top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
القضية الفلسطينية: بين التطبيع والواقع العربي
إن المتابع للسياسات الأمريكية والإسرائيلية سيكتشف أن قيام بعض العرب بالتماهي مع المروية الصهيونية للتاريخ والنزاع إرضاء للولايات المتحدة وتماهيا مع السياسة الإسرائيلية لن يغير من الطبيعة الاستيطانية والاجلائية والعدائية للصهيونية. بل إن هذا التماهي سيزيد من العنجهية التي تعبر عنها الأساليب الإسرائيلية، وهذا سيطيل من أمد الصراع ويضيف إليه تعقيدات جديدة. إن تقرب بعض العرب من الصهيونية ومن الإدارة ...
يوسف الجوعان :رحمة بالعقار .. ورفضاً للمدن العمالية !
ارحموا عزير قوم ذل، فمسيرة العقار الظافرة استمرت منذ سبعين عاما وبانت عليه أعراض الهرم وأصابه «كورونا» بمقتل الآن، لست من الملاك وكلامي هو للمصلحة العامة ليس إلا. استمعت مؤخراً لوزير المالية السعودي على قناة العربية وكعادة المسؤولين في الشقيقة الكبرى الذين يتحلون بالكفاءة والحزم، حيث شرح على مدى ربع ساعة الوضع القائم وبيّن بشكل مجمل الإجراءات المقبلة التي وصفها انها ستكون مؤلمة وستطول جميع المستويات. ...
الجيش الليبي وإرجاع هيبة الدولة المفقودة
حرب تحرير العاصمة انهت عامها الاول، العسكر تفصلهم بضع كيلومترات عن وسط المدينة، ولان العالم منشغل بوباء الكورونا وانخفاض اسعار النفط، فان الرئيس التركي اعلن عن تدخله السافر في الشأن الليبي ما جعل الجيش يغيّر حساباته، لم تعد المعركة مع ميليشيات الوفاق التي اوشكت على السقوط، بل مع قوات تركية غازية مدججة بكافة انواع الاسلحة المتطورة، تقود بنفسها العمليات الحربية، تضم في صفوفها عديد المرتزقة السوريين، ...
الشرعية في اليمن... جزء من المشكلة
طبيعي ان تُحمّل الحكومة اليمنية "الشرعية" المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته "المسؤولية الكاملة عن عدم تنفيذ بنود اتفاق الرياض، وصولاً الى الانقلاب الكامل على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن من خلال بيانهم الصادر يوم السبت 25 نيسان -ابريل 2020". طبيعي اكثر ان تعتبر الحكومة "الشرعية" اعلان المجلس الانتقالي قيام الادارة الذاتية وحال الطوارئ في المحافظات الجنوبية "تمرداً واضحاً على الحكومة الشرعية ...
العواقب الوخيمة لضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل
سيضع تشكيل حكومة ائتلافية إسرائيلية بقيادة نتنياهو وغانتس، زعيمي الليكود وكاهول لافان على التوالي، نهايةً للشلل السياسي الذي استمر 18 شهرًا تقريبًا في إسرائيل، والآن التنافس الشخصي بعد ثلاثة انتخابات. اتفق الطرفان على مجموعة من المسائل الإجتماعية والإقتصادية والأمنية الهامة. وعلى أية حال، فإن أكثر القضايا المشؤومة التي تبنّوها بقوة هي ضم مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية على أساس خطة ترامب “السلام ...
هل النفط الثقيل.. ثقيل على المال العام؟
صرح وزير النفط د. خالد الفاضل قبل ايام بأن الكويت خفضت جزءا من إمداداتها للأسواق العالمية قبل بدء تنفيذ اتفاق اوبك في الاول من مايو المقبل من باب الاستشعار بالمسؤولية واستجابة لأوضاع سوق النفط، وقد سبق أن صرح الوزير في 5 ابريل الحالي لوكالة رويترز بأن إنتاج الكويت قد يصل إلى 3.25 ملايين برميل يوميا مع نهاية العام الحالي تشمل إنتاج 550 الف برميل يوميا من المنطقة المقسومةً تماشيا مع توجه الكويت لزيادة انتاجها ...




هل الإنسان ابن الذاكرة يتعلم من التجارب، وعليه سيتغير العالم؟ أم انه ابن النسيان لا يبالي، وعليه سيكمل العالم مساره من دون تعديل كأن كورونا عاصفة ومرت؟ في بدء الأزمة أعطى الحكام للدورة الاقتصادية الأولوية على صحة المواطنين. هذا مؤشر سلبي. أما تأملات الناس في حجرهم المنزلي فتركت انطباعا بأن مفهومهم للوجود تبدل. هذا مؤشر إيجابي. المهم ألا يكون هذا التبدل نتيجة خوف آني فقط. خوف الناس يزول ومصالح الدول تبقى.

خوفنا هذه المرة عميق ووجودي. أصبح استراتيجيا. كنا نعتبر أن الأوبئة السابقة فتكت بالبشرية عبر التاريخ لأن العلم كان لا يزال بدائيا. أما اليوم، فكورونا يفتك بنا في أوج تقدم البحوث العلمية والجرثومية. إنها ظاهرة مقلقة، شأنها أن تدفع العلماء إلى تعديل وجهة أبحاثهم، والأنظمة أولوياتها. الإنسانية تطلب طمأنينة تنقذها من ضيقها الحضاري رغم رحابة الكون. الإنسانية تطالب بالتحرر من احتكار العقل والالتحاق برعاية الإيمان. لا يستطيع العقل وحده إسعاد الإنسان من دون الإيمان.

رغم تخمة التقدم التكنولوجي، تشعر الإنسانية بنقص روحي ما. والحوكمة المبنية على المصالح المادية أخفقت في إدارة العلاقات بين البشر. لقد أخطأ ڤولتير في ادعائه أن "الاستبداد يزول مع زوال الدين"، فيما أصاب نيتشه حين توقع أن "يزحف القرن العشرون بوحشية، وأن يكون العلم في خدمته".

صيف 2019 قرأت كتاب "ذعر العالم" للمؤرخ الفرنسي توما غومار رئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية. حلل فيه عنف التحولات في العلاقات الجيوسياسية في العصر الحالي، وتوقع أن تكون المجتمعات المتقدمة أكثر عرضة للخطر لأن تطورها يسير خلاف الحقيقة الإنسانية. وفي فترة "التعبئة العامة" عدت إلى كتاب قديم في مكتبتي: "الحصان الأبيض في القاطرة" (1967) للروائي المجري آرثور كوستلر، يبين فيه أن انحراف العالم في القرن العشرين نشأ في المجتمعات المتطورة وليس في تلك المتخلفة.

رجعت إلى هذين الكتابين وأنا أقرأ أن مجلس الأمن الدولي لم يجتمع لعجزه عن إصدار بيان عن وباء كورونا بسبب خلاف بين واشنطن وبكين وروسيا على بعض التعابير. دول تصفي حساباتها السياسية على حلبة كورونا. اللامسؤولية مقرونة باللاأخلاقية. ما عوض هذا الخبر خبر آخر: البنك الدولي وضع مبلغ 150 مليار دولار لمساعدة البلدان النامية في مواجهة كورونا.

حتى لا تبقى المشاعر فردية وتتبخر مع عودة الحياة الطبيعية، جدير بقوى المجتمع الحية من مرجعيات روحية ووطنية وفكرية واجتماعية وبيئية أن تحول الخوف حكمة، وتغذي هذا التطور النفساني وتحميه وتثبته تاريخا جديدا للبشرية. ما ولد في العزلة لا يجب أن يموت في المخالطة. هكذا، تصبح تأملات الفرد جزءا من مشروع تغيير سلوكي جماعي ومجتمعي. المواطن الإنسان ينتظر ثورة حضارية.

ضعف المعرفة التاريخية لدى الأجيال الحديثة في العالم أعاق الاتعاظ من التجارب، وحصرية المعرفة التقنية ضربت مناعة الثقافة وقدرتها على المقارنة بين ما يجري وما جرى. الأجيال الحديثة تعرف من التاريخ آثاره السياحية لا أحداثه المؤثرة. تنظر ولا تقارن. تعرف قصر ڤرساي لا عهد لويس الرابع عشر، والباستيل لا قصة الثورة الفرنسية، وفخر الدين المعني الثاني لا استقلالية إمارة الجبل، ولينين لا الثورة البولشيفية، وتشي غيفارا لا حروب الأدغال في أميركا اللاتينية. تقارن بين قصر وآخر وبين اسم وآخر، لا بين قضية وأخرى ومعركة وأخرى ومأساة وأخرى. الجدلية مبتورة. حدود المقارنة لدى الأجيال الحديثة تقف عند الآيفون والإيميل وميكروسوفت وآﭘل، إلخ... وحين يزعجها بطء الحركة تنتقل من 3G إلى 4G فـ 5G. خارج كدها المهني، نضالاتها مجازية وعابرة. الحقيقة أن العالم فصل بين العلم والثقافة وبين التقدم والتاريخ. في مجتمعات الحضارة الاستهلاكية جعل الإنسان الحاضر مشروع مستقبل وأهمل الماضي، فألقى التاريخ القبض علينا. التاريخ يظهر علينا بأشكال شتى، آخرها كورونا.

منذ شهر وعلماء الاجتماع يدرسون تأثير كورونا على مسار الإنسانية. لا يزالون في مدار التساؤلات والتوقعات. ماذا سيبقى من النظام العالمي الحالي؟ أي نظام جديد سيولد؟ هل يغير الاقتصاد مرتكزاته الملوثة؟ هل ينخفض سكان المدن لصالح الريف؟ هل تصمد الوحدات الإقليمية أمام النزعة الانفصالية؟ هل تدخل البشرية في حالة انهيار نفسي أم تتخطى هواجسها؟ هل يؤدي هذا الامتحان الكوني إلى بروز زعماء على مستوى التاريخ؟ هل تنشب حروب جديدة أم يتحقق سلام دولي؟ هل يعود العالم إلى واقع ما بعد الحرب العالمية الأولى (1918 - 1939) حين نبتت النزاعات المتطرفة والحروب الساخنة، أم إلى واقع ما بعد الحرب الثانية (1945 - 1990) حين ظهرت التحالفات الدولية والحرب الباردة؟

جزء من هذه التساؤلات كان مدار نقاش قبل وباء كورونا بسبب الاختلال الذي اعترى النظام العالمي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (1991) وفشل الولايات المتحدة في قيادة العالم. إلى هذا الاختلال أضيف آخر اليوم هو الاختلال العلمي والنفسي والقيمي. وبقدر ما التغيير حتمي بعد هذه الصدمة البشرية، النظام العالمي القائم متجذر في القارات بشبكاته البرية والبحرية والجوية واللاسلكية والافتراضية. الأنظمة العالمية السابقة كانت إقليمية أكثر منها عالمية، فسهل تعديلها وإسقاطها. أما النظام الحالي فهو كوني ويتمطى كخيوط العنكبوت. مصالح المجتمعات والدول مترابطة رغم تناقضها، حتى أصبح تغيير هذا النظام، بآليته وبشبكته على الأقل، أقرب إلى الانهيار، وهو قيد الحصول، منه إلى التقدم، وهو قيد التفكير. صحيح أن الحياة توقفت مع كورونا لكن مشاكلها باقية.

