top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
عبدالله بشارة :سمو الرئيس.. في موكب الشراكة
اعتاد الكويتيون رفضَ الاستكانة للموجود، فتحدّوا الفقر في أرضهم، وفازوا ـــ على سخونة الصيف ــــ بترويض بحرهم، وكانت خياراتهم الجرأة والمواجهة مع رفض الإذعان للموجود، ويمكن القول إن مبادرة الرئيس لسد الفجوة في عبوره إلى أعضاء المجلس في التشاور والتنسيق لمسارات المستقبل، تأتي من تلك النزعة في مقاومة المناخ السائد والخروج بدعوة علنية لإحياء الشراكة التي يقوم عليها الدستور. وفي هذا التوجه ينال الرئيس ...
د. غدير محمد أسيري :استنفار اقتصادي
تمر الكويت في الفترة الحالية بتدهور اقتصادي ينعكس على الفرد الكويتي، حيث إن التعاطي من الجهات المسؤولة والمشرعين، نجده ينحرف باتجاه ممكن أن يضِّر المواطن بالدرجة الأولى، وينعكس على الشكل العام للدولة. وقد جاء بتقرير وكالة بلومبيرغ أن السبب الأساسي للتدهور الاقتصادي بالكويت هو الاعتماد الأساسي على النفط، وعدم وجود موْرِد بديل أو دخيل على الميزانية، مما يجعلنا متأخرين عن غيرنا ممن يحاول أن يستثمر العقول ...
د. فيصل أحمد الحيدر :سقوط استجواب سمو الشيخ صباح الخالد
إن الاستجواب حق مقرر دستورياً (حسب المادة 100 من الدستور)، ويحق دستورياً ولائحياً أن يمارس ذلك الحق المقرر أي عضو من أعضاء مجلس الأمة، بحيث يوجه الاستجواب لرئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء في شأن من الشؤون الداخلة في اختصاصاتهم. وصفة عضوية مجلس الأمة فيمن يقدم الاستجواب، وصفة من يوجه إليه الاستجواب، ليست شرط قبول فحسب، وإنما شرط أساسي ومهم لاستمرار النظر في الاستجواب المقدم. ومفاد ما تقدم أعلاه، إذا ما فقد ...
فهد عبدالرحمن المعجل :مخرج من الاحتقان السياسي
منذ تكليف رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد تشكيل الحكومة مؤخراً دخلت الكويت في حالة جديدة من الاحتقان السياسي، خاصة بعد تلويح مجموعة من النواب واعتبارهم أن عودة الشيخ صباح الخالد للمرة الثالثة هي خطوة باتجاه تأزيم سياسي خانق. بالطبع ليست هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها علاقة السلطتين إلى محطة اللاعودة.. لكن مثل هذا الاحتقان والتأزيم اليوم يأخذ أبعاداً أخرى، فالكويت تواجه أزمة اقتصادية تتطلب جهوداً ...
علي محمد فخرو :وحدة السوق الافريقية وفجيعة السوق العربية
أما وأننا، نحن العرب، قد توقفنا عن أن نكون قدوة تستحق المفاخرة، في أي من حقول النشاطات الإنسانية، فإننا على الأقل يجب أن نتواضع ونتعلم مما يفعله الآخرون. فالاتحاد الافريقي، الذي تعلم من تجربة الاتحاد الأوروبي بصورة أفضل من تعلمنا، والذي بدأ الافارقة بإنشائه عام 1963، أي عشرين سنة بعد إنشائنا للجامعة العربية، والذي لم يثبت في الواقع إلا بحلول عام 2002، والذي يضم دولا بتاريخ وثقافات ولغات وسياسات غير ...
توران قشلاقجي:تركيا ودول الخليج
لم تقتصر فرحة المصالحة وتأسيس التعاون من جديد بين الدول الخليجية على الشعوب فحسب، بل إنها طالت دول المنطقة أيضًا. فقد نشرت وزارة الخارجية التركية بيانًا في هذا الصدد، جاء فيه: «نرحب بإظهار الإرادة المشتركة لحل النزاع الخليجي، وإعلان عودة العلاقات الدبلوماسية مع قطر، في نهاية الدورة الحادية والأربعين لمجلس التعاون الخليجي، الذي عقد (اليوم) في العلا في المملكة العربية السعودية». عبّر البيان عن أمل ...


اعتاد الكويتيون رفضَ الاستكانة للموجود، فتحدّوا الفقر في أرضهم، وفازوا ـــ على سخونة الصيف ــــ بترويض بحرهم، وكانت خياراتهم الجرأة والمواجهة مع رفض الإذعان للموجود، ويمكن القول إن مبادرة الرئيس لسد الفجوة في عبوره إلى أعضاء المجلس في التشاور والتنسيق لمسارات المستقبل، تأتي من تلك النزعة في مقاومة المناخ السائد والخروج بدعوة علنية لإحياء الشراكة التي يقوم عليها الدستور.

وفي هذا التوجه ينال الرئيس المؤازرة الجماعية من الرأي العام الذي لم يكن مرتاحاً من غياب الحيوية وانعدام المبادرة وانسداد منافذ التجديد، واختار أن ينفتح على مجرى الإعلام بلقاء رؤساء التحرير، مبدداً الاتهام بأنه يتجنب حلبات المواجهة الفكرية والسياسية؛ وبهذا أشعل جوّاً متطلّعاً للتعاون المستقبلي. ولا أشك في أن سمو الرئيس على بينة من قائمة التمنيات التي سطرها نواب التحرّك، كوثيقة ينطلق منها التعاون عند الاستجابة لمحتواها..

وأولها: صحيفة العفو العام برفع القيد على عودة بعض ممارسي السياسة المتواجدين في الخارج، في تركيا أو غيرها، لاجراءات قانونية وثقتها أحكام تمت وفق القانون الكويتي، رأت فيها المحكمة تجاوزاً على مناخ التسامح واستخفافاً بضوابط السيادة، ولم تتوقف المساعي نحو إيجاد مخرج يؤمِّن للمغادرين العودة، ولأن الاجتهادات التي يقدمها الوسطاء تتجاهل الترتيبات التي تقبلها بعض الزملاء الذين كانوا من المنتظرين في مدن تركيا، فمن الإنصاف أن تتواجد ترتيبات العفو من دون استثناءات وهذا موقف مفهوم، وعلى الرغم من منطقية المساواة، فلن تجف العقول عن إيجاد صيغة تتآلف فيها حقوق السيادة بجانب التقدير الإنساني، وأنا من الذين يرون أن الموضوع لا يحتاج تكثيف أعداد المتوسطين، فلا حاجة لهم؛ فالقيادة تملك الحصافة لإغلاق الملف، لكن ذلك يحتاج إبعاده عن لائحة الهموم الشعبية، فرغم التعاطف مع محتويات الملف، فليس من الحكمة تصوير الأمر كقضية تؤرّق شعب الكويت وتتصدر أولوياته، والنهج المفضل هو التعامل الهادئ للوصول إلى المرغوب فيه.

ثانياً: يظل الفساد وملفاته مواقعه وألغازه، مادة شيقة يتناولها الرأي العام الكويتي بإلحاح وبمتابعة، فيها استعجال للاستماع إلى خطوات تريح، ومؤشرات تطمئن، وتصميم يزيل الشك ويغذي الثقة بجدية العلاج بالاجتثاث وبالعلنية التي تعبر الحدود برسالة بأن الكويت وشعبها وقيادتها يشكلون القوة الكويتية المتصدية للفساد، بلا تجميلات لأحد ولا مكياجات للتغطية. ورغم الثقة بعزم سمو رئيس الوزراء في قيادة كتائب الحكومة، فإن الرأي العام يرغب في أن يخرج التصدي بالصوت الجهوري الذي يوحي بحتمية المصير لمن استطعم مذاق الفساد، ونضيف أن وسائل الإعلام الأجنبية لم تتجاهل مفاجآت الكويت في الفساد، وربما زادت من غلاظتها، في تشويه سمعة الكويت، فجاء موقع الكويت في مواجهة الفساد في مؤخرة المحاربين.. ولا أشك في أن أبلغ نجدة لتنظيف ملف السمعة الكويتية تأتي من أقوال الرئيس، ومن حيوية هذه الأقوال، والقصد هنا إبراز حجم الهم الشعبي وتخوفاته من تمييع قضايا الفساد، فالفساد هو الحطب السريع الانفجار إذا تورّم.

ثالثاً: خرجت الصحافة، وبأكبر الحروف، عن مبلغ العجز في الميزانية، في حدود 12 مليار دينار، المصروفات 23 مليارا، والدخل عشرة مليارات؛ فالوضع الاقتصادي لا يريح مع اعتماده على خيرات الاحتياطي، في عالم متبدل عازم على توظيف التكنولوجيا تضعف اعتماده على الطاقة غير المتجددة، وهي النفط، مع وعي لدى دول المجلس، لم يوازه اهتمام كويتي لتخفيف الاعتماد والتنقيب عن بدائل أخرى للدخل، في نظام اجتماعي ريعي لا تستذوقه بيئة الاقتصاد العالمي المستقبلي. وكلنا على علم بأن الأجراءات التصحيحية تحتاج لتعاون حكومي ــــ شعبي، يعمل بتناغم وبصراحة وشفافية، ويكشف الضرورات بوضوح، وأولى خطواتها إبعاد الرخاوة عن القرار الكويتي، فجميع دول مجلس التعاون فرضت ضريبة القيمة المضافة منذ سنوات، فقد كان قرارها خلال فترة الثمانينيات والكل بدأ، ما عدا الكويت؛ لأن حساباتها السياسية والاجتماعية غير واقعية، وفيها مجاملات سياسية وتدليعات اجتماعية.. هناك طريق ملح في فتح ملف الخصخصة، والانفتاح على دور القطاع الخاص الذي لوث النواب سمعته، مع بحث جدي في فرض ضرائب على أصحاب الدخل المرتفع، وحماية المواطنين أصحاب الدخل الضعيف بإعفاءات.. نراهن على المواهب والمبادرات من مالكيها؛ فالحيوية الوطنية متينة ولا يقل شعب الكويت عن الآخرين المبادرين. في بداية السبعينيات كانت مصر أفضل من كوريا الجنوبية، وكانت سوريا أفضل من المكسيك، هذه إحصائيات الأمم المتحدة، فأهل كوريا ليسوا سحرة، وإنما أصحاب جدية وعزم.

