top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
الظلال الطويلة شخصيات من الواقعية القمعية
7/28/2020 11:15:31 AM





تيار الواقعية القمعية أنتج الكثير من الروايات لما في القمع من تنوع غريب، فقد ذكر الناقد جابر عصفور أنواعا مختلفة من القمع يعاني منها الإنسان، فهناك "روايات القمع الديني" مثل رواية "الزلزال" للروائي الطاهر وطار، و"روايات القمع السياسي" و"روايات القمع الاجتماعي" مثل رواية "أصوات" للروائي سليمان فياض، ورواية "الحب في المنفى" للروائي بهاء طاهر، ورواية "أنا حرة" للروائي أحسان عبدالقدوس، ورواية "الحرام" ورواية "العيب" ليوسف إدريس، ورواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود الستعوسي، وهناك رواية مهمة للروائية الإيرانية مريم مجيدي بعنوان "ماركس والدمية" تدخل في هذا التوصيف.
*القمع في الظلال الطويلة

لعل اختيار الروائي أمجد توفيق لكلمة الظلال ويصفها بالطويلة ليست بلا هدف أو وظيفة بالسرد، وقد استخدمت هذه الكلمة في أكثر من رواية، وغالبا ما ترمز للخوف، فرواية "ظلال الآخرين"" للروائي مناف زيتون، ورواية "أسطورة الظلال" للروائي المصري أحمد خالد توفيق، ورواية "الظل الأحمر" للروائية ليلى حسن، كلها تعبر عن تيار "أدب الرعب" ولا أدري لماذا استحضرت في ذهني رواية "الرجل الذي فقد ظله" للروائي المصري فتحي غانم، وانا اقرأ رواية "الظلال الطويلة" للروائي أمجدد توفيق.

شخصيات أتعبها الظل

يقدم السارد – الروائي - شخصيات تظهر بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وتأخذ فرصة أكبر من حجمها ومن غير استحقاق، شخصيات كانت في السجون تنتظر تنفيذ حكم الإعدام، العفو يشملها لتخرج للنور بعد أن أتعبها (ظل) الاحتجاز وظلمة السجون، لذلك هم أقسموا أن يحتفلوا في عيد ميلاد الرئيس! عباس حربه – عزيز الأرمني- أسمر ياقو - جبار الأسود – وجاسم الريس، هؤلاء الخمسة المجرمون المحترفون يشكلون عصابة تديرها بذكاء أنتصار خاتون "اتفقوا على مناداتها بالخاتون، وهو يعرفون جيدا أن الخاتون واسمها انتصار ليست أكثر من بغي في حي شعبي" (ص36)، في وقت سقوط بغداد، وبدأت عمليات السرقة والنهب، وانتصار وشقيقها المدمن كانوا يسكنون في أحد البيوت المتهالكة بشارع الرشيد، الصدفة والحظ وفرت فرصة لتستولي على أكياس من رزم الدولارات من البنك المركزي، وبنفس الوقت تعرض شقيقها للقتل لتتخلص من "الفقر والبغي وظل شقيقها الثقيل،

ربما كان مقتل الشقيق ثمنا لفسحة من الزمن استطاعت انتصار أن تخفي أموالها، وتفكر في أساليب لاستثمار المال، وتغيير حياتها" (ص45) وتكون النقلة النوعية للسكن من زقاق في شارع الرشيد إلى قصر بالمنصور "دهش – عباس - حين عرف أن المرأة الجميلة الأنيقة الثرية ليست سوى انتصار.. وذكر ملاحظة ضحكت لها انتصار كثيرا، قال إنه وزملاؤه يجدون أنهم يعيشون العصر الذهبي الذي يحلم به أي رجل يكره الدولة والقانون ورجال الشرطة" (ص 46 ).

شريان السرد

تعد الأمكنة هي الدم الذي يسري في شريان السرد، ومنها تتكون الشخصيات، وفي الرواية مكانان، بغداد في فترة الانفلات والفوضى والاحتلال، وشخصيات انتصار والعصابة وحتى رجال الأحزاب، شخصيات على طبيعتها (تفعل وتقول ما تريد)، والمكان الثاني باريس حيث تعيش الشخصية المحورية الثانية في الرواية (بشار البصير) ومعه زوجته (نسرين وابنته امل) وصديقه (خالد) وعشيقته الفرنسية الرسامة الفاتنة (ايزابيل). وإذا كان بشار يعاني من الرعب والخوف من السلطة كذلك هو خالد الذي يهرب من العراق إلى فرنسا، فلا يعرف هذا الرعب والخوف طريقه إلى قلب زوجته نسرين التي تلح على زوجها للعودة إلى العراق بعد سقوط النظام.