سجعان قزي






أعلن مدير منظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس في 11 آذار/مارس الجاري أن وباء كورونا فايروس الجديد "كوفيد 19" قد أصبح وباء عالميّا، فلم يستغرب منه أحد نظرا لسرعة إنتشار الوباء وكثرة عدد الإصابات به بين دول العالم والتي كانت على مرأى ومسمع الجميع. الهدف الأول المطلوب من هذا الإعلان هو وضع حكومات العالم أمام الأمر الواقع كي تتخذ الإجراءات الضرورية اللازمة لصد هذا الوباء ومنع مضاعفات إنتشاره، حيث أصبح الوباء مشكلة العالم كله وليس مشكلة محليّة محصورة في مكان واحد.

الإحصائيات الواردة والصادرة عن منظمة الصحة العالمية تشير الى أن عدد الإصابات في 118 بلدا من بلدان العالم قد وصلت بتأريخ 12 آذار الجاري الى 125 ألف إصابة، أي تضاعف عدد الإصابات خلال فترة إسبوعين الى 13 مرة وتضاعف معها عدد الدول التي وصلها الوباء الى ثلاثة أضعاف! رغم إرتفاع عدد الإصابات المعلنة غير أن العدد الحقيقي للإصابات، وعلى الأغلب، يفوق العدد المعلن منها، وهذا لا يعني بالضرورة غبش في الشفافية أو الإخفاء المتعمد، إنما هناك عوامل كثيرة لا تسمح بإعطاء أرقام دقيقة للإصابات منها: عدم توفر وسائل الفحص المختبري الكافية لتغطية الطلب؛ عدم وجود أعراض مرضية عند الإصابة لدى البعض وبساطة وجود هذه الأعراض عند البعض الآخر يجعل المصابين بالفايروس يعتقدون بأنهم مصابون بوعكة برد عابرة أو زكام أو إنفلونزا بسيطة مما لا يجعلهم يستشيرون أطباءهم وحتى لو إستشاروهم ليس كل المصابين يرسلون لإجراء الفحص المختبري الخاص؛ ومن المصابين أيضا من يخشى الإعلان عن حالته خوفا من العزل والحجر الصحي؛ كذلك التهاون وعدم الإكتراث عند البعض، يجعل أعدادا كبيرة من المصابين خارج نطاق التعداد المعلن للحالات.

حصلت تناقضات محسوسة في سياسات الدول إزاء التصدي لهذا الفايروس الجديد فتباينت الرؤى والأفكار وتباينت معها الأفعال والإجراءات وتمخضت عنها النتائج والمعطيات المختلفة. حينما أعلنت الصين وهي مسقط رأس هذا الفايروس الجديد عن إكتشافها للوباء الجديد أنتقدها البعض بأنها تغاضت للوهلة الأولى عن حقيقة الوباء وتباطأت في الكشف عنة وإحتوائه والسيطرة عليه حينما كان في مهده. غير أن الحقيقة ربما غير ذلك، فحينما ظهر كوفيد 19 لأول مرة للوجود، كان بصفات وأعراض وعلامات الإنفلونزا الموسمية الفصلية الكلاسيكية وبقي هذا الفايروس ينتشر بين الناس في مدينة ووهان الصينية متخفيا بأعراض الإنفلونزا العادية ومستغلا وقت الظهور المشابه لوقت ظهور الإنفلونزا الموسميّة أي في أشهر الشتاء. من الصعب جدا التكهن بأن هذه الإنفلونزا ناشئة عن فايروس جديد غير الفايروسات المتوطنة المعروفة، بل أن تدارك الأمر بالسرعة المحسوبة والكشف عن حقيقة هذا الفايروس الجديد وحل لغز شفرته الجينيّة وتعريف العالم عليه، يعتبر خطوة متميزة حققها الصينيون في هذا المجال.

بنفس إسلوب تشخيص هذا الوباء الجديد إستطاع الصينيون السيطرة على انتشاره من خلال الإجراءات الجدية الرادعة حتى بانت إمارات التلاشي التدريجي للوباء وبدأ النزول من قمة المنحني لمسار الوباء. الخطوات الناجعة التي إتبعتها الصين في إسلوب التحكم والسيطرة على الوباء كانت نموذجا صالحا إقتدى فيه عدد لا بأس به من دول آسيا ومن ضمنها دول عربية وعلى الأخص دول الخليج العربي. إستطاعت هذه الدول أن تتبع النصائح الصحيّة الرائدة والإجراءات اللازمة بهذا المجال من أجل السيطرة على إنتشار الوباء وكبح جماحه. على الطرف النقيض الآخر، يكتشف المراقب للأحداث أن الدول الغربية وخصوصا دول الإتحاد الأوروبي إتسمت بالتهاون وقلة الإكتراث أمام خطورة هذا الوباء، حيث لم تلتزم بشكل صحيح بالأصول المفروضة للتصدي له، وهذا ما يفسّر الإنتشار السريع للوباء فيها.

خلافا للإلتزامات التي تحددها الأمور المبدئيّة الثلاثة للتصدي للأمراض الوبائية والمعدية والتي تعتمدها منظمة الصحة العالمية وتتلخص بـ "الكشف عن الوباء، منعه، ومعالجته"، فقد واجه معظم الأوربيين هذا الوباء بعدم الإكتراث وبالتهاون! لقد بثوا ثقافة عدم الإكتراث بين الناس حينما أشاعوا بينهم فكرة أن هذا الوباء غير خطير وأنة ليس أخطر من الإنفلونزا العادية، وقد جاءت هذه التوجيهات من خلال التعليمات الرسميّة الصادرة عن السلطات الصحية الى دوائر الدولة ومؤسساتها التعليمية والمهنية. كما أن السلطات الصحية لم توقف السفرات السياحيّة المتوجهة الى بؤر الوباء في شمال إيطاليا على سبيل المثال، بل ولم تراقب من عاد منها بل تركتهم أحرارا ينشرون ما كسبوه في سفرهم بين الناس! بل ولم تحجر المصابين الذين أكدت التحاليل المختبرية إصابتهم الأكيدة بالوباء، إنما تركتهم في بيوتهم!

يعتبر أهل الاختصاص وباء كوفيد 19 وباء مجتمعيّا، أي يسري بين أبناء المجتمع المتصلين مع بعضهم وهكذا فقد تحتم فض الإتصال بين أبناء المجتمع من أجل قطع سلسلة إنتشاره، غير أن هذه الإجراءات لم تتخذ بوقتها في أوروبا حتى غدت خطواتهم بهذا الشأن متأخرة! حيث أبقت السلطات المدارس والجامعات مفتوحة أبوابها، وأبقت دور السينما وأماكن الإزدحام والتجمع قائمة حتى حصلت القفزات النوعية في أعداد الإصابة. فوق هذا وذاك، لم تفلح معظم دول أوروبا في تجهيز المختبرات بأدوات الفحص والتشخيص الكافية حيث تباطأت عملية الكشف عن الإصابات. من الأمور الأخرى التي قد لا تصدق في ظل ظروف العدوى من الوباء هي منع بعض المستشفيات أطباءها وكادرها الطبي من ارتداء الكمامات الوقائية والضرورية لعدم توفرها بالشكل الكافي للجميع! وهكذا فالخرق يبدو واضحا لمبادئ التصدي للوباء وهي الكشف والمنع والعلاج.

إنتشار الوباء في أوروبا بشكل سريع وحاد هو تحصيل حاصل حيث تضاعفت اعداد الإصابات بشكل ملحوظ ومميز كنتيجة حتمية لخرق أسس التصدي المفروضة. إن أخطأت أوروبا في إجراءاتها ربما بدوافع إقتصادية، فقد أخطأت معها أيضا بعض الدول السياحيّة الأخرى التي تغاضت أو أخفت أو قللت من العدد الحقيقي للإصابات فيها، خوفا على مردوداتها الإقتصادية المتعلقة بالسياحة. هذه المنافع المالية المؤقتة ربما تكلف المجتمعات خسائر ومضاعفات لا تحمد عقباها فالمثل يقول "قيراط وقاية خير من قنطار علاج".

جميع السلطات الصحيّة في دول العالم تدرك بأن وباء كوفيد 19 ليس له دواء وليس له لقاح حتى هذه الساعة، بل ربما يطول وقت الإنتظار للحصول عليهما، كما يدرك الجميع بأن الثقافة الصحية ومعرفة أساليب تجنب العدوى هي السلاح الوحيد الآني أمام هذا الوباء. رغم هذه الحقائق نجد تقصيرا من بعض السلطات الصحية في نشر المستجدات من النصائح والمعلومات المنبعثة من مصادر البحوث المختصة بين الناس من جهة، والتأكيد على المعلومات الصحيحة وتفنيد المعلومات الخاطئة الواردة عن هذا الوباء من جهة أخرى. بل نجد العكس حيث تتسرب المعلومات الخاطئة عن الوباء من خلال وسائل التواصل الإجتماعي والتي قد تحمل بين طيّاتها أما تهويلا للوباء مما يبعث حالة من الخوف والهلع في نفوس الناس، أو تحمل روح التهوين والتخفيف من شدة الوباء بما يجانب الحقيقة، فتجعل الناس في تراخٍ مستمر وعدم إكتراث. هذه الأمور قد تمر وتنتشر بين الناس دون رادع ملموس وتصدي من قبل الإعلام الصحي في بعض الدول.

المعلومات التي تهوّل من شدة الوباء وتنذر بمحو البشرية جمعاء يقابلها حقيقة أن هذا الوباء لا يقتل أكثر من 4 بالمائة من المصابين فيه، حيث أن 80 بالمائة من المصابين لا يعانون إلاّ من أعراض إنفلونزا بسيطة لا تستحق تدخل الأطباء. بينما 15 بالمائة فقط من المرضى يستحقون مراجعة الطبيب أو المستشفى و5 بالمائة يحتاجون الى العناية الصحيّة المركزة. رغم أن غالبية المصابين لا يحتاجون العلاج غير أنهم يحتاجون الفحص المختبري من أجل التشخيص لكي يتم عزلهم عن الأصحاء من أجل ألاّ ينشروأ إصاباتهم بين أهلهم وذويهم ومن على صلة معهم. تكمن في هذا الوباء الخطورة عند كبار السن ومن يشكو من أمراض مزمنة في الرئة والقلب أو يعاني من مرض السكري والبدانة أو السرطان أو من نقص المناعة. بينما لا خطورة تذكر عند الأطفال ومن هم في مقتبل العمر، رغم هذا فالأطفال يعتبرون مصدر قوي لنقل العدوى للآخرين.

مضار التهويل تقابلها مساوئ التهوين من الوباء والتي قد تثني همم الناس عن حماية أنفسهم من المرض وعن إتباع النصائح والإرشادات المنصوص عليها. مهما كانت مبررات من يهوّن من خطورة الوباء، فمبرراته لا ترتقي الى شدة الضرر الذي قد يحدثه هذا التهوين، وهكذا فوباء كوفيد 19 لا يتقبل التهويل ولا يرتضي التهوين في التعامل معه أبدا!

د. محمد مسلم الحسيني









عندما تقرر منظمة الصحة العلمية أن فايروس كورونا بات وباءً عالميا، كتوصيف طبي له آثار وتداعيات تتعدى الواقع الصحي إلى الاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى السلوك النفسي المجتمعي، ذلك يعني أن الوضع الدولي بات في خطر شديد، كما أن السلم والأمن الدوليين ينذر بمخاطر لا تقل آثارها عن حروب إقليمية وعالمية طاحنة.