رابعاً: ماذا حققنا في معالجة التركيبة السكانية، كنت أردد بأن مجلس التعاون حديقة بجوار حريقة، والكويت الآن بجوارها الملتهب واحة تجاور نيران الدول الفاشلة، فلا استقرار ولا أمن، لا جغرافية الجوار ولا المتواجدون داخل الدار بهذه الأعداد، لا سيما المخالفين والمتهرّبين، تسمح لنا بالارتياح والسير كالمعتاد، ولم يتحقق أي تقدم في علاج الألغام التي تتشكل من هذا التراكم البشري، في بلد اعتاد على الرقة والسكينة. يرسخ الأمن الكويتي وتستقيم أعمدة الأمن عندما يكون الحوض البشري الداخلي متوازن مع قدرة الإمكانات المتوافرة، لكن الوضع الحالي مزعج حياتياً، مخيف أمنياً، ومتفجّر كيانياً.

خامساً: أثني على لقاء الرئيس مع رؤساء التحرير؛ فقد كان شفافاً باقتناع، وداعياً للشراكة البرلمانية بإدراك، وغليظاً ضد الفساد بصدق، ومدافعاً عن حيوية المواطن بتدليل، وانفتح على وسائل الإعلام بخبرة أن قنوات التواصل أصبحت أكثر الفعاليات تأثيراً في شرح السياسة وتفسير القرارات، التي تتبناها القيادة، وتلمس الردود من خلال هذه القنوات، والوقوف على مدى هضم السياسات واستخلاص ما يفضله الرأي العام، فلا توجد في العالم قيادة تهمش دور الحوارات، فإذا كان الرئيس الأميركي له متحدثة تقف يومياً لمدة ساعة على الأقل تتحدث بحوارات، ليست تبليغات وإنما توجهات، لخطوات جديدة ومبررات للاستغناء عن القديم والحصيلة هي المزاج الشعبي عبر رادار الحوارات، وإذا كان رئيس الوزراء لا يتمكن لانشغاله من مقابلات أسبوعية، فلا بد أن يكون لديه متحدث رسمي من مكتبه يلتقي يومياً المراسلين، لكي لا يترك للآخرين التشويه مثل قنوات التوتّر التي تفسِّر وفق الأهواء..

سادساً: مع التدقيق الحيوي نحو التآلف مع تصريحات المعارضين من النواب ومع التوجه لمعالجة البنية الاقتصادية، وما قد تفرزه من احتياجات في تخفيض النفقات، لا يغيب عن ذاكرتنا الحفاظ على الثوابت التي رسمتها الأسرة العالمية في خريطة الكويت، وتموّجها الإنساني الآسر، الذي يتجسد في رسالة صندوق التنمية الكويتي، ومساهمات الكويت في مختلف التجمعات الإنسانية العربية والعالمية، ودورها في استضافات لإعادة بناء دول تحطمت من سوء وعجز قياداتها في اليمن وسوريا والعراق، ومن خارج العالم العربي، فلا تردد في الحفاظ على الوهج الإنساني الذي أشعله المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر، أمير الكويت، ورائد الإنسانية، كما سجلتها قرارات الأمم المتحدة.

ونجدد الترحيب بمبادرة سمو الرئيس، ومن المستحسن أن نجدد الأمل أيضاً، بأن يتواصل موكب الشراكة من دون توقف، مرددين اليقين بأن النواب مهما كانت مشاربهم فإن قناعاتهم وطنية، ومسعاهم لمصلحة الوطن.. والنخوة الوطنية لا تغيب.

عبدالله بشارة







تمر الكويت في الفترة الحالية بتدهور اقتصادي ينعكس على الفرد الكويتي، حيث إن التعاطي من الجهات المسؤولة والمشرعين، نجده ينحرف باتجاه ممكن أن يضِّر المواطن بالدرجة الأولى، وينعكس على الشكل العام للدولة. وقد جاء بتقرير وكالة بلومبيرغ أن السبب الأساسي للتدهور الاقتصادي بالكويت هو الاعتماد الأساسي على النفط، وعدم وجود موْرِد بديل أو دخيل على الميزانية، مما يجعلنا متأخرين عن غيرنا ممن يحاول أن يستثمر العقول الاقتصادية لإيجاد البدائل في المشاريع المتطورة، والاعتماد على القطاع الخاص ببعض المشاريع السياحية والتعليمية المتميزة، والطبية العلاجية المتفوقة على مستوى العالم، والتي لا يمنعها أن يكون مقرها الكويت، واستقطاب المستفيدين منها، وإعادة تكرير وبيع الصناعات النفطية ومشتقاتها، وخلق بعض الفرق والنوادي الرياضية المنافسة التي ممكن أن تحتضنها دولة الكويت، والاستعداد لاستقطاب البطولات على مستوى العالم في الرياضات التي تتوافق مع المناخ بدولة الكويت.

وفي الآونة الأخيرة بعد كشف وزارة المالية بياناتها عن العجز المالي المستمر والمتراجع، نجد أن الدولة تبدأ باتباع مبدأ الشفافية بالإفصاح عن المعلومات الاقتصادية، وتوافرها للمواطنين خصوصاً لمن يهتم بالقراءة والاطلاع والتحليل من الشعب الذي يملك الوعي الذاتي. ومعظم المراجع الاقتصادية تربط الاقتصاد بالسياسية والتأثير المباشر بينهما

فعندما يكون استقرار سياسي يكون هناك استقرار اقتصادي مصحوب به، والقوانين يجب أن توضع من العقول السياسية بشكل مستعجل للارتقاء بهذا القطاع، ونجد اليوم أكبر دول العالم تتعامل بمرونة، فمهم في هذه المرحلة أن تبدأ الدولة بالاستنفار الاقتصادي الذي يصب في مصلحة المواطن، والحلول الجريئة التي تكسر بعض المدارس الاقتصادية التقليدية وتحريرها من العقول الاقتصادية المتأخرة. وأهمها أن تفتح باب الاستثمار المحلي للمستثمر الأجنبي المتفوق بشروط ومعايير متطورة عالمياً، ودعم المواطن لإيجاد الحلول العقارية التي تنعش الاقتصاد المحلي وتصب بمصلحة المواطن الكويتي، وتقليل الفائدة والشروط عليه من البنوك والقوانين التي تشله من الاستقرار العقاري، واستثمار المبالغ المدفوعة على الإيجارات، وأن تكون هي ذاتها دفعات بالمبالغ الشهرية نفسها للتملك بالمستقبل للعقار نفسه، وربط الرقم المدني وسيرته الاقتصادية بوجود نظام الرهن العقاري والتمويل المرن للعقار الذي ممكن أن يصل الى %80 من قيمة العقار، كما هو موجود في الدول المتطورة مثل المملكة المتحدة، أيضاً تحقيق الرقابة على أسعار الأراضي والعقار والذي يحقق التوازن بين العرض والطلب

. فالكويت تحتاج تصحيح المسار الاقتصادي العاجل لنتمكن من إعادة وزننا وريادتنا الاقتصادية في المنطقة، التي تضع البلد على الطريق الصحيح الذي يستحقه شعبها. ودمتم سالمين.

د. غدير محمد أسيري






إن الاستجواب حق مقرر دستورياً (حسب المادة 100 من الدستور)، ويحق دستورياً ولائحياً أن يمارس ذلك الحق المقرر أي عضو من أعضاء مجلس الأمة، بحيث يوجه الاستجواب لرئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء في شأن من الشؤون الداخلة في اختصاصاتهم. وصفة عضوية مجلس الأمة فيمن يقدم الاستجواب، وصفة من يوجه إليه الاستجواب، ليست شرط قبول فحسب، وإنما شرط أساسي ومهم لاستمرار النظر في الاستجواب المقدم. ومفاد ما تقدم أعلاه، إذا ما فقد مقدم الاستجواب صفته كعضو في مجلس الأمة، أو فقد من يوجه إليه الاستجواب صفته كوزير أو رئيس لمجلس الوزراء، فإنه يترتب على ذلك حتماً وبالضرورة سقوط الاستجواب المقدم، واعتباره كأن لم يكن.

هذا وقد ورد النص الصريح والواضح على هذا الأثر بنص المادة 142 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة بنصها على أن «يسقط الاستجواب بتخلي من وجه إليه الاستجواب عن منصبه..». ومؤدى هذا النص السالف الذكر أن الاستجواب يسقط بزوال صفة من تقدم به أو لمن وجه إليه. وكما هو الحال في وضع سمو الشيخ صباح الخالد، سقط عنه الاستجواب بعد أن قدم سموه استقالته واستقالة وزارته.

ومن السوابق البرلمانية في هذا الشأن، استجواب وزير العدل في ذلك الوقت، وهو الدكتور سعد الهاشل، حول ضعف الإشراف القضائي، وسوء تطبيق القانون في قضية مقتل الطفل الموءود. الذي كان مقدماً من قبل السيد النائب حسين القلاف بتاريخ 27/1/2001. إلا أن الحكومة استقالت بتاريخ 29/1/2001 قبل أن تبدأ جلسة مناقشة الاستجواب السالف البيان. وبالتالي سقط ذلك الاستجواب بموجب المادة 142 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة السالفة الذكر.

