top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
آلام بوريس باسترناك
20/11/2019 15:04:43






قبل عدة أسابيع، زرت منزل (الآن متحف) الشاعر بوريس باسترناك في بريديلكينا، بلدة الكتّاب في العهد السوفيتي، الواقعة في ضاحية موسكو الشمالية. هنا عاش الشاعر بين عامي 1939-1960. وهنا تلقى نبأ فوزه بجائزة نوبل في الأدب لعام 1958. وهنا توفي في 30 مايو/آيار 1960.

منزل خشبي من طابقين مثل كل منازل البلدة. غرفة نوم، ومكتب الشاعر ومكتبته الشخصية الثمينة في الطابق الثاني. أثاث البيت متواضع، ولكن البيانو الأسود العائد لوالدته، روزاليا باسترناك، واللوحات الفنية الرائعة، والصور المعلقة على جدران غرفة المكتب والصالة – وهي من إبداع والده الفنان الشهير ليونيد باسترناك - تدل على أن الشاعر نَشَأَ وَشَبَّ في أجواء فنية راقية، حيث كان يتردد على منزل العائلة العديد من كبار الفنانين والأدباء وبضمنهم الكساندر سكريابين وليف تولستوي.

جلستُ في المكتب الذي كتب فيه الشاعر قصائده الرائعة، ورواية "دكتور زيفاغو" وغرقت في الحزن والأسى. يا إلهي، كم تعذّب الشاعر، وكيف سممت السلطة حياته بعد فوزه بجائزة نوبل؟ وكم نشر في الدول الغربية من أساطير وأكاذيب حول ما سمي بقضية باسترناك؟ وكيف تم تسييس القضية خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي؟ وكم كتب في العالم العربي من مقالات وتعليقات عن باسترناك وروايته إستناداً إلى مصادر غربية متحيزة؟

أعتقد أنه قد آن الأوان لإلقاء الضوء على قضية باسترناك - بعيداً عن الأوهام، والإثارة الاعلامية - إستنادا إلى الوثائق الرسمية الروسية، ووثائق الأكاديمية السويدية – مانحة الجائزة - التي كشف النقاب عنها في السنوات الأخيرة .


طريق باسترناك الشائك إلى جائزة نوبل


يخطيء من يظن أن منح جائزة نوبل في الأدب لعام 1958 إلى بوريس باسترناك، كان فقط بفضل رواية "دكتور زيفاغو" التي أثارت فور نشرها في إيطاليا عام 1957 ومن ثم ترجمتها في الأشهر اللاحقة إلى أكثر من عشرين لغة، ضجة أدبية وسياسية في روسيا والعالم، لم يسبق لها مثيل .

باسترناك واحد من أعظم شعراء القرن العشرين، واحتل مكانة راسخة في الأدب العالمي قبل كتابة هذه الرواية بسنوات طويلة. وكما يظهر من وثائق لجنة نوبل، التي نشرت عام 2008 بعد مرور خمسين عاما على منح الجائزة، أن باسترناك كان، مرشحا بارزاَ لنيل هذه الجائزة المرموقة في عام 1946 أي قبل أحد عشر عاما من نشر رواية "دكتور زيفاغو". وقد قام بترشيحه سيسيل موريس باور، وهو عالم إنجليزي ضليع في اللغات السلافية، وباحث بارز في الشعر الروسي. ولكن الجائزة ذهبت في تلك السنة إلى الكاتب الألماني هيرمان هيسه. ولم يختف اسم باسترناك من لائحة المرشحين للجائزة خلال اعوام (1947، 1948، 1949).

ثمة تقليد درجت عليه اكاديمية العلوم السويدية (مانحة الجائزة) وهو أن يوم 31 يناير/كانون الثاني من كل عام، هو آخر موعد لقبول الترشيحات. وفي هذا اليوم يحق لكل عضو في الأكاديمية تقديم مرشحه لنيل الجائزة. وكان عضو الأكاديمية الناقد الأدبي مارتن لام قد رشح باسترناك للجائزة عام 1948، وكرر ترشيحه عام 1950 .