"إنك تعتبر بغداد غابة - لا ..انا أعتبر أن النظام السياسي السابق لم يسقط فحسب بل سقطت الدولة، والدولة يا سيدتي تعني كل شيء من مركز الشرطة إلى المركز البلدي إلى نظام المرور إلى دوائر الخدمات" (ص70)، بشار كان حزبيا (بعثيا) لكنه كان (معارضا من الداخل) لكنه كان من الصعب استهدافه أو التشكيك في مواقفه وآرائه، لكن بمرور الزمن أحس بشار بأنه "بانتظار رصاصة طائشة أو حادث دهس أو الوقوع ضحية مؤامرة حسنة التنظيم والإعداد". كان صديقه خالد – وهو أيضا حزبيا - حينما رزق بشار بابنته عام 1990، سأله بمكر "هل ستسميها نداء انسجاما مع دخول القوات إلى الكويت؟ - لا ياصديقي، فبرغم كل الظلمة والحمق والحقد سأسميها – أمل- - أحسنت .. إننا نحتاج إلى أمل" (ص75)، ومن أجل إبعاد بشار عن العراق جعلوه (يتولى مسؤولية التنظيم الحزبي في فرنسا) ويزداد نفوره من تصرفات السلطة والقيادة من بغداد، وحتى من موظفي السفارة العراقية، وكذلك كل من يبعث إيفاد من العراق إلى باريس (حتى من يوفد إلى الكويت يسلك طريق بغداد – باريس- كويت).

معنى الرعب

المكان مثلما هو قيد على التصرفات الناس في العراق في ظل نظام بوليسي قمعي، فالمكان في باريس عليه أن يزيل القيد على الأفكار ويتم الكلام والسلوك من خلاله! لكن يذكر لنا السارد بإن تغيير المكان لا يعطي مثل هذا الفضاء، في الوقت الذي تتصل المخابرات الأميركية ببشار لتحذيره بأنه سوف يتم استهدافه من قبل النظام، ويطلبون منه بعد سقوط النظام بالعودة إلى بغداد لأنهم يحتاجونه، يتعرف على الرسامة الفاتنة ايزابيل، وتقترح عليه أن ترسم صورته في شقتها "ارتدت إيزابيل بنطلونا قصيرا يكشف مساحة عريضة من فخذيها فضلا عن قميص يكشف منطقة البطن" (ص105).

الخاتون والمسؤول

يتنقل السرد من باريس إلى بغداد، ولا نعلم كيف سوف تتقاطع الخيوط الدرامية والمحاور بين الخاتون انتصار وعصابتها مع بشار البصير وأسرته! لكن السارد يسلط الضوء على تصرفات انتصار وما تتمتع به من كرم وحب مساعدة الناس والفقراء، مقارنة ببخل شخصية رئيس الحزب (أبوصهيب) وكراهية الناس له "بدأ الحراس ينقلون إليها أخبار أبي صهيب رئيس الحزب وأسراره، ويتندرون على طريقة تصرفه بالأموال التي يأخذها من الأميركيين، ويأخذها من المواطنين رشاوي لإنجاز طلباته" يمنع أبوصهيب حراسه من زيارة بيت الخاتون، فتأمر عصابتها بسرقته وإهانته. الخاتون لم تفكر في الزواج بسبب ما كان عليها الماضي من قسوة الرجال ولا مبالاة شقيقتها تجاه اعتداء أصدقائه عليها مقابل الخمرة والطعام، لذلك هي تحدث نفسها ومثل هذه التداعيات كثيرة في الرواية مرة تستخدمها انتصار ومرة يستخدمه بشار البصير "إنها تدرك الآن قدرتها على اختيار أي شاب للزواج منها، لكنها لا ترغب في ذلك، فقد استطاعت حياتها السابقة إطفاء رغبات الأنثى داخلها.. كانت تبتسم .. وهي تحدث نفسها، وتقول إنها أخذت استحقاقات عشر نساء من الجنس" (ص125). يقرر بشار البصير أن يزور العراق مع زوجته وابنته وصديقه خالد، خاصة بعد أن انتهت علاقته بإيزابيل، وسرقة اللوحة التي رسمت صورته والتي تعتقد أن من سرقها هم المخابرات الأميركية (جون ورونالد)، وعند ما قرر العودة للعراق زوده الأميركان بأرقام هواتف، وطلبوا منه الاتصال في بغداد بشخص يدعى "ديك كاستنر" لأنه يملك تعليمات" (ص171). الرواية قبل أن يلتقي بشار بالخاتون انتصار في بغداد كانت تجمع بين العمق والقدرة على الإقناع في المحورين .