وفي الختام، عرضنا الرأي الدستوري من وجهة نظرنا كمتخصص في القانون الدستوري وكمستشار، ونحترم الرأي الدستوري الآخر، الذي يصدر من مختص بالقانون والدستور

. د. فيصل أحمد الحيدر







منذ تكليف رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد تشكيل الحكومة مؤخراً دخلت الكويت في حالة جديدة من الاحتقان السياسي، خاصة بعد تلويح مجموعة من النواب واعتبارهم أن عودة الشيخ صباح الخالد للمرة الثالثة هي خطوة باتجاه تأزيم سياسي خانق.

بالطبع ليست هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها علاقة السلطتين إلى محطة اللاعودة.. لكن مثل هذا الاحتقان والتأزيم اليوم يأخذ أبعاداً أخرى، فالكويت تواجه أزمة اقتصادية تتطلب جهوداً وعملاً للخروج منها، كما أنها والعالم بأكمله اختنقا بتداعيات وباء كورونا التي لا تزال في بدايتها وفقاً لآراء أغلبية الخبراء السياسيين والاقتصاديين، أضف إلى ذلك ما تشهده المنطقة بأسرها من تصاعد في حدة العنف والإرهاب ووتيرة الصراعات والحروب!

بمعنى آخر نحنُ نقف اليوم في مواجهة حقبة استثنائية بكل المقاييس «سياسياً ومالياً وصحياً»، وهي حقبة تشترط التعاون والتنسيق لا التناحر والتأزيم. قد تكون هنالك تحركات جانبية تسعى بكل جهدها بهدف التهدئة بين السلطتين، وبشكل يشمل سير عجلة الحياة بكل أوجهها! هنالك قطعاً من يحاول أن يجد مخرجاً لحالة الاحتقان هذه ضمن الإطار الدستوري.. ومع ذلك لا تزال الأجواء متشنجة ولا تزال الأمور معقدة، ولا طرف يبادر بتهدئة الأوضاع بشكل صحيح وفاعل!

صحيح أنه من الصعب ألا تكون هنالك أية بذور احتقان سياسي بين المؤسستين الحكومة من جهة والبرلمان المنتخب من جهة أخرى، فتلك هي شيمة العمل السياسي في أي مكان، لكن الخطر يكون حينما يصبح منبع هذا الاحتقان شخصياً بحتاً.. وبحيث تختلط الأمور على العامة هنا بين الصداع والاختلاف السياسي المستحق، وبين الثأر والخلاف الشخصي الذي لا يمت بصلة إلى العمل السياسي الحقيقي!

يعلم اليوم كل متابع للشأن الكويتي أن ما تشهده الساحة السياسية اليوم في الكويت لا يهدف إلى إصلاح ولا إلى تنبيه ولا إلى أية خطوة باتجاه الأمام.. وإنما هو نابع من تراكمات لصراعات يغلب عليها الطابع الشخصي البحت.. ويوجهها دافع النيل من خصوم اختلفوا على هوامش وقضايا جانبية، ليست من بينها المصلحة العامة للكويت وأهلها، حتى أصبحنا اليوم نعيش أجواء ينشغل فيها الأطراف كلهم، إما بالهجوم على الآخر أو بالدفاع عن أنفسهم، كلّ يجتهد بالبحث عن تهمة يوجهها للطرف الآخر.

اليوم نحنُ بحاجة إلى حكمة العقلاء وحجة المتمرسين في السياسة ممن تثق بهم كل الأطراف لإعادة الأمور إلى نصابها وتشغيل عجلة الحياة باتجاه المستقبل! فلقد سئم الناس حالة الفراغ التنموي والإصلاحي، التي خلفها مثل هذا الاحتقان العقيم!

نتمنى من الأطراف كلها، حكومة ومسؤولين وأسرة ومعارضة ومن الجميع، أن يراجعوا جذور خلافاتهم واختلافاتهم، وأن ينظروا إلى الأمور بعين وقلب المصلح المتجرد من كل تبعات الشخصانية في الخلاف وفي العلاقات والاختلافات السياسية! نريد لهذا البلد الحبيب أن ينهض بهمة وعزيمة الأطراف كلها لا نستثني من ذلك أحداً، فالرماح لا تتكسر إلا إذا كانت آحادا. حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها من كل مكروه.


فهد عبدالرحمن المعجل








أما وأننا، نحن العرب، قد توقفنا عن أن نكون قدوة تستحق المفاخرة، في أي من حقول النشاطات الإنسانية، فإننا على الأقل يجب أن نتواضع ونتعلم مما يفعله الآخرون.

فالاتحاد الافريقي، الذي تعلم من تجربة الاتحاد الأوروبي بصورة أفضل من تعلمنا، والذي بدأ الافارقة بإنشائه عام 1963، أي عشرين سنة بعد إنشائنا للجامعة العربية، والذي لم يثبت في الواقع إلا بحلول عام 2002، والذي يضم دولا بتاريخ وثقافات ولغات وسياسات غير متماثلة، بل أحيانا متناقضة ومتنافسة، والذي لم تجف بعد الدماء التي أريقت بسبب صراعات وحروب دوله وقبائله ودياناته، بين بعضها بعضا..

هذا الاتحاد يخطو رويدا رويدا وبثبات نحو إنشاء سوق اقتصادية مشتركة، سترفع تجارته البينية من نسبة 16% الحالية إلى 60%، وستضيف ما يقدر بسبع تريليونات دولار أمريكي لاقتصاده المتنوع وتطوره الصناعي. ويتكلم قادته عن أن ذلك سيكون خطوة نحو مزيد من الاندماج الافريقي الشامل، في حقول السياسة والاجتماع، ونحو إمكانية خلق عملة موحدة.


لنقارن تلك المسيرة التي جرت لا في العالم الأول المتقدم، حتى لا يتعلل البعض بالفرق الحضاري الكبير بين ذلك العالم الأول، وعالمنا الثالث، الذي ينتمي إليه العرب والافارقة، لنقارن تلك المسيرة الاقتصادية بمسيرتنا العربية لنرى الإخفاق في أشد صوره. بسبب الصراعات والمماحكات، وأحيانا المؤامرات، بين أنظمة الحكم العربية التي أجلت الانتقال الجدي إلى الموضوع الاقتصادي العربي المشترك، حوالي خمس وثلاثين سنة، على الرغم من توقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1957، وعلى الرغم من قرار مجلس الجامعة العربية إقامة سوق عربية مشتركة عام 1964.

لقد كان هناك تردد عند البعض، وكانت هناك انسحابات من قبل البعض، بسبب الظروف السياسية وبدائية الحياة الاقتصادية، وممارسة الطلاق العربي الشهير ما بين القول والفعل. وقد استبشر الناس خيرا عندما أقرت قمة عربية لرؤساء الدول في عمان ـ الأردن عام 1980، استراتيجية عربية اقتصادية مشتركة وخطة للتنمية الاقتصادية. لكن تلك المحاولة دخلت في غيبوبة بسبب الحروب في الخليج العربي، وتذبذبات أسعار النفط، وتوجه فوائض العائدات البترولية والغازية للاستثمار خارج الوطن العربي، وعدم الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متشابك ومتناغم، ما بين مكوناته ونتائجه، وبقاء الاختلافات الشديدة بين القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والتجارية والجمركية، والتعامل مع النظام الاقتصادي العولمي ومتطلباته المطبقة في كل قطر عربي..

كل ذلك جعل التجارة البينية بين الدول العربية تراوح في مكانها، صعودا ونزولا بين العشرة والعشرين في المئة، كحد أقصى، وذلك إبان فترات ارتفاع مداخيل البترول بصورة مؤقتة. كما أن تلك العوامل قادت إلى ضعف شديد في خطوات التكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة وولوج تطورات وتنامي اقتصاد التكنولوجيا والمعرفة.

بعد مرور خمس وسبعين سنة على تأسيس الجامعة العربية، وعلى الرغم من الاجتماعات والقرارات والكلام الكثير عن الوحدة الاقتصادية، والتكامل الاقتصادي والسوق المشتركة، فإن أقصى ما وصلنا إليه في عام 1998 هو إطلاق بداية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي أوصلتنا على الأقل إلى تطبيق شبه الإعفاء الكامل من الضرائب الجمركية على السلع المتبادلة، ما بين الأقطار العربية، بشرط أن تكون ذات المنشأ العربي. لكن الكثير من الأخصائيين الاقتصاديين العرب، بينوا مرارا أن الاكتفاء بأطروحة المدخل التجاري كأداة وحيدة أو مهيمنة على النشاط الاقتصادي العربي المشترك، لن تكفي لبناء اقتصاد تنموي مستقل، وغير تابع وخاضع للخارج. وإننا نحتاج لدخول عوالم جديدة، مثل الإنتاج المشترك، والتشريعات المشتركة، والسوق المشتركة والعملة المشتركة. وإلا ستظل نسبة التجارة السلعية البينية المتبادلة، تدور حول العشرة في المئة، من مجمل التجارة العربية، وستكون النسبة أقل عندما تنتهي حقبة البترول العربية.

ما هو واضح من كل ما سبق هو أننا أمام غياب لإرادة سياسية عربية مشتركة قادرة على الانتقال إلى متطلبات التكامل الاقتصادي ومن ثم، حتى ولو على مدى متوسط، الانتقال إلى نوع من الوحدة الاقتصادية، لكن تلك الإرادة غير متوفرة عند الغالبية الساحقة من أنظمة الحكم العربية. الموجع هو أنه في عام 2011 قام مركز دراسات الوحدة العربية باستطلاع عينة من أفراد الشعب العربي، عبر الوطن العربي، للتعرف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة العربية. لقد أبدى 55% رغبة في قيام وحدة عربية اندماجية كاملة بين الأقطار العربية، وأبدى 66% قيام اتحاد فيدرالي. وقد أظهر استطلاع مماثل قام به معهد الدوحة عام 2014 تأييد 55 ـ 57% التوجه نحو إجراءات تعاونية وتوحيدية بين الأقطار العربية. إذا كانت غالبية الشعب العربي تؤيد قيام وحدة إندماجية في كل مناحي الحياة، فهل كثير على أنظمة الحكم العربية، لو أنها تقرأ أو تعير اهتماما لما تريده شعوبها، أن تتوقف عن الاستمرار في التلاعب بوحدة جزئية في حقل الاقتصاد؟


علي محمد فخرو
كاتب بحريني







لم تقتصر فرحة المصالحة وتأسيس التعاون من جديد بين الدول الخليجية على الشعوب فحسب، بل إنها طالت دول المنطقة أيضًا. فقد نشرت وزارة الخارجية التركية بيانًا في هذا الصدد، جاء فيه: «نرحب بإظهار الإرادة المشتركة لحل النزاع الخليجي، وإعلان عودة العلاقات الدبلوماسية مع قطر، في نهاية الدورة الحادية والأربعين لمجلس التعاون الخليجي، الذي عقد (اليوم) في العلا في المملكة العربية السعودية».