توقفت محاولات ترشيح باسترناك للجائزة عندما أصبح من الواضح الخطر الذي قد يهدده في بلاده، بعد أن تعرض إلى نقد لاذع بسبب حفاظه على حريته الإبداعية بعيدا عن شعار حزبية الأدب. وظهر اسمه مجددا ضمن قوائم المرشحين بعد وفاة ستالين. ففي عام 1954، تردد اسم باسترناك كمرشح لنيل الجائزة، ولكن لجنة نوبل قررت منحها الى إرنست همنغواي .
رواية "دكتور زيفاغو "

بعد انتصار الجيش الاحمر في الحرب الألمانية السوفيتية (1941- 1945)، التي يطلق عليها الروس اسم "الحرب الوطنية العظمى" كانت الآمال تراود الشعب السوفيتي بفتح آفاق جديدة للتطور وحرية التعبير. وفي هذا المناخ الذي كان يوحي بالتفاؤل، شرع باسترناك في خريف عام 1946 بكتابة الفصول الأولى من رواية "دكتور زيفاغو" والتي لم تكتمل إلا في عام 1955. وكان باسترناك نفسه يعتبر هذه الرواية ذروة إبداعه النثري.

ترسم الرواية لوحة عريضة لحياة المثقفين الروس على خلفية الفترة الممتدة من أوائل القرن العشرين وحتى الحرب الوطنية العظمى. وتتسم الرواية بشعرية رفيعة، وتتناول مصير المثقفين في الثورة، وتتضمن قصائد باسترناك الرائعة المنسوبة إلى البطل الرئيسي للرواية، يوري زيفاغو، وهو شخص مبدع يفسر الواقع المحيط به فلسفياً .

كان لتقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956، الذي أدان فيه الستالينية تأثير كبير في الرأي العام السوفيتي. وظهرت أمام باسترناك فرص جديدة، وكان قد انتهى قبل ذلك بفترة وجيزة من كتابة رواية "دكتور زيفاغو"، فقدّم بعض النسخ منها لأدباء من أصدقائه، وعرضها على مجلتين أدبيتين مرموقتين هما "نوفي مير - العالم الجديد" و"زناميا - الراية". وكان هناك أمل حقيقي في نشرها.

أثار تقرير خروتشوف اهتمام العالم بما يحدث في موسكو، وأدى إلى تعزيز الإتصال الثقافي بين الاتحاد السوفيتي والعالم الخارجي. وفي هذا الإطار زارت وفود أدبية من بولندا وتشيكوسلوفاكيا بلدة الكتّاب في "بيريدلكينا" والتقت باسترناك. وقد تمكن رئيس اتحاد الكتّاب البولندين، زيموفيت فيديتسكي من الحصول على نسخة من رواية "دكتور زيفا غو" لنشر ترجمتها البولتدية في مجلة "اوبينين" الأدبية التي كان الإتحاد يتهيأ لإصدارها قريباً. وبحث باسترناك أيضاً إمكانية نشر الترجمة الجيكية للرواية.

في مايو 1956، قدم باسترناك نسخة من "دكتور زيفاغو" للصحافي الإيطالي سيرجيو أنجيلو، الذي وصل بناء على طلب دار نشر فيلترينيللي إلى بلدة بيرديلكينا مع زميله في إذاعة موسكو ف. فلاديميرسكي. وقالا لباسترناك: "إذا كانت الرواية ستنشر في موسكو، فلماذا لا نسرع في اتخاذ قرار بشأن نشرها في دول أخرى؟ ".


وأكد باسترناك أكثر من مرة، أن بعض نسخ الرواية، كانت تنتقل علانية بين أصدقائه الأدباء، وأن كانت ثمة شكوك حول ردود فعل المجلات السوفيتية، التي تماطلت على نحو مثير للريبة في نشر الرواية، وأفصح باسترناك عن هذا الأمر صراحةً لانجيلو، ملمحاً إلى المخاطر التي سيواجهها إذا رفضت المجلات السوفيتية نشر روايته. وقال لأنجليو مودعاً: "سأدعوك إلى عملية إعدامي ."

