top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
محمد أبو الفضل :الأزمات الداخلية لدول حوض النيل تعطّل مفاوضات سد النهضة
1/2/2021 3:15:00 PM




لعبت، ولا تزال، الأزمات الداخلية في كل من مصر وإثيوبيا والسودان، دورا غير مباشر في صعوبة التوصل إلى تفاهمات حاسمة بين الدول الثلاث، وقبل أن تبدأ الوفود المتفاوضة جولة الأحد المقبل برعاية الاتحاد الأفريقي، استدعت الخارجية المصرية، القائم بالأعمال الإثيوبي في القاهرة، الأربعاء، لتقديم توضيحات حول ما نُقل من تصريحات رسمية تطرقت إلى الشأن الداخلي المصري.

ومع أن بيان الخارجية المصرية لم يشر إلى طبيعة التصريحات المزعجة، لكن جرى تداول معلومات نسبت إلى المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، هاجم فيها القاهرة لانتقادها مشروع سد النهضة، وقال إنها “تستخدم المشروع للتغطية على العديد من المشكلات الداخلية”.

أرادت أديس أبابا استباق المفاوضات الجديدة بوضع العصي بين عجلاتها كي تضمن عدم انحياز رئيس الكونغو الديمقراطية، فيلكس تشيسكيدي، لمصر التي أجرى رئيسها عبدالفتاح السيسي اتصالا معه أخيرا، حيث سيتولى الأول رئاسة الاتحاد الأفريقي، من بداية هذا العام، وتسند إليه الوساطة بدلا من رئيس دولة جنوب أفريقيا، سايريل رامافوزا، الذي لم يستطع تفكيك العقد الرئيسية في المفاوضات خلال العام الماضي.

ويحمل مشروع سد النهضة طموحات وأحلاما كبيرة للدولة الإثيوبية، ظهرت تجلياتها في تتابع الاهتمام به من كل رؤساء الحكومات، فمنذ وضعت اللبنة الأولى لتأسيسه، ويتم التعامل معه كمشروع قومي لما يحمله من فوائد تنموية، وما يمثله من مساعدة نوعية في توحيد الشعوب الإثيوبية خلف قيادتها، ولم يعد البعد الداخلي خافيا في غالبية المحطات التي مر بها، فعندما ارتفع مستوى الأهداف التنموية ارتفع أيضا سقف التعويل على المشروع كمدخل مناسب في منع انفلات الوحدة الإقليمية.

وتفسر الدوافع الداخلية جزءا من التعنت الإثيوبي في المفاوضات، حيث اتخذ كرمز للاستقلال الوطني، ودلالة معنوية على قوة الإرادة السياسية، وأدت المبالغة في هذا الجانب إلى زيادة صلابة موقف المفاوض الإثيوبي.

وفي كل المحطات التي انحنى فيها للعواصف وبدا قريبا من التوقيع على اتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف، يقوم باستدارة نوعية، رسّخت في ذهن المفاوض المصري ثم السوداني أن أديس أبابا وهي مدفوعة بأزماتها لن يتمّ الوصول معها إلى اتفاق ملزم.

لم يمنع المحدد الداخلي لسدّ النهضة وقوع مشكلات داخل إثيوبيا، مثل الحرب المدمرة في إقليم تيغراي، ولم يفلح في تكوين اصطفاف وطني خلف رئيس الحكومة آبي أحمد يمنع اندلاع تظاهرات احتجاجا على تصرفاته في التعامل مع أزمات طفت على السطح في العامين الماضيين، وبالتالي ففكرة الرهان كعنصر لتوحيد الشعوب باتت مشكوكا فيها.

مفاوضات عقيمة

تحاول إثيوبيا قلب الطاولة على مصر واتهامها بتوظيف ملف السدّ في تجاوز مشكلاتها الداخلية، وهي قضية مردود عليها، لأن موقف القاهرة في أزمة سدّ النهضة لم يكن مرضيا لطموحات المواطنين، وحمّلت فئات كثيرة الأنظمة المتعاقبة في مصر مسؤولية ما وصلت إليه المفاوضات من عقم، وتحويله من فكرة إلى واقع ملموس.

استغلت إثيوبيا انشغال الدولة المصرية بمشكلاتها الداخلية عقب ثورة 25 يناير 2011، وشرعت في وضع اللبنات الأولى للسدّ، وتوالت مراحل التشييد في ظل أوضاع غير مستقرة بمصر، وعندما بدأت تلتفت للاشتباك الفني والقانوني والسياسي مع السدّ عام 2014 ليكون مساره متفِقا مع المصالح المائية، غرقت في مستنقع لا ينتهي من الأخذ والرد، ولذلك كان محدد المشكلات الداخلية نقمة، بل مكّن إثيوبيا من الوصول إلى جانب معتبر من غاياتها في فرض رؤيتها.