ثمة من يرصد انتشار الأوبئة ربطا بمرور القرون، وهي بالمناسبة ظاهرة ملفتة لكن ليس لها تفسير منطقي. ففي العام 1720 ضرب الطاعون مدينة مرسيليا الفرنسية وحصد فيها مئة ألف ضحية، وبعد مئة عام، إي في 1820 ضرب وباء الكوليرا في الفيليبين وتايلند واندونيسيا وراح ضحيتها أكثر من مئة ألف ضحية. ثم جاء العام 1920 وكان الموعد مع كارثة بشرية أخرى تمثلت بالأنفلونزا الاسبانية الذي ذهبت ضحيتها مئة مليون وسط عجز عن مواجهتها. اليوم في العام 2020 يغزو فايروس كورونا العالم ويضرب المجتمع الأكبر عالميا الصين ويمتد إلى 124 دولة حتى ألان، وباء عالمي يضرب كل قرن وبالتحديد العام 20، وسط عجز كامل عن تفسير ذلك. هل كورونا حرب بيولوجية أطلقت لأهداف محددة، وبالتالي يثار السؤال عن مصدر إطلاقه وتصنيعه والمستفيد منه. في الواقع الحرب البيولوجية تعتبر أقذر الحروب، إذا لا يرى العدو لمواجهته، ومن يطلقها يتحكم بنتائجها لجهة قدرته على تصنيع المضادات واللقاحات والأمصال لها، لكن السؤال يمتد إلى ماذا لو أدت إلى نهاية البشرية؟

فمع انطلاق فايروس كورونا من الصين عادت نظرية المؤامرة لتطل من جديد، على قاعدة الهمّ الأميركي لمواجهة الصين في حرب غير تقليدية، فبعد تثبيت العلماء لهذا الفايروس بأنه انتقل عبر الخفافيش أو الأفاعي وعبر المعامل البحثية الأميركية الهدف منه القضاء على التفوّق التجاري الصيني وإضعافها في أي مفاوضات قادمة محتملة، كما إن الأمر سينسحب على روسيا لاحقاً كهدف محدد ثان، كما ويعتبر كسلاح جيو سياسي الهدف منه القضاء على التنين الصيني؛ وفي نفس السياق أيضا وضمن هذه الفرضية ثمة من يدعي بأن واشنطن التي تطور فيروسات جينية في مختبرات جورجيا وأوكرانيا وأوزباكستان هي الأخطر، باعتبار أن هذه الفيروسات خطرها عرقي وهدفها القضاء على أعراق محددة كالصينيين والروس، وتم أطلاقتها من مدينة يوهان الصينية التي تحتضن مركزا علميا للتجارب على الفيروسات للتغطية عمليا على ما تديره واشنطن.

في المقابل سرت فرضيات أخرى مقامها سؤال افتراضي عن احتمال تسرب هذا الفايروس من المختبرات الصينية في يوهان والذي لم يتمكن من السيطرة عليه.فرضيات أخرى انطلقت على قاعدة أن الفايروس وراءه شركات أدوية تجارية تهدف إلى جني المليارات من وراء الوباء. وما عزز فرضيات نشوء الفايروس في المختبرات، براءة الاختراع الأميركية في العام 2018، الذي يتشابه تركيبته مع فايروس كورونا، وإنتاج فيلم سينمائي عرض قبل ثلاثة أشهر من انطلاق الفايروس الذي أطلق أيضا من مدينة صينية. أما الدليل الاقتصادي لأصحاب نظرية المؤامرة هو المكاسب التي حققها موقع أمازون خلال دقيقة واحدة والتي تبلغ 13 مليار دولار بعد الهلع الذي أصاب موقع علي اكسبريس الصيني، علاوة على ذلك، ما نشره علماء هنود على ما توصلوا إليه من أن الفايروس منشئ مختبري وفيه أربع سلالات من فايروس الايدز.

وبصرف النظر عن صحة نظرية المؤامرة من عدمها، ثمة وباء يجتاح البشرية وجعل دولها محميات مغلقة بعدما تغنّت لسنوات بالعولمة وفوائدها، ثمة مئات مليارات الدولارات خسائر أولية لضمور الإنتاج والتجارة العالمية والتي ستتحول إلى ركود وكساد كبيرين، تؤدي إلى خلق منافسات غير منضبطة تؤدي إلى نزاعات بين دول سرعان ما ستتحول إلى حروب إقليمية ودولية واسعة. فهل سيتمكن فايروس كورونا ذات الحجم الذي لا يتجاوز 150 نانومترا، من الكرة الأرضية التي تبلغ مساحتها 500 مليون كيلومترا مربعا. ربما يكون الأمر كذلك.

د. خليل حسين








ليس هناك ما هو طبيعي في العالم في هذه الايّام. لا هبوط أسعار النفط طبيعي ولا انتشار كورونا التي انطلقت من الصين، بالطريقة التي انتشرت بها، امر طبيعي. سيكون لهبوط اسعار النفط تأثير كبير على دول عدّة لم تتخذ الاجراءات الضرورية اللازمة لتفادي حالة من هذا النوع. هذا عائد اساسا الى طبيعة النظام في هذه الدول من جهة وفقدان الرغبة في الاستفادة من تجارب الماضي من جهة أخرى. عندما يكون النظام القائم اهمّ من البلد والمواطن، لا يعود مستغربا ان يكشف وباء كورونا "الجمهورية الإسلامية" والى ايّ حدّ هي ضعيفة في واقع الحال، خصوصا في مجال التعاطي مع الايرانيين.

بين هبوط أسعار النفط وكورونا، سيشهد العالم تطورات في أماكن عدة. يمكن في هذا المجال الإشارة الى بلدين معينين هما ايران والجزائر. كشفت كورونا ايران وكشف هبوط أسعار النفط والغاز الجزائر.

هناك بالطبع بلدان أخرى ستتأثّر بما يشهده العالم من تطوّرات لم تكن متوقّعة. لكن التركيز يمكن حصره بايران والجزائر نظرا الى ان ما يجمع بينهما يتمثّل في عجز النظامين عن تأمين بديل من الدخل الذي مصدره النفط والغاز في حين ان لدى كل من البلدين كلّ المقومات التي تسمح لهما ببناء اقتصاد مزدهر بفضل الثروات الأخرى التي يمتلكانها، بما في ذلك الثروة الانسانية. ما اكثر هذه الثروات اكان ذلك في الجزائر او في ايران. ولكن ما العمل عندما يقرّر نظامان الهرب المستمر الى الخارج بدل التركيز على كيفية الاهتمام برفاه الشعب وتأمين مستلزماته وإتاحة فرص عمل ذات طبيعة منتجة للجيل الشاب.

تهتمّ ايران بكلّ شيء باستثناء ايران. جاءت كورونا لتؤكد ذلك. ليس معروفا الى الآن حجم انتشار الوباء في "الجمهورية الإسلامية". كلّ ما هو معروف ان عددا كبيرا من المسؤولين قضوا بسبب كورونا. الأكيد ان ايران تعتبر مدى انتشار كورونا سرّا عسكريا. لهذا السبب، ترفض دخول موظّفين مختصّين في منظمة الصحّة العالمية أراضيها. تريد فقط ادوية ترسلها المنظمة الدولية. هل تخشى ان يكشف هؤلاء مدى تخلّف النظام الايراني على الصعيد الداخلي وعجزه عن مواجهة الواقع؟

عندما قامت "الجمهورية الإسلامية" في العام 1979، وحتّى قبل ذلك، تحدّث آية الله الخميني عن اهمّية بلوغ مرحلة لا يعود فيها الاقتصاد الايراني رهينة النفط والغاز. ما حدث، كان عكس ذلك تماما. في السنة 2020، تبدو ايران اكثر من ايّ وقت تحت رحمة أسعار النفط والغاز. لكنّها، فوق ذلك، تحت رحمة العقوبات الاميركية التي ركّزت على صادرات النفط والغاز الايرانية. هل من فشل اكبر من هذا الفشل؟

جاء وباء كورونا ليكمل معاناة الايرانيين من العقوبات الاميركية. بدل اخذ العلم بان ايران دولة من دول العالم الثالث، في احسن تقدير، هناك نوع من المكابرة يمارسه النظام الذي لم يكتف بتصدير السلاح والميليشيات المذهبية الى العراق وسوريا ولبنان، بل صار يصدّر الى هذه الدول الكورونا أيضا.

لعلّ آخر دليل على رفض النظام في ايران الاقتناع بانّ فترة السماح، المعطاة له اميركيا انتهت، ارساله وفدا الى بغداد برئاسة الادميرال علي شمخاني الأمين العام لمجلس الامن القومي في محاولة واضحة لملء الفراغ الناجم عن تصفية الاميركيين لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. كان سليماني بمثابة المفوّض السامي الايراني في العراق منذ العام 2003 تاريخ تسليم إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران. هناك عجز إيراني عن الاعتراف بانّ شامخاني، وهو من أصول عربيّة في الاحواز، لا يستطيع شيئا في العراق حيث الوضع في غاية التعقيد وانّه بعد 17 عاما على دخول الاميركيين الى بغداد، تبيّن ان العراق يبقى العراق وان ايران تبقى ايران. هذا هو الواقع الذي تأكد مع فشل محمد توفيق علّاوي في تمرير حكومته في البرلمان العراقي، وهي حكومة إيرانية أراد فرضها مقتدى الصدر وهادي العامري على العراقيين.

لن تنقذ المكابرة النظام الايراني الذي لا يستطيع مواجهة كورونا ولا ما هو اقلّ خطورة من كورونا. ما هو اقلّ خطورة من كورونا التصالح مع الواقع ومع الايرانيين انفسهم.

هذا ما يرفضه ايضا النظام الجزائري الذي يرفض القيام بالإصلاحات المطلوبة كي لا يعود تحت رحمة اسعار النفط والغاز التي ليس ما يشير الى انّها ستتحسّن قريبا في ضوء العناد الروسي الذي تعكسه الرغبة في خوض حرب أسعار، خاسرا سلفا، مع المملكة العربية السعودية.

يُفترض في النظام الجزائري ان يكون تعلّم من احداث العام 1988، في عهد الشاذلي بن جديد. في أساس تلك الاحداث هبوط اسعار النفط واكتشاف النظام انّ مؤسسات الدولة باتت عاجزة عن رشوة المواطن بتقديمات تجعله ساكتا وراضيا بدل حثّه على العمل الجدّي في قطاعات مثمرة. بين 1988 و1998، مرّت على الجزائر عشر سنوات صعبة سمّيت "سنوات الجمر". في 2019، جاء التخلّص من عبدالعزيز بوتفليقة الذي استفاد عهده الى حدّ كبير من ارتفاع أسعار النفط والغاز، من دون طرح الأسئلة الحقيقية المتعلّقة بالحاجة الى تغيير جذري في ذهنية النظام وسلوكه. لم يقتنع النظام، الذي في أساسه المؤسسة العسكرية التي وضعت عبدالمجيد تبّون في الواجهة، بضرورة حصول هذا التغيير في الذهنية. يلخّص الامتناع عن هذا التغيير التدهور الذي يبدو ان الجزائر مقبلة عليه على كلّ صعيد بعدما عجز النظام عن التصالح مع الواقع ومع الناس.

لا يمكن اعتبار التخلّص من عبدالعزير بوتفليقة والحلقة الضيقة المحيطة به إنجازا، علما ان في أساس التخلّص من بوتفليقة تحرّك شعبي مستمر منذ ما يزيد على سنة. الإنجاز يتحقّق في اليوم الذي يتبلور فيه نظام جديد لا علاقة له بالمؤسسة العسكرية المهيمنة منذ العام 1965 على البلد.

هل تتغيّر الجزائر يوما؟ هل تتغيّر ايران يوما؟ الكثير سيعتمد على النظام القائم في البلدين ورغبتهما في تفادي تفتت للبلدين، على غرار ما هو حاصل في سوريا الآن.

هل يعي النظامان ان الهروب الى الخارج ليس سياسة وانّ في استطاعة كلّ من البلدين ان يكون افضل بكثير مما هو عليه، بدءا بالتصالح مع شعبه وانتهاء بالتصالح مع جيرانه.