في سبتمبر/أيلول 1956، أرسل باسترناك الرواية إلى إنجلترا، وفي فبراير/شباط 1957، إلى فرنسا. وأثار ذلك، قلق قسم الثقافة في اللجنة المركزية للحزب الحاكم، والذي حاول بشتى الطرق عرقلة نشر الرواية في البلدين، واصفا رواية باسترناك بأنها "معادية للسوفيت". وصدر توجيه حزبي إلى مجلة "نوفي مير" برفض نشرها، بذريعة عدم إدراك المؤلف لدور ثورة أكتوبر ومشاركة المثقفين فيها .

باسترناك يتصدر لوائح الترشيح لجائزة نوبل من جديد
في 31 يناير/كانون الثاني عام 1957، تكررالأمر نفسه، حيث، اقترح عضو آخر في الأكاديمية السويدية، وهو الشاعر السويدي هاري مارتينسون، ترشيح باسترناك للجائزة. وكان هذا الشاعر قد التقى باسترناك عام 1934 في موسكو في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتّاب السوفييت.

وذكر لويس مارتينيز مترجم دكتور زيفاغو إلى الفرنسية، أنه عندما كان يعيش مع البير كامو في قرية صغيرة، يقوم بإطلاعه على فصول الرواية المترجمة أولا باول. وفي 8 فبراير/شباط عندما اكتملت ترجمة الرواية ناقش مع كامو إمكانية ترشيح باسترناك لجائزة نوبل. وقام بريس لويس من دار نشر غاليمار بتشجيع كامو على ترشيح باسترناك للجائزة، وأن ذلك سيكون أفضل حماية يقدمها الغرب إلى الشاعر المضطهد .

وقد وصف البير كامو – في الخطاب الذي ألقاه في حفل استلام جائزة نوبل في الأدب لعام 1957 – باسترناك بالشاعر العظيم، وأنه مثال الشجاعة والشرف، وأن الفن في بعض البلدان مسألة خطرة وعمل بطولي .

في عام 1958، تم ترشيح باسترناك للجائزة من قبل خمسة أساتذة أكاديميين في آن واحد: إرنست سيمونز (جامعة كولومبيا)، هاري ليفين، ريناتو بوجيولي، رومان جاكوبسون (جامعة هارفارد) وديمتري أوبولينسكي (جامعة أكسفورد). وأخيرا وقعت اختيار لجنة نوبل على بوريس باسترناك، وكان ضمن المرشحين الأقوياء في هذا العام (ازرا باوند، البرتو مورافيا) إضافة إلى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوحوف .

في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1958، أعلن أندريس أوستيرلينغ ، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، منح جائزة نوبل في الأدب لذلك العام إلى بوريس باسترناك "لإنجازاته الكبيرة في الشعر الغنائي الحديث، ومواصلته لتقاليد الرواية الملحمية الروسية العظيمة".

وفي اليوم نفسه بعث باسترناك برفية جوابية إلى أندريس أوستيرلينغ يقول فيها: "ممتن للغاية، متأثر، فخور، مندهش، مرتبك ".

توجه عدد كبير من مراسلي الصحف ووكالات الأنباء العالمية الى بلدة الكتّاب "بريديلكينا" لمقابلة باسترناك. وجاء الكاتب كورني جوكوفسكي جار باسترناك وصديقه وقدّم له التهاني الحارة لهذه المناسبة. وشرب الجميع نخب الكاتب، متمنين له المزيد من النجاح. ولكن لم يمض سوى أقل من نصف ساعة حتى ساد الوجوم وجه الكاتب الفائز بأرفع جائزة أدبية. فقد جاء أحد جيرانه، وكان من الكتّاب السوفيت المشهورين في ذلك الحين (والمنسي تماما حالياً) وهو كونستانتين فيدين، وقال لباسترناك بلهجة صارمة - دون أن يهنئه بفوزه بالجائزة – وكأنه قد ضبطه بالجرم المشهود: "من أجل تجنب العواقب الوخيمة، يجب عليك رفض الجائزة طوعاً، وأن بوليكاربوف (مسؤول القسم الثقافي في اللجنة المركزية للحزب) موجود الآن في منزلي ينتظر جوابك". ولكن باسترناك رفض الحديث مع فيدين، ولم يذهب معه لمقابلة بوليكاربوف .