عبّر البيان عن أمل تركيا في أن «يؤدي إعلان العلا الذي تم توقيعه في نهاية القمة بين دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، إلى حل نهائي للصراع» مضيفًا: «كما أكدنا في مناسبات عدة، تولي تركيا أهمية كبيرة لوحدة وتضامن مجلس التعاون الخليجي. بالتزامن مع استعادة الثقة بين دول الخليج، نعلن عن استعدادنا لبذل الجهود من أجل تعزيز تعاوننا المؤسسي، مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تعد تركيا شريكة استراتيجية له».

لا شك بأن هذه الخطوة التي اتخذتها دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل التغيرات الكبيرة، والمشاكل الكثيرة عالميًا، قد تساهم في إعادة إحياء المجلس من جديد، وهي خطوة شجاعة وتستحق التقدير، تجاه هذا التكتل الذي كان مجمدًا منذ عام 2017، وواجه خطر الانقسام جراء الخلافات.

وهنا، لا يمكن إنكار حقيقة الجهود التي بذلتها الكويت لضمان وحدة الصف الخليجي، ومنع التصدع الذي كان يزداد طيلة 3 سنوات. أ

مّا قطر، التي تعرضت لحصار قاس جدًا لمدة 3 سنوات، فإن صبرها وحكمتها في التعامل مع هذا الوضع، هو موقفٌ يبعث على الاحترام. وتجلت هذه الحكمة بشكل صريح في خطاب أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي قال فيه: «استشعارا بالمسؤولية التاريخية في هذه اللحظة الفارقة من مسيرة مجلس التعاون، وتلبية لآمالِ شعوبنا، شاركت إلى جانب الأشقاء في قمة العلا لرأب الصدع وكلنا أمل بمستقبل أفضل للمنطقة».


الاتفاقية الخليجية ليست الأولى على مستوى العالم، فهناك اتفاقيات مماثلة شاهدناها في الفترة الأخيرة، لأن الدول كافة أصبحت تصارع العديد من المشاكل والتحديات، مثل وباء كورونا والجفاف والأزمات الاقتصادية، وقلة المواد الغذائية والمياه، وهو ما يدفعها للحد من الأزمات السياسية والبحث عن الحلول.

وفي هذا الإطار، تعمل تركيا على مراجعة علاقاتها مع الدول التي حدثت معها توترات ومشاكل في الفترة الماضية. في الواقع، تحرص تركيا على عدم قطع العلاقات بطريقة فورية مع البلدان الأخرى بسبب نشوب الخلافات، ما لم يقم الطرف الآخر بقطعها، وحتى إن قطعتها من الناحية السياسية في بعض الأحيان، فإنها تؤيد مواصلة العلاقات على الجانب الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال، لم يؤد احتلال شبه جزيرة القرم إلى انقطاع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا، كما أنها لم تقطع علاقاتها مع دول أخرى مثل اليونان وفرنسا، حتى في ظل النزاعات والأزمات الأكثر خطورة.

يجب على دول مجلس التعاون الخليجي، أن تستخلص درسا كبيرا من الأزمة التي شهدتها المنطقة لمدة ثلاث سنوات، وأن تتخذ أشد التدابير للحيلولة دون حدوث مثل هذه الأزمات بين البلدان الشقيقة في الفترة المقبلة، فالجميع بات يدرك حجم الأضرار التي ألحقتها الأزمة الخليجية بأعضاء المجلس والمنطقة على حد سواء. أمّا الرابحان الوحيدان من ذلك، فهما بلا شك: الولايات المتحدة وإسرائيل. يتعين على الجميع التحلي باليقظة وتوخي الحذر كيلا تندلع أزمات مشابهة لاحقًا. تولي تركيا منذ السابق أهمية كبيرة لعلاقاتها مع دول الخليج، وكان هناك سببان مهمان وراء زيادة أهمية الخليج بالنسبة إلى الجانب التركي، يتمثل أولهما في وقوع «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979، والثاني يتعلق باندلاع الحرب الإيرانية -العراقية عام 1980 التي استمرت 8 سنوات.

في خضم هذه التطورات، وتحديدًا عام 1981، تأسس مجلس التعاون الخليجي، وبدأت علاقات تركيا مع الخليج إبان هذه الفترة أيضًا، لكنها كانت ذات نطاق محدود. أمّا مرحلة تأسيس التحالفات القوية، التي أدت إلى توقيع الاتفاقيات الكبيرة في جميع المجالات مع الخليج، فإنها بدأت مع بداية الألفية الثالثة.

خلاصة الكلام، نأمل أن تهب رياح السلام التي عادت إلى الخليج من جديد، على شعوب المنطقة كافة. يجب أن يكون هناك توجه مشترك وإنتاج حلول ملموسة حيال ما يجري في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين لأن الجميع يعلم أن الأزمات السياسية إذا استمرت بدون حل فإن المشاكل التي تنتظر العالم في السنوات المقبلة ستحوّل المنطقة إلى حلقة من نار. كما يجب على تركيا والدول الخليجية أن تتخذ خطوات عاجلة في كثير من القضايا، لترسيخ إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وإلا فإن أي تأخير سيؤثر في الجميع بلا استثناء.

توران قشلاقجي

كاتب تركي







من “الصراع على سوريا” عنوان كتاب البريطاني باتريك سيل في منتصف ستينات القرن الماضي إلى كتاب “الصراع على السلطة في سوريا” للهولندي نيكولاس فان دام في سبعينات ذلك القرن، كانت هناك عودة في السنة 2020 إلى مزيج من الصراعين. ثمة صراع على سوريا وثمّة صراع على السلطة في سوريا في الوقت ذاته في هذه المرحلة. ثمّة ما هو أبعد من ذلك. ثمّة أسئلة مرتبطة بمصير سوريا التي عرفناها والتي صارت تحت خمسة احتلالات: الإيراني والروسي والتركي والأميركي والإسرائيلي…

جاءت تلك العودة إلى الصراعين بعد نصف قرن على قيام النظام السوري الحالي الذي لم يعد من مجال للشكّ في أنّه كان منذ بدايته نظاما عائليا قبل أي شيء آخر. في السنة 2020، بقي النظام عائليا، لكنّ تغييرا أساسيا طرأ على تركيبته في ظل صعود نجم أسماء الأخرس الأسد، زوجة بشّار الأسد، وأفول نجم رامي محمّد مخلوف. من نظام الأسد – مخلوف، الذي دام طويلا، إلى نظام الأسد – الأخرس الذي انتهى قبل أن يبدأ في بلد يغيب فيه الحد الأدنى من الوعي لما آلت إليه سوريا في ظلّ التجاذبات الدولية والإقليمية.

لم يستمر صعود نجم أسماء ابنة العائلة السنّية (من حمص) طويلا. جاءت العقوبات الأميركية على والدها ووالدتها وشقيقيها فراس وإيّاد لتؤكّد أن الإدارة الأميركية مصرّة على التغيير في سوريا وأن الأمر لم يعد مرتبطا بإدارة دونالد ترامب، بل يتعدّى ذلك نظرا إلى أن اللاعب الأساسي في هذا المضمار هو الكونغرس بمجلسيه (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) حيث يحظى التغيير الجذري في سوريا بتأييد كبير من الشيوخ والنواب الديمقراطيين والجمهوريين على حدّ سواء.

كان لا بدّ من انتظار وفاة محمّد مخلوف قبل ثلاثة أشهر لاكتشاف أنّ الرجل كان ابن خالة حافظ الأسد وأن شقيقته أنيسة زوجة الرئيس السوري الراحل لم تكن من طبقة اجتماعية مختلفة. كلّ ما روّج له النظام طوال نصف قرن عن دور محمّد مخلوف في تسهيل زواج أخته من حافظ الأسد كان غير صحيح. كلّ ما في الأمر أنّه كان هناك، منذ البداية، توزيع للأدوار بين الأسد الأب وابن خالته الذي وضع يده على الاقتصاد السوري بغطاء منه وذلك من أجل السيطرة على الطائفة العلوية وتطويعها عن طريق صناديق مالية خاصة.

أسس حافظ الأسد للنظام القائم إلى الآن. كان ذلك في 16 تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1970. انقلب حافظ الأسد، وزير الدفاع منذ العام 1966 والذي احتلت إسرائيل الجولان خلال توليه هذا الموقع في حزيران – يونيو 1967، في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها غامضة، على رفاقه البعثيين والعلويين. تفرّد بحكم سوريا بعد وضعه العلوي الآخر صلاح جديد في السجن مع السنّيين نورالدين الأتاسي ويوسف زعيّن وآخرين. ما لبث أن تخلّص من الضابط العلوي الكبير الآخر محمّد عمران عندما أرسل من يغتاله في طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني في العام 1972. كلّف ذلك تحوّل رئيس الوزراء اللبناني وقتذاك صائب سلام إلى شخص غير مرغوب به في سوريا بسبب إصراره على التحقيق في جريمة اغتيال محمّد عمران…


يمكن وصف ما حصل في 2020 بتطور في غاية الأهمّية، بل بمنعطف، على الصعيد السوري وذلك بعد أقل بقليل من عشر سنوات على اندلاع الثورة الشعبية في آذار – مارس من العام 2011. ففي ظلّ الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، تغيّرت طبيعة الصراع الدائر داخل العائلة الحاكمة. خرج رامي محمد مخلوف الذي ورث الدور الذي كان يلعبه والده وحلت مكانه أسماء الأخرس الأسد المرأة التي تمتلك شبقا ليس بعده شبق إلى السلطة والنفوذ المالي.