في الظروف الطبيعية قد لا تحتاج شخصية مثل بشار البصير إلى خدمات شخصية مثل انتصار خاتون، حتى لو جعل – السارد - البيت الذي يملكه (بشار) قريبا من قصر (انتصار خاتون)، بشار يعيش في فرنسا وهو في زيارة إلى بغداد وجاء ليرى بيته المتروك والذي يسكنه الحارس (أبوستار) وعائلته للمحافظة على ما تبقى منه، لا يلفت نظره اسم انتصار خاتون إلا من خلال فخامة وهيبة البيت الذي تسكنه (كان بشار ينظر إلى دارة كبيرة تحظى بالعناية والاهتمام، يتجلى ذلك من زهور الحديقة ونباتاتها، ونظافة المدخل والجدران.. قال محمد - شقيق بشار- - إنها دارة الخاتون انتصار.. - من تكون؟- واحدة من حديثات النعمة في هذا الزمن.. - وكيف جنت أموالها؟ - لا أعرف.. يقال بأنها تساعد الآخرين وتحل مشاكلهم ولها تأثير كبير في الدهاليز السرية".

وصف دار بشار الذي أصلا تمت مصادرته من النظام السابق لموقفه المعارض للنظام فهو "منظره مؤلما.. أبواب وشبابيك مسروقة.. بلاطات مقلوعة.. حديقة تعاني من الجفاف والأدغال" (ص202). وإذا كان موقف بشار من كل شيء شاهده في بغداد منذ وصوله إليها من باريس لا يشجعه على العودة والاستقرار فيها "أدرك بشار أن الآخرين فقدوا الكثير من صبرهم وقدرتهم على تحمل الرأي الآخر حتى وإن كان في الاتجاه نفسه". وفي حديثه مع (أبي نصير) المسؤول السابق في قيادة الحزب وأحيل إلى التقاعد بناء على طلبه، يقول له أبو نصير "ها هي الأيام تثبت صحة اعتراضاته" سأله بشار عن تقويمه للأحداث "بأنه عمل ناقص يكتنفه الغموض" سأله بشار: هل تميل إلى نظرية الأخطاء - لم أسمع بها- كيف .. الكل يتحدثون عن الأخطاء الأميركية بعد إسقاط النظام.. عدم امتلاك تصور شامل عن الوضع حل الجيش العراقي إلغاء وزارة الأعلام الوضع الأمني ...هل أستمر في التعداد؟- - ألا تلاحظ يا أبا نصير أن الأميركيين لم يتحدثوا عن أخطائهم؟ - نعم .. الآخرون يفعلون ذلك.. ماذا يعني - إنه يعني أنهم لا يشعرون بالأخطاء لأنها جزء من مخطط - كيف- إنهم لم يسقطوا النظام بل أسقطوا الدولة ".

في هذا الوقت، كان نجم الخاتون انتصار يحلق عاليا، وتستمر في الانتقام من الماضي، وكانت تنتقم بطريقتها الخاصة "تذلهم بالمساعدة.. تذلهم بقضاء حوائجهم.. تذلهم بالانتقام لهم.. تذلهم بالانتقام منهم عن طريق عصابتها". وتأتي إلى حيث بيتها فرصة لتذل الأميركان، حينما تحدث اضطرابات في شارع الرشيد بين المقاومة والأميركان، وتخرج العصابة من وكرها للذهاب إلى بيت آخر في ساحة السباع، ويصف هروب مجندة أميركية من الدخان "كان جبار الأسود الرجل الأخير الذي اجتاز الشارع، وعند لحظة دخلوه الفتحة، اصطدم بجسم.. كانت مجندة أميركية خنقها الدخان والظلام، فهامت على وجهها لتصطدم بجبار الأسود الذي لم يستطع إطلاقا الاجابة عن سبب اقتيادها" (ص184).

وتقرر العصابة أخذها فيما بعد إلى قصر الخاتون "أنت زعيمة حقيقية.. فقد كنا نخشى إزعاجك بهذه المجندة.. - أبدا.. أشعر بالراحة وأنا أخيلهم ذليلين لا يعرفون طريقا إليها، سأل أسمر ياقو – هل أصبحت تتعاطفين مع المقاومة يا خاتون؟ - لا ..ألا يثيرك أن ترى امرأة أجنبية تحمل السلاح وتذل رجال بلدك؟".