وفي مساء اليوم نفسه أسرع بعض الطلاب الدارسين في معهد الأدب العالمي في موسكو – من عشاق شعر باسترناك – إلى إبلاغه بأن إدارة المعهد تعد تظاهرة معادية له تخرج غدا وترفع شعارات تطالب بطرده من الاتحاد السوفيتي، ورسوم كاريكاتيرية تسخر منه. وقد أبلغتهم إدارة المعهد، أن من يتخلف عن الحضور سيجري فصله من المعهد على الفور. وعلى جميع الطلبة التوقيع على رسالة موجهة إلى الصحيفة الأدبية "ليتراتورنايا غازيتا" - وهي أهم صحيفة أدبية مركزية في البلاد - تتضمن إستنكار الطلاب للعمل (المشين) الذي قام به باسترناك. معظم الطلبة اختبأوا في دورات المياه، ولم يذهب إلى التظاهرة إلا حوالي مائة طالب أي اقل من ربع العدد الاجمالي لطلبة المعهد. وكان الشعار الرئيسي للتظاهرة: "نطالب بطرد يهوذا باسترناك من البلاد ".

وفي يوم السبت، 25 أكتوبر/تشرين الأول صدرت "الصحيفة الأدبية"، وتصدرها مقال افتتاحي طويل، ورسالة من أعضاء هيئة التحرير وعشرات الرسائل الغاضبة، التي زعمت الصحيفة أنها تلقتها من أنحاء الإتحاد السوفيتي. وهي كلها تندد بباسترناك، وتصفه بأشنع النعوت (خائن الوطن، عميل الغرب، عدو الشعب الروسي، إنسان تافه، كاتب شرير) وما إلى ذلك من أوصاف وشتائم تزخر بها اللغة الروسية أكثر من أي لغة أخرى في العالم.

وفي اليوم التالي أعادت كل الصحف السوفيتية نشر ما جاء في "الصحيفة الأدبية" من مواد معادية لباسترناك. ومن حسن الحظ أن باسترناك لم يكن يقرأ الصحف في تلك الأيام، ولم يطلع على ما نشرته من مقالات تحريضية بحقه .

في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1958 تقرر عقد اجتماع موسع للكتّاب السوفيت في مبنى نادي السينما حضره أبرز الكتاب السوفيت المعروفين، وذلك للنظر في قضية باسترناك. كان كل شيء معدا على نحو دقيق: من يتحدث في الاجتماع؟ وماذا يقول في إطار إدانة باسترناك. وقد وجهت الدعوة إلى باسترناك نفسه لحضور الاجتماع، ولكنه علم أن الغرض من عقده هو إصدار قرار بفصله من اتحاد الكتاب. وهذا يعني حرمانه من السكن في منزله الذي تعود ملكيته إلى الاتحاد، ومنعه من النشر، وحظر كتبه، أي قطع مورد رزقه، حيث كان يعيش هو وعائلته على ما يستلمه من مكافآت لقاء أعماله .

في الصباح الباكر لذلك اليوم غادر باسترناك منزله الريفي، وتوجه إلى موسكو للتشاور مع ملهمته اولغا ايفينسكايا، وصديق مقرب منهما هو الأديب والعالم الفيلولوجي فيجيسلاف ايفانوف، حول اجتماع اتحاد الكتاب، وهل ينبغي لباسترناك حضور هذا (الاجتماع – المحاكمة) وتعريض نفسه إلى سيل من الاتهامات والإهانات والتهديدات، أم الامتناع عن الحضور؟ وكان ايفانوف أول من قال إنه لا يجوز حضور باسترناك هذه المحاكمة الأدبية بأي حال من الأحوال. وكان هذا رأي ايفينسكايا أيضاً.