استطاعت أسماء في 2020 تدمير إمبراطورية آل مخلوف الاقتصادية والاجتماعية والطائفية والسيطرة عليها بالكامل وتفتيت ما بقي منها لمصلحة مشروع خاص بها. بذلك صارت العائلات العلوية ولقمة عيشها وخبزها اليومي تحت رحمة مؤسسات “الأمانة السورية للتنمية” التابعة مباشرة لأسماء الأخرس بعد أن كانت تحت سيطرة آل مخلوف منذ سبعينات القرن الماضي حين سمح حافظ الأسد لمحمد مخلوف بالسيطرة على الاقتصاد السوري واستخدام هذا المال للسيطرة على أبناء الطائفة العلوية وتطويعهم وتحويلهم إلى عبيد للعائلة الحاكمة. كذلك، استطاعت أسماء تحويل نفسها إلى ركيزة أساسية في معادلة اقتصاد الحرب السورية لضمان ديمومة النظام الأسدي.

تأمل أسماء بنقل السلطة إلى ابنها حافظ الصغير. باتت تسيطر اليوم على 70 في المئة من اقتصاد القطاع العام السوري عبر ما يسمى “صندوق شهداء وجرحى الجيش العربي السوري”. تشارك أسماء أيضا بطريقة مباشرة في الاقتصاد السوري الخاص. كذلك، تسيطر أسماء على موارد المؤسسات الدولية الإنسانية ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا عبر تحكّمها بوزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة الهلال الأحمر السوري وإجبار كلّ المؤسسات الدولية العاملة في سوريا على العمل حصرا عبر هاتين الجهتين الخاضعتين لها مئة في المئة.

تركت أسماء الاقتصاد “القذر” لماهر الأسد وحيّدته في المواجهة الناجحة التي خاضتها مع رامي مخلوف ومجموعته. إضافة إلى ذلك، استطاعت فرض سيطرة أقارب مباشرين لها على قطاعات اقتصادية معيّنة.

لم يكن في حسابات أسماء الأخرس الأسد أنّه سيأتي يوم تستهدف فيه عائلتها بعقوبات “قانون قيصر” الأميركي. كانت تظن أن الجنسيات البريطانية والدور “السياسي الخفي”، الذي ظن والدها الدكتور فواز الأخرس أنه يلعبه، سيوفّر لهم حماية من العقوبات الأميركية التي سبق أن طالتها شخصيا كما طالت ابنها الأكبر الذي مازالت تحلم بتوريثه الرئاسة.

أثبتت العقوبات أن وضع العائلة على لائحة العقوبات الأميركية جاء بتنسيق كامل بين واشنطن ولندن. أكثر من ذلك، جاءت العقوبات لتثبت أنّ التغيير في سوريا سياسة أميركية بغض النظر عن الشخص الموجود في البيت الأبيض، أكان دونالد ترامب أو جو بايدن.

خيرالله خير الله






أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن رغبته في “علاقات أفضل” مع إسرائيل، وجاء توقيت هذا الإعلان لحظة خروج الرجل من صلاة الجمعة. أي من قلب الأيديولوجيا ومن عتبة “آيا صوفيا” التي استعادها أردوغان مسجدا في نهاية مارس 2019 وأسمع الناس ـ بصوته ـ التلاوة الأولى بعد الفتح الثاني، فتهلل له المريدون واستبشروا بـ”انتصارات” أخرى وشيكة.

في يوم الجمعة 25 ديسمبر 2020 كان المريدون من “الإخوان” ينتظرون من الرئيس التركي كلمات ساخنة، شبيهة بكلماتهم النازلة في ساحة المطبّعين العرب. لكن أردوغان حاول استرضاء الرهط الكريم بعبارة مقتضبة غير أيديولوجية، لتذكير إسرائيل بأن “العلاقات الأفضل” معها لا تزال مرتجاة، لكنها تتعرض للعرقلة، من خلال سياستها “غير المقبولة” تجاه الفلسطينيين. ولم ينس في التصريح نفسه التأكيد على أن العلاقات الاستخبارية التركية – الإسرائيلية لم تتوقف في أي مرحلة.

السؤال الآن: طالما أن العلاقات الاستخبارية لم تتوقف، وأن مشكلة أردوغان مع إسرائيل هي معاملة الفلسطينيين أو سياستها حيالهم، أي أنها ليست قضية استلاب وطن وإنكار حقوق أساسية فيه؛ فلماذا لا يُقاس هذا المنطق بالمسطرة نفسها التي قيست بها اتفاقيات التطبيع الأخرى؟

إن كان أردوغان يعاتب، فلمَ يكن هو مخترع مثل هذا العتب في تاريخ العلاقات التركية – الإسرائيلية. ففي مرحلة الحكم الملتزم بمبادئ أتاتورك، حدث ما هو أكثر من ذلك. بل إن ردود أفعال أنقرة في مناسبات التوتر في العلاقة التركية ـ الإسرائيلية، كانت أشد من ردود أفعال أردوغان على الحروب التي شنتها إسرائيل ضد غزة، أو هجومها بحرا على السفينة مرمرة وقتل مواطنين أتراك متضامنين مع غزة المحاصرة.

ففي نوفمبر 1956 سحبت أنقرة سفيرها من إسرائيل احتجاجا على العدوان الثلاثي، دون أن تكون إسرائيل قتلت أتراكا، بل تشددت في شروط إعادة سفيرها، وطالبت بحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفق مقررات الأمم المتحدة. لذا فإن الجديد التركي المبشر الذي يتوهّمه الأصوليون من حكم أردوغان لا يقوم على منطق، بحكم أن سياسة الدولة التركية تلتزم مسارها الاستراتيجي الموصول بخطط ووظائف حلف شمال الأطلسي مع بعض المراعاة لمشاعر الشعب التركي حيال مسلمي فلسطين والبلاد العربية.

في الموضوع الفلسطيني الذي يجعله الأصوليون قاعدة التخوين والمديح، لم يخرج أردوغان عن الخط التطبيعي القديم. فها هو يخرج من المسجد الأثير بعتاب لإسرائيل مرفقا بالتذكير البليغ أن العلاقات الاستخبارية معها لم تنقطع. فلمصلحة من كانت هذه العلاقات وضد من؟

أردوغان يلعب في الهامش المتاح له، ولكل نظام سياسي تجمعه بإسرائيل علاقات طبيعية راسخة، هامش للخلاف. لكن طريقة اللعب التي اختارها، هي أن يرتبط دفء العلاقة مع تل أبيب بسياستها، وهذا يعني موضوعيا أن شنّ إسرائيل الحرب على شعب وممارسة القتل الرقمي بالقصف الجوي لا يوفران مناخا لعلاقات دافئة. وفي الحقيقة ليس في هذا الأمر مأثرة “إسلامية” لأن الولايات المتحدة نفسها كانت تدين قتل الأبرياء وتتحدث عن “الاستخدام المفرط للقوة”. أما أوروبا فكانت تدين بأشد العبارات!

يستند أردوغان في خطابه السياسي إلى قضية فلسطين، سعيا إلى الرواج والربح الانتخابي. وكلما مرّ وقت أطول على حكمه يصبح أكثر حاجة إلى الخطاب المتاح له، ولأقصى درجة في الموضوع الفلسطيني. وهذا هو الموضوع الذي يقف فيه عند حدود معيّنة، ولا يذهب فيه بعيدا مثلما عليه الحال بالنسبة إلى الموضوع الأيديولوجي وتمظهرات التقوى والتلاوة. لذا تراه يخترع لنفسه تعبيرات مثل “سياسة الربط القوي” بين سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين ودفء علاقاته معها.

الشعب التركي، سواء كان الحاكم أردوغان أو غيره، لديه عاطفة قوية تجاه فلسطين، وهذا أمر استثمره أردوغان وتفاعل معه دعما لمشروعاته الخارجية، لاسيما وأن سياسة اليمين الإسرائيلي المجافية للتسوية والمتمسكة بالاحتلال قد ساعدت على ذلك.

وفي الحقيقة، لم يكن هذا الوقت هو المناسب بالنسبة إلى أردوغان لكي يُعرب فيه عن رغبته في نقل تركيا إلى علاقات أفضل مع إسرائيل. فلم يكن في حاجة إلى استرضاء إسرائيل وتطيير العتاب لها ومنحها مثل هذا التصريح الذي لم تظفر به السعودية أو مصر أو الإمارات. فكأن الصراع بين أنقرة والقاهرة مثلا، تناحري بينما الخلاف مع تل أبيب يتعلق بمحض أسلوبها حيال الفلسطينيين ولم يؤثر على العمل الاستخباري المشترك.

لقد وضع أردوغان بصراحته في الإعراب عن رغبته في علاقات أفضل مع إسرائيل كل جماعات الإسلام السياسي أمام حقائق وخيارات يصعب عليها تجاوزها أو التعاطي معها. بل يمكن أن نذهب إلى القول إن هذا الضليع صاحب التجربة العميقة في العلاقة مع تل أبيب، يريد مساعدة المعجبين به على تطبيع حواسهم مع فكرة التصالح مع إسرائيل التي ينكرون مشروعيتها، قياسا على المدركات والحقائق الأولى التاريخية للقضية الفلسطينية. في هذه الحال يتوجّب على هؤلاء التوقف عن إدانة وتخوين الآخرين، لأن مثل هذا المنطق لا يسعد أردوغان باعتباره مطبّعا ومتعاونا استخباريا وثابتا على علاقة استراتيجية معها.

