول الخاص بالشركات التي تزاول أغراضها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، حيث يسعى الاتحاد إلى التوسع في الاستثناءات التي منحها المشرع لهذه الشركات من بعض أحكام القانون المدني (المواد 508، 992، 1041) والمادة 237 من قانون التجارة. ذلك أن الأصل إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع في مقابل رد الثمن والمصروفات اعتبر العقد قرضاً مضموناً برهن حيازي، وعلى البائع عند عدم تنفيذ المدين لالتزامه أن يتبع الإجراءات القانونية في سبيل استيفاء القيمة والبيع بأمر من القاضي بالمزايدة، ولا يحق له امتلاك المال المرهون أو بأي ثمن كان أو بيعه من دون مراعاة الإجراءات التي فرضها القانون حتى لو كان هذا الاتفاق قد أبرم بعد العقد، وأن الأصل أيضاً وفق المادة 237 تجارة أن يعتبر باطلاً كل اتفاق يبرم وقت تقرير الرهن أو بعد تقريره يعطي للدائن المرتهن في حالة عدم استيفاء الدين عند حلول أجله الحق في تملك الشيء المرهون أو بيعه من دون مراعاة الأحكام المنصوص عليها في القانون، وهي تقديم طلب إلى رئيس المحكمة لبيع الشيء المرهون كله أو بعضه بعد إعذار المدين بالوفاء، ويكون البيع عن طريق المزايدة. فالقانون الحالي قد أعطى للمتعاملين وفق الشريعة الإسلامية استثناءات وصلاحيات واسعة في عقودها لا يتمتع بها غير المتعاملين وفق أحكام الشريعة الإسلامية، حيث يمكنهم تملك الشيء المرهون وبيعه من دون اتباع الإجراءات القانونية التي على الغير منهم اتباعها. والنصوص المقترحة من اتحاد المصارف لإضافتها إلى مشروع تعديل قانون الشركات تعطي مزيداً من الحقوق والاستثناءات للشركات العاملة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، فالمقترح ينص على استثناء هذه الشركات من أحكام المادة 136 من قانون التجارة، والتي تنص على أنه إذا لم يدفع المشتري أحد أقساط الثمن المتفق عليه، فلا يجوز الحكم بفسخ البيع إذا تبين أنه قام بتنفيذ الجزء الأكبر من التزاماته، والتعديل المقترح يهدف إلى التحلل من نص هذه المادة، والمادة 140 من قانون التجارة التي تنص على سريان أحكام البيع بالتقسيط ولو سمي البيع إيجاراً، بحيث يجوز فسخ البيع إذا تأخر المدين في أي قسط من الأقساط المستحقة عليه، ونرى أن هذا فيه إجحاف بحق المدين، حيث يكون قد سدد الجزء الأكبر من الدين، وبمجرد تخلفه عن قسط واحد يجعله عرضة لفسخ العقد، خصوصاً إذا كان المبيع عقاراً مخصصاً للسكنى، إضافة إلى أن السعر وقت فسخ البيع يكون قد ارتفع، لذلك يجب أن يكون هناك تعويض عادل إذا استعملت الشركة حق الفسخ. وكذلك يهدف التعديل المقترح إلى الاحتفاظ بملكية المبيع نافذاً في حق الغير حتى لو كان غير مدون بورقة ذات تاريخ ثابت وسابق على حق الغير أو على إجراءات التنفيذ التي يتخذها الدائنون على المبيع، وذلك بالمخالفة لنص المادة 137 فقرة 2، والتي تنص على عدم نفاذ حق الاحتفاظ بالملكية إذا كان غير مدون بورقة ذات تاريخ ثابت وسابق على حق الغير أو على إجراءات التنفيذ، وهذا فيه أفضلية للمتعاملين بأحكام الشريعة الإسلامية على باقي الدائنين وخروج على النصوص والقواعد العامة.