وافق باسترناك على هذا الرأي وتوجه إلى غرفة أخرى في الشقة ليكتب رسالة إلى سكرتير اتحاد الكتّاب السوفيت كونستانتين فورونكوف. وبعد فترة وجيزة خرج باسترناك من الغرفة وبيده رسالة موجهة إلى اتحاد الكتاب السوفيت، وطلب من ايفانوف الاتصال هاتفيا بفورونكوف لإبلاغه بأن باسترناك مريض ولن يحضر الاجتماع، وأنه قد كتب رسالة إلى الاتحاد سيتم إيصالها إليه في الحال.

وجاء في الرسالة: "تلقيت دعوتكم وكنت عازما على الحضور، ولكنني عرفت أنه ستكون هناك تظاهرة شنيعة لذا أرفض الحضور، ولن يجبرني أي شيء على رفض شرف أن أكون الفائز بجائزة نوبل، لكنني مستعد أن اتبرع بمبلغ الجائزة إلى مجلس السلم العالمي. إنني لا أتوقع منكم عدلاً. يمكنكم إعدامي، أو إبعادي إلى الخارج، أو اتخاذ أي إجراء آخر بحقي. ولكن من فضلكم لا تتسرعوا. لأن ذلك لن يضيف إليكم لا سعادةً، ولا مجداً". وقام ايفانوف بإيصال الرسالة إلى الاتحاد قبل بدأ الاجتماع .

تحدّث في الاجتماع عدد كبير من الأسماء المشهورة في عالم الفن والأدب، واتهموا باسترناك بأسوأ الخطايا البشرية، وبين من اتهموا باسترناك أصدقاؤه بالأمس، والذي حز في نفس الشاعر كثيرا. وقد برر هؤلاء، في ما بعد، موقفهم المتخاذل هذا بأن الامتناع عن انتقاد باسترناك، كان يعني فصلهم من عضوية اتحاد الكتّاب السوفيت، أو حتى اعتقالهم بتهمة التضامن مع كاتب مغضوب عليه من قبل السلطة، لذا لم يجرؤ أي كاتب على التصويت ضد قرار الفصل. الكاتب الوحيد الذي رفض حضور الاجتماع هو ايليا ايرنبورغ. ففي تلك الأيام، وكلما اتصل به أحد، أسرع ايرنبورغ بنفسه للرد فائلا:

"ايليا غريغوريفيتش خارج البيت ولن يعود قريبا"ـ ثم يغلق الهاتف. كان هذا موقفا جريئا للغاية في ذلك الوقت.
أنا لم قرأها، ولكنني أدينها
في اليوم التالي 28 أكتوبر/تشرين الأول 1958 ظهرت "الجريدة الأدبية" وعلى صدر صفحتها الأولى مانشيت ضخم: "تصرف عضو اتحاد الكتاب السوفيت بوريس باسترناك لا يتفق مع لقب الكاتب السوفيتي" وتحت المانشيت بحروف أصغر نص قرار فصل باسترناك من عضوية الاتحاد .

ثمّ عقدت اجتماعات لفروع اتحاد الكتاب في جميع أنحاء البلاد، حيث أدان الكتاب باسترناك بسبب سلوكه (الغادر) الذي وضعه خارج الأدب السوفيتي وخارج المجتمع السوفيتي، رغم أن أيًّا منهم لم يقرأ رواية "دكتور زيفاغو."
وجرت اجتماعات الاتهام والإدانة في أماكن العمل: في المصانع والمزارع، والإدارات الحكومية، والمنظمات الجماهيرية، والمعاهد والجامعات، تم خلالها رفع رسالة باسم الحاضرين موجهة إلى الجهات العليا تطالب بمعاقبة الشاعر. وكان المثقفون يسخرون من هذه الحملة بترديد عبارة تقول: "أنا ألم قرأها، ولكنني أدينها ".