من نافل القول، أن منهجية “الإخوان” منذ بداية تأسيسهم، لم تكن تشترط التحالف على قاعدة الطهرانية السياسية والوطنية، المتعارضة مع النفوذ الغربي (وفي ثناياه التواجد الإسرائيلي المستتر في أوطان المسلمين). فالعكس هو الصحيح، إذ وقفت الجماعة، على مرّ تاريخها، ضد القوى الراغبة في تصفية نفوذ الاستعمار القديم، وتصادقت مع حلفائه التقليديين ووقفت معهم. وربما يكون هذا من بين الطبائع الانتهازية، التي تجعل تطبيع أنقرة مع تل أبيب حميدا وتطبيع الآخرين خبيثا.

عدلي صادق








قد يكون عنوان المقال خادعا أو صادما للواقع الفلسطيني الحالي الذي يعرفه ويتخوف منه الجميع. فهناك احتمال يكاد يكون معدوما في برنامج وطني يمثل كل الفلسطينيين وفصائلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهناك احتمال آخر يتمثل في وجود برنامجين، أحدهما من الضفة والآخر من غزة، وثمة احتمال في برنامج دولي لن يُقبل من جانب الفلسطينيين والإسرائيليين، أو برنامج أميركي يتم فرضه على الطرفين، أو كالعادة تترك الأمور كما هي وفق سريان الوضع الراهن، وربما، لا سمح الله، تندلع حرب إقليمية تعفي الجميع من تبعات أي برامج أو اتفاقات.

تتضاءل الخيارات أمام الفلسطينيين بسبب فشل قياداتهم، وبالتحديد فريق السلطة الوطنية الذي تقوده حركة فتح، وفريق حركة حماس، وحركة الجهاد، في التوصل إلى اتفاق أو رؤية مشتركة، وبالتالي الالتفاف حول أهداف موحدة لمواجهة ما ينتظره الشعب الفلسطيني في الأشهر القليلة المقبلة.

المتوقع في تلك الأحجية العودة إلى اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات في عامي 1992 – 1993 وما أعقبهما، ولم يتم تنفيذها حتى الآن، أو طرح أفكار أميركية وأوروبية جديدة. وهذا التوجه بالطبع لن يشمل كل الفلسطينيين ومؤسساتهم وأحزابهم، لأنه مخصص فقط لإسرائيل والضفة الغربية. فهل يستكمل الاتفاق ليشمل الجميع بالتوصل إلى اتفاق جديد وشروط مؤلمة مع حركتي حماس والجهاد؟ تكمن صعوبة التوصل إلى ذلك الهدف في الحاجة إلى حرب مع إيران تنتصر فيها الولايات المتحدة.

يسجل التاريخ أن الضربة القاصمة التي أصابت النضال الدامي وأرست الانقسام الفلسطيني لم تأت من إسرائيل أو الولايات المتحدة، لكنها جاءت من الفلسطينيين أنفسهم ممثلين في أحزابهم وفصائلهم.

ولم تعد اليوم عملية فصل الضفة عن القطاع هدفا لإسرائيل أو أميركا، لأنه تحوّل بشكل واقعي وواضح هدفا لحماس، وربما حلا مقبولا ومريحا للسلطة الوطنية في رام الله. فهل تعترف إسرائيل اليوم، كما اعترفت عام 1994 بوحدة الأرض في الضفة وغزة أو ما تبقّى منهما؟

لا تتوافق الأحزاب الفلسطينية على برنامج تفاوض مشترك وموحد مع إسرائيل، ولا تتفق على برامج مشتركة سياسية أو اقتصادية أو مجتمعية. فلا تقبل حركة حماس الاعتراف بأنها جزء من السلطة الوطنية. وترفض حركة فتح والسلطة الاعتراف بكون حماس جزءا أساسيا من التوليفة السياسية، وأنها فازت فعلا بأصوات في القطاع والضفة في آخر انتخابات فلسطينية.

تتكاسل الحركتان في خوض انتخابات عامة، رئاسية وبرلمانية، ويحكم كلاهما ما تمت السيطرة عليه من أرض وشعب، بلا دعم وتأييد وطني، بل بالقوة المطلقة، ويدفع كلاهما اقتناع بالاتجاه نحو الانفصال. فهل تعمل الأحزاب نحو توحيد العمل النضالي والسياسي؟ وهل لدى الأحزاب الفلسطينية أرضية مشتركة للتفاوض، بعد أكثر عشر سنوات من الانفصال، للتوحد والاتفاق؟

تبدو في الأفق القريب جملة من التحديات الصعبة أمام مسيرة الفلسطينيين لتحقيق الحد الأدنى من مطالبهم الشرعية، هناك ضرورة لتجنيد “التطبيع” العربي الإسرائيلي بما له وما عليه لصالح تأييد الأهداف الفلسطينية، بدلا من أن تتحول إلى تأييد كلامي أو حيادي.

لقد حان الوقت لوضع حل للصمت الذي يغلب على قيادات فتح والحماس في مناقشة الخيارات المتاحة لتمتين القوة التفاوضية وتحشيد المؤيدين من الدول التي تكاد تشمل دول العالم بأسره. ليس القادم للصدام مع أحلام الفلسطينيين مزيدا من العمل المسلح، لأن كل الدول المؤيدة لهذا الاتجاه لا تقدر ولا تريد القتال.

القادم هو استراحة المقاتل وتصدّي السياسي والمفاوض لجبهة التماسك والثبات والتحالفات التي ترسم مستقبل الفلسطينيين والمنطقة العربية، فالمفاوضات تتطلب الخبراء والاستناد إلى القرارات الدولية، والتمسك بالدعم العربي والإسلامي، والأهم من كل ذلك الاصطفاف الوطني الصارم.

على الفلسطينيين أن يحسموا الأمر الآن، إذا أرادوا أن يتفاوضوا معا كما قاتلوا واستشهدوا معا، لكن أن يكون جزءا ممن يقاتل أو يدعي أنه يقاتل، وجزءا آخر يدعي أنه يفاوض باسم الجميع الفلسطيني وهو قانع أن ذلك لن يتحقق، وهو ما تريده إسرائيل وتدعمه واشنطن كحل مؤقت.

هل ستفرض إسرائيل شروطا قاسية لقبول التفاوض الجماعي الفلسطيني، وهل ستضع حماس العوائق وترفض المشاركة في وفد فلسطيني موحد، أم تنتهي المفاوضات المتوقعة إلى اتفاق سلام مع السلطة الوطنية، واتفاق تهدئة مع حركة حماس؟ وماذا إذا تفاوضت السلطة فقط مع إسرائيل بدون حماس، وسعت نحو إنجاز اتفاقين، أحدهما مع السلطة الوطنية حول مستقبل حل الدولتين، والآخر مع حماس بشأن تثبيت التهدئة؟

كلها أسئلة ملحّة وتطرحها المعطيات الراهنة، ومن الضروري التفكير فيها، والبحث عن الآليات اللازمة للتعاطي معها.

العامل الأكثر تأثيرا في الوضع الفلسطيني ويترك انطباعا إيجابيا على مجمل المهام المتعلقة بالأبعاد السياسية والمجتمعية والاقتصادية، هو مصير الانتخابات. فقد حان الوقت لبدء الترتيبات اللازمة لإضفاء شرعية على الأشخاص والأحزاب والحركات السياسية التي تحكم الشعب الفلسطيني.

تظل الانتخابات هي الطريق الوحيد لاستعادة وحدة الشعب وحقه في اختيار ممثليه عن جدارة، فالانتخابات التي يرسمها ويشرف عليها الذين فرضوا أنفسهم على السيطرة الحالية لا يمكن أن تؤدي إلى قيادة شرعية قادرة على حماية الشعب وضمان مستقبله، أو مؤهلة لتحشيده خلفها للتوصل إلى حقوقه وصون كرامته.

يتحتم التوصل إلى توافق على تسليم الحكم والأمن، وترتيب مراقبة الانتخابات وحماية نتائجها، لسلطة مستقلة قانونية ونزيهة، على غرار الانتخابات التي مارسها الشعب الفلسطيني عام 2006.

الجديد في التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي المنتظر أن مبدأ “حل الدولتين” قد يرى النور بعد أن وافقت معظم دول العالم على ذلك، وحيث أن هناك دولة (إسرائيلية) قائمة، فمن المتوقع أن توافق الولايات المتحدة وإسرائيل على الاعتراف بالدولة الفلسطينية لاستكمال هذا المبدأ، سواء شاركت حركة حماس أم لم تشارك.

يبدو أن وضع قطاع غزة سوف يبقى موضوعا فلسطينيا – فلسطينيا، محكوما باتفاقات تهدئة ووساطات مصرية، ويستبعد حدوث تفاوض إسرائيلي مع حماس أو تفاوض تقوم به السلطة الفلسطينية مع الحركة حول مستقبل قطاع غزة. وسوف يبقى محور التفاوض حول حل الدولتين بين السلطة الوطنية وإسرائيل، بينما يبقى انضمام غزة للدولة الفلسطينية من عدمه شأنا محليا بحتا. لذلك ستكون المفاوضات المقبلة أصعب ما يمرّ به الشعب وأكثره ألما فوق ما يحمله من جراح.

مروان كنفاني







لعبت، ولا تزال، الأزمات الداخلية في كل من مصر وإثيوبيا والسودان، دورا غير مباشر في صعوبة التوصل إلى تفاهمات حاسمة بين الدول الثلاث، وقبل أن تبدأ الوفود المتفاوضة جولة الأحد المقبل برعاية الاتحاد الأفريقي، استدعت الخارجية المصرية، القائم بالأعمال الإثيوبي في القاهرة، الأربعاء، لتقديم توضيحات حول ما نُقل من تصريحات رسمية تطرقت إلى الشأن الداخلي المصري.