عبدالرزاق عبدالله








يتجدد يوم الثاني من أغسطس ليعيد أذهاننا وعقولنا وقلوبنا إلى ذلك الماضي الأسود، حيث زارنا الشيطان بلا موعد ولا دعوة، حاملاً معه كل معاني الغدر والخيانة واستباحة أرضنا وشعبنا تحت ذرائع لا يليق بها ولا تليق به، كالوحدة العربية وتحرير فلسطين ومواجهة الغرب المستكبر، ولم «يسترجل» على ذلك كله فانتقم من جار صغير وشعب مسالم، ولكن السحر انقلب على الساحر، فخرج صاغراً ذليلاً ليعيد الانتقام من شعبه الأعزل الذي لا يزال يدفع ثمن غطرسته وغروره.

ذكرى الغزو العراقي في الثاني من أغسطس لا تزال ساخنة كحالة الطقس في هذا الوقت من العام، وتبقى مثيرة للقلق كما الوضع الإقليمي المستمر في توتراته ومناوشاته السياسية والأمنية، وهي ذكرى تجدد الألم بعدما نكئت جراحنا إثر اكتشاف رفات كوكبة أخرى من شهدائنا في دليل آخر على دناءة الأخلاق والقيم في التعامل مع الموتى بلا غسل أو تكفين.

هذه الصور الحزينة تقابلها مشاهد جميلة قوامها حب الكويتيين لبلدهم وأرضهم وما سطروه من تلاحم وطني وترفع على الخلافات والانتماءات إحساساً بمصير واحد مشترك وإيماناً بأن الهوية الكويتية وحياة الكويتيين هي نسخة معيارية لا يستطيع أن يعيش أي مواطن مهما تباينت آراؤه واختلفت خلفياته الفكرية وأولوياته السياسية وجذوره العرقية إلا في ظلها.

لكننا نتساءل: أين مثل هذه المشاعر الآن بعد ثلاثة عقود من الزمان وقد شهدت تعاقب أجيال جديدة؟ وأين تبخرت تلك الصور الرائعة من صفاء النفوس ورقة القلوب والإحساس بكويتية كل كويتي وقيمة كل مواطن؟ وأين راحت الغيرة على البلد بثرواته واسمه ومكانته ورصيده من كل أنواع الإنجاز؟ فلا يعقل لتجربة الغزو والاحتلال، رغم ما حملته من صور الرعب والدمار، وهي قصيرة جداً في البانوراما البشرية، أن تظل شماعة نعلق عليها الفشل تلو الفشل والإخفاق بعد الإخفاق وضياع البوصلة والرؤية والأهداف المستقبلية.

مؤشرات بلدنا على مختلف الصُّعُد تدعو إلى القلق، بدءاً بالخدمات العامة كالتعليم والصحة، مروراً بقصص الفساد والهدر المالي، وانتهاء بغياب الخطط والبرامج المستقبلية، وهذا ما يتطلب تعليق جرس الإنذار، وهذا هو المطلوب من تجدّد ذكريات تاريخية مهمة، كالغزو عام 1990، لتكون منعطفاً جديداً للمسيرة القادمة.

إن إهمالنا بحق ديرتنا والاستمرار في هذا النهج العقيم وخواء الكثير من مؤسساتنا وفي مقدمتها السلطات الدستورية سوف تضرب لنا مرة أخرى موعداً مع الشيطان، ولكنه من نوع آخر وفصيل مختلف، وهو شيطان الذات الذي إن هزمك فلن تقوم لك قائمة!


د. حسن عبدالله جوهر








سيكون انتخاب شخصية محترمة، قادرة على الدفاع عن مسار الحداثة في تونس رئيسا للجمهورية، بمثابة مؤشر الى ان البلد قادر على الدفاع عن نفسه وحماية مكتسبات مرحلة الحبيب بورقيبة. أسست تلك المرحلة لقيام مؤسسات لدولة مدنية تسيّرها قوانين عصرية تحافظ على حقوق المرأة وتؤمّن المساواة بينها وبين الرجل في كلّ الحقول. هذا لا يعني ان عهد بورقيبة كان خاليا من الشوائب، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة التي تقدّم فيها "المجاهد الأكبر" في السنّ ولم يتخذ أي خطوة من اجل تحقيق انتقال سلمي للسلطة عن طريق الصندوق الانتخابي.

