top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
عامر ذياب التميمي : محنة الإصلاح والتغيير
01/12/2019 19:00:20




بدأت الاحتجاجات والتظاهرات الصاخبة في مطلع أكتوبر الماضي في العراق ولبنان، في حين استمرت بالجزائر منذ مطلع العام. كما لا بد أن نتذكَّر أن التظاهرات التي بدأت في السودان في الربع الأخير من 2018، أدّت إلى تغيير جذري وإنهاء حكم عمر البشير، الذي امتد لثلاثين عاماً، ومنذ منتصف عام 1989.

لا شك في أن الأوضاع في كل من الجزائر والعراق ولبنان لن تعود إلى ما كانت عليه قبل بداية التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، ولا بد أن تغيُّراً ما سيحدث في هذه البلدان العربية، ربما يتجاوب إلى درجة مقبولة مع مطالبات الشعوب،

ولكن السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه هو: «لماذا تظل الأوضاع في البلدان العربية ساكنة لزمن طويل من دون أن تقوم السلطات، ومن خلفها المجتمع السياسي، أو الطبقة السياسية، بمحاولة الإصلاح والتطوير والتجاوب مع طموحات الأجيال الشابة وقناعاتها المتجددة بدلاً من التشبّث بالأوضاع القائمة، والسماح بممارسة الفساد السياسي والإداري والتعدّي على الأموال العامة، وحقوق المواطنين المتعددة؟

يبدو أن تراث التسلّط والاستحواذ على الثروة قد تكرَّس في المجتمعات العربية والإسلامية منذ زمن سحيق، تجاوزت مدته قروناً عدة..

وهكذا أصبح في يقين من يهيمن على السلطة في أي من هذه البلدان أن اي احتجاجات وتظاهرات مقدور عليها، من خلال آليات القمع والوعود الزائفة وتسليط المؤسسات الدينية ودعاتها، من أجل كبح تلك المطالب.. كيف يمكن للسلطات في بلد؛ مثل العراق، تمكّن من إزاحة نظام دكتاتوري فاشيٍّ، نظام حكم صدام حسين، وبمساعدة قوات أجنبية، أن تتحوّل إلى سلطات قمعية نهبت ثروات البلاد والعباد، وفشلت في توفير أبسط الخدمات؟

أليس من المستغرب أن تقوم هذه السلطات باستخدام أدوات العنف، وتقتل وتجرح المئات من المحتجين، على الرغم من أنها جاءت من خلال الانتخابات البرلمانية؟!..

غني عن البيان أن هذه الممارسات، التي توازيها ممارسات مشابهة، وإن بدرجات أقل في لبنان، لا تستسيغ عملية الإصلاح والتغيير، ولا تريد أن تفقد نفوذها وهيمنتها على الحياة السياسية والمصالح الاقتصادية، وتعمل مستخدمةً كل الوسائل والآليات، من أجل وأد الاحتجاجات وقمع المتظاهرين.

الاستعصاء السياسي.. والمعضل الاقتصادي بموازاة الاستعصاء السياسي والثقافي هناك المعضل الاقتصادي، حيث لا تزال الاقتصادات العربية، بدرجة أو أخرى، ريعية وشمولية وبعيدة عن معطيات وآليات الاقتصاد الحديث.

كما هو معلوم أن البلدان العربية اعتمدت على دور متعاظم للدولة في الحياة الاقتصادية منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي.

هناك البلدان التي أصبحت تعتمد على إيرادات النفط، وبذلك أصبحت الدولة تحتكر أنشطة رئيسية وتقوم بأداء الخدمات الأساسية، وبذلك عطّلت أو همّشت دور القطاع الخاص، وتقابل ذلك تلك الدول العربية التي أصبحت تدار من قبل طغم عسكرية أو أحزاب شبه فاشية تملكت وأممت مختلف المؤسسات في القطاعات الاقتصادية، وأصبحت تحدد مسارات العمل الاقتصادي.

معلوم أن مثل هذه الأنظمة الاقتصادية لا بد أن ينتج عنها تمكين الدولة من توظيف العمالة في المؤسسات وتحديد الرواتب والأجور بناء على إمكاناتها وإيراداتها..

ساهمت هذه الأوضاع في تكريس الاتكالية المجتمعية والاعتماد على الإنفاق العام، سواء ما يتعلّق بالتوظيف أو الدعم السلعي أو دعم الوقود أو توفير خدمات التعليم والرعاية الصحية. أزمة إمكانات إذا كانت الاحتجاجات والتظاهرات نتاجاً لأوضاع معيشية صعبة أو لغياب فرص العمل أو لتفاوت مستويات الثروة وعدم عدالة توزيعها، فهل يمكن أن نتوقع أن تتمكن الأنظمة السياسية، بافتراض إصلاحها، أن توفر متطلبات الحياة لشعوبها وإقامة أنظمة اقتصادية قابلة للنمو والارتقاء بالإنتاج والكفاءة؟

لا بد أن نقر بأن إمكانات البلدان العربية تراجعت على مدى يزيد على نصف قرن، وأصبحت بعيدة عن معايير الإنتاج والكفاءة والابتكار والإبداع، وهي المعايير التي اعتمدتها بلدان عديدة في آسيا وعدد من البلدان الأوروبية. الاقتصادات العربية ظلت تعتمد على إيرادات النفط، مثل البلدان المنتجة للنفط، وعلى المساعدات والمنح والقروض الخارجية في البلدان الأخرى.

لبنان الذي يعاني الآن من أزمة اقتصادية خانقة اعتمد لزمن طويل على إيرادات السياحة قبل الحرب الأهلية، وكذلك على تحويلات المغتربين والقروض الخارجية التي تقارب الآن من المئة بليون دولار.

ولم يعد بالإمكان في ظل التجاذب السياسي المعطّل للإصلاح أن تتوافر إرادة لإصلاح البنية الاقتصادية وتطوير الأنشطة الاقتصادية ذات الميزات النسبية.. أما العراق الذي يملك إمكانات اقتصادية متنوعـة، وإن تدهورت بفعل الاضطراب السياسي والأمني منذ ثورة أو انقلاب تموز 1958، فأصبح من البلدان ذات الاقتصادات الريعية المعتمدة على إيرادات النفط والإنفاق العام.

التنمية البشرية والتعليم ربما تواجه بلدان عربية أخرى مثل هذه الاضطرابات الصاخبة، لكن عليها أن تبادر لمواجهة استحقاقات الإصلاح السياسي المقترن بالتعديلات الهيكلية للاقتصادات الوطنية. لن تتحقق التنمية المستدامة اعتماداً على إيرادات الموارد الجارية والرأسمالية.

هناك ضرورة لتطوير أنظمة التنمية البشرية، وأهمها التعليم والتدريب المهني والسيطرة على النمو الديموغرافي غير المسؤول..

يتعين على الأنظمة السياسية الحاكمة أن تعي أن أكثر من 70 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن الخمسة والثلاثين، وهم بذلك يتطلعون لفرص عمل ملائمة ونوعية حياة مقبولة في عصرنا الراهن وتطور حضري يواكب ذلك التطور في البلدان الصناعية والناشئة..

قد لا تكون عملية مواجهة هذه الأهداف والاستحقاقات يسيرة، إلا أن وضع الأسس الصحيحة لاستراتيجية تنموية مقنعة قد يتوافق مع الطموحات الشعبية، وبما يدفع إلى المشاركة المجتمعية في بناء مستقبل واعد.


عامر ذياب التميمي مستشار وباحث اقتصادي

للمزيد: https://alqabas.com/article/5730515