ومع أن بيان الخارجية المصرية لم يشر إلى طبيعة التصريحات المزعجة، لكن جرى تداول معلومات نسبت إلى المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، هاجم فيها القاهرة لانتقادها مشروع سد النهضة، وقال إنها “تستخدم المشروع للتغطية على العديد من المشكلات الداخلية”.

أرادت أديس أبابا استباق المفاوضات الجديدة بوضع العصي بين عجلاتها كي تضمن عدم انحياز رئيس الكونغو الديمقراطية، فيلكس تشيسكيدي، لمصر التي أجرى رئيسها عبدالفتاح السيسي اتصالا معه أخيرا، حيث سيتولى الأول رئاسة الاتحاد الأفريقي، من بداية هذا العام، وتسند إليه الوساطة بدلا من رئيس دولة جنوب أفريقيا، سايريل رامافوزا، الذي لم يستطع تفكيك العقد الرئيسية في المفاوضات خلال العام الماضي.

ويحمل مشروع سد النهضة طموحات وأحلاما كبيرة للدولة الإثيوبية، ظهرت تجلياتها في تتابع الاهتمام به من كل رؤساء الحكومات، فمنذ وضعت اللبنة الأولى لتأسيسه، ويتم التعامل معه كمشروع قومي لما يحمله من فوائد تنموية، وما يمثله من مساعدة نوعية في توحيد الشعوب الإثيوبية خلف قيادتها، ولم يعد البعد الداخلي خافيا في غالبية المحطات التي مر بها، فعندما ارتفع مستوى الأهداف التنموية ارتفع أيضا سقف التعويل على المشروع كمدخل مناسب في منع انفلات الوحدة الإقليمية.

وتفسر الدوافع الداخلية جزءا من التعنت الإثيوبي في المفاوضات، حيث اتخذ كرمز للاستقلال الوطني، ودلالة معنوية على قوة الإرادة السياسية، وأدت المبالغة في هذا الجانب إلى زيادة صلابة موقف المفاوض الإثيوبي.

وفي كل المحطات التي انحنى فيها للعواصف وبدا قريبا من التوقيع على اتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف، يقوم باستدارة نوعية، رسّخت في ذهن المفاوض المصري ثم السوداني أن أديس أبابا وهي مدفوعة بأزماتها لن يتمّ الوصول معها إلى اتفاق ملزم.

لم يمنع المحدد الداخلي لسدّ النهضة وقوع مشكلات داخل إثيوبيا، مثل الحرب المدمرة في إقليم تيغراي، ولم يفلح في تكوين اصطفاف وطني خلف رئيس الحكومة آبي أحمد يمنع اندلاع تظاهرات احتجاجا على تصرفاته في التعامل مع أزمات طفت على السطح في العامين الماضيين، وبالتالي ففكرة الرهان كعنصر لتوحيد الشعوب باتت مشكوكا فيها.

مفاوضات عقيمة

تحاول إثيوبيا قلب الطاولة على مصر واتهامها بتوظيف ملف السدّ في تجاوز مشكلاتها الداخلية، وهي قضية مردود عليها، لأن موقف القاهرة في أزمة سدّ النهضة لم يكن مرضيا لطموحات المواطنين، وحمّلت فئات كثيرة الأنظمة المتعاقبة في مصر مسؤولية ما وصلت إليه المفاوضات من عقم، وتحويله من فكرة إلى واقع ملموس.

استغلت إثيوبيا انشغال الدولة المصرية بمشكلاتها الداخلية عقب ثورة 25 يناير 2011، وشرعت في وضع اللبنات الأولى للسدّ، وتوالت مراحل التشييد في ظل أوضاع غير مستقرة بمصر، وعندما بدأت تلتفت للاشتباك الفني والقانوني والسياسي مع السدّ عام 2014 ليكون مساره متفِقا مع المصالح المائية، غرقت في مستنقع لا ينتهي من الأخذ والرد، ولذلك كان محدد المشكلات الداخلية نقمة، بل مكّن إثيوبيا من الوصول إلى جانب معتبر من غاياتها في فرض رؤيتها.

ويقول مراقبون، إن النظام المصري لو أراد توظيف أزمة السدّ لكسب المزيد من التأييد في الشارع؛ عليه أن يقوم بتوجيه ضربة عسكرية لجسم السدّ، ووقتها سيجد تأييدا والتفافا يمنحانه قوة مضاعفة، لكنه لا يزال يصرّ على التمسك بخيار الحلول التفاوضية، وهو ما يحرج إثيوبيا التي تكاد تكون استنزفت رصيدها من الحجج، وراحت تلقي اللوم على غيرها، كمحاولة لإيجاد نافذة تشكك في جوهر الموقف المصري.

ويرى متابعون، أن المرحلة المقبلة سوف تشهد تراجعا في هامش المناورات الإثيوبية، وأن الأسس التي تستند عليها فقدت بريقها عقب انضمام السودان بشكل غير مباشر للموقف المصري، من حيث المطالبة باتفاق ملزم وشكل واضح لآليات تشغيل السدّ، وضمانات محددة لعدم الإضرار بمصالح الغير، وكلها تتملص منها أديس أبابا.

يصعب القول بحسمٍ إن السودان أيضا غيّر موقفه انطلاقا من حسابات داخلية، أو لتجاوز أزمات تعصف بالسلطة الانتقالية، لأن التغيير جاء متدرجا وبعد أن استنزفت الخرطوم الكثير من الأدوات الدبلوماسية لحضّ إثيوبيا على التفاعل بإيجابية مع المفاوضات، وبالتالي يبدو ربط ما يجري من تعقيدات وتحديات داخلية بمطالبات المفاوض السوداني المتكررة باتفاق عادل ومنصفٍ، يحتاج إلى توثيق.

بصرف النظر عن صحة الدوافع الداخلية وحدود تأثيرها لدى كل طرف، فإنها خرجت كعنصر بارز يمكن بموجبه تفسير موقف هذه الدولة أو تلك، فعلى الرغم من الأهمية المركزية التي تنطوي عليها كمحدد يفسر الانسداد، لكنه غير كاف لتحميله المسؤولية كاملة، ومهما بلغ التأثير في مرحلة من المراحل، لدى أيّ من الأطراف الثلاثة، فهناك أسباب عميقة أدّت إلى النتيجة التي وصل إليها قطار التفاوض.

دخلت إثيوبيا جميع جولات المفاوضات (تقريبا) وهي تتبنّى معادلة صفرية، حيث ترى أن مكاسبها خسائر للطرفين المقابلين، والعكس صحيح، بينما يؤكد الخطاب المصري والسوداني أن المسألة مختلفة، ويمكن البحث عن حل يجعل الجميع رابحين وهو ما ترفض أديس أبابا الإنصات له جيدا، وتتعمد قذف الكرة في ملعب بعيد عنها.

كسبت إثيوبيا رهانها على عنصر الوقت وحققت من ورائه جملة من النجاحات، حيث نقلت سدّ النهضة من خانة التشكيك في تشييده إلى تحويله إلى واقع، ويدور الخلاف حول التفاصيل، وهي خطوة جبارة، لعبت فيها الظروف الداخلية في الدول الثلاث دورا مؤثرا، فإذا كانت تبعات ثورة يناير في مصر أرخت بغيومها، فرهانات نظام الرئيس السابق عمر البشير على التحالف مع إثيوبيا لمواجهة القاهرة قصّرت المسافات.

وبعد أن تغيّرت الأوضاع في السودان وسقط نظام البشير، احتاجت السلطة الانتقالية في الخرطوم وقتا لتستوعب بدقة مكاسب وأضرار السدّ، وتوصلت إلى قناعة بتفوق الثانية على الأولى مؤخرا، دفعتها إلى المطالبة بتليين وتغيير الموقف الإثيوبي، في وقت تمرّ فيه العلاقات بين الجانبين بأزمة حدودية قد يصعب تطويقها.

ويشير مراقبون، إلى أن أزمة سدّ النهضة تتقاطع مع الأزمة الحدودية، حيث يجدها الجيش السوداني فرصة لتعزيز نفوذه في السلطة، وتقليل حدّة الانتقادات التي تتهمه بالرغبة في الهيمنة على مفاتيح القرار بالخرطوم، والسعي إلى التمترس في السلطة وعدم التخلي عنها بعد انتهاء الفترة الانتقالية.

لا يقلل توظيف المشكلات الداخلية من حساسية أزمة سدّ النهضة، ومهما تزايد حديث الربط بينهما في الدول الثلاث، لن يلغي ذلك الواقع الأليم الذي بلغته المفاوضات، فالاستثمار في الأزمات الخارجية يحمل سلبيات أيضا، إذا لم تتحقق الأهداف التي ينطوي عليها الربط بوضوح، ما يمثل مأزقا للقيادة السياسية في الدولة، أيّ دولة، ويجبرها على المكاشفة والمصارحة، فالتوظيف له مدّة صلاحية وبعدها ينتهي مفعوله.

محمد أبو الفضل








النظام العالمي يتفكك، ويحدث هذا على شكل سلسلة من الأزمات، لكل منها طبيعته الخاصة. ومن بين الأزمات التي تدخل فيها أكبر دول العالم، أزمة الحلفاء والتحالفات.
إن المشكلات الاقتصادية المتزايدة تجبر الدول الكبرى على إعادة توجيه بوصلتها نحو حل المشكلات الداخلية، وإعادة النظر في العلاقات مع الحلفاء، والمبادئ التي كانت تستند إليها التحالفات في السابق.

فقد انتهى كرم الزعماء والقادة، وبدأت الاحتكاكات والصراعات مع المرؤوسين.
تحاول الولايات المتحدة الأمريكية امتصاص آخر قطرة من رحيق الحلفاء، ويمكننا بهذا الصدد العودة إلى عقود الأسلحة مع السعودية، أو الخلاف حول الإنفاق العسكري على حلف الناتو من قبل الشركاء الصغار في الحلف، كذلك ينتقل الاتحاد الأوروبي من أزمة لأخرى، فلم توشك بريطانيا على مغادرة الاتحاد حتى شرعت كل من بولندا والمجر بحجب موازنة الاتحاد.