على الرغم من كلّ هذه الشوائب، بقي بورقيبة زعيما عربيا استثنائيا بكلّ المقاييس. لا تزال اصداء خطابه في اريحا تتردّد الى اليوم. كشف ذلك الخطاب الذي سبق هزيمة 1967 كم كان بورقيبة سياسيا عميقا وواعيا وواقعيا وكم كان جمال عبدالناصر الذي اصرّ على صدّه مجرّد ظاهرة صوتية جلبت الكوارث على مصر وعلى المنطقة كلّها.

انصف التاريخ الحبيب بورقيبة وسينصف الباجي قائد السبسي الذي مات ولم تمت معه مؤسسات الدولة التونسية. تلك المؤسسات التي استطاعت مقاومة قوى التخلّف، على رأسها تنظيم الاخوان المسلمين فترة طويلة. بدأت هذه الفترة بالاستقلال في العام 1956 واستمرّت في عهد زين العابدين بن علي الذي اخذ بالقوّة مكان بورقيبة في تشرين الثاني – نوفمبر 1987... وبعد "ثورة الياسمين" أواخر العام 2010 وبداية 2011 عندما اجبر الشعب التونسي بن علي على الاستقالة واللجوء الى المملكة العربية السعودية.

وقف الباجي قائد السبسي سدّا منيعا في وجه سقوط مؤسسات الدولة التونسية. دافع بالفعل عن ارث الحبيب بورقيبة الذي سعى بن علي الى التنكر له عن طريق الغاء الحياة السياسية في بلد قبل فيه سلفه ان تكون شخصيات أخرى في مواقع قيادية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، كان رئيس الوزراء في عهد بورقيبة يتمتع بوضع خاص وليس مجرد موظف، كما شاء بن علي.

ايّا تكن الاعتراضات على الباجي قائد السبسي، خصوصا بسبب تمسّكه بالرئاسة، على الرغم من تقدّمه في السنّ، يكفي انّ الرجل استطاع الصمود ومنع تونس من السقوط. اكثر من ذلك، اصرّ على تمرير قوانين عصرية لمصلحة المرأة والعائلة تؤكّد ان تونس مستمرة على لعب دور طليعي في مجال تكريس وجود دولة مدنية والمساواة بين المواطنين.

هل تبقى تونس صامدة في غياب الباجي قائد السبسي؟ السؤال في غاية الصعوبة والتعقيد. الكثير سيعتمد في نهاية المطاف على الشخصية التي سينتخبها التونسيون في الخامس عشر من أيلول – سبتمبر المقبل لتخلف الباجي قائد السبسي. المهمّ ان تكون هذه الشخصية قويّة وان تتمتع في الوقت ذاته بفكر مستنير بعيدا عن فكر "حركة النهضة" التي تعمل بهدوء على التسلل الى مواقع أساسية في الدولة وتحقيق اختراقات لمؤسساتها.

لا تنقص تونس الشخصيات القادرة على لعب دور قيادي بالفعل، دور قيادي بنّاء بكلّ معنى الكلمة. وهذا يعني في طبيعة الحال اكمال الدور الذي لعبه الباجي قائد السبسي في مجال المحافظة على ارث الحبيب بورقيبة وتطويره. لكنّه يظلّ اهم ما يستطيع الرئيس الجديد عمله هو التأسيس لمرحلة جديدة يكون فيها تداول سلمي حقيقي للسلطة بين شخصيات تؤمن بالانفتاح وبجعل تونس على تماس مع كلّ ما هو حضاري في العالم.

الاهمّ من ذلك كلّه، آن أوان مواجهة الواقع التونسي بدل الهرب منه. صحيح ان الباجي قائد السبسي عرف كيف يحافظ على مؤسسات الدولة والحدّ من هجمة "النهضة" عليها، لكنّ الصحيح أيضا ان تونس في معركة مع الإرهاب. لا ينتج المجتمع التونسي رجالا ونساء وقادة نقابات يمتلكون القدرة على الدفاع عن مكتسبات عهد بورقيبة فحسب، بل انّه ينتج أيضا إرهابيين.

من هذا المنطلق، كلّ ما يحدث في تونس حاليا يثير القلق. حال القلق سائدة قبل وفاة الباجي قائد السبسي الذي تعرّض لوعكة صحيّة أولى في السابع والعشرين من حزيران – يونيو الماضي. في يوم الوعكة الصحية التي تعرّض لها رئيس الجمهورية الذي نقل الى المستشفى العسكري في ظلّ اشاعات كثيرة... وقعت عمليتان ارهابيتان. كانت احداهما في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، فيما استهدفت الأخرى قوّة مكافحة الإرهاب. لم تسفر العمليتان عن خسائر كبيرة، لكنّ الملفت كان اعلان "داعش" مسؤوليته عنهما. يشير ذلك الى ان خطر "داعش" ما زال قائما اوّلا والى وجود حاضنة لهذا التنظيم في تونس ثانيا وأخيرا. ما لا يمكن تجاهله في ايّ لحظة هو ان عدد التونسيين الذين التحقوا بـ"داعش" كبير جدا في سوريا والعراق وأماكن اخرى. وهذه ظاهرة لا بدّ من التوقف عندها. ما الذي جعل آلاف التونسيين يلتحقون بهذا التنظيم الإرهابي على الرغم من كلّ الجهود التي بذلت في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي من اجل تطوير الوعي في اوساط المجتمع التونسي؟ ما الذي يمكن ان يعمله الرئيس الجديد كي يضع حدّا لهذه الظاهرة؟

لا حاجة الى الذهاب بعيدا من اجل الحصول على جواب عن مثل هذا النوع من الأسئلة المتعلّقة بوجود "داعش" في تونس. هناك أحزاب دينية معروفة عملت في ثمانينات القرن الماضي على تقويض عهد بورقيبة والقضاء على كل إنجازات هذا العهد. كذلك، ان بورقيبة نفسه يتحمّل مسؤولية كبيرة في كل ما حصل عندما اصرّ على ان يكون رئيسا لمدى الحياة. انتهى به الامر في مرحلة معيّنة ان اصبح اسير زوجته وسيلة بن عمار التي طلّقها في العام 1986، ثم قريبته سعيدة ساسي الى حين حصول حركة التغيير التي قام بها زين العابدين بن علي، مع ضابطين آخرين، في السابع من تشرين – الثاني نوفمبر 1987.

ما حصل قد حصل. لا يمكن البكاء على الفرص التي اضاعتها تونس، بما في ذلك تلك التي اضاعها زين العابدين بن علي الذي وقع باكرا في اسر زوجته الثانية وافراد عائلتها... والرئاسة لمدى الحياة.

تبدو تونس في حاجة اكثر من ايّ وقت الى رئيس يتمتع بمواصفات معيّنة في مقدّمها معالجة ظاهرة الإرهاب بكلّ اشكالها وتطوير الايجابيات التي تحققت بفضل الباجي قائد السبسي. هل من وجود لشخصية تمتلك مواصفات معيّنة تمكنها من لعب هذا الدور؟

على شخصية الرئيس الجديد، سيتوقف الكثير في تونس حيث تراجع الامن والخدمات والاقتصاد منذ خروج بن علي من الرئاسة. هذا واقع يجمع عليه كلّ زوّار تونس. هذا الواقع يستدعي الاستعانة بشخص استثنائي يمتلك العقل المستنير لبورقيبة ولا عقد لديه حيال أي إيجابيات في عهد زين العابدين بن علي، خصوصا في مجال مكافحة الإرهاب والذهاب الى جذوره والتنمية الاقتصادية.

خيرالله خيرالله




arrow_red_small 3 4 5 6 7 8 9 arrow_red_smallright