خيرالله خيرالله







أبدأ من النهاية وأسأل "لمَ لا يترك العرب فضائح العلاقة بإسرائيل جانبا ويلتفتوا إلى أحوالهم التي لا تسر بل أنها تهدد بولادة أجيال تتميز بانخفاض منسوب الإنسانية لديها، أجيال صار اللصوص والمحتالون والافاقون وأرباب السوابق والقتلة وقاطعو الطرق قدوتها؟"

واهم مَن يصر على أن لإسرائيل يد في ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان والجزائر. وإذا ما أردت أن أكون صريحا أكثر يمكنني أن أضيف "إن إنسداد الافق أمام الفلسطينيين ليس صناعة إسرائيلية".

دعوا إسرائيل جانبا. وإذا ما كان رئيس وزرائها نتنياهو قد تباهى بأن دولته لا تملك علاقات مباشرة إلا بثلاث دول عربية فهو حر في ما يقول. إنه رجل مرتاح يقود دولة ناجحة، يعيش مجتمعها في انسجام بالرغم من أصول أفراده المتفرقة ويحظى علماؤها ومفكروها بالتقدير وتعتبر جامعاتها من أرقى الجامعات في العالم.

اتركوا ذلك الرجل في شأنه والتفتوا إلى شؤونكم.

ليس مفيدا في شيء أن نبحث في النفايات عن المكائد والوشايات والدسائس في حين نغض الطرف عن الكنوز الحقيقية التي صارت تُدمر أمام أعينننا. كنوز بشرية ومادية على حد سواء. لا أقصد هنا التاريخ الذي محي جزء عزيز منه حسب بل وأيضا الحاضر الذي صارت فيه شعوبنا تزحف تحت ركام من المشكلات المعقدة التي تفنن خبراؤنا في التلويح بالمناديل البيضاء مستسلمين لوصولها إلى مرحلة اللاحل.

إسرائيل عدو. ذلك ما يعترف به أصدقاؤها من العرب. غير انها لم تنشر الفساد في العراق ولم تشعل نار الحرب في سوريا وليبيا واليمن ولم تدفع بلبنان إلى الإفلاس ولم تحرم الجزائريين من ثروات بلادهم وتجعل منهم رهائن بوصلة الجيش الذي يحميهم من القتل مقابل نهب ثرواتهم.
اما على المستوى الفلسطيني فلا اعتقد أن مصير الشباب الواقع تحت ظروف الاحتلال المدمرة ليعني أحدا من السياسيين الفلسطينيين الذي يستنزفون حقوق الشعب عن طريق تحويلها إلى أرصدة مالية.

المشكلات العربية أكبر من أن تقوى إسرائيل على صنعها وادامتها وإدارتها.

ذلك يعني أن تحميل إسرائيل مسؤولية ما يجري لنا هي واحدة من أكبر الأكاذيب في حياتنا السياسية. كلما فشل نظام حكم في تصريف شؤون مواطني الدولة التي يحكمها بسبب فساده رفعت لافتة إسرائيل الجاهزة. وكلما رغبت عصابة في سرقة أموال الشعب ضجت المنابر باللعنات على إسرائيل وكلما نزل قاطعو الطرق إلى الشوارع ليمارسوا هوايتهم في السلب والنهب والقتل والخطف قيل إن الهدف يكمن في منع إسرائيل من التغلغل في المجتمعات العربية.

أعرف أكثر من كل ذلك وأدرك أن هناك مَن سيتهمني بمحاولة التستر على جرائم إسرائيل. ذلك اتهام لم يعد يخيف أحدا. فما يحدث في العالم العربي يكشف بما لا يقبل اللبس عن أن هناك جهات مستفيدة من استمرار الفوضى ليست إسرائيل من ضمنها.

لنتأمل المشهد في المنطقة جيدا. إيران وتركيا هما اللاعبان الرئيسيان ولكل واحد منهما أتباعه المحليون الذين ينفذون تعليماته وما من شيء يشير إلى وجود جهة تنفذ تعليمات إسرائيلية إلا إذا كانت إيران وتركيا تعملان لدى الموساد الإسرائيلي وذلك لن يؤثر في شيء على النتائج.

المهيمنون على السلطة في العراق ولبنان وسوريا واليمن هم إيرانيون أكثر من خامنئي. اما في طرابلس الغرب فإن حكومتها الخاضعة للميليشيات تريد الإسراع في تتريك ليبيا بعكس ما دعت إليه القرارات الدولية.

كل تلك الكوارث التي تحيط بنا لا خيط يقودنا إلى مصادرها الإسرائيلية.

لذلك فإن الحل لن يكون إسرائيليا كما يتوهم البعض.

الحل يكمن في عودة العراقيين إلى عراقيتهم والسوريين إلى سوريتهم والليبيين إلى ليبيتهم واللبنانيين إلى لبنانيتهم واليمنيين إلى يمنيتهم ومَن يرفض القيام بذلك قهو العدو الذي يجب أن يُطرد إلى إيران أو تركيا.

لقد استعمل عملاء إيران وتركيا إسرائيل مسوغا لارتكاب جرائمهم العظمى وآن الأوان لكي يتعرف القتيل على هوية قاتله.

حين نضع إسرائيل جانيا سنكتشف هوية قاتلنا الحقيقي.


فاروق يوسف









مشروع تغيير "الحال اللبنانية" لا يزال قائما. لم يقض عليه تأليف الحكومة وهي ليست جزءا من التغيير، ولا إلهاء اللبنانيين بهموم جانبية وهو جزء من إجهاض التغيير، ولا تبعثر الانتفاضة الشعبية وهو مقصود لتعطيل التغيير، ولا صفقة القرن وحرب إدلب ومصالحة طالبان وفيروس "كورونا" وهي جميعا تعزز السير بالتغيير.

إعادة النظر بالتركيبة اللبنانية تأتي أيضا في سياق التحولات الكيانية والدستورية في الشرق الأوسط، لا في سياق محاربة الفساد في لبنان فقط. هذا شعار أخلاقي ومالي محلي يلطو وراءه مشروع التغيير السياسي والدستوري والديمغرافي الجارف دول المنطقة وأنظمتها وشعوبها بأكثرياتها وأقلياتها. وخطورة هذا المشروع الدولي - وهي حسنته في آن معا - أنه قابل التعديل حسب تبدل موازين القوى والتحالفات والعلاقات مع مراكز القرار. هذه فرصة للبنان إذا وجد قادة يطرحون قضيته. لكن... أي قادة بقوا؟ وأي قضية بقيت؟

قبل مشروع واشنطن في الشرق الأوسط الكبير ونشر الفدرالية بديلا من نشر الديمقراطية، وقبل انتقال الصراع الأميركي/الإيراني إلى لبنان، يطالب اللبنانيون بالتغيير في بلادهم في ضوء بروز ثغرات في الدولة المركزية. لكن الولايات المتحدة، بدعمها الشعب اللبناني في نضاله من أجل مستقبل أفضل، لم توفر له ظروف نجاح انتفاضته. فمن جهة تشجع الانتفاضة الشعبية، ومن جهة أخرى تحاصر لبنان بشكل يفقر الشعب ويمنع عنه لقمة العيش. فالواضح أن العقوبات الأميركية، المالية والمصرفية والاقتصادية على حزب الله انعكست على جميع اللبنانيين من خلال رد حزب الله على أميركا. إن الضيقة تولد اضطرابات لكنها لا تحدث تغييرا، خصوصا أن مفهوم واشنطن للتغيير في لبنان لا يلتقي بالضرورة مع التغيير الذي يطمح إليه اللبنانيون.

معيار التغيير بالنسبة لأميركا هو احتواء حزب الله والحد من دوره وتأثيره، ومغفورة خطايانا الباقية. فواشنطن تعتبر أن سيطرة حزب الله على الدولة هو مصدر الفشل والفساد والهدر وسوء الحوكمة، وأن مجرد تحجيمه كاف لتغيير الوضع اللبناني وعودة الحياة الطبيعية. لكن واشنطن تتغافل عن أمرين: الأول، أن الفساد لا يقتصر على حزب الله، بل صار شبكة عنكبوتية تضم أيضا أطرافا صديقة لأميركا ولدول الخليج. والآخر، أن القضاء على الفساد لا يلغي التناقضات الوطنية بين اللبنانيين والتي تستدعي هندسة دستورية جديدة يختلف اللبنانيون بشأنها.

غالبية الشعب اللبناني تلتقي على ضرورة التغيير. شاخ لبنان مع أنه لا يزال شابا. أتعبته الصيغة، بل أتعبه أعداء الصيغة. لكن اللبنانيين مختلفون على نوعية التغيير ومضمونه وحدوده. ما يسعى إليه مكون يسعى إلى عكسه مكون آخر. بعض اللبنانيين يريد تغييرا إصلاحيا في لبنان والبعض الآخر يريد تغيير لبنان. أصبحت العلاجات مؤذية مثل الأمراض. لا يزال التغيير في لبنان مشروع طائفيين وطوائف لا مشروع مواطنين ووطن. هذا الواقع المرير يعيق خط سير التغيير، إذ يخشى أن يصبح التغيير مدخلا إلى انهيار الوطن لا إلى إصلاح الدولة.

مروحة التغيير تبدأ بإصلاحات من داخل الدستور إلى تعديلات من خارجه. هناك من يرجو إصلاحات تحيي لبنان الموجود الذي صنعه آباؤنا وأجدادنا، ومن يحلم بتعديلات تنسف هذا اللبنان وتستهل آخر نقيضا. هناك من يقصد إزالة الهيمنة عن الجميع، ومن يتقصد نقلها إليه ليمارسها على الآخرين. هناك من يأمل ألا يطيح التغيير اتفاق الطائف، ومن يصر على إسقاط هذا الاتفاق. هناك من يريد التغيير إرساء للحياد والعلمنة، ومن يريده تثبيتا للانحياز والتدين السياسي. كأننا عاجزون عن التغيير وعن البقاء في الوضع الحالي. ليست دولتنا هي الفاشلة. نحن، الشعب، أيضا فاشلون.

اللافت أن اللبنانيين، منذ تأسيس دولة لبنان، يطالبون بالتغيير الشامل من دون أن يكلفوا أنفسهم تغيير شيء بسلوكهم. إذ لو فعلوا لوجدوا أن العلة فيهم لا في لبنان، في أهل النظام لا في النظام، في الخروج عن الدستور لا في الدستور، وفي تعددية الولاءات لا في الولاء للبنان فقط. إن فشل الدولة هو في العمق فشل اللبنانيين في احترام قواعد الشراكة الميثاقية. وبقدر ما نصلح ما فينا من سيئات ونحسن سلوكياتنا تبرز حسنات النظام، وتتقلص مساحة التغيير، وتقتصر على إصلاحات الضرورة.

لكن، حين يصبح النأي بالنفس عن فيروس "كورونا" جزءا من الإستراتيجية الدفاعية، وتعجز الحكومة عن اتخاذ قرار تحييده عن اللبنانيين لأسباب سياسية ومذهبية وحزبية، نتأكد من هذا الفشل المخزي، ويصبح حقا شرعيا طرحنا مصير الصيغة اللبنانية المركزية. فإذا اختلفنا على مكافحة الموت فعلام نتفق؟ إن مكونات وطنية تختصم على صون الحياة تختصم على الباقي بما فيه الوطن والدولة.