روسيا هي الأخرى تظهر براغماتية متزايدة، وتخفض الدعم لحلفائها، وإلى حد كبير تعود الأزمة الراهنة في بيلاروس إلى استنفاد النموذج الاقتصادي المستخدم هناك، والذي كان يعتمد على إمدادات الطاقة الروسية بأسعار أقل من الأسعار العالمية. كذلك أظهرت الحرب في قرة باغ أنه يتعيّن أن تستحق الأطراف الدعم الروسي أولا.

في الشرق الأوسط، واجه مجلس التعاون الخليجي والمملكة العربية السعودية تحديا مماثلا. فقد تمرّدت قطر علنا، في الوقت الذي تلعب فيه الإمارات دورا مستقلا على نحو متزايد، بما في ذلك في اليمن.

ومع ذلك، فليس ذلك سوى جانب واحد من المشكلة، الجانب الثاني والأساسي، وهو ما توصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، مراجعة الرياض هي الأخرى لموقفها تجاه الحلفاء والمنظمات.

عادة ما يكون الدافع وراء أمر كهذا هو الصعوبات المالية، التي يمر بها أيضا المتبرع، ما يحد من إمكانية التبرع، والسلطة التي يتمتع بها لدى الحلفاء، ولدى الآخرين، وهو ما يتوازى مع ازدياد شهية الشركاء الأصغر.

يستمر تدهو الوضع المالي في الخليج، سواء بسبب انخفاض أسعار النفط، أو بسبب الجائحة المستمرة، وفي إطار الأزمة الاقتصادية العالمية المشتركة.

في الوقت نفسه، يعاني المتلقون الرئيسيون للمساعدات المالية السعودية، بما في ذلك البحرين ومصر والأردن، من عجز كبير في الحساب الجاري أو الموازنات أو كليهما. وللسبب نفسه، قد تواجه عمان أيضا مشكلات، وقد تحتاج إلى المساعدة.
أما المملكة العربية السعودية نفسها، فتعاني من عجز كبير في الموازنة، وتحتاج إلى المال، لهذا كان على الكويت والإمارات تقديم المساعدة للرياض من خلال شراء جزء من أسهم أرامكو السعودية كجزء من الاكتتاب العام للشركة. أي أن الشكوك تحوم حول آفاق نمو الإيرادات في الرياض.

في وقت من الأوقات، أنفق القذافي بسخاء من الدولارات النفطية على المشروعات والمساعدات، والمؤامرات الخارجية، في وقت لم تكن فيه نصف شوارع العاصمة طرابلس معبّدة بالأسفلت. أعتقد أن الرياض تدرك جيدا عواقب مثل هذه السياسات، من زعزعة للاستقرار الداخلي، حتى في الدول الغنية.

لذا أعتقد أننا سنشهد قريبا انخفاضا كبيرا في الإنفاق السعودي على المشروعات الخارجية، بالتوازي مع تراجع نفوذ السعودية على حلفائها وفي الخارج بشكل عام.
في ظل هذه الظروف، كان من المفترض أن تكون قد نضجت لدى الرياض رغبة قوية في إنهاء الحرب في اليمن، بينما أثبت الحوثيون أن التحالف الذي تقوده السعودية ليس لديه أي أمل في النصر، على الرغم من الإنفاق الهائل الذي أصبحت السعودية أقل قدرة على تحمّله، حيث قدّر مركز “ويلسون” الأمريكي، في عام 2015، إنفاق التحالف على الحرب في اليمن بمبلغ 200 مليون دولار يوميا، مع تغطية السعودية لمعظم هذه التكاليف.

لكن في قضية خروج السعودية من اليمن، تواجه الرياض صعوبات، لغياب صيغة واضحة لتحقيق الاستقرار في اليمن بشروط مقبولة إلى حد ما بالنسبة للرياض. بالإضافة إلى ذلك، تزداد التناقضات، ويتعقد التنافس مع الإمارات في حال خروج السعودية من اليمن، وستفقد السعودية قيادتها في شبه الجزيرة.

ومهما كان الأمر، فقد أصبح وضع اليمن بالنسبة للسعودية بنفس كارثية الوضع الذي أصبحت به أفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة، حيث لا يمكن المغادرة، ويستحيل البقاء.
كما أن إضعاف موقف الرياض في اليمن يقوّض مكانة السعودية في مجلس التعاون الخليجي، وآفاق هذه المنظمة برمتها، حيث من المحتمل أن تنهي الحرب اليمنية ما بدأته قطر بتدمير المجلس، وإن لم يكن رسميا، فعلى مستوى جوهر التنظيم. حتى الآن تسير الأمور في هذا الاتجاه

ألكسندر نازاروف

روسيا اليوم







مرت سنوات عشر على الثورة التونسية وقريبا ستمر عشر سنوات على الثورة المصرية والسورية والليبية والحراكات الثورية والإصلاحية العربية التي اندلعت من المحيط للخليج. وبينما تفاجأ النظام العربي الرسمي، وخاصة الجمهوري بما وقع من ثورات وحراكات شعبية جذرية، إلا أن الشعوب العربية هي الأخرى تفاجأت بمقدرتها على تغيير قادة دول ورؤساء، بل ومقدرتها على التحكم بالمسار السياسي في بلادها وذلك بعد طول صمت واستكانة. تلك كانت البداية الخلاقة لما وقع عام 2010-2011

وبينما برزت بعد الربيع بأيام ثم بشهور أطروحة تتهم تلك الثورات بالعبثية والتأثر بالخارج، إلا أن الحقائق التاريخية والسياسية لم تجعل من تلك الأطروحة أكثر صحة من أطروحة الرئيس ترامب الأخيرة حول تزوير الانتخابات الأمريكية. فتقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة في بدايات الألفية الثانية أوضح مدى طبيعة المظالم التي يتعرض لها قطاع كبير من الشباب العربي، كما وأوضح مدى التهميش الذي يعيش في ظله المواطن العربي. بل كانت المظالم في السجون العربية وقصص التعسف والفساد وتحول سلطة الدولة العميقة وسلطة المخابرات لدولة ضمن الدولة في الدول العربية قد انتشرت على كل لسان. إن انفجار الربيع العربي عام 2010 لم يأت من فراغ. ومن يتجاهل هذا الفراغ ستفاجئه حركة التاريخ وحراكات الشعوب.

إن المفاجأة الأكبر قبل انفجار الربيع العربي كانت في مدى فشل النظام العربي رؤية حجم الغضب في قاع النظام العربي. إن حالة العميان التي سادت النظام العربي قبل عام 2010-2011 هي التي تحكمت بالنخب. فقد التهت تلك النخب في صراعاتها النفعية على النفوذ والمال، وانهمكت في حالة من حالات تعظيم المنافع الشخصية على حساب المصلحة العامة. وهذا بالطبع فتح الباب للفساد الذي يهز أركان الدول العربية ليومنا هذا.

وعندما نتفحص الوضع بعد عشر سنوات سنرى أن الأوضاع اليوم أصعب من أوضاع الأمس، وأن الظروف التي أدت للربيع العربي هي اليوم أسوأ. لقد انتشرت المظالم وتضاعفت أعداد اللاجئين العرب، بينما العالم العربي يزداد تفككا وشعوبه تعيش حالة حيرة. لهذا انتقل الربيع العربي الذي عرفناه عام 2010 من الانفجار بسبب الظلم وإمكانية اصلاح النظام العربي إلى حالة جديدة أكثر عمقا وربما نضجا. لن تقع ثورة في الظرف العربي الراهن قبل أن تنضج ظروفها التي يجب أن تدفع باتجاه العدالة والتوازن وعدم تدمير الدولة بنفس الوقت. حراكات الجزائر والسودان 2019 نموذج لهذه الحالة. هناك تخوف واسع النطاق في النظام العربي من المغامرة والتسرع في ظل وجود نخب لا تحسب نتائج إطلاقها للنيران على الشعوب.

تناقضات كثيرة هي تلك التي تتجاذب الوضع العربي، ففي العالم العربي الآن دول مفككة، مرت شعوبها بحالة قمع كبيرة ثم بحروب أهلية دامية، وعانت شعوبها الأمرين من التدخل الخارجي كما حصل مع اليمن وليبيا وسوريا والعراق. وهناك دول متماسكة لازالت قادرة على تحقيق انتقال تنموي واقتصادي وأيضا دستوري كمصر والمغرب والسودان. لم تعد الحالة العربية حالة متشابهه، إذ تتجاذبها أيضا تركيا وإيران. لكن هناك بنفس الوقت ديكتاتوريات لديها مشاريع كبرى مرتبطة مؤخرا بإسرائيل، ولهذا آثار بعيدة الأمد على الوضع العربي برمته، فبينما سار قطار التطبيع على يد عدد من الدول العربية إلا أن ازمة النظام العربي تزداد عمقا وذلك بسبب عزلته عن وجدان الشعوب، وبسبب خضوعه للخارج، وبسبب مشاريع لا تصب أبدا بمصلحة تطور البلدان العربية. إن ردة الفعل على هذا الوضع قادمة هي الأخرى وتمثل عامل من عوامل المستقبل.

بعد سنوات عشر على الربيع العربي لم يحقق الربيع أهدافه، لكن الربيع لم يكن له هدف سوى العدالة والإنصاف، ولهذا فحركته كامنة في الأوضاع، في النفوس، وفي الإنسان العربي وذاكرته. إن الاعتقاد بأن تلك الذاكرة التي أشعرت الشعوب بقدراتها وعززت ثقتها بنفسها قد تضاءلت واختفت هو ضرب من الخيال. لقد دخل الربيع العربي في التاريخ العربي الحديث وأصبح جزءا من الذاكرة التي ستستعين فيها الشعوب العربية عندما تقرر النهوض والسير إلى الأمام.

د.شفيق ناظم الغبرا

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright