top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
حيث لا تظهر الهند عن حسنها
11/19/2020 8:48:07 PM





«نائب القنصل» الذي تحمل الرواية اسمه، أو صفته، ليس إلا واحدا من شخصياتها. ربما كانت آن ماري ستريتر زوجة السفير الفرنسي أولى منه بحمل العنوان، أو حتى مايكل ريتشارد، عشيقها السابق – الباقي يشاطرها زمن ما بعد الخبز، أو ربما يستحق ذلك كل من أولئك الآخرين الذين تتشكل منهم حلقة العيش والسهر. هؤلاء محكومون بأن يكونوا ملازمين بعضهم بعضا، فهم بِيض كالكوتا، موظفو السفارة الفرنسية وقنصلياتها، ومن يمتّون إليهم بصلة.
كل منهم إذن يستحقّ أن تسمى الرواية باسمه، طالما أنهم حاضرون فيها بالتساوي. أما فتاة الرابعة عشرة، الكمبودية الهاربة أو المطرودة من بيتها، فتبدو كما لو أنها استُبعدت بعد أن كانت احتمالا أول للتسمية. لقد بدأت الرواية بها وحدها، مرافقة إياها في الرحلة التي كانت المسافات فيها تقاس بحدود البلدان واتساع جغرافياتها. من كمبوديا إلى سيام (تايلند) إلى بورما إلى كلكوتا في الهند، مشت سائرة على قدميها. وحدها، بلا معرفة بالطرقات، ولا ماذا يؤكل منها، وأي الأماكن لا يشكل النوم فيها خطرا. كانت تسعى إلى الوصول إلى أبعد ما تستطيع، إلى حيث تنتهي الأرض كما تقول وهي تخاطب نفسها. وقد تابعت مارغريت دوراس هذه الرحلة، ليس بوصف مراحلها، بل باتساع قدرتها الكتابية ورهافتها الأسلوبية.
حملت الفتاة من دون زوج، ولذلك تركتها أمها تتحمل عارها وحدها. كان شكلها يتغير كلما طالت الرحلة، تساقط شعرها واحترق وجهها وشقّت الصخور قدميها. لم تستطع إرضاع وليدتها إذ بعد قطرات قليلة فقط جفّ ضرعها. كان عليها أن تنجّيها بالتخلّص منها. المرأة البيضاء نقدتها قطعة مال معدنية، مفهمة إياها أن هذا أكثر ما تستطيعه. لكن الكمبودية، التي لم تُعطَ اسما في الرواية، ردّت القرش الذي أخذته لأنها، هذه المرة، تريد أن تعطي لا أن تأخذ. في واحد من أكثر مشاهد الرواية دراماتيكية وكتابية، تُقنع ابنة تلك المرأة أمها أن تأخذ الرضيعة، فحملتها هذه الأخيرة إلى داخل الفيلا التي تقيمان فيها. مثل دمية، وإن بشعة، كانت الأم البيضاء وابنتها يبدآن إزالة ما علق على جسم الوليدة. أما والدتها فكانت تراقب ذلك من مسافة. ولم يطل بها الوقت حتى علمت أن ذلك الاتفاق قد تم، وها هم أصحاب البيت يرسلون لها وجبة طعام، عربون الموافقة، سرعان ما أتت عليه كله.

تقسم مارغريت دوراس روايتها إلى قسمين عريضين. وهما قسمان مختلفان حتى في اللغة المستخدمة لكتابة كل منهما. فإزاء رحلة الفتاة الهاربة ترتفع أدبية الوصف وتتمهل الصياغة، كما في حالات الاقتراب من الشعر. أما في القسم الثاني فننتقل إلى الجمل القصيرة، المتقطعة، وإلى المزج بين الحوار وتأويل ما حكي في الحوار.
إذن، في القسم الأول تختفي الفتاة الكمبودية الهاربة، ويحل محلها أولئك الرجال الأربعة أو الخمسة، الدائرون جميعهم في فلك أن ماري ستريتر، زوجة السفير، ذاك الذي لم يحضر في الرواية إلا مرة سريعة واحدة. وما عدا نائب القنصل، كلهم في مرحلة ما بعد الشباب. آن ماري المعشوقة الجاذبة أنظار الجميع، والتي يدور كل شيء في السهرات حولها، اقترابا أو ابتعادا، تعرضا أو تلطفا، هي في العمر الذي من المفترض أن تكون الفتنة قد أضحت شيئا من ماضيها. لكن هنا لا مجال للتسليم بأن الحصص التي تتيحها الحياة كافية، فينبغي أن يؤخذ منها، عنوة أو سرقة، ما لم تعد تتساهل قوانينها بإعطائه. هي حياة رتيبة، مطفأة المشاعر التي تدعو أعضاء الشلة هؤلاء إلى أن يلتقوا كل ليلة، حيث لا يحدث إلا القليل، حيث لا مفاجأة منتظرة، ولا شيء سيستجد عن مجريات الأمس. انفلات أعصاب نائب القنصل، جراء السكر واليأس، سيثير كلاما كثيرا في السهرات التي تلت وسيبدو كأنه الحادثة التي كشفت مدى البؤس الذي يغرق فيه الجميع. ذلك الانفلات الذي يمكن أن يتكرر حدوثه في أي مكان، ليس كذلك هنا، فأن يتمادى نائب القنصل برفع صوته، وبكائه من ثمّ، ومحاولته الاقتراب من ماري آن، فيما هي تراقص رجلا سواه، فذلك قد يعني إدانة شاملة للحياة، ما يمكن للرواية أن تنتهي به.
كانت الفتاة الهاربة قد قطعت كل هذه المسافات لتكون هنا في مكان قريب من المكان الذي يلتقي هؤلاء فيه. يلاحظونها، بل في مرات يذكرونها في أحاديثهم، لكن من دون أن يلقي أحدهم كلمة لها. مع أن ما تعيش منه هو تلك البقايا التي ترمى في الخارج كل صباح. لكنها لا تعرف شيئا مما يجري في الداخل، كما أنها لا تختلط بمن تعيش بينهم، أولئك المجذومون الذين يزدحمون صفوفا على ضفة نهر الغانج. لا هؤلاء ولا أولئك. تؤثر ألا تكلمهم، وهي لن تستطيع أن تفعل على كل حال، طالما أنها لا تحسن الكلام بلغتهم. هنا، معهم، هي مبتعدة قليلا، لا لخوفها من الجذام، فهي لا ترى نفسها أكثر تشوها مما يحدثه.
رواية مارغريت دوراس «نائب االقنصل» نقلها إلى العربية مبارك مرابط في 206 صفحات وصدرت عن دار الجمل لعام 2021.

٭ روائي لبناني

حسن داوود