ويقول مراقبون، إن النظام المصري لو أراد توظيف أزمة السدّ لكسب المزيد من التأييد في الشارع؛ عليه أن يقوم بتوجيه ضربة عسكرية لجسم السدّ، ووقتها سيجد تأييدا والتفافا يمنحانه قوة مضاعفة، لكنه لا يزال يصرّ على التمسك بخيار الحلول التفاوضية، وهو ما يحرج إثيوبيا التي تكاد تكون استنزفت رصيدها من الحجج، وراحت تلقي اللوم على غيرها، كمحاولة لإيجاد نافذة تشكك في جوهر الموقف المصري.

ويرى متابعون، أن المرحلة المقبلة سوف تشهد تراجعا في هامش المناورات الإثيوبية، وأن الأسس التي تستند عليها فقدت بريقها عقب انضمام السودان بشكل غير مباشر للموقف المصري، من حيث المطالبة باتفاق ملزم وشكل واضح لآليات تشغيل السدّ، وضمانات محددة لعدم الإضرار بمصالح الغير، وكلها تتملص منها أديس أبابا.

يصعب القول بحسمٍ إن السودان أيضا غيّر موقفه انطلاقا من حسابات داخلية، أو لتجاوز أزمات تعصف بالسلطة الانتقالية، لأن التغيير جاء متدرجا وبعد أن استنزفت الخرطوم الكثير من الأدوات الدبلوماسية لحضّ إثيوبيا على التفاعل بإيجابية مع المفاوضات، وبالتالي يبدو ربط ما يجري من تعقيدات وتحديات داخلية بمطالبات المفاوض السوداني المتكررة باتفاق عادل ومنصفٍ، يحتاج إلى توثيق.

بصرف النظر عن صحة الدوافع الداخلية وحدود تأثيرها لدى كل طرف، فإنها خرجت كعنصر بارز يمكن بموجبه تفسير موقف هذه الدولة أو تلك، فعلى الرغم من الأهمية المركزية التي تنطوي عليها كمحدد يفسر الانسداد، لكنه غير كاف لتحميله المسؤولية كاملة، ومهما بلغ التأثير في مرحلة من المراحل، لدى أيّ من الأطراف الثلاثة، فهناك أسباب عميقة أدّت إلى النتيجة التي وصل إليها قطار التفاوض.

دخلت إثيوبيا جميع جولات المفاوضات (تقريبا) وهي تتبنّى معادلة صفرية، حيث ترى أن مكاسبها خسائر للطرفين المقابلين، والعكس صحيح، بينما يؤكد الخطاب المصري والسوداني أن المسألة مختلفة، ويمكن البحث عن حل يجعل الجميع رابحين وهو ما ترفض أديس أبابا الإنصات له جيدا، وتتعمد قذف الكرة في ملعب بعيد عنها.

كسبت إثيوبيا رهانها على عنصر الوقت وحققت من ورائه جملة من النجاحات، حيث نقلت سدّ النهضة من خانة التشكيك في تشييده إلى تحويله إلى واقع، ويدور الخلاف حول التفاصيل، وهي خطوة جبارة، لعبت فيها الظروف الداخلية في الدول الثلاث دورا مؤثرا، فإذا كانت تبعات ثورة يناير في مصر أرخت بغيومها، فرهانات نظام الرئيس السابق عمر البشير على التحالف مع إثيوبيا لمواجهة القاهرة قصّرت المسافات.

وبعد أن تغيّرت الأوضاع في السودان وسقط نظام البشير، احتاجت السلطة الانتقالية في الخرطوم وقتا لتستوعب بدقة مكاسب وأضرار السدّ، وتوصلت إلى قناعة بتفوق الثانية على الأولى مؤخرا، دفعتها إلى المطالبة بتليين وتغيير الموقف الإثيوبي، في وقت تمرّ فيه العلاقات بين الجانبين بأزمة حدودية قد يصعب تطويقها.

ويشير مراقبون، إلى أن أزمة سدّ النهضة تتقاطع مع الأزمة الحدودية، حيث يجدها الجيش السوداني فرصة لتعزيز نفوذه في السلطة، وتقليل حدّة الانتقادات التي تتهمه بالرغبة في الهيمنة على مفاتيح القرار بالخرطوم، والسعي إلى التمترس في السلطة وعدم التخلي عنها بعد انتهاء الفترة الانتقالية.

لا يقلل توظيف المشكلات الداخلية من حساسية أزمة سدّ النهضة، ومهما تزايد حديث الربط بينهما في الدول الثلاث، لن يلغي ذلك الواقع الأليم الذي بلغته المفاوضات، فالاستثمار في الأزمات الخارجية يحمل سلبيات أيضا، إذا لم تتحقق الأهداف التي ينطوي عليها الربط بوضوح، ما يمثل مأزقا للقيادة السياسية في الدولة، أيّ دولة، ويجبرها على المكاشفة والمصارحة، فالتوظيف له مدّة صلاحية وبعدها ينتهي مفعوله.

محمد أبو الفضل