تعرض الخاتون على جبار الأسود مضاجعتها، فيقول إنه يفضلها على المجندة الأميركية "غادرا السرداب، واتجها مباشرة إلى غرفة النوم.. أغلقت الباب، وبدأت بنزع ملابسها، وهي تقول: حدثني أيها الأسود ..لماذا تفضلني مائة مرة على الأميركية؟ - أنني أشعر بأنك لست امرأة تثيرين شهوتي...أنت جميلة وذكية.. والنوم معك له معنى كبير.. أنا لا أجيد الحديث.. جسدي يتحدث أفضل من لساني... إنها الآن تحتفل بأنوثتها.. إنها تريد أن تستمتع وترتوي.. أما جبار فإنه يعتبرها جائزة صعبة المنال حصل عليها في لحظة لن تتكرر، وعليه أن يقوم بالفعل وكأنه المرة الأخيرة.. جسدان لم يهدءا، وإردتان اجتمعتا على المتعة." (ص196).

اختطاف أمل!

حينما تتقاطع الأحداث تلتقي الشخصيات المتناقضة والمتباعدة، تتعرض (أمل) إلى الاختطاف، وهي تزور مع أمها نسرين بيت بشار في المنصور للتخطيط على إعادة إعماره، وتفقد العائلة وبالذات بشار توازنها، ولم تبق جهة مؤثرة لم يذهبوا إليها لمساعدتهم في إعادة ابنته سالمة إلى عائلتها، ولكن من دون جدوى، فيأخذ محمد شقيقه بشار إلى قصر انتصار خاتون "اسمها أمل وهي ابنة جيراني، واختطفت قرب بيتي.. هذا لا يصح، ولن يكون.. ما هي مكافآتي بعد عودتها.. - أي شيء، وكل شيء.. إنني اتنازل عن بيتي لك" (ص 219)، وتعطي انتصار وعدا بإرجاع أمل خلال يومين وتطلب من بشار أن يزورها غدا الساعة الحادية عشر ليلا لوحده بعد أن عرفت بأنه يجيد اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفعلا بشار يساعد الخاتون بما تريد بترجمة الحوار بينها وبين المجندة.

وفي اليوم الثاني وهو ينتظر ابنته في بيت الخاتون وبينما ابنته قد تم تحريرها من قبل عصابة الخاتون لكن الأميركان يحاصرون بيت الخاتون وتعتقلها وتعتقل أيضا بشار البصير ويضربه أحد الجنود الأميركان بأخمص بندقيته ليكسر ضلوعه! وتبدأ الرواية تفضح أساليب المحتل الأميركي وطريقة تعامله مع المعتقلين، أما أمل فعند وجود الأميركان بالقرب من بيت الخاتون ترمي نفسها من السيارة لعصابة الخاتون وتكسر يدها بينما رصاص الأميركان يكسر قدمها أمام بيت بشار! تخطف العصابة من الكرادة جنديا ومترجما وتقوم باستبدالهما مقابل إطلاق سراح انتصار خاتون، وتتوطد علاقة الخاتون بقوات الاحتلال، كثيرا وتساعدهم في معرفة مواقع المقاومة وتقدم لها المساعدة المادية وما تريد من قبل ضباط الاحتلال.

"قادت انتصار عصابتها لتقديم معلومات وكشف حوداث وتحديد بؤر المقاومة وطريقة عملها، وقدمت النتائج والخلاصات إلى أصدقائها الجدد الذين يستقبلون منجزها بأعين لامعة وضحكات تشجيع ووعود لا نهاية لها. أصبح سلاح أفراد العصابة شرعيا، ويحملون هويات أصدرها القائد العسكري الأميركي" (ص283)، تتوسط انتصار بإقناع ضابط أميركي كبير ببراءة بشار وتطلب منه إطلاق سراحه، وفعلا تنجح في ذلك، وتلتقي بأسرة بشار وتشتري بيته، ليسافر بشار وعائلته إلى باريس، ويعود إلى إيزابيل في مشهد رومانسي يقفل فيها السارد روايته "أطبقت عينيها.. أطبق عينيه. وكأن الحلم ينتظر".
الخاتمة
عبر الروائي أمجد توفيق في هذه الرواية عن هموم الشعب العراقي وهم الوطن في مرحلة الاحتلال الاميركي للعراق، ذلك الاحتلال الذي تبقى آثاره السلبية إلى ما بعد رحيله! حبكة روائية مدهشة أثارت الكثير من القضايا، جعل التقاء عالمين مختلفين (عالم بشار مع عالم انتصار) رغم تنوع سبلهما وتشعب ظلالهما، لأنها "الظلال الطويلة".


حمدي العطار