مؤسف أن نصل إلى هذا المستوى. ومؤسف أن يترك اللبنانيون انطباعا بأن دولتهم ناقصة ووطنهم مرحلي وكيانهم تسوية ونظامهم شر لا بد منه، وأنهم شعب تائه يفتش عن ذاته في العصور الوسطى. في حين أننا شعب عريق ووطن تاريخي وذو هوية واضحة، ودولتا الحديثة تتمتع بجميع البنى الأساسية التي تخولها أن تكون عظيمة في محيطها والعالم. الحقيقة أن اللبنانيين، وهم يرفضون الاعتراف بقيمة دولتهم، يذلون أنفسهم لاسيما لما يروحون يبحثون عن هويتهم خارج تاريخهم ويوالون دولا أخرى لا تتمتع بمميزات لبنان ولا بقيمه ولا بديمقراطيته ولا بحضارته.

إن السيطرة على مصيرنا ومنع الآخرين من أن يقرروا عنا يبدأ باستباق مشاريع التغيير الآتية من لعبة الأمم، فنضع مجتمعين تصورا عصريا جريئا للبنان، عوض أن ندع كل جماعة تضع مشروعها الخاص. فالتغيير الذي نريده هو لقاء جديد لا افتراق.
سجعان قزي







ليست المرة الأولى التي يحتدم الجدل ويتم تراشق الاتهامات التي تصل حد التخوين ما بين المؤيدين والمعارضين للقاءات التي تتم بين مسئولين فلسطينيين وجهات إسرائيلية رسمية وغير رسمية، وآخرها ما جرى بعد لقاء في تل أبيب حمل شعار "برلمان السلام" ولقاءات أخرى تمت في رام الله، بين أعضاء من لجنة التواصل الفلسطينية مع إسرائيليين. فهل من جدوى لهذا التواصل؟ وهل تجاوزت اللجنة الخطوط الحمر؟ وهل يمكن للفلسطينيين قطع التواصل مع الإسرائيليين؟

من المعلوم أن لجنة التواصل شكلتها منظمة التحرير عام 2012 ويترأسها محمد المدني عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وقد حددت اللجنة مهمتها بأنه "التواصل مع المجتمع الإسرائيلي بهدف نقل الموقف الفلسطيني لهم." وسبق أن قالت لجنة التواصل: "يجب التفريق بين التطبيع مع الاحتلال وأدواته وهو أمر مرفوضٌ ومدانٌ فلسطينيا، وبين العمل على الجبهة الإسرائيلية الداخلية من خلال الحوار والتواصل والنقاش مع المجتمع الإسرائيلي وشرائحه المتعددة."

وفي سياق تبرير عمل اللجنة سبق لمحمد المدني أن قال: "إننا كفلسطينيين لن نخسر شيًا إذا تحدّثنا مع الإسرائيليين، لكنّنا لن نكسب شيئًا إنْ لم نفعل ذلك.” وبالنسبة للقاءات الأخيرة قالت اللجنة في بيان صدر على موقع وفا: "إن منظمة التحرير الفلسطينية ببرنامجها الوطني هي المظلة الشرعية للجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي... وأن كل نشاط تقوم به اللجنة يندرج ضمن هذا الدور ومهمته نقل الموقف الفلسطيني الرسمي والرؤية الفلسطينية الشاملة إلى الجانب الاسرائيلي بكل مكوناته وليس تماهياً بأي شكل من الأشكال مع الاحتلال أو تطبيعاً معه."

كان مناط الانتقاد الذي وصل لدرجة التخوين لأعضاء لجنة التواصل الذين شاركوا في هذه اللقاءات، أن هكذا لقاءات:


تنقل صورة مضلِلة عن المجتمع الإسرائيلي وتُظهر للعالم وكأن هناك إسرائيليين يريدون السلام ويمكن المراهنة عليهم لاستمرار عملية التسوية السياسية وتحقيق السلام، بينما من يتم اللقاء معهم هم أشخاص هامشيون غير مؤثرين في المجتمع الإسرائيلي ولا على صانعي القرار في الدولة.

في ظل العالم المفتوح لا يحتاج الإسرائيليون للقاءات مع وفود فلسطينية حتى يطَّلِعوا على الموقف الفلسطيني، وكأن الإعلام الفلسطيني عاجز عن القيام بهذه المهمة.

إنها لقاءات تندرج في سياق "التطبيع" مع إسرائيل، فكيف نُدين دولاً عربية لأنها تُطبع مع إسرائيل بينما فلسطينيون يجلسون مع إسرائيليين علناً في إسرائيل أو في مناطق السلطة.

تتعارض مع الجهود التي تبذلها جماعة BDS لمقاطعة إسرائيل دولياً، فكيف نطلب من العالم أن يقاطع إسرائيل بينما تحدث لقاءات بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

تتعارض مع قرارات وتصريحات رسمية لمسئولين فلسطينيين تدعو لوقف الاتصالات مع إسرائيل وإعادة النظر بالاتفاقات الموقعة معها.

إن هذه اللقاءات الرسمية تكسر حالة العداء مع إسرائيل وتشجع فلسطينيين آخرين على التواصل مباشرة مع الإسرائيليين، سواء تعلق الأمر بالتجار ورجال الأعمال أو مَن يعمل لخدمة أجندة سياسية موازية للسلطة أو تتطلع للحلول محلها.

دون تجاهل وجاهة بعض هذه المبررات التي يطرحها الرافضون لمثل هكذا لقاءات وخصوصاً بعد الكشف عن صفقة القرن وسياسة نتنياهو العدوانية وحالة الغضب الشعبي على الاحتلال، إلا أن الموضوع أكثر تعقيداً، ويجب التعامل مع الموضوع بحذر وبدرجة عالية من الموضوعية والعقلانية وبعيداً عن المواقف المسبقة تجاه أشخاص في لجنة التواصل غير مرضي عنهم شعبيا، أو موقف مسبق من السلطة نفسها التي تقف وراء هذه اللقاءات وكل أشكال التنسيق مع الإسرائيليين.

ومن جهة أخرى يجب عدم الخلط ما بين مسألة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية من جانب ومسألة التواصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين داخل فلسطين المحتلة من جانب آخر.سيكون من الإجحاف مقارنة التطبيع العربي مع إسرائيل مع التواصل والعلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الدول العربية غير مضطرة للتطبيع مع إسرائيل لأنها غير محتاجة لها وكل ما يمكن أن تحصل عليه من إسرائيل يمكن أن تحصل عليه من الدول الأخرى بما فيها الدول الغربية وواشنطن، وبالتالي فإن للتطبيع العربي هدفاً سياسياً يسيء للفلسطينيين دون أن يحقق مصلحة فعلية للشعوب العربية، ومع ذلك فالعرب يطبعون علناً وسرا مع الإسرائيليين وزمن المقاطعة قد ولى وغالبية الدول الإسلامية لها علاقات رسمية مع إسرائيل.

فكرة التواصل مع الإسرائيليين ليست بجديدة وهي سابقة بكثير لتشكيل لجنة التواصل عام 2012، حيث تعود لبداية السبعينيات عندما طرح الفكرة ودافع عنها الرئيس الحالي محمود عباس الذي كان وما زال يؤمن بالسلام والتسوية السياسية وأهمية التواصل مع الإسرائيليين المعادين للصهيونية – وعلى خلفية هذه الاتصالات تم اغتيال عدد من الفلسطينيين المكلَفين بالاتصالات على يد جماعات فلسطينية معارضة -، وقد تبنى المجلس الوطني الفلسطيني عام 1977 رسمياً مبدأ التواصل مع الإسرائيليين غير الصهاينة، إلا أنه مع بداية عملية التسوية السياسية في مؤتمر مدريد 1991 وتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس العام على قرار يلغي قراراً سابقاً صدر عام 1975 باعتبار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، زالت الحدود ما بين الإسرائيليين الصهاينة وغير الصهاينة وأصبحت الاتصالات مع الجميع.

وكان من المنطقي أن يحدث الاتصال والتواصل ما دامت منظمة التحرير قَبِلت مبدأ التسوية السياسية ووقعت اتفاقية أوسلو، ومن يرفع شعار السلام والتسوية السياسية يجب أن يكون مستعداً للجلوس مع الطرف الآخر الذي سيصنع معه السلام، سواء في إطار حل الدولتين أو الدولة الواحدة التي يدعو لها البعض.

هامش الاختيار عند الفلسطينيين في التواصل مع الإسرائيليين أو عدمه ليس كبيرا ولا مريحا، لأن هناك تدَاخُل بينهم وبين الإسرائيليين داخل فلسطين، تداخُل تفرضه الجغرافيا والاقتصاد والاتفاقات الموقعة وواقع الاحتلال، وما دام هناك التزام رسمي من منظمة التحرير باتفاقية أوسلو وباستمرار السلطة وبالعملية السياسية سيكون من نافلة القول الحديث عن قطع العلاقة كلياً مع إسرائيل الدولة والمجتمع، هذا ناهيك لوجود مليون وثمانمائة الف فلسطيني داخل الخط الأخضر يحملون الجنسية الإسرائيلية ويجب التواصل معهم وهذا لا يمكن أن يحدث دون درجة من التنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

فدعونا نفكر بعقلانية حول إمكانية قطع كل أشكال الاتصال والتواصل بين السلطة وإسرائيل وما هي التداعيات التي ستترتب عن ذلك، وهل النظام السياسي الفلسطيني في وضعه الراهن والمنقسم على ذاته مهيأ للتعامل مع حالة انهيار السلطة والقطيعة التامة مع إسرائيل؟ وهل يمكن وقف التواصل مع شرائح من المجتمع الإسرائيلي بينما يستمر التنسيق الأمني والاقتصادي ويستمر التزام السلطة بالاتفاقات الموقعة؟

بعيداً عن المناكفات الحزبية السياسية وعن الرغائبية الشخصية حتى وإن كانت مُحملة بأرقى المشاعر الوطنية، إن كان لا بد مع قطع كل علاقة مع الإسرائيليين يجب أن يكون ذلك في إطار قرار وطني استراتيجي يشمل الجميع في الضفة وغزة والشتات، ذلك أن الانتقال من حالة سلطة الحكم الذاتي إلى حالة التحرر الوطني أو إلى تغيير وظيفة السلطة لتصبح سلطة سيادية للدولة الفلسطينية يتطلب تهيئة الإطار أو الأطر الوطنية التي ستملأ الفراغ الذي قد ينتُج عن الغاء "سلطة أوسلو" وكل ما يرتبط بها من مؤسسات ووزارات وكل أشكال التواصل والتنسيق مع الإسرائيليين، وهذا يشمل أيضا الوضع في غزة لأن الهدنة أو التفاهمات بين فصائل المقاومة في غزة وإسرائيل هي أيضا تواصل وتنسيق أمني واقتصادي حتى وإن كان غير مباشر.

بصراحة نقول حتى في حالة وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل ووقف التنسيق الأمني، وهو ما لا نتوقعه قريباً، فإن هناك ضرورة لاستمرار التواصل المجتمعي مع الإسرائيليين وخصوصاً مع القوى اليسارية والمحبة للسلام حتى وإن كان عددها محدوداً، ولأن الصراع مع إسرائيل ليس عسكرياً فقط لذا يجب انتهاج استراتيجية وطنية متعددة المسارات: تعزيز الوحدة الوطنية، توحيد الخطاب الإعلامي، مقاومة بكل أشكالها الممكنة، عمل سياسي ودبلوماسي، ومحاولة التأثير على المجتمع الإسرائيلي من الداخل أحد هذه المسارات، مع حُسن اختيار الشخصيات المُلكَفة بالتواصل والشخصيات الإسرائيلية التي يتم التواصل معها.

وأخيرا، يبدو أن العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستبقى محكومة بمعادلة يمكن تسميتها "الصراع المفتوح والتواصل المحتوم".