وإزاء هذه الحملة الشرسة والتهديد بطرده إلى خارج البلاد وإسقاط الجنسية السوفيتية عنه اضطر باسترناك – وهو الذي كان يعتبر نفيه إلى الخارج أسوأ من الموت - إلى رفض الجائزة، وأبرق إلى الأكاديمية السويدية قائلاً: "أراني مضطراً إلى رفض الجائزة التي منحت لي بسبب المعنى الذي فهم من هذا المنح في المجتمع الذي أعيش فيه، أرجو ألا تحملوا رفضي على ملمح سيء . "

ثمّ أسرع باسترناك إلى مقابلة اولغا ايفينسكايا، وهو يحمل في جيبه قارورة تحوي كمية من مادة "سيانيد البوتاسيوم" تكفي لقتل شخصين، واقترح عليها الانتحار معا، وأن هذا سيكون أبلغ رد على القرار المجحف لاتحاد الكتّاب، ولكن اولغا – وهي لارا بطلة رواية "دكتور زيفاغو" - عارضت ذلك بشدة، قائلة إن ذلك يعد هروبا لا يليق به. واستطاعت إقناعه بوجهة نظرها.

ونجد اليوم العديد من الباحثين المتخصصين في إبداع باسترناك يثنون عليها، لأنها أنقذت شاعرا عظيما من موت محقق. حدث كل هذا في أوج ما يسمى بفترة ذوبان الجليد ومحاربة عبادة الفرد، إلا أن أساليب الأمن السري في تجنيد المخبرين للتجسس على المواطنين السوفيت وخاصة المثقفين منهم لم تتغير. كان قسطنطين فيدين – كما أسلفنا - كاتبا شهيرا وجارا لباسترناك في "بريديلكينا"، ولكن هذا لم يمنعه من رفع تقرير سري إلى جهاز الأمن السري حول نية باسترناك الانتحار، مما سيؤدي إلى إثارة ضجة في الغرب وإلحاق ضرر كبير بسمعة الاتحاد السوفيتي في الخارج .

ورغم فصل باسترناك من اتحاد الكتّاب السوفيت، إلا أنه ظل عضوا في صندوق التكافل التابع للاتحاد. وعلى الفور أرسل جهاز الأمن السري طبيبة متخصصة بمعالجة حالات التسمم مع كمية من الأدوية إلى منزل باسترناك، وزعمت الطبيبة أنها جاءت بناء على تكليف صندوق التكافل للاعتناء بصحة باسترناك. وقد صدّق الشاعر كلام الطبيبة، لأنه سبق له إبلاغ قيادة الاتحاد بأنه مريض .

شغلت الطبيبة غرفة صغيرة في المنزل، ونشأت شكوك قوية لدى أفراد عائلة باسترناك حول المهمة الحقيقية للطبيبة، وهي منع الشاعر من الانتحار وإسعافه عند الحاجة، وكذلك مراقبة ما يدور من أحاديث داخل المنزل، وربما كانت تحمل معها جهاز تسجيل .

وكان عدد من رجال الأمن السري بملابس مدنية يحيطون بالمنزل ويراقبون كل صغيرة وكبيرة وخاصة من يتردد على الشاعر من الأدباء والأصدقاء.

تشير الوثائق المنشورة في روسيا مؤخرا إلى أن باسترناك كان في خضم هذه الأحداث ضحية الصراع الداخلي في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي. فقد كان الحرس القديم في الحزب يحاول حرف خروتشوف بعيداً عن النهج الليبرالي. وبإيعاز من منظر الحزب ميخائيل سوسلوف - عضو المكتب السياسي - أعد القسم الأيديولوجي تقريرا من 35 صفحة تتضمن اقتباسات معادية للثورة من رواية "دكتور زيفاغو" تم اختيارها بمهارة، وقد تم تقديم هذا التقرير إلى أعضاء المكتب السياسي للحزب. كما نجحوا في تنظيم حملة إعلامية صاخبة تحت مسمى "السخط الشعبي" على الرواية ومؤلفها، مع أن أحدا سواء داخل الحزب أو خارجه لم يقرأ الرواية.

وعلى هذا النحو تم جعل باسترناك وروايته لعبة سياسية داخل البلاد وخارجها. كان الغرب أكثر ذكاءً من النظام السوفيتي، لأنه بدا أكثر انسانية كمدافع عن الشاعر المضطهد. أما النظام الذي حظر الرواية فقد كان أشبه بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى. ولكن البيروقراطية الحزبية لم تهتم بما تبدو عليه البلاد في نظر الرأي العام العالمي، فقد كانت بأمس الحاجة إلى البقاء في السلطة. وكان هذا ممكنا مع الاختلاق المستمر لأعداء السلطة السوفيتية .

بينما كان باسترناك هدفا لحملة شرسة وواسعه تستهدف النيل منه وتشويه سمعته تمهيدا لإسقاط الجنسية السوفيتية عنه ونفيه إلى خارج البلاد، كان أبرز الأدباء في العالم يشيدون به وبمنجزه الإبداعي وشجاعته، بينهم عدد كبير من الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب (برتراند راسل، فرانسوا مورياك، ألبير كامو، اندريه موروا، جون شتاينبك، بيرل باك، بابلو نيرودا، توماس إليوت) ومئات الكتّاب والشعراء والفلاسفة المعروفين الآخرين، منهم (سومرست موم، غراهام جرين، ألدوس هكسلي، جارلز سنو، هوارد فاست).

وقد انضم لحملة الدفاع عن باسترناك رئيس الوزراء الهندي، جواهر لال نهرو، حيث اتصل هاتفيا بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف طالبا منه إيقاف الحملة على باسترناك وعدم إسقاط الجنسية السوفيتية عنه، كما كلّف السفير الهندي في موسكو بالاتصال بالسلطات السوفيتية وإبلاغها، أن الحملة على باسترناك تسيء الى سمعة الاتحاد السوفيتي. وكان لموقف الزعيم الهندي – الذي كان يحظى بإحترام كبير لدى خروتشوف - الأثر الحاسم في تخلي النظام السوفيتي عن فكرة طرد باسترناك إلى خارج البلاد .


بعد ثلاثين عاما من الحظر، نشرت رواية "دكتور زيفاغو" عام 1988 في أهم مجلة أدبية روسية وهي مجلة "نوفي مير – العالم الجديد"، مما سمح للجنة نوبل بأن تعتبر رفض باسترناك للجائزة قسريا وباطلاً. وفي صيف ذلك العام أرسلت أكاديمية العلوم السويدية دبلوم جائزة بوريس باسترناك إلى موسكو عن طريق الشاعر اندريه فوزنيسينسكي - الذي كان مدعوا إلى السويد لإلقاء قصائده أمام عشاق الأدب - كما تم تسليم الميدالية إلى الابن الأكبر لباسترناك، يفغيني باسترناك، في احتفال مهيب جرى في ستوكهولم عام 1988.

واليوم يحتل باسترناك مكانة رفيعة في الأدب الروسي، حيث تصدر طبعات جديدة من مؤلفاته الكاملة، وتقام له تماثيل، وتنشأ متاحف في الأماكن التي عاش فيها، وتنشر عشرات الكتب عن سيرته الحياتية والإبداعية، وعن ذكريات المقربين منه، وثمة عشرات الباحثين المتخصصين في أدب باسترناك في الجامعات الروسية.

لقد عاد الشاعر العظيم إلى القاريء الروسي مكللا بالمجد الأدبي والأخلاقي، ومثالا للصمود أمام عواصف الزمن الرديء .

جودت هوشيار