د. إبراهيم أبراش









خصص الرئيس دونالد ترامب جزءا صغيرا من خطابه عن حال الاتحاد لإيران. مثلما عمل رونالد ريغان ابتداء من العام 1981 على تفكيك الاتحاد السوفياتي، يبدو ان ترامب في طريقه الى إعادة ايران الى حجمها الطبيعي. سيسمح له ذلك بترك بصماته على تاريخ الشرق الاوسط وخريطته الجغرافية... هذا اذا استطاع وضع ايران في مكانها الصحيح بعد سنوات طويلة نجحت خلالها في تغيير طبيعة المجتمعات في دول عدّة قريبة منها وبعيدة عنها.

أورد ترامب، في الخطاب السنوي الذي يلقيه كلّ رئيس أميركي امام الكونغرس، توصيفا واقعيا لحال الاقتصادي الايراني ومدى تدهوره في ضوء العقوبات الاميركية. تطرّق ايضا الى تصفية الولايات المتحدة لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني مطلع هذه السنة. كان قاسم سليماني المشرف الفعلي على النشاط الايراني في العراق وسوريا ولبنان وفي الأراضي الفلسطينية، خصوصا قطاع غزّة وحتّى في اليمن وافغانستان. كان نشاطه يعتمد على تجنيد الميليشيات المذهبية في كلّ بلد من هذه البلدان في خدمة المشروع التوسّعي الايراني.

تريد ايران ان يكون كلّ بلد من هذه البلدان او الاراضي، وهي بلدان واراض عربية باستثناء أفغانستان، جرما يدور في فلكها وورقة من اوراقها. هدفها تكريس دورها الإقليمي، بغض النظر عن البؤس الذي يعاني منه القسم الأكبر من الايرانيين داخل "الجمهورية الإسلامية" التي اسّسها آية الله الخميني قبل واحد وأربعين عاما.

يمكن اعتبار التدهور الذي يعاني منه الاقتصاد في "الجمهورية الإسلامية" تطورا طبيعيا نتيجة المكابرة التي تتميّز بها تصرفات كبار المسؤولين الايرانيين الذي يرفضون الاعتراف بانّ ليست لديهم حلول من أي نوع للداخل الايراني، خصوصا انّ البلد بقي أسير ما يصدّره من النفط والغاز. امّا على الصعيد الخارجي، ليس هناك نموذج إيراني ناجح يمكن تقديمه في أي مجال سياسي او اقتصادي او حضاري.

من الواضح ان ايران ترفض التعاطي مع المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة التي نشأت مع وصول دونالد ترامب الى البيت الابيض. لهذا السبب نرى رئيس الجمهورية حسن روحاني يتحدّث عن إعادة العمل في الاتفاق النووي مع مجموعة الخمسة زائدا واحدا الذي مزّقه الرئيس الاميركي. لا يدري روحاني، او ربّما يدري جيّدا، ان ورقة الاتفاق النووي لم تعد صالحة لابتزاز أي كان وان الرهان على أوروبا ليس رهانا في محلّه. اكثر من ذلك، لم تستطع ايران التخلّص من عقدة تتحكّم بكلّ تصرفاتها هي عقدة رفض الاعتراف بالفشل مع ما يعنيه ذلك من امتلاك شجاعة القيام بعملية نقد للذات.

في العام 1986، مرّ حدثان كشفا الاتحاد السوفياتي الذي كان رونالد ريغان ادخله قبل ذلك في سباق تسلّح غير قادر على السير فيه. كان ذلك عندما تحدّث الرئيس الاميركي عن "حرب النجوم"، أي عن منظومة صاروخية موجودة في الفضاء قادرة على تعطيل أي صواريخ يمكن ان تنطلق من الاتحاد السوفياتي. تبيّن مع الوقت ان ما اعلن عنه ريغان كان اقرب الى الخيال من الواقع، لكنّ "حرب النجوم" أظهرت عدم امتلاك الاتحاد السوفياتي القدرة على منافسة الولايات المتحدة في حرب تسلّح من هذا النوع. تبيّن بكل بساطة انّ الاقتصاد السوفياتي من الهشاشة الى درجة تجعله شبيها بجسم عملاق تحمله ساقان لا تقويان على التحرّك من دون عكازين!

حصلت على الأرض ترجمة للحال الاقتصادية للاتحاد السوفياتي. كان الحدث الاوّل في الثالث عشر من كانون الثاني – يناير 1986 عندما انفجر الوضع في اليمن الجنوبي الذي كان يسمّى "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية". كانت هذه الجمهورية مستقلّة وبقيت كذلك حتّى العام 1990 تاريخ تحقيق الوحدة اليمنية. كذلك، كانت مجرّد جرم يدور في الفلك السوفياتي وموطئ قدم له في شبه الجزيرة العربية. جاء انفجار الداخلي في اليمن الجنوبي، على شكل حرب اهليّة، بين انصار الرئيس (وقتذاك) علي ناصر محمّد وخصومه ليظهر ان السيطرة السوفياتية على البلد انتهت فعليا. تبيّن، بكلّ بساطة، ان القوة العظمى الأخرى في العالم ليست سوى نمر من ورق. لعلّ ابرز دليل على ذلك الاستعانة بيخت ملكة بريطانيا لاجلاء الرعايا السوفيات من "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية"...

امّا الحدث الثاني، فكان الحادث الذي تعرّض له مفاعل تشيرنوبيل النووي في أوكرانيا يوم 26 نيسان – ابريل 1986. كانت أوكرانيا في تلك الايّام جمهورية سوفياتية وجاء حادث تشيرنوبيل ليؤكّد بما لا يقبل ادنى شكّ انّ الاتحاد السوفياتي دولة من العالم الثالث تمتلك مفاعلات نووية لكنّها غير قادرة على المحافظة على سلامتها.

في ظلّ الكارثة التي يمرّ فيها الاقتصاد الايراني، جاء اغتيال قاسم سليماني الذي يعتبر رمزا للمشروع التوسّعي الايراني. لم يعد لدى ايران ما تردّ به على تصفية من تعتبره المسؤول الاوّل عن مشروعها الإقليمي. كان قصف قاعدة عين الأسد الاميركية في العراق اقرب الى تمثيلية هزلية اكثر من أي شيء آخر. وجاء اسقاط طائرة الركاب الأوكرانية عن طريق الخطأ ليكشف ان ايران دولة من دول العالم الثالث في احسن الأحوال.

مثلما لم يستطع الاتحاد السوفياتي تطوير نفسه والتكيف مع المعطيات الجديدة التي رافقت وصول رونالد ريغان الى البيت الأبيض خلفا لرئيس عاجز اسمه جيمي كارتر، لم تستطع ايران التكيّف مع عهد دونالد ترامب. الأكيد ان المكابرة لا تنفع في شيء. كذلك لن ينفع الرهان على انّ الرئيس الاميركي لن يكون رئيسا لاربع سنوات أخرى بعد انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. لم يفشل الحزب الديموقراطي في محاكمة ترامب امام الكونغرس بسبب ما وُصف بانه ضغوط مارسها على الرئيس الاوكراني فحسب، بل ان جولة الانتخابات الاولى في ولاية ايوا أظهرت ان الحزب الديموقراطي يعاني من فوضى داخلية. ما صار واضحا بعد جولة الانتخابات في ايوا، الهادفة الى اختيار مرشّح للحزب الديموقراطي يواجه ترامب بعد نحو تسعة اشهر، ان لا مرشّح جدّيا قادرا على هزيمة ترامب في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل.

لا يعمل الوقت لمصلحة "الجمهورية الإسلامية" مثلما لم يلعب لمصلحة الاتحاد السوفياتي. هل هناك في طهران من يريد ان يعي انّ باراك أوباما رئيس سابق وانّ ليس من هو مستعد للتفاوض معها بشروطها، خصوصا ان الاوراق التي تمتلكها ليست أوراقا. ذبلت كلّ الاوراق الايرانية اكان في لبنان، الذي دخل مرحلة الانهيار الكامل في غياب من يسأل عنه عربيا او اميركيا... او في العراق حيث ثورة حقيقية على كلّ من له علاقة من قريب او بعيد بالمستعمر الايراني!

خيرالله خيرالله








تبايُن المواقف من خطاب الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن يُعطي مؤشراً خطيراً ليس فقط على استمرار عقلية وواقع الانقسام الفلسطيني بل أيضاً استمرار حالة التيه السياسي وغياب أية رؤية أو استراتيجية للرد العقلاني والواقعي على خطة ترامب، وهو رد كان من المُفترض أن يتبلور منذ أن أعلن ترامب عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة للقدس وعندما أوقفت واشنطن المال عن السلطة وجَهرت بموقفها الرافض لحق عودة اللاجئين وعندما أغلقت مقر منظمة التحرير في واشنطن، بل حتى قبل مجيء ترامب عندما توقفت المفاوضات الرسمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

خطاب الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن لم يختلف عن خطاباته في المحافل العربية والإسلامية والإفريقية بل كانت حدة نبرة الخطاب في مجلس الأمن أخف. ما تمناه البعض من أن يكون الخطاب أكثر وضوحاً وحدة في مواجهة واشنطن وتل أبيب وأكثر وضوحاً في التأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه بمقاومة الاحتلال وشرعية هذه المقاومة مع التركيز على التمييز بين عنف دولة الاحتلال وعنف الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه، إلا أنه في اعتقادي ما كان للرئيس إلا أن يتكلم بهذه اللغة في مخاطبته لأعضاء مجلس الأمن والعالم لعدة أسباب منها:

إن الرئيس استمر أميناً مع نهجه ومنطقه السياسي الذي يراهن كلياً على التسوية السياسية والمفاوضات والشرعية الدولية ولا يؤمن بجدوى المقاومة المسلحة.
إن الخطاب جاء مباشرة بعد فشل التوصل لصيغة مشروع قرار في مجلس الأمن يُدين الصفقة وهو فشل يُعد مؤشراً سلبياً يجب التوقف عنده مطولاً.
جاء الخطاب بعد مماطلة محكمة الجنايات بفتح تحقيق في جرائم إسرائيل.
جاء الخطاب بعد تلمس الرئيس لضعف ردود الفعل العربية والإقليمية والدولية التي لم تتجاوز الرفض اللفظي لصفقة ترامب.
جاء الخطاب في ظل استمرار ضعف الحالة الفلسطينية واستمرار الانقسام وعدم خروج المعارضين لصفقة القرن عن مربع الخِطابة دون أي توجه فعلي لبديل مقاوم وعملي للصفقة.

بعد أيام ستنتهي هوجة أو موسم التنديد والرفض للصفقة، وهي معارضة وإن كانت مطلوبة للتعبير عن الرفض الشعبي لأية تسوية تتجاهل الحد الأدنى للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني كما تم بلورتها في المجلس الوطني في الجزائر 1988، إلا أنها لن ترتدع إسرائيل وأميركا وتدفعهما للتراجع عن الصفقة، وإن كان من الممكن أن تدفعهما كنوع من المناورة للحديث عن تعديل الصفقة والبحث عن وسطاء لجلب طرف فلسطيني لطاولة المفاوضات.

لا نتفق مع الذين يبالغون ويُهوِّلون من حالة الرفض لصفقة ترامب –نتنياهو لدرجة أن البعض يعتبرها ولِدت ميتة، بل نؤكد على خطورة هذه الصفقة وضرورة الاستعداد لمواجهتها، وذلك لعدة أسباب:

الصفقة تعبر عن واقع السياسة الدولية الواقعية التي تقوم على المصالح وبالتالي لا تُعير اهتماماً لخطابات الرفض والتنديد ولا لقرارات الشرعية الدولية، وواشنطن تعرف جيداً مواقف الدول العربية والإسلامية وتعرف جيداً حدود قرارات الشرعية الدولية كما تعرف الواقع الفلسطيني المنقسم على ذاته.
تعبر عن موقف الإدارة الأميركية وليس مجرد رأي شخصي لترامب، وخصوصاً إذا ما تم انتخاب ترامب مرة ثانية، والتحليل الذي يقول إن الصفقة رأي شخصي لترامب فهو في هذه الحالة يتعامل مع أميركا وكأنها دولة عربية الكلمة والقرار فيها للزعيم وليس عن دولة مؤسسات، فترامب صناعة الدولة العميقة ويعبر عنها وعن شبكة المصالح القومية الكبرى الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية.
هناك تحوُّل في حديث الرئيس أبو مازن تجاه الرئيس ترامب من السلبية المطلقة ونعته بأسوأ الصفات إلى الحديث الإيجابي في خطابه في مجلس الأمن وهو ما يؤشر عن استعداد للحوار مجدداً مع ترامب.
استمرار التوجه الإيجابي للرئيس أبو مازن تجاه الجمهور الإسرائيلي وحديثه عن إسرائيليين رافضين للصفقة من سياسيين وعسكريين، واستعانته غير الموفَقة برئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود أولمرت، وهذه المقاربة للمجتمع الصهيوني تتعارض مع حقيقة أن كل المجتمع الإسرائيلي ينحو نحو اليمن ويرفض قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 أو التخلي عن القدس.
استمرار تمسك الرئيس أبو مازن بالسلام والتسوية السياسية لدرجة مدحه لاتفاقية أوسلو، مع أن جزءاً كبيراً مما يجري للشعب الفلسطيني يعتبر من مخرجات تسوية أوسلو.والإشارة الايجابية من الرئيس لاتفاقية أوسلو قد يفسر عدم تطبيق قرارات فلسطينية سابقة بإنهاء العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل أو حل السلطة أو وقف التنسيق الأمني.
الضغوط الهائلة التي تعرض لها الرئيس ليس فقط من واشنطن أو من إسرائيل لدرجة تهديده بالتصفية، بل من أطراف عربية أيضا.

لا نقلل من أهمية موقف الرئيس الرافض حتى الآن للصفقة وهو الزعيم الفلسطيني والعربي الوحيد الذي يتحرك عبر العالم بالرغم من مرضه وكِبر سنه مدافعا عن حقوق الشعب الفلسطيني، فيما الزعماء الآخرون يكتفون بالرفض العلني وبعضهم ينتظر نصيبه من الصفقة، كما نؤكد على أهمية الحراك الدولي في الأمم المتحدة وخارجها والتمسك بقرارات الشرعية الدولية، إلا أن الرئيس وإن حاول أن يكون واقعياً وعقلانياً وإن نجح نسبياً في كشف حقيقة صفقة ترامب –نتنياهو والتحريض عليها حتى لا تكتسب شرعية رسمية ومُعلنة، إلا أنها تبقى عقلانية وواقعية منقوصة إن اقتصرت على الرفض والتمسك بقرارات الشرعية الدولية التي لا يُعتد بها في زمن الواقعية السياسية، كما أنها تفتقر إلى أهم مكونات الواقعية السياسية وهي القوة وحسابات المصالح.

حتى تؤتي عقلانية وواقعية الرئيس أبو مازن أوكُلها يجب دعمها بمصادر قوة توجد عند الشعب الفلسطيني ويمكن تفعيلها بالوحدة الوطنية وتثبيت وجود الشعب على أرضه كوجود مقاوِم وليس مجرد كم عددي، وهذا أمر ممكن وخصوصاً أن الصفقة المشبوهة لا تستثني أحداً في غزة والضفة والقدس وفلسطينيي 48 وفي الشتات، وخطوة إلغاء الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير إن كانت جادة ومشفوعة بآليات تنفيذ على الأرض وبوحدة وطنية تنهي الانقسام ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح، والشعب الفلسطيني عظيم ولديه عناصر قوة يجب استنهاضها بطريقة عقلانية.

ونقولها بصراحة للذين يعارضون نهج الرئيس، إن مسؤولية مواجهة الصفقة ليست مسؤولية الرئيس والسلطة الفلسطينية فقط بل مسؤولية الجميع ولا داع للشماتة بالرئيس والسلطة بالزعم بأن الصفقة صفعة للرئيس ومنظمة التحرير ولكل من راهن على التسوية السياسية والشرعية الدولية، ونقول للشامتين، منذ سنوات ونحن نسمع خطاب الرفض للسلام وللتسوية السياسية والزعم بأن المقاومة المسلحة هي الرد والبديل لنهج التسوية ولنهج أوسلو، وها هي التسوية فشلت وما هو مطروح أكثر خطورة من تسوية أوسلو، فأين المقاومة المسلحة والعمليات الجهادية؟ وهل يُعقل أنه في الوقت الذي تواجه القضية خطر التصفية من خلال صفقة ترامب –نتنياهو تتمسكون بالهدنة مع إسرائيل وبالانقسام؟

ليست هذه دعوة للعودة للمقاومة الفصائلية الموسمية بالشكل الذي كانت عليه بل دعوة لتوحيد الموقف الفلسطيني بالوحدة الوطنية واشتقاق استراتيجية مقاومة شعبية تُشعر الاحتلال بأن مخططاته لتنفيذ الصفقة وضم المستوطنات لن تمر بدون ثمن، ولا نقصد بالثمن مزيد من القرارات الدولية بل بما سيدفعه المستوطنون من دمائهم وراحتهم ومصالحهم، وتدفعه دولة الاحتلال بإبقائها في حالة توتر وتحت الضغط وعدم الاحساس بالأمان.
د. إبراهيم أبراش






يعد مؤتمر ميونيخ للأمن هو أبرز حدث دولي سنوي على الاطلاق، يجتمع فيه رجال الامن والسياسة /أي حكام العالم/ للمناقشة وعرض وجهات النظر حول أهم القضاياوالتحديات التي تواجه بلدانهم. وهو في الأساس اجتماع غربي يعود تاريخه الى لقاء ثنائي عقد في العام 1963 بين الولايات المتحدة والمانيا لتبادل المعلومات، وتم توسيع قاعدة الحضور في العالم سنة تلو الاخرى حتى باتت تضم أكثر من 500 شخصية سياسية وأمنية

هذا العام كان له نكهة خاصة لسببين: كورونا الصينية ترهب العالم، ومارك زوبينبرج مؤسس الفيس بوك كان حاضرا بجانب الزعماء، في إشارة الى أن السوشيال ميديا باتت الزعيم الحاضر الغائب في الأمن والسياسة !

وللمؤتمر شعار يرفع كل عام وله مدلولات، حيث يعبر عن فحوى المناقشات التي ستدور وطبيعة التهديدات التي تواجه المصالح الغربية لأنه / كما سبق القول/ المؤتمر غربي وأصحابه غربيين حتى لو حضر ضيوف الشرق. شعار مؤتمر ميونيخ 2020 هو “عدم الاهتمام بالغرب” . وجهات النظر التي عرضت في المؤتمر والكلمات التي ألقيت جاءت لتبرز قضيتين أساسيتين متشابكتين وهما مركز جدلية الخلاف بين الولايات المتحدة واوروبا: الأولى خوف الغرب من فقدان الهيمنة على العالم.

والثانية الى متى سيستمر المارد الصيني في تقدم ؟
ويأتي خلف هاتين القضيتين تفاصيل متشعبة لا تنتهي من القرارات و النقاشات والتبريرات. ولكلٍّ من أوروبا وأمريكا رأي مختلف مبعثه حجم الفوارق الاقتصادية والعسكرية بين الطرفين لصالح الولايات المتحدة، فضلاً عن اختلاف رؤية كل منهما لشكل النظام العالمي القادم وأولوية التهديدات. بالطبع لأوروبا الحق في إبداء القلق الاكبر خاصة بعد تقلب الشريك الامريكي وتصريحاته النارية بشأن المسؤولية في حلف الأطلسي (الناتو)، والتراجع الواضح لأهمية الحلف في سلم أولويات إدارة ترامب، مما يعكس شكوكاً مستقبلية حول الالتزام الامريكي بأمن اوروبا الأمر الذي يزيد من هواجس الأوروبيين.

الرئيس الفرنسي “مانويل ماكرون”أوضح مصدر قلق الغرب قائلاًّ : ” قبل 15 عاما كنا نعتقد أن قيمنا ستسيطر على العالم لوقت طويل ، اليوم هناك قوى جديدة تزاحمنا”. (بالمناسبة حين يتحدث الغرب عن الهيمنة لا يقول “نحن نسيطر” بل يستخدم مصطلح “قيمنا تسيطر”) . على العكس كان وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” أشد صقورية وعجرفة حين هاجم فكرة المؤتمر واعتبرها خاطئة وأصر على أن الغرب هو من يفوز!
وبغض النظر عن اسلوب ادارة ترامب ومسئوليها في كيفية التعبير عن سياستهم ورؤيتهم أو دبلوماسية الاوروبيين الفائقة في التلاعب بالالفاظ وإظهار القلق والخوف، فإن الملاحظ ان الحد من تقدم المارد الصيني كان نجم المناقشات التي سادت المؤتمر.

ولعل تصاعد حدة التوترات الصينية/ الغربية وتحديداً الأمريكية في السنوات السابقة جراء سيطرة الصين على سوق شركات الاتصالات والتكنولوجيا العالمية،والسرعة الهائلة التي استطاعت فيها أن تطور أنظمتها الرقمية متفوقة على الغرب كله بما فيهم الولايات المتحدة ببناء شبكة الجيل الخامس (5G) ، دليلا ليس فقط على أن القلق أوروبي بل أمريكي وغربي بامتياز. فقد تم وصف الصعود الصيني في مراكز الفكر الأمريكية بأنه أكبر تهديد وجودي يمس المصالح الامريكية منذ الحزب النازي، واعتبرت مواجهته أحد أبرز أهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية . وما كان الحظر الامريكي للتعاون مع شركة هواوي( ثاني اكبر شركة للهواتف الذكية وأكبر مورد لمعدات الاتصالات في العالم) ووضعها ضمن القائمة السوداء واتهامها بالتجسس إلا سياسة لتحجيم القدرة الصينية وأحد تداعيات التنافس الغربي الصيني .
الغرب يعتبر الصين مصدر الخطر الحالي والمستقبلي وهي ما يشغله حاليا .. وكيف لا فحتى ” كورونا” جاءت من الصين.

د. أماني القرم





حين كان يشغل منصب رئيس الحكومة قبل أشهر، خرج الرئيس سعد الحريري بترياق يتيح له ولبنان التنصل من مسؤولية مواجهة حزب الله. قال الرجل في الولايات المتحدة، وردد ذلك في زيارة خليجية، إن سلاح حزب "شأن إقليمي" وليس محليا لبنانيا. في ذلك وجاهة قد يكتشفها محلل سياسي، لكنها ليست كذلك حين يدافع عن هذا السلاح رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، وليست كذلك حين تصدر عن رئيس السلطة التنفيذية التي تضخمت صلاحياتها وفق اتفاق الطائف.

غير أن الحريري لا يملك إلا أن يبشر بإقليمية فائض السلاح. يمتلك السلاح وفائضه حزب ممثل داخل مجلس النواب ويحتل مقاعد داخل حكومته. وفق تلك المطالعة، أطل الحريري على الأميركيين والأوروبيين والخليجيين، مسوّقا ضعف البلد أمام قوة الأمر الواقع، وربما ساعيا إلى استفزاز رد فعل يوفر جواباً خارجيا من سلاح يحمل مفاتيح عقدته هذا الخارج.

وفق التسليم بفائض القوة والخضوع لها، تسير أبجديات العمل الحكومي في لبنان. ولئن كان أمر ذلك جليا داخل الحكومات السابقة، لاسيما حكومتي الحريري السابقتين في عهد عون، فإن الحكومة الحالية هي نتاج دقيق لسطوة ذلك السلاح الذي يسلم الحريري وجل المكونات السياسية بأنه بات عضويا نهائيا في تركيبة لبنان الراهنة.

على أساس تلك المسلمة بنى الحريري خطابه "المنتظر" في احتفال إحياء ذكرى اغتيال والده قبل 15 عاماً. وعلى أساس ذلك الأصل، راح الحريري يصوّب على الفرع مشعلا السفن وراءه قاطعا حبل الود مع العهد، برئيسيه، رئيس الاصل ورئيس الظل.

صفق الجمع كثيراً إلى هذا الغمز وذاك اللمز الذي طال عون وباسيل. بدا أن زعيم المستقبل يستدرج عطف بيئة شعبية لطالما نظرت بعين بائسة إلى تلك التفاهمات الخلفية التي عقدت داخل غرف سوداء. جرى التواطؤ لرسم تسوية ملتبسة التحقت بالتسوية التي أبرمها سمير جعجع على رأس "القوات اللبنانية" لانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية.

بيد أن "العونية السياسية" ليست نتاج دينامية ذاتية خارقة للمنطق والمعقول، بل عصارة خريطة طريق خبيثة حاكتها شخصيات مسيحية قريبة من دمشق حضرت عودة ميشال عون من منفاه في فرنسا. لم يكن حزب الله آنذاك بعيدا عما يحاك، وبالتالي نهل عون وصهره وتياره كثيراً مما أخفته خريطة طريق عودة "الجنرال منقذ المسيحيين".

حين وقع عون وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله وثيقة التفاهم الشهيرة عام 2006، ظهر أن العونية في قوتها ووهجها وعنادها تستمد ديناميتها من "فائض سلاح" إقليمي بامتياز.

لم تكن لتلك العونية أن تحظى بسطوتها لو لم يكن حزب الله حاضنا وحاميا وداعما وملبيا لطموحاتها. لم يكن حزب الله يرد للعونية الوفاء، بل أنه لم يكن أمام تلك العونية إلا التقيد حرفيا، وبكل دقة، بتفاصيل أجندة الحزب ورغباته. تحول عون وتياره، وفق ذلك، إلى قوة ضاربة في يد الحزب يستخدمها في احتلال وسط بيروت وشن غزوة 7 أيار وإقفال البرلمان وتعطيل الحكومة ونحت قانون انتخابات والتوجه إلى المنابر الدولية للبننة "المقاومة" وجعلها سلعة دستورية يسوقها رئيس البلاد.

لم يكن لعون أن يشترط توزير صهره باسيل للافراج عن أي تشكيلة حكومية، لولا هذا الدعم غير المشروط الذي يقدمه حزب الله بلا حرج ولا تردد. ولم يكن لباسيل بعد ذلك أن يفرض على الحكومات إرادته وتقلباته، لولا موقف الحزب الداعم للصهر المدلل، وهو الذي يقوم بواجباته تماما، كوزير لخارجية البلد، يدافع عن الحزب وسلاحه ويتخذ مواقف في سياسة لبنان الخارجية لا تتعارض مع تلك التي تخرجها الأفران الإيرانية في طهران.

على هذا فإن العونية ليست أصلا بل فرعاً يصدر عن أصل. وعلى هذا أيضا فإن تصويب الحريرية السياسية على عون بجرعات مدروسة وعلى باسيل بجرعات "ذهبت إلى بعيد"، وفق تغريدة باسيل المستنكرة، لا يعدو كونه تمرينا مشهديا يصفق له الأنصار دون أن يشكل تحولا بنيويا في الروحية التي قادت إلى العبور نحو التسوية الرئاسية السيئة الذكر.

والحال أن فتح معركة ضد العونية السياسية لن يكون إلا جلبة لتقطيع الوقت بانتظار جلاء الشأن الإقليمي الذي قد يجد علاجا لسلاح حزب الله، وفق تعويل الحريري. والحال أيضا أن مطالعة زعيم المستقبل التي كادت تبرئ الحزب من إثم ما وصلت إليه البلاد، قد تؤكد أن التيار وزعيمه ما زالا يقرّان بأن دويلة حزب الله تحكم دولة لبنان وتتحكم في خرائط من يريد العمل في السياسة، سواء كان مواليا للسلطة منخرطا في حكومتها، أو قافزا نحو معارضتها.

وعلى هذا فإن خطاب الحريري يستند على مسلّمة أن لبنان جزء من نفوذ إيران في المنطقة، لا بل أن خطاب الانقلاب على التسوية والعونية يؤكد التمسك بعقيدة "ربط النزاع" التي تعترف في ثناياها للحزب بحرية العمل المطلق في الأمن والسياسة والعسكر دون أي اعتراض أو حتى تبرم.

على أن "النأي بالنفس" الذي استعاره الحريري من مفهوم، ينسب لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، لتوجيه بوصلة لبنان داخل عهد البراكين في المنطقة، تحول بين ليلة وضحاها إلى تقية تدفن الرؤوس داخلها لتبرير تعايش الدولة وحكومتها مع الدويلة وحزبها. وقد كان خبيثا تواطؤ لبنان ونخبه السياسية في التمسك بشعار "النأي بالنفس" فيما هو شعار مناوئ لدستور البلد و"طائفه" الشهير.

لبنان بلد عربي وهو جزء أصيل من بيئته العربية ونظامها السياسية. فلا نأي بالنفس للبلد حين يستعر الخلاف بين العرب وإيران أو بين العرب وإسرائيل وبين العرب وتركيا وأي بلد آخر. لم يكن نزيها أن يُخيّر اللبنانيون بين العلاقة مع إيران والعلاقة مع العرب، ولم يكن إلا خبيثا ذلك الصمت الذي أمعنت فيه حكومات العهد في النأي بالنفس عن مواقف لطالما خرجت صريحة من دول خليجية وعربية وأجنبية تجاهر بإدانة حكم الميليشيا. ولم يكن من الفطنة أن لا يعلن أصحاب "النأي بالنفس" أن انهيار لبنان ماليا واقتصاديا ومصرفيا، والذي للإدارة الداخلية والفساد مسؤولية كبرى في حصوله، هو حصيلة طبيعية متوقعة لحكم الدويلة وميليشياتها وواقع أمرهما على واقع أفسد علاقة مصارف البلد مع العالم وأفسد علاقة العالم برمته مع لبنان.

المعادلة بسيطة حين يزول أصل العلة فلن نجد فرعها.

محمد قواص








كانت إدلب فخاً نصبته روسيا للحالمين السوريين ولم تكن حلا إلا بالنسبة للجماعات الارهابية التي تفرق أفرادها الأجانب بين البلدان ما أن خرجوا أحياء بفضل صفقات مريبة رعتها دول معروفة.

بالنسبة للتنظيمات الجهادية وهي شركات أمنية تتألف من مرتزقة استأجرتهم قوى وجهات دولية من أجل توسيع دائرة الحرب في سوريا فإن تلك الحرب كانت قد انتهت في إدلب. اما السوريون الذين أبوا الاعتراف بأن الطريق قد أغلقت فإنهم أوهموا أنفسهم بأن إدلب ستظل محمية باعتبارها الجدار الأخير الذي يخطون عليه شعارات الحرية.

كانت الكذبة أكبر من أن يتمكنوا من كشف تفاصيلها. ولم يكن الرهان على الوقت صحيحا. ذلك لأن الأوراق اختلطت. ولم تعد المعارضة لتقوى على قول الحقيقية بعد أن تم استضعافها وتدهورت مصداقيتها في ظل التمويل غير الطبيعي الذي تمتعت به الجماعات الارهابية.

لذلك تحولت إدلب من جنة للمقاومة إلى مأوى للعيش الأمن.

غير أن ذلك لن يستمر طويلا. فالدولة السورية مطالبة باسترداد أراضيها وفرض سيطرتها على حدودها وهو ما لا يمكن تحقيقه من غير استعادة إدلب بعد ريف حلب.

لا أعتقد أن أحدا يمكنه الاعتراض على ذلك.

مطلب قانوني طبيعي ينطوي على الكثير من وجوه المأساة.

فسوريو إدلب الذي هم نازحون أصلا لن يكون أمامهم سوى أن يقوموا بنزوح جديد. ولكن إلى إين؟ سيكون علينا أن نفكر بحيرة أكثر من مليون شخص صاروا عالقين بين وهمين. وهم الإبادة الذي قد لا يكون حقيقيا إلا إذا كان القرار يقوم على أن تتم استعادة إدلب أرضا محروقة ووهم اللجوء إلى الأماكن التي لن لم تصل إليها نار الحرب حتى الآن وقد تصلها في أية لحظة.

علينا أن نتخيل مشهدا ثقيل الوطأة على الروح. مليون إنسان هم شعب يطارد مصيره من غير أن يلتقط الخيط إلى حقيقة ما سينتهي إليه.

أطفال ونساء وشيوخ وشباب. الجميع على حد سواء يشعر أن ثيابه معبأة بالخوف وأن هناك مَن يتعقبه ليقتله.

الجريمة التي ارتكبت بحق السوريين لم تبدأ في إدلب. إدلب هي خلاصة الفجيعة. من اليسير هنا أن نلقي عبء الجريمة على النظام. صار ذلك مشاعا. ولكنه لا يمثل الحقيقة كلها.

إدلب تكشف عن وجه آخر من وجوه الحقيقة السورية. هو وجه الضحية التي غدر بها الجميع. فهؤلاء الذين تضيق بهم الأرض الآن لم يكونوا مقاتلين. لقد دفعوا إلى أن يكونوا في المكان الخطأ. غررت بهم الجماعات المسلحة المهزومة ولم يكونوا على ثقة بالنظام.

تلك حلقة منسية من حلقات الحرب في سوريا. وكم كان لاجئو إدلب سعداء بنسيانهم. كانوا سعداء لأن الجماعات الارهابية حملت أموالها وهربت غير أن النظام لم يبذل جهدا في تهدئة مخاوفهم.

ذلك ما سيدفع بهم مرة أخرى إلى الفراغ.

على المستوى الإنساني فإن النظام يرتكب حماقة كبرى في عملية عسكرية يقوم بها لأسباب وطنية. في تلك الحالة يمكن تقديم الإنساني على الوطني. فليست سوريا في حاجة إلى أن تضيف صفحة جديدة إلى صفحات سجلها المأساوي. غير أن الأمر قد يتخطى ارادة النظام. ذلك لأن تركيا وروسيا تساهمان في تأجيج الوضع في إدلب بما لا يساعد على البحث عن حل إنساني لمسألة شائكة.

لاجئو إدلب هم ضحايا غير أن انقاذهم أمميا صعب.

فالدولة التي لا يثقون بنظامها من حقها قانونيا أن تعيد بسط سيطرتها على إدلب. وهم يعتقدون أنهم سيكونون مواطنين غير مرغوب بهم. كان من الممكن أن يكون الحال على غير ما هو عليه لو أن الدولة حاولت أن تطمئنهم إلى مصيرهم. ولكن الوقت أعمى.

لذلك فإن إدلب تخون التاريخ وتخلص إلى الجغرافيا.

فاروق يوسف




arrow_red_small 2 3 4 5 6 7 8 arrow_red_smallright